الاكثر قراءةدراساتغير مصنف

حصر السلاح بيد الدولة بين الضغوط الدولية والمطالب الوطنية – ج 2

الجزء الثاني

بقلم: د. مصدق عادل

كلية القانون/ جامعة بغداد

 

بعد أنْ بينا في الجزء الأول من الدراسة الأساس الدستوري والقانوني لحصر السلاح بيد الدولة، فضلاً عن استعراض التحديات التي تواجه تطبيقه في الواقع العملي سنتناول في هذا الجزء الآليات القانونية لحصر السلاح بيد الدولة بالنسبة للحشد الشعبي وكذلك الحال بالنسبة الى القبائل والعشائر العراقية تباعاً كالاتي:

 

أولاً: حصر السلاح بيد الدولة من قبل هيئة الحشد الشعبي

ان مبدأ سيادة القانون، ومبدأ حظر تشكيل ميليشات مسلحة خارج اطار القوات المسلحة كانا هي المبادئ التي تأسس بموجبها الحشد الشعبي، فبالرجوع الى فتوى الجهاد الكفائي للمرجع الديني الأعلى في النجف الاشرف السيد علي السيستاني (دام ظله) نجد انها اكدت على التطوع والانخراط ضمن صفوف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

وبالرجوع الى الامر الديواني الصادر من رئيس مجلس الوزراء رقم (47) لسنة 2014 فانه ينص (استناداً إلى احكام المادة (78) من دستور جمهورية العراق، وبناءً على قرار مجلس الوزراء المرقم (301) لسنة 2014، ولمقتضيات المصلحة العامة قررنا ما يأتي:

 

أ. استحداث لجنة ترتبط برئاسة مجلس الوزراء باسم (لجنة الحشد الشعبي) تتولى المهام الآتية:

  1. إدارة الحشد.

  2. التدريب.

  3. التجهيز والتسليح.

  4. التوزيع على قواطع العمليات.

 

ب. ينفذ الامر ابتداءً من تاريخ صدوره.

وبهذا يتضح ان الامر الديواني رقم (47) لسنة 2014 يشكل التطبيق الدستوري والقانوني السليم لتأسيس الحشد الشعبي بالانسجام مع المادة (9/اولاً/ب) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، حيث انيطت رئاسة هيئة الحشد الشعبي بمستشار الأمن الوطني وفق الامر الديواني رقم (54) لسنة2014([1])، ولم يتم ربطها بالقوات المسلحة (الجيش)، أو أي من الأجهزة الأمنية.

وبصدور قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016 نجد أنه استمر في السير على هذا النهج، حيث تنص المادة (1) منه “أولاً: تكون هيئة الحشد (الشعبي) المُعاد تشكيلها بموجب الأمر الديواني المُرقم (91) في 24 شباط 2016 تشكيلاً يتمتع بالشخصية المعنوية، ويعد جزءاً من القوات المسلحة العراقية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

 

ثانياً: يكون ما ورد من مواد الأمر الديواني (91) جزءاً من هذا القانون وهي:

  1. يكون الحشد الشعبي تشكيلاً عسكرياً مستقلاً وجزءاً من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

  2. يتألف التشكيل من قيادة وهيئة أركان وصنوف وألوية مقاتلة.

  3. يخضع هذا التشكيل ومنتسبوه للقوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي.

  4. يتم تكييف منتسبي ومسؤولي وآمري هذا التشكيل وفق السياقات العسكرية من تراتبية ورواتب ومخصصات وعموم الحقوق والواجبات.

  5. يتم فك ارتباط منتسبي هيئة الحشد الشعبي الذين ينضمون إلى هذا التشكيل عن كافة الأُطر السياسية والحزبية والاجتماعية ولا يسمح بالعمل السياسي في صفوفه.

  6. يتم تنظيم التشكيل العسكري من هيئة الحشد الشعبي بأركانه وألويته ومنتسبيه ممن يلتزمون مما ورد آنفاً من توصيف لهذا التشكيل وخلال مدة (3) ثلاثة اشهر.

 

ويمكن القول استناداً للمادة اعلاه ان اعتبار الحشد الشعبي تشكيلاً عسكرياً مكملاً للقوات المسلحة العراقية تمنحه الشخصية المعنوية (الشخصية القانونية) التي تجعله أهلاً لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات بمعزل عن القائد العام للقوات المسلحة، وبمعزل عن القوات المسلحة.

 

وما الارتباط الذي تتحدث عنه هذه المادة إلا للأغراض التنظيمية البحتة، وذلك على أساس أنَّ القائد العام للقوات المسلحة يعد هو القائد الفعلي والعملياتي للقوات المسلحة العراقية، وطالما تم اعتبار الحشد الشعبي – وفق القانون – جزءاً من هذه القوات فيكون من باب أولى أنْ يصار إلى النص على ارتباط الحشد بالقائد العام للقوات المسلحة، وبخلاف ذلك ينطبق عليه الحظر المنصوص عليه في المادة (9/اولاً/ب) من الدستور العراقي.

وبناء على ما تقدم يتمثل الأساس القانوني لفك ارتباط مقاتلي الحشد الشعبي بفصـ ـائل المقـ ـاومة الإسلامية في العراق بالاستناد الى المادة (1/ثانياً/5) من قانون هيئة الحشد الشعبي التي تقر بفك ارتباط مقاتلي الحشد عن الأطر الاجتماعية، حيث ينصرف مفهومها إلى تشكيلات المقاومة الإسلامية التي توجد لها مكاتب في بغداد والمحافظات العراقية، ومن ثم يتضح من النص أنَّ المشرع العراقي أراد فك الارتباط مع التنظيمات الاجتماعية من جهة، فضلاً عن فك الارتباط مع التنظيمات السياسية الأخرى.

ويمكن اعتبار هذا النص الأساس القانوني المباشر لحصر السلاح بيد الدولة وقطع العلاقة التنظيمية بين المقاتل في هيئة الحشد الشعبي الذي كان يعمل في صفوف فصـ ـائل المقـ ـاومة الإسلامية.

بعبارة اخرى فإن مجرد التعاقد مع مقاتل الحشد أو تعيينه على الملاك الدائم يوجب عليه قطع العلاقة التنظيمية مع الفصيل او التشكيل الذي كان يعمل فيه سابقاً، ومن ثم يتحقق المعنى الحكمي والقانوني لحصر السلاح بيد الدولة استناد الى احكام المادة (1/اولاً) من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016 طالما كان المشرع العراقي ممثلاً بمجلس النواب يعتبر الحشد الشعبي تشكيلاً عسكرياً يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

وما يدلل على قولنا هذا هو سبق قيام رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة (عادل عبد المهدي) بإصدار الامر الديواني رقم (237) لسنة 2019([2])، الذي الغى التسميات غير الرسمية التي كانت تستخدم سابقاً، فضلاً عن تحديد معسكرات تجمع قوات الحشد الشعبي تماماً كما هو الحال للقوات المسلحة العراقية الأخرى، وتخضع ساحات تواجد الحشد الشعبي لنظام المعركة الذي يتم إقراره على وفق السياقات المعمول بها في القوات المسلحة، كما أوجب الأمر غلق جميع المقرات التي تحمل اسم فصيل من فصائل الحشد الشعبي سواء في المدن أو خارجها([3]).

نخلص مما تقدم الى ان قرار القائد العام للقوات المسلحة بشأن حصر السلاح بيد الدولة قد تم تحقيقه بالنسبة للحشد الشعبي منذ تاريخ نفاذ قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016 والذي تم التأكيد عليه بموجب الامر الديواني رقم (237) لسنة 2019، ولهذا فإن كل ما يطلق اليوم من تصريحات أو إعلانات لا تعدو عن كونها إقراراً كاشفاً لفك الارتباط السابق مع التشكيل الذي تكون منه البذرة الاولى لالوية الحشد الشعبي حالياً، والذي يتضمن بالضرورة حصر السلاح بيد الدولة كون الحشد تشكيلاً عسكرياً يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، ومن ثم يتحقق مفهوم حصر السلاح بيد الدولة بالمعنى المتعارف عليه.

وبإمكان القائد العام للقوات المسلحة أن يصدر أمراً ديوانياً جديداً بإعادة فك ارتباط الحشد الشعبي عن التنظيمات الاجتماعي مجدداً وعن الفصيل أو التشكيل الذي ينتمي إليه سابقاً وذلك استناداً لاحكام المادة (78) من الدستور، واستناداً لاحكام المادة (1/ثانياً/5) من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016، وتحديد مدة زمنية لتنفيذ هذا الفصل التام، وبعه ذلك يصار إلى تشكيل لجنة داخل من مكتب القائد العام للقوات المسلحة بالاشتراك مع هيئة الحشد الشعبي تتولى جرد السلاح العسكري للحشد الشعبي، ورفع كشوفات تفصيلية به الى القائد العام للقوات المسلحة، وبمجرد مصادقة القائد العام للقوات على هذا الجرد واستناداً للاستقلال المالي والإداري الذي تتمتع به هيئة الحشد الشعبي وفق المادة (1/اولاً) من قانون هيئة الحشد الشعبي فانه يتحقق حصر السلاح بيد الدولة دون ان يستتبع ذلك تسليم سلاح هيئة الحشد الشعبي الى وزارة الدفاع أو التشكيلات الأخرى التي يتكون منها الجيش العراقي.

 

ثالثاً: حصر السلاح بيد الدولة من القبائل والعشائر العراقية

يعد سلاح القبائل والعشائر من التحديات التي كانت ولا تزال تواجه مبدأ سيادة القانون في العراق، حيث استطاعت بعض هذه القبائل والعشائر من بناء منظومة قوية من الأسلحة بالشكل الذي أصبحت معه قوة موازية لقوة الدولة في بعض الحالات، وتقف عائقاً امام جهود فرض القانون في بعض المواجهات التي نشهدها في بعض المحافظات العراقية.

ويكمن السبب في انتشار ظاهرة تسليح العشائر في ان غالبية هذه العشائر قد ساندت الحكومة العراقية في مواجهة الإرهـ ـاب، فضلاً عن انها شكلت البذرة الأولى لتشكيل الحشد الشعبي بعد انطلاق فتوى الجهاد الكفائي ضد تنظيم د1عش الإرهـ ـابي، يضاف لذلك الجواز القانوني المكرس في قانون الأسلحة العراقي رقم (51) لسنة 2017 الذي أجاز لجميع شيوخ القبائل والعشائر اصدار اجازات لحمل وحيازة السلاح وكذلك الحال بالنسبة لجميع المواطنين، وهو الامر الذي أدى الى عسكرة المجتمع وتحويل بعض العشائر من تنظيمات اجتماعية تسهر على الحفاظ على التقاليد العراقية الاصيلة الى قوة عسكرية موازية لقوة الدول في بعض المحافظات.

وتجدر الإشارة بهذا الصدد الى انه على الرغم من قيام الحكومة العراقية بإصدار العديد من الإجراءات والقرارات المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة ومنها تشكيل (اللجنة الوطنية الدائمة لتنظيم الأسلحة وحصرها بيد الدولة) المشكلة بموجب الامر الديواني رقم (52) في 9 آب 2021، واطلاق الاستراتيجية الأمنية لحصر السلاح بيد الدولة لعام 2023، وتشكيل (14) لجنة متخصصة بحصر السلاح([4])، غير انه لم يتحقق حصر سلاح القبائل والعشائر بيد الدولة لغاية يومنا هذا.

 

 

وللحد من السلاح غير المرخص المنتشر في صفوف أبناء القبائل والعشائر العراقية فانه يتوجب على الحكومة ممثلة بالقائد العام للقوات المسلحة القيام بالعديد من الإجراءات التي من شأنها تطبيق حصر السلاح بيد الدولة والتي نجملها بالاتي:

 

  1. تكليف وزارة الداخلية بتشكيل لجنة فرعية تتولى تحديد أعداد السلاح المتوسط والخفيف الذي يحوزه رئيس القبيلة او العشيرة أو احد الافراد التابعين له، وتوقيع تعهدات شخصية من قبل رؤساء القبائل والعشائر يتضمن عدم امتلاك أي سلاح متوسط أو خفيف غير مرخص، فضلاً عن تحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن أي سلاح متوسط يتم اقتنائه او حيازته من أبناء القبيلة أو العشيرة يتم ضبطه أو العثور عليه من قبل الأجهزة الأمنية مستقبلاً أو في حالة استعماله في النزاعات العشائرية.

  2. قيام رئيس مجلس الوزراء بمفاتحة مجلس النواب لغرض الإسراع في تشريع (مشروع قانون مجلس القبائل والعشائر العراقية عام 2016) والنص فيه على حظر شراء أو بيع أو تملك أو حيازة أي سلاح من قبل العشيرة وابنائها إلا بموافقة وزارة الداخلية أو المكاتب المرخصة لبيع السلاح.

  3. قيام رئيس مجلس الوزراء بإعداد مشروع قانون تعديل قانون مكافحة الإرهـ ـاب رقم (13) لسنة 2005 واضافة النص صراحة على اعتبار الدكة العشائرية جريمة إرهـ ـابية في المادة (2) من هذا القانون ضمن الأفعال التي تشكل الإرهاب.

  4. تكليف اللجنة الوطنية الدائمة لتنظيم الأسلحة وحصرها بيد الدولة بالقيام بحملة تثقيفية وتوعوية من خلال الإعلانات ومقاطع الفديو والمنشورات بشأن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة بين أبناء القبائل والعشائر.

  5. توجيه هيئة المنافذ الحدودية بإعداد خطة أمنية متكاملة تتضمن مسك الحدود العراقية ومنع ادخال أو تهريب أي سلاح داخل العراق أو خارجه، وتحديد سقف زمني للتنفيذ.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى