الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
النظام الدولي في عصر التصعيد

العوامل المؤثرة في تآكل القواعد وتزايد مخاطر الحرب العالمية
بقلم: حسن فاضل سليم
لقد نشأ النظام الدولي الحالي بعد نهاية الحرب الباردة عام 1991 التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية بالكامل في حينها كان العالم يعيش أيام انتصار الليبرالية ومعسكرها الرأسمالي على الاشتراكية، فكان المنتصرون يفرضون شروطهم على المهزومين ويعملون على تحويل الدول الاشتراكية بسرعة من خلال سياسات التكييف الهيكلي الى دول رأسمالية، الا ان بروز القوى الدولية الصاعدة وتحديها للنظام الذي اقامته الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة بات يشكل احد أسباب تصاعد حدة الصراع مما أدى الى تآكل تدريجي للقواعد الدولية وصولاً الى اندلاع حروب تقليدية كبرى احد أطرافها من الدول الكبرى في مناطق مفصلية مثل الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الامريكية- الإيرانية، تزامن مع تزايد حدة الصراع في مجالات شتى بما فيها تسريع وتيرة التطور التكنولوجي مما يضع العالم اليوم على اعتاب حرب عالمية كبرى، تحاول هذه المقالة قراءة الوضع الدولي الراهن بعدسة واسعة وفحص مخاطر تحول هذه الصراعات الإقليمية الى حرب كبرى.
اولاً: التحول في توزيع القوى الدولية
لقد افرز نظام ما بعد الحرب الباردة هيمنة من الولايات المتحدة بنموذجها النيوليبرالي على القرار الدولي، وعلى الشكل الذي يجب ان تكون عليه دول العالم، وقد كانت معظم مكامن القوى في النظام تنحصر في مكانة الولايات المتحدة، لكن مع صعود القوى الدولية الأخرى وظهور حركة البريكس بقيادة روسيا والصين غير الراضين عن هذا التوزيع بات العالم يتجه شيئاً فشيئا نحو التصعيد العسكري، بعدما اعتقد الكثيرين ان عصر الصراعات وليس الحروب قد انتهى بنهاية الحرب الباردة، الا ان التاريخ يخبرنا ان ارتقاء أي امة او قوة عظمى لابد ان يعقبه بروز قوى منافسة غير راضية عن هذا الارتقاء.
وقد أدى اعتماد روسيا والصين على تعزيز التعاون الاقتصادي بينهم وتوسيع القاعدة الصناعية والتنموية في الصين والقفزات التنموية التي حققتها، حيث استفادت الصين من النظام الذي بنته الولايات المتحدة لتبني قوتها الذاتية وتعمل على تعزيز موقعها الدولي لدرجة أصبحت الولايات المتحدة تستشعر الخطر من صعودها.
ولم يكن الصعود الصيني سريعاً بل كان متدرجاً واستفاد من عوامل عدة حيث بدأت الصين بالانضمام الى منظمة التجارة العالمية والاستفادة من السوق الحر لتعزيز دورها التجاري العالمي منذ عام 2001، كما ان تدخل الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان أدى الى انهاك الاقتصاد الأمريكي بعد ما مر بطفرة اقتصادية كبيرة خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين، حيث شكل هذا الانهاك رافعة إضافية لصعود القوى المنافسة للولايات المتحدة والتي من بينها الصين، وهو صعود برهن على قوته من خلال الازمة المالية العالمية عام 2008 التي عصفت بالاقتصاد الأمريكي وبالنموذج الاقتصادي الأمريكي الذي شكل ايقونة مرحلة ما بعد الحرب الباردة وتتويجاً لانتصار النيوليبرالية على الاشتراكية، فكانت المرونة التي اظهرها الاقتصاد الصيني بمواجهة الازمة نابعة من طبيعته الرأسمالية المسيطر عليها من الدولة او التي تسمى رأسمالية الدولة، وهو امر أدى الى ان تتحول الصين الى قوة صاعدة، حيث باتت تتخذ مسار يساهم في زيادة قدرتها على لعب دور عالمي اكبر.
ثانياً: تآكل القواعد الدولية
لم يكن تآكل القواعد الدولية نتيجة عامل واحد بل جاء نتيجة تراكم عدة عوامل ارتبطت بتغير موازين القوة وتراجع التوافق الدولي حول القواعد التي حكمت النظام الدولي منذ الحرب الباردة. وقد ساهمت السياسات الامريكية خلال السنوات العشر الأخيرة في تعميق هذه الازمة، سيما خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، عندما تبنت الولايات المتحدة توجهاً اكثر تشدداً تجاه الاتفاقيات والمؤسسات متعددة الأطراف، وفضلت في العديد من الملفات التعامل القائم على المصالح المباشرة والمساومة الثنائية بدلاً من العمل الدولي الجماعي.

