الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

لا داعي للقلق المفرط بشأن خطط البنتاغون في أوروبا

الكونغرس والحلفاء الأوروبيون وترامب يحدّون من فرص التغيير الجوهري

 

بقلم: سام سكوف

ترجمة: صفا مهدي

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

يدرس الجيش الأمريكي حالياً الوحدات التي يمكن خفضها أو سحبها، وتلك التي ينبغي الإبقاء عليها في أوروبا في إطار إعادة تقييم إدارة ترامب لوضعية انتشار القوات الأمريكية في القارة، غير أن تضارب الأولويات قد يحد من قدرة وزارة الدفاع على تنفيذ عمليات الخفض الكبيرة التي يدفع بعض المسؤولين باتجاهها. وفي 27 تموز أعلن رئيس مكتب السياسات في البنتاغون إلِبريدج كولبي، بدء مراجعة تستمر ستة أشهر للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، بهدف التحرك بسرعة وبصورة لا رجعة فيها نحو تولي أوروبا المسؤولية الرئيسية عن دفاعها التقليدي. وفي هذا الأسبوع توجه كولبي إلى أوروبا لعقد اجتماعات مع قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأفراد القوات الأمريكية، لمناقشة الخطة التي أطلق عليها اسم (الناتو 3.0).

وتحتفظ الولايات المتحدة بنحو 80 ألف عسكري في أوروبا يتمركز ما يقرب من نصفهم في ألمانيا، وتشمل الدول الأخرى التي تستضيف قوات أمريكية المملكة المتحدة وإسبانيا وإيطاليا وبولندا ورومانيا واليونان وإستونيا، إلى جانب دول أخرى. ويهدف هذا الوجود العسكري إلى المساعدة في حماية الدول المضيفة لكنه أدى أيضاً على مدى عقود دوراً محورياً في تمكين واشنطن من إسقاط قوتها في أفريقيا و”الشرق الأوسط”، عبر المطارات والقواعد البحرية والمنشآت الطبية التي توفر الرعاية للعسكريين المصابين، وتكتسب المملكة المتحدة وألمانيا أهمية خاصة بالنسبة إلى القوة الجوية الأمريكية، في حين تضطلع إسبانيا بدور مهم في القوة البحرية نظراً إلى استضافتها عدداً من المدمرات البحرية الأمريكية.

 

 

غير أن كولبي دعا منذ فترة طويلة إلى إعادة توجيه تركيز الجيش الأمريكي نحو آسيا بدلاً من أوروبا و”الشرق الأوسط” لمواجهة ما يعتبره تهديداً متنامياً من الصين، ومع تزايد نفور الرئيس دونالد ترامب المزمن من حلف الناتو، والذي تفاقم بفعل غضبه من رفض الحلفاء الأوروبيين الانضمام إلى الحرب ضد إيران، قد يرى كولبي في هذه الظروف فرصة مواتية لدفع رؤيته قدماً.

وتشير بعض المؤشرات الأولية إلى أن فريق كولبي قد يقترح خفضاً كبيراً في حجم القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا، ففي تشرين الأول 2025 سحبت وزارة الدفاع الأمريكية وحدة تناوب قوامها نحو 3000 جندي كانت تتمركز بصورة رئيسية في رومانيا، وفي كانون الأول أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة أبلغت الدول الأوروبية بضرورة الاستعداد لتولي معظم مسؤوليات الدفاع التقليدي عن نفسها بحلول عام 2027 على أقرب تقدير. وفي أيار من هذا العام ألغى البنتاغون بصورة مفاجئة نشراً مقرراً لقوات أمريكية في بولندا، قبل أن يبدو أن ترامب تراجع عن القرار بعد أيام قليلة عندما أعلن أن واشنطن سترسل بدلاً من ذلك 5000 جندي إلى البلاد غير أنه لم يتم حتى الآن نشر أي قوات أمريكية هناك، وفي حزيران أعلنت الولايات المتحدة أيضاً عن تخفيضات كبيرة في حجم القوات والطائرات والسفن الحربية التي ستلتزم بتوفيرها لأوروبا في حال تعرض حلف الناتو لهجوم.

وقالت كاثرين تومسون التي عملت سابقاً مع كولبي في البنتاغون وتشغل حالياً منصب زميل أول في معهد كاتو إن فريق كولبي يواجه على الأرجح ضغوطاً كبيرة للتحرك بسرعة، وأضافت “قد يتولى حزب سياسي مختلف رئاسة البلاد في عام 2028، ولذلك تريد ترسيخ أكبر قدر ممكن من المكاسب بحيث يصبح التراجع عنها صعباً للغاية”. وأفادت وكالة رويترز يوم الخميس بأن فريق كولبي يعد أربعة خيارات محتملة، على أن تكون هذه الخيارات جاهزة لمراجعة وزير الدفاع بيت هيغسيث بحلول 6 تشرين الثاني. أما الدول التي قد تشهد خفضاً في أعداد القوات الأمريكية فقد لا يكون تحديدها قائماً على الاعتبارات العسكرية وحدها إذ يبدو أن مواقفها السياسية تجاه إدارة ترامب قد تؤدي دوراً مؤثراً في هذا القرار، فقد أرسلت الولايات المتحدة مؤخراً استبياناً إلى الدول الأعضاء في الناتو تسألها فيه عما إذا كانت قد أبدت “دعماً علنياً” للسياسة الخارجية الأمريكية وما إذا كانت تشتري أسلحة أمريكية، وما هي القيود التي تفرضها على القواعد العسكرية الأمريكية، كما سأل الاستبيان الدول عما إذا كانت مستعدة للتنديد بالجهود الرامية إلى شراء أسلحة أوروبية.

وبحسب هذا المنطق قد تكون إسبانيا وإيطاليا الأكثر عرضة لنوع من العقاب ذي الدوافع السياسية في ضوء تدهور علاقات زعيمي البلدين مع ترامب بسبب الحرب على إيران، وتكتسب إسبانيا أهمية استراتيجية بالنسبة إلى دفاع الناتو بسبب استضافتها مدمرات أمريكية في قاعدة روتا، بينما تشمل القوات الأمريكية الرئيسية في إيطاليا طائرات استطلاع ولواءً تابعاً للجيش الأمريكي. وكانت ألمانيا قد تعرضت بالفعل لهذا النوع من صناعة السياسات عندما أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستسحب 5000 جندي من البلاد عقب انتقاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس الحرب على إيران، غير أن الولايات المتحدة أكدت أن عملية الانسحاب ستستغرق سنوات وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام إدارة أمريكية مستقبلية لإلغاء القرار أو التراجع عنه، ولم تستجب وزارة الدفاع الأمريكية لطلب التعليق. لكن طموحات كولبي قد تصطدم بعوامل سياسية تتجاوز سيطرة البنتاغون غير أن طموحات كولبي قد تتعقد بفعل اعتبارات سياسية تقع خارج نطاق سيطرة البنتاغون، فمن جهة تعتمد الحرب التي تواصل إدارة ترامب شنّها على إيران جزئياً على إمكانية الوصول إلى القواعد الجوية والبحرية الأمريكية في أوروبا، ما يجعل من غير المرجح نقل هذه الأصول العسكرية خارج القارة.

وقالت جنيفر كافاناه مديرة التحليل العسكري في مؤسسة أولويات الدفاع وهي مؤسسة بحثية في واشنطن “أعتقد أنه من غير المرجح أن نشهد أي تغييرات كبيرة في المجال البحري”، وأشارت إلى ارتفاع الطلب على القوات البحرية المتمركزة في البحر المتوسط نظراً إلى دورها في إسقاط القوة الأمريكية على المستوى الإقليمي، وأضافت كافاناه التي دعت إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا “حتى فيما يتعلق بالأنواع الأخرى من القوات، أعتقد أن نطاق التغييرات المحتملة في المدى القريب وفقًا للمعطيات الواقعية سيكون محدوداً للغاية”. كما أن المحاولات السابقة التي قادها البنتاغون لتقليص حجم القوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا لم تلقَ قبولاً سلساً في الكونغرس. فقد أثار سحب القوات من رومانيا في تشرين الأول انتقادات حادة من السيناتور الأمريكي روجر ويكر والنائب مايك روجرز، وهما أبرز المدافعين عن قضايا القوات المسلحة الأمريكية في مجلسي الشيوخ والنواب على التوالي، وكتب الاثنان أن هذه الخطوة “تقوّض الردع وتنطوي على خطر تشجيع روسيا على مزيد من العدوان”.

وعقب ذلك أدرج الكونغرس في مشروع القانون الذي يجيز تمويل الدفاع لعام 2026 نصاً يحدد حداً أدنى قوامه 76 ألف عسكري أمريكي في أوروبا، ويجوز خفض عدد العسكريين عن هذا المستوى ولكن فقط بعد أن تثبت وزارة الدفاع للكونغرس أنها تشاورت مع الحلفاء الأوروبيين إلى جانب استيفاء عدد من المتطلبات الأخرى، وشملت نقاط الخلاف الأخرى بين الكونغرس وكولبي تعليق المساعدات المقدمة إلى أوكرانيا إلى جانب التحرك لخفض التمويل الأمني المخصص لدول البلطيق.

ومنذ ذلك الحين بدا أن الكونغرس يبعث برسالة استياء من تحركات البنتاغون المتعلقة بالقوات الأمريكية في أوروبا، من خلال عدم المصادقة حتى الآن على تعيين اثنين من أبرز مساعدي كولبي: ألكسندر فيليز-غرين لمنصب نائب وكيل وزارة الدفاع وأوستن دهمر لمنصب مساعد وزير الدفاع، وكان الاثنان قد خضعا لجلسات استماع بشأن تثبيتهما في تشرين الثاني من العام الماضي. ولدى الدول الأوروبية أيضاً وسائلها التقليدية للضغط والتأثير، من خلال الكونغرس فضلاً عن إبراز دعمها لترامب، كما فعلت عبر الاستبيان الذي أرسله البنتاغون.

ويعني ذلك أن الدول التي تشتري نسبة كبيرة من أسلحتها من الولايات المتحدة مثل بولندا أو تلك التي قدمت دعماً للحرب على إيران مثل رومانيا، قد تتمكن من الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها حتى إذا لم يرَ مخططو السياسات في البنتاغون ضرورة عسكرية لذلك، وتشير تقارير أيضاً إلى أن بعض دول أوروبا الشرقية تعرض خفض تكلفة تمركز القوات الأمريكية على أراضيها. وفي الوقت نفسه أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى رغبته في أن تظل الولايات المتحدة قوة فاعلة ومؤثرة في أوروبا، وأفادت تقارير بأنه شارك في قرار يقضي بإبطاء وتيرة سحب القوات الأمريكية، لكن هذا لا يعني أن كولبي لا يملك أوراقاً للضغط ووفقاً للأحكام الجديدة التي تلزم البنتاغون بالتشاور مع الحلفاء قبل خفض عدد القوات إلى ما دون 76 ألفاً، حرص كولبي على إظهار أنه عقد اجتماعات مع عدد من الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين وذلك بصورة علنية.

وقد تصبح مهمة كولبي أسهل أيضاً بفعل الإحالة القسرية إلى التقاعد للجنرال كريستوفر دوناهيو قائد القوات البرية الأمريكية في أوروبا، وفي الوقت نفسه تفتقر القوات البرية الأمريكية التي تمتلك أكبر وجود عسكري أمريكي في القارة إلى رئيس أركان مثبت في منصبه كما يُتوقع أن تفقد قريباً أبرز مسؤوليها المدنيين دان دريسكول، كذلك غادر منصبيهما خلال الأشهر الأخيرة جنرالان من أكثر القادة إلماماً بالتهديد الروسي الجنرال كيرتس بوزارد كبير المنسقين لجهود دعم الحلفاء لأوكرانيا واللفتنانت جنرال تشارلز كوستانزا قائد الفيلق الخامس المتمركز في بولندا. لكن مهما كانت خطط البنتاغون، سيظل عليه أن يتعامل مع أكبر عنصر مجهول على الإطلاق: تقلبات ترامب وعدم إمكانية التنبؤ بقراراته. فقد جاء تراجع ترامب عن قرار البنتاغون سحب القوات من بولندا بعد تحرك الرئيس البولندي كارول ناوروكي للتواصل معه وهو زعيم تربطه بترامب علاقة وثيقة، وقد أثبت قادة أوروبيون آخرون ولا سيما الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، براعة مماثلة في استمالة ترامب وإقناعه.

وقالت كافاناه “غالباً ما تكون هذه المراجعات محاطة بالكثير من الضجيج والتوقعات، ثم تأتي التغييرات الفعلية دائماً أقل مما نتوقع”.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى