الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
لماذا تميل الأنظمة الديكتاتورية إلى التعاون مع الإسلام الصوفي؟

بقلم: د. ساعود جمال ساعود
جامعة دمشق/ كلية العلوم السياسية
ما تزال علاقة الجماعات الإسلامية على مختلف مشابها وطرائقها الفقهية والتعبدية بالأنظمة السياسية موضع إشكال وبحث وسط ما يسود هذه العلاقة من تداخل وتشابك، تتطلب من الباحثين الدقة في التوصيف أولاً والفرز الدقيق لحالات الإسلام الصوفي وفق السياقات المكانية والزمانية والسياسية والاجتماعية التي نشطت بها، وهذا ما يحتم الاستعانة بقوة الضبط المفاهيمي كمقدمة منطقية لما سيترتب عليها لاحقاً.
وبدون إسهاب بالشروحات، يعرف الإسلام الصوفي بأنّه تيار روحي له مدارس وطرق متعددة مثل القادرية والنقشبندية والتيجانية والسنوسية، ولا يُعدّ مذهباً فقهياً مستقلاً يمكن أن يتواجد داخل المذاهب السنية والشيعية، أما خصومه فيرون فيه أحياناً بدعة أو انحرافاً عن الإسلام الأصلي.
وبالخوض في تفسير مواقف الإسلام الصوفي، فنحن مجبرين بتوضيح موقفه من العمل السياسي أولاً ثم من السلطة السياسية ثانياً وفق ما يلي:
أولاً: الموقف من العمل السياسي: يتميز الموقف الصوفي من العمل السياسي بالتباين وذلك تبعاً لعاملي: الطريقة والسياق. إذ أن بعض الطرق الصوفية تعزف عنها وتكتفي بالإصلاح الفردي والاجتماعي، في حين بعضها الأخر ينخرط في السياسة عندما تفرض الضرورة ذلك، كما في حالات مقاومة الاستعمار ودعم الحركات الوطنية، بينما هناك طرق قادت أحزاباً سياسية أو تحالفت معها، خاصة في السنغال وماليزيا وتركيا.
ثانياً: الموقف من السلطة السياسية: تتسم علاقة الصوفية بالسلطة بكونها علاقة براغماتية ومتغيرة تتراوح بين التعاون والمواجهة والصمت، حيث يحصل التعاون مع السلطة مقابل حماية مؤسساتها وامتيازات ورموزها الصوفية بما يقدم لهم شرعية دينية واجتماعية، والبعض الأخر يُضطهد عندما تُعتبر تهديداً أمنياً، والبعض يقاوم عندما تتحول السلطة إلى احتلال أو طغيان، أما الصمت والانزواء فهو الموقف الأكثر شيوعاً، حيث تفضل كثير من الطرق “الاعتزال السياسي” للحفاظ على وحدتها وبقائها.
إذاً، خلافاً للطرح السائد في بعض الأروقة الاستخباراتية والسياسية والأحاديث المتداولة شعبياً ولدى بعض شرائح المثقفين القائل بأن:” الإسلام الصوفي يوظف من قبل الأنظمة الديكتاتورية”، فإنّ عملية مراجعة التاريخ السياسي لحركات الإسلام الصوفي من باب الملاحظة المبدئية، تثبت أنّه لا يمكن تعميم القول بأن الأنظمة السياسية خاصّة الديكتاتورية تفضّل التعاون مع التصوف الإسلامي، فهذا يعتمد على السياق السياسي والتاريخي لكل دولة، إذاً هذا ليس قاعدة ثابتة التاريخ يثبت أن هناك ثلاثة حالات:
أولاً: طرق صوفية شاركت في مقاومة الاستعمار والمعارضة السياسية مثل السنوسية في ليبيا ضد الاحتلال الإيطالي، الأمير عبد القادر الجزائري وقاد مقاومة ضد الفرنسيين.
ثانياً: أنظمة ديكتاتورية (علمانية أو غيرها) اضطهدت الصوفية مثل تركيا الكمالية، حيث ألغت الطرق الصوفية ومنعت الزوايا والأضرحة عام 1925، واعتبرت التصوف رجعية، كذلك الاتحاد السوفيتي الذي اضطهد جميع أشكال التدين بما فيها الصوفية في آسيا الوسطى والقوقاز، والنظام البعـ ـثي في العراق وسوريا ضيّقت على المؤسسات الدينية بشكل عام، بما فيها الصوفية، خاصة عندما رأى فيها تهديداً أو منافساً، والسعودية في فترات معينة التي واجهت بعض الطرق الصوفية بسبب خلافات عقائدية مع التيار السلفي الرسمي.
ثالثاً: أنظمة ديمقراطية تعاونت مع مؤسسات صوفية لأسباب انتخابية أو اجتماعية مثل ماليزيا الحكومة تتعاون مع المؤسسات الصوفية في إطار إدارة الشأن الديني، كذلك تركيا بعد 2002حيث فتح حزب العدالة والتنمية مجالاً أوسع للطرق الصوفية بعد عقود من القيود الكمالية، والمغرب النظام الملكي يستخدم التصوف كرافعة للشرعية الدينية والاجتماعية.
التصوف ليس كتلة واحدة، بل تيارات متنوعة تتفاعل مع السلطة بطرق مختلفة: بعضها يقاوم، وبعضها يُضطهد، وبعضها يتعاون، إذاً ما العامل الحاسم؟ إن العامل الحاسم غالباً هو المصلحة المتبادلة ومدى تهديد الطريقة أو النظام للآخر، وليس طبيعة النظام السياسي وحده، فالعلاقة بين السلطة والتصوف علاقة براغماتية ومتغيرة، تتحكم فيها حسابات المصالح والاستقرار أكثر من كونها تفضيلاً أيديولوجياً ثابتاً.
ولكن بالعودة إل السؤال الرئيس للمقال: لماذا تميل الأنظمة الديكتاتورية إلى التعاون مع الإسلام الصوفي؟
تفضل الأنظمة السياسية الديكتاتورية التعامل والتعاون مع التيار الصوفي مقارنة بالتيارات الإسلامية الأخرى (كالإسلام السياسي أو الحركات السلفية/الجهادية) لاعتبارات استراتيجية وسياسية محددة تتصل بطبيعة الفكر الصوفي وبنيته الهيكلية، وهذا ما نوضحه في الشرح الاتي:

أولاً: الابتعاد عن العمل السياسي المباشر وإجبار الطرق الصوفية على الانكفاء الروحي وتجنب مزاحمة السلطة السياسية، مثال احتواء النظام السوري لحركة الشيخ أحمد كفتارو (مفتي سوريا الأسبق) والطريقة النقشبندية المفرودية، حيث شجع النظام النشاط الدعوي والتزكوي الصوفي مقابل إبعاد أتباعها التام عن العمل السياسي والمطالبة بالإصلاح الهيكلي.
ثانياً: مبدأ طاعة ولي الأمر وتجنّب الخروج: تؤثر أدبيات العديد من الطرق الصوفية تقديم الاستقرار الاجتماعي وتجنب “الفتنة” على معارضة الحاكم من قبيل موقف معظم الطرق الصوفية الكبرى في مصر (مثل الطريقة الشاذلية والإدريسية) عقب الأحداث السياسية الممتدة منذ عام 2011 و2013، حيث أصدر المشايخ فتاوى وتصريحات علنية تدعو لتحريم التظاهر والترخيص للشرعية القائمة حفاظاً على أمن الدولة.
ثالثاً: إمكانية الاستيعاب الهيكلي (الاحتواء الرسمي): تتمتع الطرق الصوفية بالهرمية (شيخ ومريد)، مما يسمح للأنظمة بضبط المؤسسة الدينية عبر رأس الهرم، مثال تأسيس “المجلس الأعلى للطرق الصوفية” في مصر والمغرب، حيث يخضع تعيين المشايخ والأنشطة والموالد لإشراف وزارة الأوقاف والأجهزة الأمنية، مما يحول الهياكل الصوفية إلى أذرع شبه رسمية لضبط الشارع الديني.
رابعاً: أداة لمواجهة الإسلام السياسي والسلفية: يُستخدم التصوف كبديل ديني يستقطب الجمهور بعيداً عن أيديولوجيات الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية، ومثال دعم الرئيس الشيشانى رمضان قديروف للطريقة القادرية والنقشبندية ورعايته لمؤتمر غروزني (2016) للتعريف بـ “أهل السنة والجماعة”، بهدف تجريد الحركات السلفية والجهادية في القوقاز من شرعيتها الدينية وتثبيت حكمة.
خامساً: تحسين الصورة الخارجية ومكافحة الإرهـ ـاب: تستغل الأنظمة التسامح الصوفي لتصدير خطة تحول ديني معتدل أمام الدول الغربية والمؤسسات الدولية ومثال هذا التجربة المغربية في إعادة هيكلة الحقل الديني ودعم الزاوية البودشيشية، حيث تم تقديم النموذج الديني المغربي للشركاء الأوروبيين والغربيين كنموذج استباقي لمكافحة التطرف وتأهيل الأئمة في أفريقيا وأوروبا.
بالنتيجة، تعتمد الأنظمة الديكتاتورية على تحويل المؤسسات الصوفية من حركات روحية مجتمعية إلى أدوات ضبط اجتماعي وسياسي مضاد قابل للتوظيف الأمني للقيام بوظائف ردعية ضد الحركات الإسلامية المتطرفة عبر الأدوار الفكرية والدينية والتعاون مع السلطة السياسية كوجه للدين الإسلامي الدعوي البعيد عن أدناس السياسية وخلطها بالدين بما يحفظ لكل منها استقلاليته، توفر لها المشروعية الدينية مقابل حماية أوقافها وممارساتها الشعائرية، مقابل منح السلطة السياسية شرعية دينية ومقبولية لدى الشارع الديني داخل كل دولة، أي تزاوج مصلحة لا أكثر، يفضل ويرجح من قبل الأنظمة الديكتاتورية على خيار التعاون مع حركات الإسلام السياسي ذات الطبيعة الانقلابية وقابلية التوظيف الخارجي لخدمة أجندة معادية، إضافة إلى طابعهم المتقلب وطموحاتهم بالسلطة والحشوة الأيديولوجية القابلة للتأثير سلباً في الجماهير، حيث أثبتت الوقائع بما لم يعد يقبل الإنكار والمناقشة أنها حركات سياسية بحته لا دينية توظف في سياق الوصول لأهدافها في الحكم والسلطة كما في أغلب الحالات العربية الإسلامية.