وقد انعكس هذا الاتجاه على النظام الاقتصادي الدولي من خلال عودة السياسات الحمائية وتصاعد النزاعات التجارية، ولاسيما بين الولايات المتحدة والصين. وقد أدى ذلك الى اضعاف إحدى ركائز النظام الدولي ما بعد الحرب الباردة، والمتمثلة بالتوسع المستمر للتجارة الحرة والاعتماد الاقتصادي المتبادل.
بل واكثر من ذلك شهدت السنوات الماضية عودة غير متوقعة للحروب التقليدية، بين الجيوش حيث غاب هذا النوع طوال سنوات منذ حرب عام 2003 وعام 2008، واستبدل بحروب بين جيوش نظامية ومجموعات مسلحة غير نظامية، ان عودة الحروب النظامية التقليدية لاسيما في أوروبا مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية أعطت اول مؤشر على تآكل قواعد النظام الدولي حيث عاد معها التهديد باستخدام الأسلحة النووية.
وقد ازداد الامر تعقيداً مع اندلاع الحرب في “الشرق الأوسط” بين محور المقاومة و”إسرائيل” وهي حرب امتدت على عدة دول حتى وصل الامر الى مشاركة الجمهورية الإسلامية في إيران في الحرب لأول مرة منذ عام 1988 حيث بدأت مرحلة استهدافات متبادلة بينها وبين “إسرائيل” كما ان قواعد الردع التقليدية التي كانت قائمة في المنطقة والتي كانت تصنع توازن القوى قد انكسرت وتم تخطي كل الخطوط الحمراء في المواجهة ما ترك الباب مفتوحاً امام استمرار المواجهة الشاملة دون استعادة الردع وزاد من حدة اضطراب المنطقة.
وقد فاقمت الحرب الامريكية-“الإسرائيلية” على الجمهورية الإسلامية في إيران واغلاق مضيق هرمز من مخاطر الصراع الشامل بعدما شهدت قتالاً عبر القصف المتبادل استمر 40 يوماً تلاه جولات من المفاوضات والقصف والحصار المتبادل، ما زاد من حدة ومؤشرات التوتر في منطقتين رئيسيتن هما “الشرق الأوسط” وشرق أوروبا التي بدأت تشهد في هذه المرحلة تصعيداً في حدة الخطاب والاتهامات وحرب الظل بين روسيا ودول أوروبية من حلف الناتو مع استعداد هذه الدول للدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا.
إضافة الى ذلك كله تبقى مناطق نزاعات وتوتر عرضة للانفجار في أي لحظة فقد جرت جولة قتال هندية باكستانية خلال صيف عام 2025 وجولة قتال باكستانية أفغانية خلال مطلع العام 2026 كل ذلك تزامن مع توسع الحركات المتطرفة في منطقة شمال غرب افريقيا وتدخل دول مثل الجزائر لدعم دول الصحراء الافريقية ضد الجماعات المتطرفة وحماية امن المنطقة.
هذا التآكل الكبير الذي تزامن مع تهديدات ترامب في الاستيلاء على غرينلاند والتصعيد بينه وبين أوروبا فضلاً عن احتلاله فينزويلا واعتقال رئيسها أعاد رسم خارطة التحالفات والتوازنات في النظام الدولي ودفع أوروبا لمزيد من التسلح لمواجهة نوعين من الاخطار الخطر الروسي ومخاطر الابتزاز الأمريكي، كما قلص من مستويات التعاون فيما بين الدول وادى الى لجوء الدول لتشكيل تكتلات دولية اقتصادية وعسكرية.
ثالثاً: مؤشرات الحرب العالمية القادمة (مشهد محتمل)
لا يمكن ان نفهم الوضع الدولي الراهن وتوازنات القوى الا على انها مؤشرات لمواجهة اكبر بين كتلتين من الدول كتلة منقسمة على نفسها تحاول الحفاظ على النظام الدولي المتداعي وكتلة تزداد تماسكا تحاول الانقضاض على ما تبقى من قدرات النظام الدولي الراهن مع محاولة التخلص التدريجي مع روابطها مع هذا النظام.
