الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
العراق بعد أزمة هرمز

استراتيجية أمن الطاقة، المرونة الوطنية وإعادة تشكيل ممرات تصدير النفط
بقلم: بختيار أحمد صالح
كشفت أزمة مضيق هرمز التي رافقت الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران في عام 2026 عن نقطة ضعف استراتيجية عميقة في الدولة العراقية وهي ان الارتباط بين أمن الدولة المالي وأمن ممر بحري يقع خارج السيطرة العراقية المباشرة. فالعراق يمتلك احتياطيات وإنتاجاً نفطياً كبيراً، لكنه يعتمد بدرجة حاسمة على تصدير الجزء الأكبر من نفطه عبر الموانئ الجنوبية، ما يجعل الاقتصاد العراقي معرضاً للصدمات الناتجة عن أي اضطراب في الخليج ومضيق هرمز. وقد أدى اضطراب حركة الملاحة إلى انهيار صادرات النفط العراقية خلال آذار ونيسان 2026، قبل أن تبدأ بالتعافي تدريجياً في النصف الثاني من العام. إلا أن عودة الصادرات لم تؤدِّ بصورة فورية إلى إنهاء الأزمة المالية، إذ تحولت الموازنة الاتحادية من فائض في النصف الأول من 2025 إلى عجز كبير في النصف الأول من 2026، بينما بقيت الرواتب والإنفاق الجاري يمثلان عبئاً ثابتاً على الدولة. وتطرح هذه التطورات سؤالاً يتجاوز الاقتصاد: هل يمتلك العراق القدرة الاستراتيجية على الصمود أمام صدمة طويلة في صادرات النفط؟
الإشكالية الاستراتيجية
تقوم الإشكالية المركزية على مفارقة واضحة وهي ان العراق دولة نفطية كبيرة، لكنه لا يمتلك تعددية استراتيجية كافية في طرق تصدير النفط. فمعظم النفط العراقي يخرج من الجنوب، ومعظم الصادرات الجنوبية تعتمد على الملاحة في الخليج. وبالتالي فإن أمن النفط العراقي مرتبط بأمن الخليج. وأمن الخليج مرتبط باستقرار مضيق هرمز. وهذا يجعل الاقتصاد العراقي معرضاً لتطورات عسكرية وسياسية لا تقع داخل أراضيه.
لقد أظهرت الازمة المرافقة لحرب امريكا و”اسرائيل” ضد الجمهورية الإسلامية في إيران في عام 2026 أن تعطيل طريق التصدير يمكن أن يتحول خلال فترة قصيرة إلى أزمة صادرات، أزمة إيرادات، أزمة موازنة، أزمة رواتب، ضغط اجتماعي، ضغط سياسي وأمني. ومن هنا يصبح أمن الطاقة جزءاً مباشراً من الأمن الوطني العراقي.
الفرضية الرئيسية
تنطلق الورقة من فرضية رئيسية وهي ان كلما ارتفع اعتماد العراق على منفذ واحد لتصدير النفط، ارتفعت هشاشته الاستراتيجية أمام الصدمات الجيوسياسية، بينما يؤدي امتلاك شبكة متعددة للمنافذ والطرق إلى زيادة المرونة الوطنية وتقليل قدرة الأزمات الخارجية على التأثير في استقرار الدولة. وتتفرع من هذه الفرضية ثلاث فرضيات اخرى:
-
لا تكفي زيادة الإنتاج النفطي إذا لم تترافق مع زيادة القدرة التصديرية.
-
البدائل الشمالية والغربية تمثل أدوات للمرونة الاستراتيجية، وليس بالضرورة بديلاً كاملاً عن الجنوب.
-
العلاقة بين بغداد وأربيل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن النفطي العراقي، وليس مجرد خلاف دستوري أو مالي.
الجغرافيا الاستراتيجية للنفط العراقي
يمكن تبسيط خريطة النفط العراقية إلى ثلاثة محاور:
المحور الأول الجنوب: البصرة والموانئ الجنوبية والخليج ومضيق هرمز. وهو المحور الأكثر أهمية من حيث الحجم.
المحور الثاني الشمال: كركوك – فيشخابور – جيهان. وهو المحور الذي يوفر للعراق منفذاً إلى البحر المتوسط بعيداً عن هرمز.
المحور الثالث الغرب: الأردن وسوريا، وهما مساران يمكن أن تكون لهما أهمية مستقبلية، لكن قدرتهما الحالية محدودة مقارنة بالجنوب والشمال. وهنا تظهر قاعدة استراتيجية: الدولة التي تعتمد على محور تصدير واحد تكون قوتها الاقتصادية أكبر من مرونتها الاستراتيجية.
هرمز بوصفه نقطة اختناق استراتيجية
لا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر بحري. إنه بالنسبة للعراق نقطة اختناق استراتيجية. فالنفط العراقي يمكن إنتاجه داخل الأراضي العراقية، لكن تحويله إلى إيرادات دولارية يتطلب وصوله إلى الأسواق العالمية. وبالتالي فإن أي اضطراب في المضيق يمكن أن يؤدي إلى تعطيل سلسلة القيمة بأكملها. وقد أظهرت بيانات الأزمة انخفاض الصادرات العراقية من مستويات تجاوزت 100 مليون برميل شهرياً قبل الحرب إلى مستويات شديدة الانخفاض خلال آذار ونيسان، قبل أن تبدأ عملية التعافي. والدرس الاستراتيجي هنا هو: السيطرة على المورد لا تعني السيطرة على سلسلة إيصاله إلى السوق.
الأزمة المالية بوصفها امتداداً للأزمة النفطية
أهم ما كشفته أزمة 2026 أن المشكلة لم تتوقف عند صادرات النفط. فالعراق دخل الأزمة وهو يمتلك هيكلاً مالياً شديد الاعتماد على الإيرادات النفطية، مع ارتفاع كبير في الإنفاق الجاري. وقد انتقل الرصيد المالي من فائض بلغ 5.29 تريليون دينار في النصف الأول من 2025 إلى عجز بلغ 21.24 تريليون دينار في النصف الأول من 2026. وهذا يعني أن النفط لا يمول الاقتصاد فقط، بل يمول استمرارية الدولة. ولهذا فإن انخفاض النفط يصبح تهديداً للاستقرار المالي والسياسي.
معادلة الرواتب والأمن الاجتماعي
تكمن الخطورة في أن الإنفاق الحكومي العراقي يتمتع بدرجة عالية من الجمود. فالرواتب والتقاعد والنفقات التشغيلية لا يمكن تخفيضها بالسرعة نفسها التي يمكن أن تنخفض بها الإيرادات النفطية. وتشير المادة الأصلية إلى أن رواتب الموظفين وحدها استهلكت 20.5 تريليون دينار خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، وأن أزمة السيولة وصلت إلى تأخير رواتب تموز. وهنا تتحول المشكلة إلى معادلة أمن قومي: النفط، الموازنة، الرواتب و الاستقرار الاجتماعي. وبالتالي فإن أمن الصادرات النفطية أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالأمن الداخلي.
كركوك–جيهان كأداة للمرونة الاستراتيجية
يمثل الطريق الشمالي أهم بديل استراتيجي للعراق. وقد عزز الاتفاق العراقي-التركي الموقع في آب 2026 أهمية هذا المسار، مع استهداف قدرة تصل إلى 750 ألف برميل يومياً. لكن القدرة النظرية لا تعني بالضرورة التدفق الفعلي. فالمشكلة ليست في خط الأنابيب فقط، وإنما في توفر النفط، جاهزية الخط، المضخات، البنية التحتية، الاتفاقات السياسية، العلاقة بين بغداد وأربيل، القدرة التركية على الاستيعاب والتصدير. ولهذا يجب النظر إلى جيهان باعتباره ممر مرونة استراتيجية وليس بديلاً فورياً كاملاً عن هرمز.
إقليم كردستان في معادلة الأمن النفطي
تفرض أزمة 2026 إعادة قراءة العلاقة النفطية بين بغداد وأربيل. ففي ظروف الأزمة أصبحت البنية التحتية الموجودة في إقليم كردستان جزءاً من عملية نقل النفط الاتحادي شمالاً. وتشير المادة الأصلية إلى استخدام منظومة الإقليم لنقل النفط الاتحادي من كركوك باتجاه فيشخابور وتركيا. وهذا ينتج معادلة جديدة: بغداد تحتاج إلى البنية التحتية الشمالية وأربيل تمتلك جزءاً مهماً من هذه البنية. وبالتالي فإن النفط يمكن أن يتحول من مصدر دائم للصراع إلى عنصر من عناصر الاعتماد المتبادل. وهذه نقطة استراتيجية مهمة. فإذا استطاعت بغداد وأربيل بناء اتفاق طويل الأمد حول النفط، فقد يصبح إقليم كردستان جزءاً من العمق الاستراتيجي للطاقة العراقية.
تركيا كعمق استراتيجي للطاقة العراقية
أصبحت تركيا أكثر أهمية في الحسابات الاستراتيجية العراقية بسبب موقعها الجغرافي. فجيهان يوفر منفذاً إلى البحر المتوسط، وبالتالي يقلل اعتماد العراق على الخليج. لكن الاعتماد على تركيا ينتج بدوره نوعاً جديداً من الاعتماد الجيوسياسي. وبالتالي لا ينبغي أن تكون الاستراتيجية العراقية استبدال الاعتماد على هرمز بالاعتماد على تركيا. بل تنويع الاعتماد بين عدة مسارات. أي أن الهدف ليس إيجاد طريق واحد بديل، وإنما بناء شبكة بدائل.
سوريا والأردن
تمثل سوريا والأردن مسارين إضافيين يمكن تطويرهما مستقبلاً. وقد استخدم العراق خلال الأزمة الأراضي السورية لنقل منتجات نفطية إلى بانياس، لكن هذه العمليات لا تعادل من حيث طبيعتها وحجمها تصدير النفط الخام. أما الأردن فما زال محدود الأهمية من حيث حجم النفط المنقول. وعليه فإن هذين المسارين يمثلان: خيارات احتياطية وليسا حالياً بدائل استراتيجية كاملة.
مشروع الربط بين الجنوب والشمال
أحد أهم المشاريع الاستراتيجية للعراق هو إنشاء منظومة تسمح بنقل النفط من الجنوب باتجاه الشمال. وتكمن أهمية هذا الخيار في أنه يمكن أن يربط البصرة، حديثة، كركوك، فيشخابور، و جيهان. إذا تحقق هذا الربط، فإن العراق سيمتلك قدرة أكبر على إعادة توجيه صادراته عند حدوث أزمة في الخليج. وهذا سيغير مفهوم أمن الطاقة العراقي من حماية منفذ إلى إدارة شبكة. وهذه نقلة استراتيجية مهمة.
المخاطر الاستراتيجية الرئيسية
يمكن تحديد 7 مخاطر رئيسية:
استمرار الاعتماد على هرمز.
ارتفاع الدين العام: ارتفع الدين الداخلي إلى أكثر من 103 تريليون دينار في نهاية أيار 2026.
تآكل الاحتياطيات والسيولة.
تجميد الاستثمار: خفض الاستثمار لتوفير الرواتب يؤدي إلى إضعاف النمو المستقبلي.
الخلافات بين بغداد وأربيل.
الاعتماد المتزايد على تركيا.
احتمال تكرار الصدمات الجيوسياسية.
توصيات
-
اعتماد عقيدة وطنية لأمن الطاقة: ينبغي اعتبار أمن تصدير النفط جزءاً من الأمن القومي العراقي.
-
إنشاء شبكة تصدير متعددة: الهدف ليس استبدال الجنوب، بل منع الجنوب من أن يكون الخيار الوحيد.
-
تسريع تطوير كركوك-جيهان: مع رفع القدرة التشغيلية الفعلية.
-
تنفيذ الربط بين الجنوب والشمال لإنشاء طريق استراتيجي بديل.
-
تسوية الملف النفطي بين بغداد وأربيل بصيغة مؤسسية طويلة الأمد.
-
إنشاء احتياطي مالي استراتيجي بحيث لا تتحول كل صدمة نفطية إلى أزمة رواتب.
-
تقليل الاعتماد على النفط في تمويل الإنفاق الجاري.
-
حماية الاستثمار أثناء الأزمات، لأن تجميد الاستثمار باستمرار يعمق الاعتماد على النفط.
-
تطوير سيناريوهات طوارئ: يجب أن تمتلك الدولة خططاً واضحة لسيناريو توقف هرمز.
-
إنشاء مركز وطني لأمن الطاقة يضم خبراء النفط والاقتصاد والأمن والنقل والدبلوماسية لمراقبة المخاطر والتخطيط للطوارئ.
استنتاجات
أثبتت أزمة 2026 أن قوة العراق النفطية لا تقاس فقط بعدد البراميل التي يستطيع إنتاجها، وإنما بعدد الطرق التي يستطيع استخدامها لتصدير هذه البراميل. ومن هنا يجب الانتقال من استراتيجية الإنتاج إلى استراتيجية المرونة ومن منفذ تصدير رئيسي إلى شبكة منافذ ومن إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى التخطيط قبل الأزمة ومن النفط كإيراد إلى النفط كأداة للأمن الوطني.
خاتمة
لا تكمن أهمية أزمة هرمز بالنسبة للعراق في الخسارة المالية التي حدثت خلال أشهر الأزمة فقط، وإنما في أنها كشفت بنية استراتيجية كاملة من نقاط الضعف. فالعراق يمتلك النفط، لكنه لا يمتلك تعددية كافية في طرق تصديره. ويمتلك موارد مالية ضخمة في الظروف الطبيعية، لكنه يمتلك قدرة محدودة على الاستمرار عندما تتراجع الإيرادات.
ويمتلك خطاً شمالياً مهماً، لكنه لا يزال بحاجة إلى تطوير البنية التحتية والتفاهمات السياسية التي تسمح بتحويله إلى ممر استراتيجي فعلي. ويمتلك إقليم كردستان بوصفه جزءاً من الجغرافيا النفطية الشمالية، لكنه لم يحول هذه الحقيقة بعد إلى شراكة مؤسسية مستقرة مع بغداد. لذلك فإن أزمة 2026 يجب ألا تُقرأ على أنها أزمة هرمز فقط بل باعتبارها اختباراً للمرونة الاستراتيجية للدولة العراقية.
وإذا كان العراق يريد تقليل تعرضه للأزمات الإقليمية، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون التخلص من الاعتماد على هرمز بصورة كاملة، وهو أمر غير واقعي على المدى القصير، بل تقليل تكلفة توقفه وزيادة قدرة العراق على الاستمرار أثناء توقفه. وعندها فقط يتحول العراق من دولة تمتلك موارد هائلة لكنها معرضة للاختناق، إلى دولة تمتلك مرونة استراتيجية في مواجهة الصدمات الجيوسياسية.




