الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
قانون تعزيز الوحدة والتقدم بين القوميات في الصين

دراسة في دورة الاستقرار القومي والديني والتنموي
بقلم: أ.د. سعد السعيدي
مدير مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لا شك ان الصين اصبحت ومنذ سنين من بين اهم القوى الدولية التي تمتلك عناصر قوة وتأثير معتبرة، وحققت مؤشرات عالية للتنمية و للنمو والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فهي دولة كبيرة من حيث المساحة تبلغ مساحتها بحدود 9 مليون و 650 الف كم مربع تجاور برياً 14 دولة ما عدى الحدود البحرية، وتبلغ طول حدودها الكلية تقريباً 22 الف كم وهي اطول حدود في العالم،هذه المساحة تعادل تقريباً مساحة القارة الاوربية مرتين ونصف، كما تجاوز عدد سكانها مليار و450 مليون فرد اي 17% من مجمل عدد سكان العالم، في حين تعدى الناتج المحلي الاجمالي للصين 20 ترليون دولار عام 2026، وتمتلك قاعدة صناعية وزراعية هي الاكبر في العالم، كما تشهد الصين نمو كبير جداً في قوتها العسكرية في كافة الصنوف، وتعد من اهم دول العالم في الابتكار والتطوير والنمو التكنولوجي لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، ولها مقعد دائم في مجلس الامن ونفوذ سياسي عالمي سواء في اسيا او باقي دول العالم، وتمتلك علاقات سياسية واقتصادية ممتازة مع اغلب دول العالم، ولا تنغمس بالحروب والازمات الدولية وتعتمد اسلوب الصعود السلمي والصبر الاستراتيجي، وتحظى بسمعة دولية طيبة ومستقرة عالميا، بمعنى انها قوة تجمع بين عناصر القوة الصلبة والناعمة.
الا ان سر قوتها وصمودها وسمعتها العالمية لا تقتصر على عناصر القوة هذه، بل يعد الهيكل الاداري الصيني اللامركزي لادارة المؤسسات والمجتمع، والقوانين الصادرة عن الحكومة الصينية للتعامل مع المجتمع الصيني الذي يتكون من خليط من القوميات والاديان والطوائف هو العامل الايجابي الاكبر لاستقرار الدولة وتحقيق الرضا المجتمعي وتطبيق قيم العدالة الاجتماعية وانفاذ القانون واحترامه من قبل المواطنين، وتوفير وعاء جيد للتنمية والتقدم والازدهار واكتساب القوة الشاملة، فالدول لن تكون قوية خارجية الا اذا كانت مستقرة ومنسجمة داخلياً.
ومن بين اهم القوانين الحديثة التي ساعدت على استقرار المجتمع الصيني وتحقيق الوحدة بين مكوناته ومنح الحكومة الصينية ادوات مهمة للتفرغ الى ادامة التنمية وصنع وسائل القوة الصينية هو (قانون تعزيز الوحدة والتقدم بين القوميات في الصين) فهذا القانون دخل حيز التنفيذ في 1 تموز عام 2026، بعد أن اعتمده المجلس الوطني لنواب الشعب في 12 آذار عام 2026، ليكون أول إطار تشريعي وطني شامل ينظم شؤون القوميات الـ 56 في البلاد.
ومن اهم تفاصيل وإطار هذا القانون هي الآتي:
الاعتماد والتنفيذ: أُقرّ في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الـ 14 لنواب الشعب، وبدأ تطبيقه رسمياً في الأول من يوليو تموز عام 2026.
هيكلية القانون: يتكون من 65 مادة تشمل ديباجة وأحكاماً عامة، إضافة إلى فصول تختص بتعزيز البيت الروحي المشترك، التبادلات والإنماء المتكامل، والضمانات والإشراف
يعتبر هذا القانون بشكل عام تطوراً في سياسة الوحدة القومية في الصين من ممارسة سياسية واجتماعية إلى إطار تشريعي.
تستهدف القيادة الصينية من هذا القانون تحقيق ترسيخ التماسك الاجتماعي من خلال صياغة هوية وطنية مشتركة وتأسيس مجتمع موحد للأمة الصينية بجميع مكوناتها البالغ عددها 56 قومية. كما تهدف تحقيق الحوكمة والقانون وتحويل الشعارات والسياسات القومية السابقة إلى منظومة قانونية وملزمة لإدارة التنوع. ان هذا القانون الذي يعد وسيلة فعالة لصنع الوحدة وتحقيق التماسك بين مكونات الشعب الصيني اثار العديد من الانتقادات والاعتراضات من قبل جماعات ومنظمات غربية والمنظمات الحقوقية بالاخص المنظمات الامريكية وفي مقدمتها منظمة هيومن رايتس ووتش الامريكية، والمفوضية السامية الاوربية وعدد من منظمات حقوق الانسان في اليابان واوربا بحجة ان هذا القانون يتجاوز على الحريات العامة لبعض القوميات والاقليات في الصين، حيث تتهم هذه الجماعات الغربية الصين بتوظيف هذا القانون بما يتيح محاسبة أفراد أو جماعات خارج حدود الصين بتهمة تقويض الوحدة أو التحريض على الانفصال، كما تحذر منظمات دولية وحقوقية (مثل معهد الدراسات الأويغورية) من أن التشريع قد يُستخدَم لفرض الاستيعاب اللغوي والثقافي وتقويض الخصوصية الثقافية والدينية للأقليات كالإيغور والتبتيين.
الا ان الحقائق على الارض تشير الى عكس ما تدعيه هذه الجماعات التي تنطلق من سرديات مزيفة ومغرضة الى حد كبير، تستهدف الوحدة الصينية وتعمل على تقويضها ودفع المجتمع الصيني الى الانقلاب على منجزاته الكبرى، وتوظيف ادوات الدعاية والتضليل لمهاجمة السياسة الصينية الخاصة بتنظيم شؤون الاقليات والمكونات المحلية في الاقاليم المختلفة داخل المجتمع الصيني الكبير بالضغط على الحكومة الصينية وخياراتها السياسية واضعاف موقفها الدولي في اطار لعبة التنافس والصراع بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة من جهة والصين من جهة اخرى.
ولتوضيح اهمية هذا القانون يمكن الاستناد الى بعض المؤشرات والمعطيات الموضوعية من جهة والى تجربتي الشخصية عبر الزيارة التي اجريتها الى جمهورية الصين الشعبية الممتدة من 22 – آب لغاية 30 – آب من عام 2026 ومعاينتي بشكل مباشر للتنظيم الاداري اللامركزية وطريقة تعامل الحكومة الصينية مع مكونات المجتمعات المحلية المختلفة من جهة اخرى لا سيما في العاصمة بكين ومقاطعة شينجيانج ذات الاغلبية المسلمة.

فعلى مستوى المؤشرات الموضوعية يمكن ملاحظة كيف وضع الحزب الشوعي الصيني منذ عشرات السنين خطط فعالة لادارة وبناء الأمة الصينية على أساس المساواة بين جميع القوميات، مع السعي إلى تحقيق التوازن بين الهوية الوطنية المشتركة والحفاظ على الهويات المحلية، كما قامت السياسات الصينية الداخلية على اساس دعم تعليم أبناء القوميات وتراثهم الثقافي ولغاتهم، إلى جانب الجهود المتواصلة لتقليص فجوات التنمية بين المناطق الحضرية والريفية وبين مختلف المناطق، وكل هذه الاجراءات والسياسات المخطط لها شكلت عوامل رئيسية وراء فعالية الحوكمة في شؤون القوميات في الصين، وارست نسب معتبرة من الرضا الشعبي بين المكونات والقوميات وساعدت بشكل كبير في تعزيز فرص التنمية والعمل وتقديم الخدمات والمكاسب دون تمييز بين ابناء الشعب الصيني.
اما على مساوى التجربة الشخصية، فعلى الرغم من قصر الفترة التي قضيتها في الصين الا انني شاهدت وبشكل واضح اثار هذا القانون والقوانين والتشريعات الاخرى المتعلقة بالاندماج المجتمعي وازالة التمييز ومنح الفرص بالتساوي امام جميع المكونات، كما وجدت ان مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية طبيعية ممتازة في مناطق المكونات المختلفة ومن بينها اقلية الايغور والاقليات الاخرى، حيث يحظى سكان المناطق المسلمة على سبيل المثال باهتمام لا يقل ابداً عن الاهتمام الحكومي بالمناطق الاخرى التي تنتشر فيها قومية الهان التي تمثل الغالبية العظمى من الشعب الصيني .
لقد ساهمت السياسات الصينية الناجحة المتعلقة بادارة التنوع الداخلي بطريقة مثيرة للاعجاب برفع نسبة التنمية وتقليل نسب الفقر وارساء الاستقرار الاجتماعي ومواجهة التطرف والعنف وساهمت في انسجام المجتمعات المحلية في الاقاليم والمقاطعات الصينية المختلفة ومن ضمنها اقليم شينجيانج الذي يعيش فيه الايغور والهان والكازاخ والتتر واقليات اخرى، وهي تجربة رائدة تستحق الدراسة واستلهام عبرها ودروسها في بلداننا، وتدعونا قيمنا الاخلاقية الثناء على الحكومة الصينية وعلى سياساتها البناءة المتعلقة بتحقيق الاستقرار وتعزيز التعايش ومواجهة العنف والتطرف ودعم التنمية.