الا ان عودة الحروب التقليدية وتراجع الرغبة في التفاوض بين الأطراف المتعارضة وازدياد حالات ونقاط التوتر يمكن ان يؤدي في حال تفاقم الأمور الى اندلاع حرب عالمية ثالثة، حيث لم يعد السلاح النووي اليوم يشكل عامل ردع كافي لحث الدول على التراجع عن الحرب، فرغم التهديدات الروسية لاوروبا بشن حرب نووية ورغم تعديل العقيدة النووية الروسية والعقيدة النووية الامريكية لم تتفاوض القوى النووية بعد على صيغة لتجنب الصدام النووي، كما ان خيار استخدام القنابل النووية التكتيكية اصبح موضوعاً على طاولة النقاش بين القادة العسكريين والسياسيين في البيت الأبيض وحتى في موسكو ربما، مما يعني ان العالم يقترب تدريجياً نحو حرب عالمية كبرى ربما قد تكون ناجمة عن ترابط مصالح الأطراف الفاعلة في اكثر من صراع فاندماج الصراعات الإقليمية الراهنة في شرق أوروبا وفي “الشرق الأوسط” مع صراعات قد تنشب في وسط آسيا واقصى شرق آسيا عند مضيق تايوان، قد يؤدي الى تشكيل جبهة حرب على طول اليابسة القارية بين فلاديفستوك الى لشبونة ومن سواحل القطب الشمالي حتى سواحل بحر العرب، كما يمكن ان ينتقل الصراع الى القارة الافريقية مع وجود عدة قوى إقليمية في القارة يمكن ان تشارك في تحالفاتها مع اطراف الصراع فكيف سيكون شكل التحالفات؟
على عكس الحرب العالمية الأول والحرب العالمية الثانية التي شهدت حرباً بين تحالفين شاملين من عدة دول كل مجموعة منها تملك عدد من المستعمرات فاننا في عصر تزايدت فيه اعداد الدول يمكن ان نشهد حرباً عالمية بين عدة تحالفات او بين جبهتين من التحالفات لكن كل جبهة لها تحالفات فرعية وربما تضم اطراف متناقضة.
فمثلاً يمكن ان يؤدي اندلاع الحرب في تايوان بين الصين وجزيرة تايوان الى دخول اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية الى الحرب وهو ما يستدعي دخول كوريا الشمالية الى جانب الصين على المستوى الإقليمي وهي جبهة قد تشهد انخراطا أمريكيا مباشراً بحكم القرب الجغرافي من سواحل الغرب الأمريكي.
اما روسيا فأن ما سيفاقم الامر عندها هو توسيع الجبهة في شرق أوروبا لتشمل بولندا ودول البلطيق وفنلندا وهنا قد تدخل بيلاروسيا في القتال الى جانب روسيا في مواجهة دول حلف الناتو بالكامل حيث سيكون لألمانيا وفرنسا وبريطانيا الدور الأكبر في المواجهة، الا ان جبهة الناتو وبفعل توغل الأحزاب اليمينية قد تكون منقسمة على ذاتها خاصة ان بعض الدول لا تفضل دعم أوكرانيا وبعضها لم يستجب لعقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، فدولة مثل اسبانيا على الرغم من معارضتها للغزو الروسي الاوكراني ومشاركتها في العقوبات ضد روسيا وتقديم الدعم لاوكرانيا الا انها تبقى اقل تشدداً في موقفها حيال روسيا من المانيا وفرنسا وبريطانيا الذين تجاوزوا الخطوط الحمراء في تقديم الدعم واعتبروا ان الحرب الأوكرانية تمثل حربهم التي يجب ان ينجحوا بها من منع روسيا من السيطرة على كييف، بالتالي لا يتوقع ان تكون اسبانيا ضمن جبهة الحرب الأوروبية الشاملة وقد تدخل في حالة الحياد.

في “الشرق الأوسط” سيكون القتال مختلفاً حيث سيشهد تولفية من التحالفات بين الفواعل الدولية والفواعل المسلحة غير الدولية حيث سيكون هناك حضور فصائل محور المقاومة الى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران بمواجهة جماعات من بقايا القاعدة وتنظيم د1عش الإرهـ ـابي، وفي مواجهة أيضاً ضد الولايات المتحدة و”إسرائيل” حيث سيتمد الجبهة من الأراضي المحتلة في فلسطين ولبنان وسوريا وصولاً الى الحدود الإيرانية، وفي هذه المواجهة قد نشهد تعاوناً مرحلياً بين تركيا والجمهورية الإسلامية في إيران في مواجهة التهديد “الإسرائيلي” حيث ستؤدي الجمهورية الإسلامية في إيران دوراً مؤثراً ضمن مساحات تحركها في العراق فيما ستؤدي تركيا دوراً اكبر في صد التقدم “الإسرائيلي” في الأراضي السورية، مما يعني اننا قد نشهد مواجهة بين تركيا والجمهورية الإسلامية في إيران من جهة و”إسرائيل” من جهة حيث ستضم الجبهة التركية الإيرانية كل من العراق وسوريا وفصائل غير دولية، بمواجهة “إسرائيل” والولايات المتحدة وعدد من حلفاءهما في المنطقة.
بمعنى آخر، قد يؤدي التصعيد المتزامن في أكثر من إقليم إلى نشوء حرب عالمية لا تقوم بالضرورة على جبهتين متماسكتين كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وإنما على كتلتين واسعتين تتداخل داخلهما تحالفات متعددة وفواعل دولية وإقليمية وغير دولية، وتمتد جبهاتهما عبر أقاليم متباعدة. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون طبيعة الحرب وحدها مختلفة، بل إن نتائجها ستعيد تشكيل النظام الدولي برمته. فإن انتصرت كتلة الغرب الولايات المتحدة وحلفاءها فأنها ستجري تعديلات على النظام الدولي القائم بشكل كبير وتصنع قواعد جديدة لإعادة انتاج النظام، اما اذا انتصرت كتلة القوى الصاعدة مثل الصين وروسيا والجمهورية الإسلامية في إيران وحلفاءهم فانهم سيعمدون على انهاء عصر الويستفالية وسنشهد كيانات سياسية لا تشبه الدول القومية التي نشأت بعد معاهدة ويستفالية عام 1648 من خلال عودة نظام الامبراطوريات ولكن بصيغة مختلفة.
خاتمة
لا يعني تصاعد الصراعات الراهنة أن حرباً عالمية ثالثة أصبحت حتمية، لكنه يكشف عن تحول أكثر خطورة يتمثل في تراجع قدرة النظام الدولي على احتواء الأزمات ومنعها من الانتقال من مستوى إلى آخر. فالحرب الروسية الأوكرانية، والتصعيد في “الشرق الأوسط”، والتوتر حول تايوان، إلى جانب بؤر الصراع الأخرى، لم تعد أزمات منفصلة تماماً، بل أصبحت تتقاطع من خلال مصالح القوى الكبرى وشبكة التحالفات الدولية.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن يؤدي استمرار هذه الأزمات إلى إنتاج صراع مترابط تتعدد فيه الجبهات والفواعل، بحيث يمكن أن يؤدي انفجار أزمة واحدة إلى تفعيل أزمات أخرى. وفي هذه الحالة، قد لا تبدأ الحرب العالمية المقبلة بإعلان رسمي بين قوتين عظميين، وإنما من خلال سلسلة من المواجهات الإقليمية التي تتوسع تدريجياً بفعل التحالفات وتداخل المصالح وحسابات الردع.
إن العالم يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية لم تُحسم ملامحها بعد: نظام دولي آخذ في التآكل، وقوى صاعدة تسعى إلى إعادة توزيع القوة والنفوذ، وقوى قائمة تحاول الحفاظ على موقعها وقواعد النظام الذي تشكل في ظل هيمنتها. وبينما كان التنافس الدولي خلال العقود الماضية يُدار إلى حد كبير عبر أدوات اقتصادية وسياسية وغير مباشرة، فإن عودة الحرب التقليدية وتراجع القيود التي كانت تضبط استخدام القوة يرفعان كلفة الخطأ وسوء الحساب.
ولذلك فإن السؤال الأهم لم يعد: هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟ بل: هل يمتلك النظام الدولي ما يكفي من آليات لمنع أزمات متعددة من الاندماج في حرب واحدة؟
فإذا فشل في ذلك، فقد لا تكون الحرب العالمية المقبلة نسخة جديدة من حربي القرن العشرين، بل حرباً متعددة الجبهات والتحالفات، تتداخل فيها الدول والقوى الإقليمية والفواعل غير الحكومية، وتمتد آثارها من أوروبا وشرق آسيا إلى “الشرق الأوسط” وإفريقيا. وعند انتهائها، أياً كانت نتيجتها، لن يكون النظام الدولي الذي يليها بالضرورة هو النظام الذي سبقها.



