
بقلم: ماتياس سبيكتور
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
تمنح الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي انطلق جولتها الأولى في 4 تشرين الأول المواطنين فرصة للاختيار بين رؤيتين مختلفتين جذرياً للسياسة، ويسعى لويس إيناسيو لولا دا سيلفا المعروف باسم لولا والذي يمثل التيار اليساري في أميركا اللاتينية إلى الفوز بولاية رئاسية رابعة في مواجهة فلافيو بولسونارو نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو المنتمي إلى اليمين المتشدد والذي حُكم عليه بالسجن 27 عاماً لمحاولته قلب نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة، كما تمثل الانتخابات منافسة حول الكيفية التي ينبغي للبرازيل أن تدير بها سياستها الخارجية إذ يشدد لولا على الاستقلالية الاستراتيجية بما في ذلك من خلال توطيد العلاقات مع الصين وشركاء آخرين في حين يفضل فلافيو بولسونارو إقامة تحالف وثيق مع إدارة ترامب في الولايات المتحدة. وما يجمع بين المرشحين هو افتراض أن البرازيل لا تزال تتمتع بحرية اختيار استراتيجيتها في السياسة الخارجية، فمن شأن موارد البرازيل الهائلة وبُعدها عن مناطق الصراع النشطة وتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها أن تضعها في موقع جيد يمكنها من التعامل مع الاضطرابات العالمية الراهنة والتنافس بين القوى الكبرى والتفاوض بفاعلية من أجل تحقيق مصالحها، لكن رغم هذه المقومات الجيوسياسية المهمة تفقد البرازيل نفوذها العالمي وأصبحت قدرتها على التحرك باستقلالية عرضة للخطر، فالقوى الكبرى بما فيها الصين والولايات المتحدة باتت تملك قدرة متزايدة على فرض شروط تعاملها مع البرازيل. كما أن البلاد أصبحت أكثر عزلة في أميركا الجنوبية، حيث كانت حتى وقت قريب تقود جهود إنشاء مؤسسات إقليمية مثل تكتل ميركوسور التجاري، فعلى سبيل المثال تدهورت علاقتها بالأرجنتين التي أسهمت في ترسيخ الاستقرار الإقليمي على مدى أربعة عقود، إلى حد أن أياً من البلدين لا يوجد لديه سفير في عاصمة البلد الآخر.
وتتحمل البرازيل إلى حد كبير مسؤولية تراجع نفوذها إذ يعتمد جانب كبير من نفوذ البلاد على مدى ثقة الشركاء الأجانب بأن الاتفاقات التي تبرمها اليوم ستُنفذ غداً، وتستند هذه المصداقية بدورها إلى قدرة الدولة على الالتزام بتعهداتها أي قدرتها على حشد الموارد اللازمة للوفاء بوعودها وتنسيق عمل المؤسسات العامة بفاعلية وضمان استمرار الاتفاقات التي تبرمها رغم تعاقب الحكومات عبر العملية الديمقراطية، وقد جعلت مجموعة من المشكلات الداخلية من بينها القيود المالية المتزايدة ونظام سياسي منقسم على نفسه وانتشار الفساد من الصعب على الدولة الوفاء بالتزاماتها، وقد طالت فضيحة كبرى الآن المحكمة العليا وهي مؤسسة يُفترض أن تفرض القواعد بصورة محايدة ومن ثم فإنها تعد أساسية لضمان استمرارية التزامات البرازيل، كما فاقمت إدارة ترامب مواطن الضعف التي تعانيها البلاد من خلال تدخلها العلني في السياسة الداخلية البرازيلية الأمر الذي جعل أي اتفاق مثاراً للجدل والاستقطاب الحزبي وزاد من احتمال أن تسعى الإدارات المقبلة في كل من برازيليا وواشنطن إلى التراجع عنه.

وأياً يكن الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة فسيرث مصادر الضعف هذه، وحتى الآن لم يقدم أي من المرشحين خطة واضحة لمعالجتها فلا التحول نحو واشنطن ولا تبني الدبلوماسية متعددة الأطراف، سيعالج المشكلة الأعمق التي تقوض استقلالية السياسة الخارجية البرازيلية وتحول دون تحويل مقومات القوة التي تمتلكها البلاد إلى قوة حقيقية.
انفلات الأوضاع
لم تكن البرازيل تعاني دائماً صعوبة في ترسيخ مصداقيتها على الساحة الدولية ففي تسعينيات القرن الماضي أسهمت خطة الاستقرار الاقتصادي في البلاد في كبح جماح التضخم الجامح وعمل قادتها على ترسيخ الديمقراطية وتعزيزها كما وقّعت اتفاقات مع الأرجنتين بشأن التكامل الاقتصادي والضمانات النووية أسهمت في تعزيز الأمن الإقليمي، واستمرت هذه الالتزامات رغم تعاقب عدة قيادات على السلطة، وفي نظر قوى مؤثرة مثل أوروبا والولايات المتحدة كانت البرازيل آنذاك وجهة جاذبة للاستثمار وقوة صاعدة في مجال الدبلوماسية متعددة الأطراف.
أما اليوم فيبدو أمام شركاء البرازيل بلد يرزح تحت وطأة مشكلات مالية حادة وانقسامات سياسية داخلية عميقة وفساد مستشرٍ، ويقارب حجم الاقتصاد البرازيلي حجم الاقتصاد الكندي ويتجاوز حجم الاقتصاد الإسباني كما تتمتع الحكومة بقدرة كبيرة على فرض الضرائب وتحصيل الإيرادات، لكن أكثر من 90 في المئة من الإنفاق الحكومي الفيدرالي باستثناء مدفوعات الفائدة يذهب إلى نفقات إلزامية مما يترك للحكومة هامشاً محدوداً للإنفاق التقديري في مجالات مثل البنية التحتية التي تحتاج إليها البلاد بشدة للاستفادة من احتياطياتها الهائلة من المعادن الحيوية، وفي الوقت نفسه توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ الدين الحكومي البرازيلي نحو 98 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية عام 2026 ومع بلوغ أسعار الفائدة الحقيقية نحو 10 في المئة أصبحت خدمة هذا الدين باهظة التكلفة إلى حد كبير إذ تستنزف موارد كان يمكن توجيهها إلى تعزيز قوات الأمن أو تمويل أولويات استراتيجية أخرى. وتجعل القيود المالية التي تواجهها البلاد من الصعب كبح التوسع العابر للحدود للعصابات الإجرامية المحلية وهو إخفاق يجبر دولاً أخرى على التعامل مع المشكلات الناجمة عن البرازيل ويقوض بدرجة أكبر مصداقيتها بوصفها شريكاً، فالسلطات البرازيلية لا تملك ما يكفي من الموارد لمواكبة الشبكات الإجرامية الواسعة التي تدير أكثر من 1500 مدرج جوي سري في حوض نهر الأمازون وتنقل المخدرات والذهب والأسلحة وسلعاً أخرى بصورة غير قانونية عبر الحدود بين البرازيل وجيرانها العشرة وتستغل سواحل البلاد الممتدة لنحو 5000 ميل والتي يسهل اختراقها، ومع اشتداد الضغوط على المالية العامة في البرازيل يتطور هذا التهديد بوتيرة تفوق بكثير قدرة الدولة على توجيه الموارد اللازمة لمكافحته.
وتواجه البرازيل أيضاً صعوبة في تنسيق عمل أجهزتها الحكومية، فهذه الأجهزة تضم مسؤولين يتمتعون بمهنية عالية ويتعين عليهم اجتياز اختبارات للالتحاق بالخدمة العامة غير أن الأجهزة نفسها تتنافس على الصلاحيات والموارد مما يدفعها إلى صراع حاد فيما بينها وإلى تقويض جهود بعضها بعضاً، فعلى سبيل المثال تتوزع مسؤولية السياسة الأمنية بين الشرطة الفيدرالية وشرطة الطرق السريعة وجهاز استخبارات وقوات الشرطة العسكرية والمدنية في الولايات البرازيلية الست والعشرين وفي المقاطعة الفيدرالية التي تضم العاصمة برازيليا والقوات المسلحة ودائرة الإيرادات الفيدرالية ومدعين عامين مستقلين على المستويين الفيدرالي ومستوى الولايات. وقد فشلت محاولات تنسيق عمل هذه الأجهزة تحت سلطة مركزية لمكافحة الجريمة المنظمة في الكونغرس حيث عارضت الجمعيات المهنية التي تمثل تلك الأجهزة أي إجراءات من شأنها الحد من نفوذها، ونتيجة لذلك لا توجد سلطة واحدة قادرة على تحديد الأولويات أو حشد الموارد بسرعة، فيما تكاثرت التنظيمات الإجرامية في الثغرات الناجمة عن تداخل الصلاحيات داخل الجهاز البيروقراطي.
ويعرقل هذا التفتت الداخلي في البرازيل التعاون الدولي أيضاً، فمختلف الأجهزة تدّعي صلاحيات متداخلة ولا تنسق فيما بينها عند تنفيذ أولوياتها مما يجعل من الصعب على الدولة أن تتصرف بوصفها كياناً موحداً، وحتى مع دول مجاورة مثل باراغواي وأوروغواي حيث توسعت الشبكات الإجرامية البرازيلية والتي تفتقر إلى الموارد اللازمة لمكافحتها بمفردها لم تتمكن البرازيل من إيجاد سبل لبناء آليات مستدامة لتبادل المعلومات الاستخبارية، وتنفيذ العمليات المشتركة وتنسيق إجراءات إنفاذ القانون.
ومع فقدان البرازيل قدرتها على السيطرة على أجندتها الأمنية باتت القرارات المتعلقة بكيفية التعامل مع العصابات الإجرامية التي تنشط انطلاقاً من أراضيها تُتخذ بصورة متزايدة خارج البلاد، فقد صنفت إدارة ترامب “القيادة الأولى للعاصمة” و”الكوماندو الأحمر” وهما أبرز منظمتين إجراميتين في البرازيل على أنهما جماعتان إرهابيتان مما منح الولايات المتحدة أدوات مالية وقانونية جديدة لمكافحتهما، كما انضمت عدة حكومات في أميركا اللاتينية إلى واشنطن في سياستها لمكافحة عصابات المخدرات، ونتيجة لذلك تتحول البرازيل بصورة متزايدة إلى موضوع للسياسات الأمنية التي تضعها دول أخرى بدلاً من أن تكون هي صاحبة القرار في رسم سياستها الأمنية.
ملاحظات حول فضيحة
على الرغم من أن الفساد لطالما ألقى بظلاله على بعض أكثر مشروعات السياسة الخارجية البرازيلية طموحًا فإن الفضائح العلنية الأخيرة وجهت ضربة إلى سمعة البلاد، فقد أدت فضائح كبرى طالت شركة النفط الحكومية “بتروبراس” وشركات الإنشاءات العملاقة التي موّلها بنك التنمية الوطني البرازيلي إلى الإطاحة بصفقات كبيرة أبرمتها البرازيل في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية، وأسهمت هذه الفضائح التي شملت رشى وعمولات ضخمة على مشروعات في أنحاء القارة في اندلاع أزمة سياسية أدت في عام 2016 إلى إنهاء رئاسة ديلما روسيف وفي عام 2018 إلى سجن لولا وقد أُبطلت لاحقاً الأحكام الصادرة بحقه، وفي وقت لاحق من عام 2018 غذّت هذه الفضائح موجة رفض للمؤسسة السياسية أوصلت جايير بولسونارو إلى السلطة وخرج القضاة والمدعون العامون الذين كشفوا عن الفساد وحققوا فيه من تلك المرحلة وهم يتمتعون بنفوذ سياسي استثنائي إذ قدموا أنفسهم بوصفهم جهة رقابية على طبقة سياسية أخفقت في أداء واجبها تجاه الشعب البرازيلي.
لكن ابتداءً من أواخر عام 2025 بدأ الرأي العام يكتشف مدى تورط أجزاء من السلطة القضائية في الفساد، ويُتهم مالك بنك “ماستر” الذي كان يقدم أسعار فائدة أعلى من أسعار السوق بتقديم مدفوعات جانبية وعقود مربحة لأسر قضاة في المحكمة العليا فضلاً عن إتاحة طائراته الخاصة للقضاة لاستخدامها في رحلات شخصية، وأصبحت محكمة تستمد جزءاً من سلطتها من قدرتها على الوقوف في وجه الحكومات المنتخبة موضع شبهات مما يثير تساؤلات حول قدرتها على محاسبة الإدارة المقبلة.
وقد طغت الفضيحة على الانتخابات المقبلة ورفعت من أهمية نتائجها، ويخضع فلافيو بولسونارو نفسه للتحقيق بسبب صلات مزعومة ببنك “ماستر” وقد تعهد بمواجهة المحكمة التي أدانت والده بما في ذلك من خلال إصدار عفو عنه، أما لولا فلم يُربط مباشرة بالفضيحة لكن شخصيات مقربة من حكومته دخلت دائرة التحقيق وسيتمكن الفائز في الانتخابات أياً كان من تعيين ثلاثة قضاة على الأقل من قضاة المحكمة البالغ عددهم 11 قاضياً، مما يمنحه فعلياً القدرة على إعادة تشكيل المؤسسة. وللفساد تأثير كبير على السياسة الخارجية للبرازيل فقد أدت فضائح البلاد مراراً إلى تقويض الشركات والمؤسسات التي كانت قادرة على تعزيز نفوذ البرازيل في الخارج، ففي مطلع القرن الحادي والعشرين كانت “بتروبراس” وشركات الإنشاءات الكبرى تعززان النفوذ الإقليمي للبرازيل من خلال مشروعات التنمية لكن فضائح العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قوضت نفوذهما، واليوم تفقد المحاكم التي يُفترض أن تضمن بقاء القواعد فوق الاعتبارات السياسية سلطتها، ولا يستطيع الشركاء معرفة أي اتفاقات قد تنجر إلى الفضيحة المقبلة مما يدفعهم إلى التحوط. ومن المرجح أن تسعى الحكومات والشركات التي تدرس استثمارات كبيرة وطويلة الأجل في البرازيل، في مجالات مثل المعادن الحيوية والطاقة والزراعة والبنية التحتية إلى الحصول على ضمانات استثمارية أقوى، والمطالبة بقدر أكبر من السيطرة على شروط الصفقات، أو ببساطة الاكتفاء بترتيبات أقل طموحًا وأدنى مخاطرة.
لا ملاذ أمام البرازيل
على مدى عقود عززت البرازيل مصداقية التزاماتها من خلال تقييد هامش تحركها دولياً فالالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية مثلاً جعل من الصعب على السياسيين ذوي التوجهات الحمائية في الداخل معارضة الانفتاح التجاري، كما أسهم الانضمام إلى معاهدات حقوق الإنسان في الحد من قدرة قوات الأمن على مواصلة ممارسات كالتعذيب والعنف خارج نطاق القضاء الموروثة من حقبة الحكم العسكري، كذلك عزز الالتزام بالمعايير المصرفية العالمية قدرة البنك المركزي على فرض قواعد صارمة على النظام المالي، وقد وفرت هذه القيود الخارجية للقادة وسيلة للتغلب على المعارضة الداخلية ومنحت الشركاء الأجانب ثقة أكبر في استمرارية التزامات البلاد، أما اليوم ومع تعرض القواعد العالمية لهجوم متزايد فقد تراجعت الحواجز التي كانت تحد من سعي المصالح الداخلية إلى الحصول على امتيازات في العقود الحكومية أو مزايا تنظيمية أو حماية سياسية.
وفاقمت إدارة ترامب هذه المشكلة بدرجة كبيرة فسعي واشنطن إلى التأثير في السياسة الداخلية البرازيلية رفع تكلفة مخالفة التفضيلات الأميركية، وإذا تمكنت الولايات المتحدة من دفع برازيليا إلى التراجع عن تعهداتها السابقة فقد تتحسن مكانتها في واشنطن لكن ذلك سيقوض ثقة شركائها الآخرين بها، وينطبق الأمر في الاتجاه المعاكس أيضاً: فإذا أصبحت العلاقات بين البلدين قائمة على ترتيبات تجعلها واشنطن مشروطة بالنتائج السياسية أو بالعلاقات الشخصية، فقد تعتبرها الإدارات الأميركية المقبلة ترتيبات حزبية وتسعى إلى إلغائها أو تعديلها. وفي الوقت نفسه ازداد التنافس بين القوى الكبرى اقتراباً من منطق المحصلة الصفرية فأصبحت كل شراكة للبرازيل موضع تدقيق مستمر، وسواء تعلق الأمر باختيار الدولة التي ستتولى تزويدها بشبكات الجيل الخامس أو الدولة التي ستوفر التكنولوجيا التي ستقوم عليها بنيتها التحتية الناشئة للذكاء الاصطناعي يحتاج الشركاء إلى الاطمئنان إلى أن برازيليا ستفي بالتزاماتها حتى تحت ضغط قوة منافسة، وكلما تراجعت الثقة بها ضاق هامش المناورة المتاح لها للحفاظ على علاقات وثيقة مع قوى متنافسة في آن واحد.
ويبرز ذلك بوضوح في التنافس على المعادن الحيوية، فالبرازيل تهيمن على الإنتاج العالمي من النيوبيوم المستخدم في إنتاج الفولاذ عالي المتانة وتمتلك احتياطيات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة بينما تهيمن الصين على معالجة هذه العناصر، وتسعى الولايات المتحدة القلقة من هذه الهيمنة إلى إعادة توجيه سلاسل الإمداد بعيداً عن الشركات الخاضعة للسيطرة الصينية، وقد بدأت الشركات المنتجة بالفعل تواجه ضغوطاً نتيجة هذا التنافس. فقد أعلنت شركة “فيريديس للتعدين والمعادن” وهي شركة أسترالية تطور مشروع “كولوسوس” للعناصر الأرضية النادرة في ولاية ميناس جيرايس، أنها تعتزم البيع حصريًا إلى مشترين أميركيين وأوروبيين رغم الاهتمام الصيني. وفي المقابل تستحوذ الصين على نحو 30 في المئة من إجمالي صادرات البرازيل، وأصبحت مستثمراً رئيسياً في قطاعات الكهرباء والتعدين والسيارات والنفط وغيرها من القطاعات الاستراتيجية، ومن ثم تحتاج البلاد إلى طمأنة أطراف متعددة وهو ما يزداد صعوبة حين تعتقد كل من الولايات المتحدة والصين أن برازيليا قد ترضخ لضغوط الطرف الآخر.
وقد يؤدي تراجع الثقة أيضاً إلى عزوف الشركاء المحتملين وهذا ما حدث من قبل عندما أعادت البرازيل بعد اكتشاف مكامن النفط البحرية صياغة القواعد المنظمة لأثمن حقولها بما عزز صلاحيات الحكومة الفيدرالية، وعندما طرحت في عام 2013 حقوق تطوير حقل ليبرا النفطي الضخم في مزاد لم يقدم عرضاً قابلاً للتنفيذ سوى ائتلاف واحد واقتصر عرضه على الحد الأدنى المسموح به بموجب الشروط المعدلة، وكانت الحكومة تتوقع تحقيق إيرادات أكبر من أصولها التي ازدادت قيمتها لكن التغيير المفاجئ في قواعد اللعبة أفقد البلاد القدرة على تحديد شروط الصفقة الجديدة.
المصداقية على أرض الواقع
تمتلك دول مثل البرازيل وسائل متعددة لإضفاء المصداقية على التزاماتها ففي الدول العربية الخليجية مثلاً تتمثل معالجة فجوة المصداقية في تركيز السلطة، إذ يثق الشركاء الأجانب بقدرة هذه الدول على تنفيذ التزاماتها في أي اتفاق لأن السلطة السياسية متمركزة بما يكفي لتمكين القادة من ضمان التزام أجهزة الدولة بتنفيذ ما يُتفق عليه، أما الديمقراطيات الراسخة فتعتمد في المقابل على مؤسسات مستقلة عن الاعتبارات الشخصية، تحمي تعهدات الدولة من التدخل السياسي اليومي وعلى موازنات كافية لتمكين تلك المؤسسات من الوفاء بالتزاماتها. ولا تتمتع البرازيل لا بسلطة مركزة على غرار الأنظمة السلطوية، ولا بمؤسسات ديمقراطية قوية بما يكفي للاضطلاع بالدور نفسه، ولذلك تواجه صعوبة في تقديم ضمانات حكومية موثوقة فيما تحد أوضاعها المالية من الموارد المتاحة للوفاء بهذه الضمانات.
ويطرح المرشحان الرئاسيان حلين مختلفين لاستعادة المصداقية إذ يريد فلافيو بولسونارو استمداد المصداقية من واشنطن عبر تعزيز الاصطفاف مع الولايات المتحدة بما في ذلك الانفتاح بصورة أكبر على الخطط الأميركية المتعلقة بالمعادن الحيوية والتي تدعو إلى إبقاء سلاسل الإمداد خارج نطاق السيطرة الصينية، وقد يطمئن ذلك إدارة ترامب لكنه سيثير قلق بكين ويجعل البرازيل تحت رحمة داعم واحد تنتهج سياسته الخارجية نهجًا شديد التعاملية، وقد يتيح الاتفاق على شروط تستبعد الصين وغيرها إبرام مزيد من الصفقات مع الولايات المتحدة لكنه سيأتي بكلفة أعلى، إذ سيجعل البرازيل شريكاً أقل مصداقية في نظر القوى الكبرى الأخرى بوصفها دولة مستقلة في قراراتها.
أما لولا فيقترح الحفاظ على استقلالية البرازيل من خلال تعزيز العلاقات مع جميع القوى الكبرى في آن واحد والانخراط في الدبلوماسية متعددة الأطراف إلى أقصى حد ممكن، ومن شأن ذلك أن يحول دون اعتماد البلاد على واشنطن وحدها لكنه سيفرض عبئاً أكبر على مؤسسات البرازيل المثقلة أصلاً من خلال زيادة عدد العلاقات التي يتعين عليها الحفاظ عليها والاستثمار فيها، ولا تنجح هذه الاستراتيجية إلا إذا وثق الشركاء المختلفون بقدرة البرازيل على الوفاء بالتزامات متعددة في الوقت نفسه، حتى عندما تدفعها قوى مختلفة في اتجاهات متباينة. ولا تقدم أي من الاستراتيجيتين الكثير لاستعادة مصداقية البرازيل لأن أياً منهما لا يعيد بناء القدرات التي تستند إليها تلك المصداقية، وقد تتمكن البلاد من إيجاد بعض السبل للتعاون مع شركائها في الخارج لكنها لن تفعل ذلك إلا بتكلفة أعلى وينشأ عن ذلك حلقة مفرغة تترك كل ترتيبات جديدة البرازيل بهامش أقل للمناورة وتجعل إبرام الاتفاقات اللاحقة أكثر صعوبة، وتترسخ هذه الحلقة في وقت تزداد فيه قيمة الموارد والصادرات والاستثمارات البرازيلية بالنسبة إلى بقية العالم وهو الوقت الذي كان يفترض أن يتعاظم فيه نفوذ البلاد التفاوضي لا أن يتراجع.ولن تكسر الانتخابات التي بدأت في 4 تشرين الأول والجولة الثانية المرجحة بعد ثلاثة أسابيع بين المرشحين اللذين يحصدان أعلى عدد من الأصوات هذه الحلقة بمفردها، فكسرها يتطلب جهداً طويل الأمد لضمان امتلاك البرازيل التمويل والتماسك والمؤسسات الموثوقة اللازمة لإبرام اتفاقات طموحة وضمان استمرارها، وما سيقرره الناخبون بدلاً من ذلك هو كيفية إدارة البرازيل لفجوة المصداقية التي تعانيها، وما إذا كان بإمكانها الشروع في عملية طويلة لسدها.




