الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

لماذا تفشل أميركا في خنق إيران اقتصادياً؟

جذور الصمود الاقتصادي الإيراني

 

بقلم: إسفنديار باتمانغليدج

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

بالنسبة إلى إيران والولايات المتحدة كان 24 أب بمثابة تكرار للمشهد ذاته، فقد أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت “إننا نشن هجوماً اقتصادياً على الروابط المالية الإيرانية حول العالم” مضيفاً “هدفنا هو قطع كل شريان اقتصادي يبقي هذا النظام على قيد الحياة”، وكان هذا هو الوعد نفسه الذي قطعه في نيسان عندما قال إن الولايات المتحدة “تفرض خنقاً مالياً على النظام الإيراني” في إطار ما أطلق عليه البيت الأبيض “عملية الغضب الاقتصادي”، كما جاء هذا الطرح مشابهاً لإطلاق إدارة ترامب الأولى حملة الضغط الأقصى في أيار 2018 حين أعلن وزير الخارجية آنذاك مايك بومبيو أن إيران ستواجه “أقوى العقوبات في التاريخ” وهو أيضاً قريب من الوعد الذي قطعه الرئيس الأمريكي باراك أوباما عام 2012 حين قال إن الحكومة الإيرانية ستواجه عقوبات أكثر إيلاماً.

لقد شعر الاقتصاد الإيراني بالتأكيد بوطأة هذه القيود المتعاقبة، فمنذ الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب عانت البلاد نمواً ضعيفاً وتضخماً مرتفعاً، ونتيجة لذلك استثمرت الشركات الإيرانية أقل في البنية التحتية واعتمدت تقنيات جديدة بوتيرة أبطأ مقارنة بنظيراتها في الاقتصادات النامية الأخرى، كما أن الأسر الإيرانية التي شهدت تحسناً مطرداً في مستويات معيشتها في السابق باتت الآن معرضة لخطر الانزلاق إلى ما دون خط الفقر الذي تحدده الدولة. ومع ذلك تمكنت إيران طوال الجزء الأكبر من العقد الماضي من الصمود أمام الضغوط الاقتصادية الأمريكية، وحتى فرض الحصار الأخير استخدمت طهران أساليب للتحايل على العقوبات وواصلت تصدير النفط إلى زبونها الرئيسي الصين، كما تكيفت قطاعاتها غير النفطية مع العقوبات إذ أدى انخفاض قيمة العملة إلى الحد من المنافسة التي تفرضها الواردات وجعل المنتجات الإيرانية أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية ما عزز الصادرات، وبذلك تجنبت إيران نوع الانهيار الاقتصادي المتسارع الذي شهدته دول أخرى خضعت للعقوبات مثل سوريا وفنزويلا.

لكن الحرب تختبر اليوم قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود بطرق لم تكن العقوبات وحدها قادرة على اختبارها، فقد استهدفت غارات جوية أمريكية و”إسرائيلية”* عديدة منشآت صناعية حيوية من بينها بعض أهم مصانع الصلب والبتروكيماويات في إيران، وأدى الضرر الذي خلفته هذه الهجمات إلى توقفات واسعة في إنتاج سلع صناعية أساسية. كما أن التراجع العام في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز إلى جانب الاضطرابات الناجمة عن الحصار البحري الأمريكي على وجه الخصوص لم يقلص صادرات إيران فحسب بل خنق أيضاً تدفق وارداتها من السلع الرأسمالية والاستهلاكية التي تشتد الحاجة إليها، ووفقاً لتقدير لصندوق النقد الدولي في تموز من المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة 5.4% هذا العام بعدما انكمش بأقل من نصف هذه النسبة خلال الأشهر الاثني عشر السابقة، وارتفع التضخم على أساس سنوي من 52.6% في كانون الاول 2025 إلى 88.6% بحلول بداية الصيف، كما هوت قيمة العملة الإيرانية إلى مستوى قياسي منخفض متجاوزة مليوني ريال للدولار الواحد. ومع ذلك وعلى الرغم من تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد تظل القيادة الإيرانية أكثر قدرة على مقاومة الآثار القسرية للعقوبات مما قد يوحي به هذا التدهور، فلم يصل الوضع الاقتصادي بعد إلى حد تقويض قدرة إيران على خوض الحرب، ولا تزال مخزونات مختلف السلع كبيرة بفضل سنوات من الخبرة في التعامل مع العقوبات، ويستطيع نهج ترامب بالتأكيد أن يزيد بؤس غالبية سكان البلاد لكنه لا يستطيع خنق الجمهورية الإسلامية نفسها.

 

تشريح أزمة

أقرّ مسؤولون إيرانيون بالصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، وقال محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني وأحد أبرز صانعي النفوذ في البلاد في 21 أب “مهما بلغت قوتنا عسكرياً فإننا لن نصمد إذا كان الشعب جائعاً وإذا لم تتوافر لدينا دورة مالية ونمو اقتصادي وإنتاج محلي”، واستشهد بيسنت بهذه التصريحات دليلاً على أن الحرب الاقتصادية الأمريكية تحقق أثرها المنشود وفي مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي أعرب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن استيائه من استمرار بعض القادة السياسيين في إنكار أن العقوبات تضر بالبلاد قائلاً “يقول البعض إن العقوبات لا تأثير لها على الإطلاق وأنا حقاً لا أعرف ماذا أقول لهؤلاء”.

وتعكس تصريحات قاليباف وبزشكيان قلقًا حقيقياً بشأن المسار الاقتصادي لإيران، فمن المفهوم أن يشعر رئيس البرلمان والرئيس بالقلق إزاء تراجع التأييد الشعبي نظراً إلى الارتباط الوثيق بين الرفاه الاقتصادي العام والشرعية السياسية، لكن ينبغي للمسؤولين الأمريكيين الحذر من المبالغة في تفسير هذه التصريحات، فعلى خلاف ما قد يبدو لا يشير أي من الرجلين إلى أن اقتصاد البلاد على وشك الانهيار. وتخفق التقييمات الأمريكية للاقتصاد الإيراني ولنجاح الإكراه الاقتصادي في احتساب الكيفية التي أعادت بها العقوبات تشكيل الاقتصاد السياسي لإيران وغيرت توزيع الموارد الاقتصادية على نحو يعزز بنية السلطة القائمة، فالقادة الإيرانيون الأكثر حديثاً عن معاناة الناس العاديين لا يخشون انهياراً اقتصادياً وشيكاً بل يعترضون على توافق سياسي طالما أتاح للنخب الإيرانية نقل وطأة ضغوط العقوبات عمداً إلى المواطنين العاديين، وبعبارة أخرى يشكو قاليباف وبزشكيان من التكاليف الاجتماعية لسياسة استجابة حققت إلى حد كبير الغرض المقصود منها.

ولعل الأهم أن التقييمات الأمريكية للاقتصاد الإيراني تغفل ديناميات مهمة فعادةً ما تُقاس آثار العقوبات من خلال مؤشرات الاقتصاد الكلي بما في ذلك معدلات النمو والتضخم وانخفاض قيمة العملة، لكن هذه المؤشرات تقيس في الأساس مستويات الأسعار أي قيمة السلع والخدمات، وهي تقدم بعبارة أخرى صورة مالية للاقتصاد لا صورة وظيفية له، ولتبني منظور وظيفي لا بد من النظر إلى الديناميات على مستوى الشركات والأسر فهي تكشف سبب عدم دفع المؤشرات المتدهورة التي تتصدر عناوين الأخبار في إيران إلى الاستسلام. وتتمثل المعضلة الأساسية أمام صانعي السياسات في أي دولة خاضعة لعقوبات شاملة في كيفية التعامل مع مواطن الضعف في ميزان المدفوعات كما يحدث عندما تنفد من الدولة العملة الأجنبية اللازمة لدفع تكاليف الواردات، وبوجه عام هناك نهجان يمكن لصانعي السياسات استخدام سياسة نقدية توسعية لتحفيز الاستثمار واستعادة الفائض التجاري من خلال مزيج من زيادة الصادرات وتعزيز الإنتاج المحلي، أو يمكنهم بدلاً من ذلك اتباع سياسة نقدية انكماشية وإجراءات تقشفية لكبح الطلب على الواردات واستعادة الفائض التجاري مع الحفاظ على مستويات مماثلة من الصادرات.

وعندما واجه صانعو السياسات الروس عقوبات واسعة النطاق عقب غزو أوكرانيا اختاروا النهج الأول، فقد زادوا التحفيز المالي ما أدى إلى توسع سريع في النشاط الصناعي وفرص العمل في قطاع التصنيع وأوجد اقتصاد حرب مميزاً، وكان هذا الإنفاق ضرورياً لزيادة الإنتاج العسكري لكنه أدى أيضاً إلى تشديد سوق العمل بصورة كبيرة ورفع الأجور الحقيقية للروس العاديين وأسهم ذلك بدوره في الحد من التأثيرات الأولية للتضخم الناجم عن العقوبات، وقد بلغ هذا النهج حدوده في نهاية المطاف وبدأ التضخم يفرض وطأته لكن الاستراتيجية الاقتصادية مكّنت روسيا من مواصلة تحقيق أهدافها الحربية رغم ضغوط العقوبات الأمريكية.

 

 

أما المسؤولون الإيرانيون فعلى النقيض من ذلك اختاروا النهج الثاني، فعندما دفعت العقوبات المالية وعقوبات الطاقة واسعة النطاق التي فرضتها إدارة أوباما إيران إلى الركود للمرة الأولى عام 2012 دعا المرشد الأعلى السيد علي خامنئي إلى تبني “اقتصاد المقاومة” مع التركيز على القدرات المحلية لمواجهة ضغوط العقوبات لكن صانعي السياسات الاقتصادية الإيرانيين لم يتمكنوا من تنفيذ سياسة صناعية جديدة أو إنشاء نظام جديد للرعاية الاجتماعية، وبدلاً من ذلك سمحوا باستمرار التضخم فنقلوا فعلياً كلفة العقوبات من الحكومة إلى الأسر والشركات واعتمدوا موازنات تقشفية ورفضوا ترشيد الإنتاج أو الاستهلاك من خلال الإدارة المباشرة مثل فرض الحصص أو ضبط الأسعار، وأدت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة إلى إضعاف سوق العمل ما أتاح لأصحاب العمل ممارسة ضغوط على الأجور وأدى إلى مزيد من الضغط على دخول الأسر. وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى إخفاقًا في السياسات، لكن السلطات الإيرانية في الواقع تبدو راضية تماماً عن تباطؤ النشاط الاقتصادي، فهي ترى أن ذلك سيمنحها قدرة أكبر على الصمود في مواجهتها مع الولايات المتحدة.

 

أوقات جيدة أوقات عصيبة

تكشف البيانات على مستوى الاقتصاد الجزئي آثار الضغوط الأمريكية في النشاط الاقتصادي على مستوى الشركات والأسر وتوضح مراجعة بيانات مؤشر مديري المشتريات التي جمعتها غرفة التجارة الإيرانية مدى تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد، ففي الفترة بين عامي 2019 و2023 كان الاقتصاد الإيراني ككل في حالة انكماش لنحو ثلثي هذه الفترة بفعل عقوبات “الضغط الأقصى” التي فرضها ترامب في البداية وجائحة كوفيد-19 والاضطرابات المرتبطة باحتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” لكن الصناعات الإيرانية غير النفطية سجلت خلال هذه الفترة نمواً متواضعاً، وفي بداية عام 2023 بدأت إيران حتى في الخروج من ركودها الطويل مع نمو الاقتصاد ككل والقطاع الصناعي بالتوازي وبحلول اذار 2024 بدأت مستويات المعيشة في التحسن مجدداً مدفوعة بارتفاع الدخل الحقيقي بنحو 15%.

لكن هذا التعافي تعرقل جراء الغارات الجوية “الإسرائيلية” على إيران في نيسان 2024 ومنذ ذلك الحين أدى عدم اليقين الاقتصادي المرتبط بتجدد الصراع العسكري إلى تراجع مطول في النشاط الصناعي ما دفع إيران إلى ركود أعمق، وأفادت الشركات الصناعية بتدهور الظروف الاقتصادية على مدى ثمانية أشهر متتالية، لكن ذلك لا يعني أن هذه الشركات تعاني من العجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية. فعلى مدى العقدين الماضيين طورت الشركات الإيرانية نهجاً يقوم على الاحتفاظ بمخزونات كبيرة، ويسمح هذا النهج للشركات بالتخفيف من آثار العقوبات على سلاسل الإمداد كما يساعدها على تدعيم ميزانياتها العمومية في بيئة مرتفعة التضخم تفقد فيها السيولة النقدية قيمتها بينما تحتفظ السلع بقيمتها، ووفقاً للإفصاحات المقدمة من الشركات المدرجة في بورصة طهران يبلغ متوسط “أيام بقاء المخزون” لدى الصناعات الإيرانية نحو ثلاثة أشهر، وفي قطاعات حساسة مثل الآلات والمعدات الكهربائية التي استهدفتها القيود الأمريكية بشدة تحتفظ الشركات بمخزونات تصل إلى 200 يوم. وقد شكلت هذه المخزونات الكبيرة مصدراً مهماً للصمود الاقتصادي خلال الحرب فقد تعرضت سلاسل الإمداد الإيرانية لضغوط مع تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز، ولم يكن التحول إلى التجارة البرية كافياً لتعويض فقدان حركة نقل الحاويات عبر الموانئ الجنوبية لإيران، لكن امتلاك المنتجين الإيرانيين مخزونات وفيرة من المواد الخام والسلع نصف المصنعة والمنتجات النهائية مكّنهم من مواصلة تلبية احتياجات العملاء، أو على الأقل العملاء القادرين على الدفع.

واصلت الشركات رفع الأسعار لحماية هوامش أرباحها محملة المستهلكين ارتفاع تكاليف المدخلات ومع استمرار الحرب أدت هذه الأسعار المرتفعة إلى تراجع الطلب، وبدأت الأسر الإيرانية التي أنهكتها سنوات من التضخم المستمر في خفض استهلاكها، وعندما كانت تشتري أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الائتمان الاستهلاكي بما في ذلك برامج الشراء الآن والدفع لاحقًا والقروض غير الرسمية، وحتى في فئات أساسية مثل الغذاء أفاد تجار التجزئة الإيرانيون بتراجع حجم المبيعات.

ويشكل الانخفاض الحاد في استهلاك الأسر دليلاً واضحاً على تراجع الرفاه الاقتصادي في إيران وهذا ما دفع المسؤولين الإيرانيين إلى الإقرار بالمعاناة التي يواجهها الناس العاديون، ومع ذلك لم تتدخل الحكومة حتى الآن للسيطرة على ارتفاع الأسعار، فلم يكتفِ المسؤولون بعدم فرض ضوابط على الأسعار وهو إجراء نجح قبل 40 عاماً في الحد من الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالحرب الإيرانية-العراقية بل ناقشوا أيضاً إلغاء التحويلات النقدية ودعم الطاقة عن شرائح واسعة من السكان، ومن هذا المنظور أدى تراجع الطلب دوراً أشبه بالتقنين إذ وفر وسيلة منظمة للنخب السياسية والاقتصادية الإيرانية لتحميل المواطنين العاديين تكاليف الحرب والعقوبات. وعلى الرغم من استمرار الضغوط المالية الكبيرة على الحكومة فقد قبلت التضخم بوصفه شراً لا بد منه للحفاظ على إنفاقها، ومع بقاء معدل التضخم الشهري دون 10% لا تزال إيران بعيدة عن التضخم المفرط، الذي يُقاس عادةً بمعدلات شهرية تتجاوز 50% والذي سيجعل استراتيجية الحكومة غير قابلة للاستمرار.

وفي الوقت نفسه وفّر انخفاض النشاط الاقتصادي هوامش حماية للاقتصاد الحقيقي فمن الناحية المالية أصبح الاقتصاد الإيراني في وضع أسوأ مما كان عليه عند اندلاع الحرب لكن من الناحية الوظيفية لم تتغير مستويات المخزون منذ كانون الاول 2025 وقد يجد العرض والطلب توازناً جديداً عند مستوى أدنى من النشاط الاقتصادي الإجمالي، وتظل حاجة إيران المستمرة إلى الواردات أبرز مواطن ضعفها في مواجهة العقوبات والحصار إذ بلغت قيمة الواردات 17 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة الإيرانية الحالية التي بدأت في اذار، وهذا يعني أن إجمالي الواردات قد يصل إلى نحو 40 مليار دولار بحلول نهاية العام بانخفاض كبير عن 58 مليار دولار في العام السابق و72 مليار دولار في العام الذي سبقه، ويشكل انخفاض الطلب على الواردات مدفوعاً بالتضخم وانخفاض قيمة العملة دليلاً على تفاقم الأزمة الاقتصادية لكنه على المدى القريب سيساعد صانعي السياسات الإيرانيين على الحيلولة دون وقوع انهيار اقتصادي أوسع وربما لعدة سنوات.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى