الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
هندسة البقاء.. استراتيجية إدارة الأزمات في العقل السياسي الإيراني

بقلم: الباحث محمد حسن النبوي / مصر
تُعد إدارة الأزمات ركناً أصيلاً في صلب العقيدة السياسية للنظام الإيراني، حيث لا تُصنَّف الأزمات في أدبيات طهران كطوارئ عابرة، بل كحالة هيكلية مستمرة وواقع يفرض نفسه على البيئة السياسية والأمنية المحيطة، وقد أسهم تراكم الخبرات الممتد منذ قيام الثورة عام 1979 وتداعيات الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى عقود العزلة والعقوبات الاقتصادية، في صياغة هذا النمط الخاص الذي يرتكز على التكيف المرن ومبدأ «إدارة الحافة»، واستنزاف الخصوم على المدى الطويل تحت سقف أولوية كبرى تتمثل في بقاء النظام واستمرارية نفوذه. ولا تقتصر استراتيجية طهران على تقليل الخسائر المباشرة، بل تمتد لتجعل من إدارة الأزمات أداة لاستثمار المتغيرات الإقليمية وتوجيهها لخدمة مصالحها. إذ تعتمد القيادة الإيرانية على المزج الدائم بين الدبلوماسية المرنة والأدوات العسكرية والأمنية لإرباك حسابات الخصوم، ومحاولة تحويل الضغوط الخارجية الشديدة إلى مساحات عمل لإعادة ترتيب موازين القوة وتثبيت أوراق تفاوضية جديدة في أي تسوية قادمة. إن تفكيك آلية التعامل الإيراني مع المخاطر يُظهر بوضوح كيف تحولت الأزمات المتلاحقة بدلاً من أن تكون عوامل تقويض داخلي إلى مختبر عملي لإعادة تعريف أدوات القوة، فقد مكنت هذه الآلية النظام من تحويل التهديدات إلى فرص، وتدعيم القدرة على الصمود والاستمرارية وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب والتعقيد.
رؤية العقل السياسي الإيراني للأزمة
تتشكل نظرة العقل السياسي الإيراني إلى الأزمة من زاوية وجودية حاسمة؛ فالأزمة في العُرف القيادي الإيراني ليست مجرد معضلة طارئة تبحث عن حلول دبلوماسية عاجلة، بل هي اختبار كفاءة لمدى صلابة الهيكل المؤسسي والشرعية الأيديولوجية للنظام. ينطلق هذا الإدراك من المبدأ الشرعي والسياسي الصارم الذي أرساه روح الله الخميني، والمالك لسيادة القول في ترتيب الأولويات: “حفظ النظام أوجب الواجبات”، وهو المبدأ الذي أضحى الحاكم الفعلي لكل سلوك سياسي أو أمني عند استشعار الخطر، حتى وإن تطلب الأمر تجميد أحكام دينية فرعية أو تقديم تنازلات تكتيكية مريرة.
تُترجم هذه الفلسفة عملياً في تفضيل طهران خوض معارك الاستنزاف طويل الأمد وامتصاص الصدمات على حساب الخيارات الذهبية أو الحسم العسكري السريع. إن أزمة احتجاز الرهان في السفارة الأمريكية عام 1979 لم تكن مجرد نوبة غضب ثوري، بل وظفها الخميني وأجنحة التيار الإسلامي لإزاحة حكومة مهدي بازركان المدنية الليبرالية، وتطهير المؤسسات على حد وصفهم ، وتشييد بنيان جمهورية إسلامية متماسكة تحت وطأة التهديد الخارجي، وفي المحك الأشد قسوة أظهرت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) كيف استُغلت الأزمة القاتلة لتصبح أحجاراً يبني مؤسسات أمنية صلبة؛ إذ نشأت مؤسسة الحرس الثوري وتكرست هيمنتها في أتون تلك الحرب، لتتحول من ميليشيا ثورية مبعثرة إلى الشريان الأساسي لحماية هيكل الدولة ومسك مفاصل الاقتصاد.
تكررت هذه الديناميكية مع انتقال السلطة إلى السيد علي خامنئي، حيث أصبحت إدارة الداخل أولوية متقدمة عند انعكاس الضغوط الخارجية. وفي مواجهة أزمات كبرى كاحتجاجات الحركة الخضراء عام 2009 عقب انتخابات الرئاسة، أو موجات التظاهر العارمة في عامي 2017 و2019، مروراً بأحداث عام 2022؛ يعيد النظام الهندسة الأمنية والمؤسسية سريعاً لضمان عدم نفاذ التهديد إلى العصب المركزي للقيادة. يُدار التفاف الأزمات الخارجية والداخلية عبر تقاسم أدوار مدروس بين المؤسسات: تفعيل المجلس الأعلى للأمن القومي لإدارة آليات السيطرة، وتوجيه قوات البسيج والحرس الثوري لحماية المفاصل الحيوية، مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مجهزة للالتفاف أو التهدئة عند اللزوم.
إن التاريخ الممتد من أزمة الفواجع الاقتصادية تحت وطأة العقوبات الإدارية الأمريكية الشاملة إلى المواجهات السياسية والعسكرية المعقدة، برهن على أن القيادة الإيرانية لا تقيس النجاح في الأزمة بمدى السرعة في إنهائها، بل بمدى القدرة على تحويل الضغط والتهديد الخارجي إلى أداة لترسيخ السيطرة الداخلية، وإعادة تدوير أجهزة الدولة للعمل في بيئة أمنية ضاغطة ومستمرة.
إدارة التصعيد في السياسة الإيرانية
لا تُدار المواجهة في العقل السياسي الإيراني بمنطق الصدمة الشاملة أو ضربات القاضية السريعة، بل عبر هندسة دقيقة تُعرف في الأدبيات الإستراتيجية بإدارة الحافة أو التصعيد المحسوب خطوة بخطوة. يعود هذا السلوك إلى دراية عميقة بتوازنات القوة؛ فطهران تدرك القوة العسكرية المفرطة لخصومها التقليديين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها، ولذا تجنبت دائماً الانزلاق إلى حرب مفتوحة غير متكافئة، واستعاضت عنها باستراتيجية “التقطيع البطيء” وتحريك البيادق بحذر على رقعة الشطرنج الإقليمية. تعتمد هذه السياسة على تحويل الأدوات الصلبة والناعمة إلى عملية واحدة تُدار من غرفة عمليات مشدودة التنسيق، وفي قلب هذا النهج يبرز التمييز الوظيفي بين الخطاب السياسي الإعلامي الحاد الموجه للاستهلاك الجماهيري والردع، وبين السلوك الدبلوماسي والميداني المتزن الذي يحسب خطواته بميزان الذهب، ولعل الحقبة التي أدار فيها قاسم سليماني قائد فيلق القدس الأسبق، العمليات الإقليمية بالتوازي مع الحركة الدبلوماسية التي قادها وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، تُعد المثال الأبرز لهذا التكامل؛ حيث كان السلاح الميداني يُصاغ لخدمة أوراق التفاوض، والدبلوماسية تُوظف لتأمين الغطاء السياسي واستغلال عامل الوقت.
تتجلى سياسة التدرج في التصعيد في محطات مفصلية عدة، أبرزها إدارة طهران لأزمة الاتفاق النووي عقب انسحاب إدارة دونالد ترامب منه عام 2018 وفرض سياسة “الضغط الأقصى”. لم تتسرع الجمهورية الإسلامية في إيران بإنهاء الاتفاق فوراً أو خوض مواجهة عسكرية مباشرة، بل اعتمدت ردوداً متدرجة أُطلق عليها “التراجع الزمني المنظم عن التعهدات النووية”. خفضت طهران التزاماتها على مراحل تفصل بينها مهل زمنية تُقاس بـ ٦٠ يوماً، متدرجة من رفع نسب تخصيب اليورانيوم من 3.67% إلى 20% ثم إلى 60%، وتفعيل أجهزة الطرد المركزي المتطورة (IR-6)، للضغط على الأطراف الأوروبية وواشنطن دون إغلاق باب الدبلوماسية كلياً.
وعلى الصعيد الميداني البحري والأمني، جرى تطبيق النظرية ذاتها خلال صيف عام 2019 في مياه الخليج ومضيق هرمز؛ حيث تنقلت طهران بين استهداف ناقلات النفط، وإسقاط طائرة استطلاع أمريكية مسيرة من طراز (Global Hawk) فوق المياه الإقليمية، وصولاً إلى هجمات بقيق وخريص في السعودية. كشفت هذه السلسلة من العمليات عن قدرة طهران على اختيار أهداف ذات تأثير اقتصادي وسياسي مدوٍّ، مع الاحتفاظ بمسافة أمان تحول دون اندلاع معركة شاملة، وتضع الخصم أمام معادلة كلفة باهظة لأي رد عسكري واسع.
حتى في اللحظات الأكثر حرجاً، مثل اغتيال الجنرال قاسم سليماني قرب مطار بغداد في كانون الثاني 2020، جاء رد طهران العسكري المباشر عبر قصف قاعدة «عين الأسد» في العراق محسوباً بدقة متناهية؛ إذ تم توجيه ضربات صاروخية بالستية أحدثت أضراراً مادية وهيبة ردعية، لكنها تُجنّب وقوع قتلى في الصفوف الأمريكية لتقليل فرص الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، يعقبها سريعاً استئناف المسارات السياسية عبر القنوات الخلفية في مسقط أو بغداد، تكشف هذه الحالات أن معيار الرد الإيراني لا يرتبط بحجم الضرر الذي تعرضت له طهران فقط، وإنما بقدرتها على ضبط سقف الرد بحيث يحقق استعادة الردع دون أن يحوّل الرد نفسه إلى تهديد لبقاء النظام.
إن الجمع بين الخطاب التصعيدي المحموم وفتح قنوات الاتصال السرية والعلنية ليس تناقضاً سلوكياً أو ارتباكاً في صنع القرار الإيراني، بل هو جوهر الاستراتيجية؛ فالصراخ السياسي يرفع السقف التفاوضي، والسلوك الميداني المتدرج يفرض واقعاً جديداً، بينما تضمن الدبلوماسية خروجاً آمناً أو اتفاقاً يحقق مكاسب مرحلية، مما يسمح للنظام بامتلاك زمام المبادرة باستمرار.
دور العسكرة الإيرانية في إدارة الأزمات
لا يمكن فهم هندسة إدارة الأزمات في الجمهورية الإسلامية في إيران بعيداً عن التشريح المؤسسي العسكري والأمني، حيث تلعب الهياكل العقائدية دور الشريان النابض في تقدير المخاطر وصناعة القرار الإستراتيجي، وفي قلب هذه الهندسة، يتمدد “الحرس الثوري الإيراني” ليس فقط كقوة ضاربة، بل كمؤسسة سياسية، اقتصادية، وأمنية متكاملة تتسع صلاحياتها طردياً كلما ارتفع منسوب الخطر الخارجي أو الداخلي. عند نشوب الأزمات الكبرى يتقلص الدور الروتيني للوزارات الخدمية أو الخارجية، ويتسع نفوذ المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يُعد المطبخ الفعلي لصياغة الاستجابات، وفي هذا المجلس يمتلك ممثلو المرشد الأعلى وقادة الحرس الثوري الصوت الأكثر ترجيحاً، لقد تبين هذا التحول المؤسسي بوضوح خلال الأزمة السورية عقب عام 2011؛ إذ لم تكن وزارة الخارجية الإيرانية هي من تدير الملف في ميدانه الفعلي، بل كانت إدارة الأزمة محصورة في مقر قيادة “فيلق القدس” تحت إشراف قاسم سليماني. بلغ الأمر حدّ أن زيارات قيادات إقليمية كبرى إلى طهران مثل زيارة الرئيس السوري بشار الأسد عام 2019 كانت تُنسق وتدار بالكامل عبر شبكات الحرس الثوري دون علم مسبق من وزير الخارجية آنذاك محمد جواد ظريف، مما دفع الأخير لتقديم استقالته الشهيرة احتجاجاً على تغييب الدبلوماسية الرسمية لصالح العسكر.
تستند العقيدة العسكرية لهذه المؤسسات إلى إدراك عميق بالفجوة التكنولوجية والتسليحية بين الجمهورية الإسلامية في إيران وحلف شمال الأطلسي أو “إسرائيل”، ولردم هذه الفجوة طور العقل العسكري الإيراني مفهوم «الحرب غير المتكافئة» ، القائم على تحويل نقاط ضعف الخصم التقليدية إلى أهداف سهلة الاستهداف عبر ثلاثة أذرع رئيسية:
-
الترسانة الصاروخية والسلاح المسير: استثمرت الجمهورية الإسلامية في إيران عقوداً في تطوير منظومات بالستية ومجنحة مثل عائلة صواريخ «شهاب»، و«فاتح»، و«خيبر شكان» طالت مداياتها ألفي كيلومتر. وإلى جانبها شكلت الطائرات المسيرة مثل «شاهد 136» حلاً إستراتيجياً منخفض التكلفة وعالي التأثير. أثبتت هذه الأسلحة فاعليتها في إرباك منظومات الدفاع الجوي المعقدة، وجرى اختبارها ميدانياً في هجمات أرادت منها طهران إرسال رسائل ردع دقيقة، مثل استهداف قاعدة «عين الأسد» عام 2020، أو ضرب مقرات أحزاب معارضة في كردستان العراق، فضلاً عن المواجهات المباشرة وغير المباشرة مع “إسرائيل”.
-
الشبكات العابرة للحدود (محور المقاومة): لم تكتفِ طهران ببناء قوة داخل حدودها، بل أنشأت معماراً أمنياً إقليمياً يتألف من تنظيمات وفصائل مسلحة كحzب الله في لبنان، والفصائل العراقية، وأنصار الله في اليمن. تتيح هذه الشبكة لطهران ممارسة الضغط المزدوج، ونقل ساحة المواجهة بعيداً عن عمقها الجغرافي، مع فرض معادلة «وحدة الساحات» كأداة ردع تجمع بين قوة حلفائها والقدرات الذاتية للحرس.
-
الحرب البحرية غير المتناظرة: عبر استخدام الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والغواصات الصغيرة، والسيطرة على مضيق هرمز ومحيطه، يستطيع الحرس الثوري البحري تهديد خطوط إمداد الطاقة العالمية، وهو ما تجسد في عمليات احتجاز ناقلات النفط مثل احتجاز الناقلة البريطانية «ستينا إمبيرو» عام 2019، كرد مباشر على احتجاز أو مصادرة شحنات نفط إيرانية.
إن تحكم المؤسسة الأمنية والعسكرية بمفاصل الأزمة يضمن للنظام صموداً هيكلياً؛ فالحرس الثوري لا يعمل كأداة تنفيذية تنتظر الأوامر، بل يُشارك في صياغة سيناريوهات المواجهة، مستنداً إلى ترسانة غير تقليدية وشبكات نفوذ تهدف في مجملها إلى حرمان الخصم من حسم المعركة، وفرض كلفة سياسية واقتصادية تجعل خيار المواجهة الشاملة مع طهران خياراً غير عقلاني.
تطوير الاستراتيجية الإيرانية بعد الأزمات
تصل مدرسة إدارة الأزمات الإيرانية إلى أقصى درجات نضجها في المرحلة التالية للحدث؛ حيث لا يُنظر إلى نهاية الأزمة أو هدوء عاصفتها على أنه مجرد استراحة محارب أو العودة إلى قواعد اللعبة القديمة، بل يُتعامل معه كعملية مراجعة هيكلية شاملة تُشبه مراجعات المؤسسات العسكرية الكبرى بعد الحرب. يعتمد العقل السياسي والأمني في طهران عقيدة مفادها أن كل ثغرة مكشوفة في الجدار الدفاعي أثناء الأزمة يجب أن تُستغل فوراً لبناء جدار أحدث وأكثر حصانة، وأن كل خطأ تكتيكي وقع فيه الخصم يُفترض أن يُستثمر لتعديل عقيدة الردع واستحداث أدوات جديدة لم تكن مجهزة من قبل.
يظهر هذا التعلم الإستراتيجي بوضوح عند تتبع التحولات الكبرى التي شهدتها بنية التسليح والتكتيك الإيراني عقب كل انكسار أو تهديد وجودي، وقد ظهر ذلك جلياً في عدة مواطن زمنية مختلفة:
-
من صدمة “حرب المدن” إلى هوس القوة الصاروخية: خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، واجهت طهران عجزاً صاروخياً وفضائياً قاتلاً أمام الضربات العراقية لعمقها السكاني، وافتقرت إلى سلاح جو قادر على الردع بسبب حظر التوريد. لم تكتفِ طهران بإنهاء الحرب وقبول القرار الأممي، بل أطلق محسن رفيق دوست (وزير الحرس الثوري آنذاك) بالتنسيق مع القيادي الشاب حسن طهراني مقدم (المعروف بأبي الصواريخ الإيرانية) نواة البرنامج الصاروخي عبر الهندسة العكسية للصواريخ السوفيتية المستوردة من ليبيا وكوريا الشمالية. تحولت تلك الثغرة المؤلمة خلال ثلاثة عقود إلى أكبر ترسانة صاروخية بالستية ومجنحة في الشرق الأوسط، صُممت خصيصاً لضمان ألا تقع طهران مجدداً في وضع العزل التسليحي.
-
الدروس البحرية بعد “فرس النبي: في نيسان 1988 دخلت البحرية الأمريكية في مواجهة مباشرة مع البحرية الإيرانية بالخليج، أسفرت عن تدمير نفق واسع من القطع البحرية الإيرانية التقليدية في يوم واحد. كانت هذه الهزيمة قاسية، لكنها شكلت نقطة تحول جذري؛ إذ أدركت القيادة البحرية للحرس الثوري أن خوض مواجهة كلاسيكية مع الأساطيل الكبرى هو شلل إستراتيجي. من رحم هذه الأزمة، وُلِدت عقيدة لقتال السريع واللامركزي؛ حيث تُخلي السفن الضخمة الساحة لصالح أسراب من الزوارق السريعة المحملة بالصواريخ، الألغام البحرية، والغواصات الصغرى مثل طراز “غدير”، والطائرات الانتحارية بدون طيار، وهي التكتيكات التي باتت تُهدد شريان النفط العالمي في مضيق هرمز حتى اليوم.
-
الاختراق الأمني والاغتيالات المعقدة: شكّلت موجة الاغتيالات التي طالت علماء نوويين وقادة عسكريين بارزين في العمق الإيراني، وعلى رأسهم محسن فخري زاده عام 2020 وسلسلة الاستهدافات اللاحقة صدمة لأجهزة الاستخبارات الداخلية. دفع ذلك جهاز استخبارات الحرس الثوري (SAS) إلى إعادة هيكلة آليات حمايته، وتنفيذ عمليات تطهير واسعة للشبكات المخترقة، بالتوازي مع تسريع نقل المنشآت الحيوية والنووية إلى عمق خرساني وتحت أرضي أكثر حصانة، مثل مجمع «فردو» المنقور في قلب الجبال، لضمان استمرارية البرنامج تحت أعتى ظروف القصف.
على المستوى السياسي والمؤسسي تؤدي الأزمات المتعاقبة إلى إعادة توزيع أوراق القوة داخل النظام لصالح التيارات الأكثر راديكالية وتماسكاً، ففي كل مرة تُفرض فيها عقوبات اقتصادية خانقة أو تفشل فيها القنوات الدبلوماسية مع الغرب، يُستغل ذلك داخلياً لإضعاف التيار الإصلاحي والاعتدالي الذي يراهن على الانفتاح الخارجي، وتنسحب المساحات لصالح التيار المحافظ والمؤسسة العسكرية، تحت شعار اقتصاد المقاومة وتدعيم الاعتماد على الذات. تتجاوز الجمهورية الإسلامية في إيران مفهوم امتصاص الضربة إلى إعادة صياغة معادلات اللعبة بالكامل؛ فالأزمة ليست مجرد حادث يصيب الدولة بل هي المُحرّك الأساسي للتطوّر. تُستغل وتيرة التهديد لتبرير توسيع الميزانيات العسكرية، واختبار الأسلحة الجديدة في ميادين حية، وفرض واقع إقليمي جديد يجعل من الصعب على أي طرف محاولة تقويض النظام دون دفع تكاليف باهظة وغير متوقعة.
خاتمة
تكشف إدارة الأزمة في العقل السياسي الإيراني عن نمط يتجاوز الاستجابة المؤقتة للتهديد، ليقوم على إدارة الدولة والنظام في ظل بيئة مستمرة من الضغوط، فالأزمة لا تمثل بالضرورة حالة استثنائية، وإنما قد تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتعبئة مؤسسات الدولة، وتوظيف أدوات القوة بما يحافظ على استقرار النظام وقدرته على الاستمرار.
وتقوم طهران في هذا السياق على مزيج من الصمود والتصعيد، والتفاوض والمناورة، والأدوات العسكرية والوسائل الدبلوماسية، ولا يعني التصعيد بالضرورة السعي إلى حرب شاملة، كما لا يعكس التفاوض بالضرورة تراجعًا عن الأهداف الاستراتيجية، وإنما يمثل كلاهما أدوات لإدارة مستوى الضغط وتحسين موقع الجمهورية الإسلامية في إيران التفاوضي. كما تكشف الأزمات عن تنامي دور المؤسسات الأمنية والعسكرية في عملية صنع القرار، خاصة مع ارتفاع مستوى التهديد، بما قد يؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل النظام، وفي الوقت ذاته تتحول الخبرات الناتجة عن الأزمات إلى أدوات للتعلم الاستراتيجي، تدفع الجمهورية الإسلامية في إيران إلى تطوير قدراتها العسكرية والأمنية وإعادة تقييم نقاط ضعفها.
وعليه، فإن فهم السلوك الإيراني في الأزمات يتطلب النظر إلى ما وراء القرارات المعلنة، ودراسة حسابات بقاء النظام والردع وإدارة تكلفة المواجهة، وفي المحصلة يتمثل جوهر النموذج الإيراني في تحويل الأزمة من لحظة تهديد إلى فرصة لإعادة إنتاج القدرة على البقاء والتكيف؛ إذ لا يُقاس النجاح فقط بتحقيق انتصار مباشر، وإنما بمنع الخصم من تحقيق أهدافه، والحفاظ على تماسك النظام، والخروج من الأزمة بخبرات وقدرات تعزز الاستعداد للمواجهات المقبلة.





