الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
دور الحرب غير المتكافئة في تشكيل الاستراتيجية العسكرية الإيرانية

بقلم: الباحث محمد حسن النبوي
مصر
تحوّلت العقيدة العسكرية الإيرانية منذ عام 1979 من مجرد استراتيجية دفاعية لمواجهة العزلة إلى منظومة متكاملة للهندسة الجيوسياسية في “الشرق الأوسط”. هذا التحول لم يكن ترفاً فكرياً بل وليد ضرورة ملحة فرضتها نتائج حرب الخليج الأولى والعقوبات الصارمة التي حَرَمَت سلاح الجو والدرع المدرّع الإيراني من التحديث مما جعل المواجهة الكلاسيكية مع القوى الكبرى بمثابة انتحار عسكري لا تطيقه إمكانيات الدولة.
ولتجاوز هذا الفارق الميداني اعتمدت طهران على خماسية استراتيجية لتحويل التكلفة المادية المنخفضة إلى تأثير جيوسياسي مضاعف. تمثلت الركيزة الأولى في بناء أضخم ترسانة صواريخ باليستية ومجنحة في المنطقة لتوفير مظلة ردع حاسمة تعوّض غياب الطيران الحديث معتمدة على استراتيجيات الإغراق الصاروخي لاختراق المنظومات الدفاعية للخصوم. أما الركيزة الثانية فكانت ثورة الطائرات المسيرة، التي أحدثت نقلة نوعية في كلفة الصراع عبر تنفيذ هجمات دقيقة وعابرة للحدود بأسعار زهيدة مقارنة بالصواريخ الاعتراضية المُكلفة التي تُستنزَف للتصدي لها.
وعلى الصعيد البحري شكلت استراتيجية “خنق المضايق” والردع في الخليج العربي ومضيق هرمز محوراً ثالثاً؛ إذ اعتمد الحرس الثوري على أسراب الزوارق السريعة والألغام البحرية لتهديد خطوط إمداد الطاقة العالمية وفرض حرب استنزاف تُربك الأساطيل التقليدية، واكتملت هذه المنظومة بالركيزة الرابعة المتمثلة في شبكة “محور المقاومة” التي أتاحت لطهران إدارة الصراع في “المساحة الرمادية” بين السلم والحرب الشاملة، مما يضمن نقل ساحات المعركة بعيداً عن عمقها الجغرافي. وأخيراً جاء تطوير القدرات السيبرانية كركيزة خامسة قادرة على استهداف البنية التحتية والقطاعات الحيوية لخصومها كأداة ردع غير مرئية.
غير أن هذه العقيدة رغم نجاحها التاريخي في فرض قواعد اشتباك معقدة، باتت تواجه اليوم اختباراً غير مسبوق أمام التفوق الاستخباراتي الحاسِم والضربات الإجهاضية الدقيقة التي تستهدف القيادات والداخل الإيراني مباشرة. هذا التحول وضع مرونة “سلاح الفقراء” والحروب بالوكالة في مواجهة ضغوط تفكيك دوائر التنسيق، لتصبح الاستراتيجية الإيرانية أمام تساؤل مصيري حول مدى قدرة أدوات الحرب غير المتكافئة على الصمود عندما يتحول الصراع من استنزاف الأطراف إلى استهداف رأس الهرم وبنيته التحتية الصلبة.
أولاً: نشأة العقيدة الإيرانية للحرب غير المتكافئة وتطورها الميداني
لم تكن استراتيجية الحرب غير المتكافئة خياراً أيديولوجياً مجرداً بالنسبة للنظام الإيراني بعد عام 1979، بقدر ما كانت استجابة قسرية لواقع أمني فرضته العزلة الدولية وانقطاع سلاسل توريد السلاح الغربي الذي كان يشكل عماد الجيش الإيراني في عهد الشاه، وقد جاءت حرب الثماني سنوات مع العراق لتشكل المعمل الحقيقي الذي وُلدت فيه هذه العقيدة، حيث تلقت طهران درساً قاسياً في عدم قدرتها على مجاراة الخصوم في الحرب التقليدية، فقد أدى تراجع كفاءة سلاح الجو الإيراني نتيجة غياب قطع الغيار لطائرات “إف-14” و”إف-4″، إلى جانب التفوق الناري العراقي والغطاء الدولي الممنوح له إلى دفع القيادة الإيرانية نحو البحث عن البديل المتاح، والمتمثل في الهندسة العكسية للصواريخ الباليستية بدءاً من عائلة صواريخ “شهاب” القائمة على تقنيات “سكود” السوفيتية.
كما أسهمت التكتيكات البحرية خلال “حرب الناقلات” في خليج عمان والخليج العربي بين عامي 1984 و1988 في إرساء دعائم التفكير غير التقليدي لدى القادة العسكريين الإيرانيين. إذ أثبتت التجربة الميدانية أن استخدام الزوارق السريعة المسلحة، والألغام البحرية، والصواريخ المحمولة من الشاطئ، كفيل بإرباك حركة الملاحة وإلحاق أضرار بالغة للقوى العظمى وحماية الخطوط البحرية دون الحاجة لامتلاك قطع بحرية ضخمة أو فرقاطات متطورة، وإلى جانب ذلك كشفت مرحلة “حرب المدن” والقصف الصاروخي المتبادل عن الأثر النفسي والسياسي العميق لوسائل الردع بعيدة المدى، مما ترسخ لدى صناع القرار في طهران بأن التفوق في الحرب لا يستلزم بالضرورة التكافؤ في العتاد، بل يكمن في امتلاك أدوات منخفضة التكلفة وقادرة على إحداث خسائر غير مقبولة لدى الطرف الآخر.
وفي أعقاب الحرب جرى توزيع أدوار مؤسسي داخل الدولة لخدمة هذه الاستراتيجية؛ حيث أُسندت للجيش النظامي “الارتش” مهام الدفاع التقليدي لحماية الحدود وسلامة الأراضي الإيرانية، بينما تحول “حرس الثورة الإسلامية” إلى رأس النواة التنفيذية والعمود الفقري للعقيدة غير المتكافئة. وتحت مظلة الحرس الثوري تبلورت القوة الصاروخية، وبرامج تطوير الطائرات المسيرة مثل عائلتي “شاهد” و”مهاجر”، والقوات البحرية الخاصة بالحروب الشاطئية خاطفة الضربات. كما أنشئ “فيلق القدس” ليكون الذراع التنفيذية المكلفة ببناء وتدريب وإدارة شبكة حليفة تمتد عبر الإقليم، وهو ما عُرف لاحقاً بمفهوم “الدفاع المتقدم” الذي ينص على نقل مسرح العمليات وحالة الاستنزاف بعيداً عن الجغرافيا الإيرانية، مما جعل خطوط الدفاع الأولى عن طهران تمتد إلى ساحل البحر المتوسط وشواطئ باب المندب.

ولمواجهة سيناريوهات الغزو المباشر أو الهجمات الخاطفة التي قد تستهدف قطع رأس القيادة، الجمهورية الإسلامية في إيران ما يُعرف بعقيدة “الدفاع الفسيفسائي”. وتقوم هذه الاستراتيجية على تقسيم البلاد إلى واحد وثلاثين قيادة اقليمية مستقلة تتبع المحافظات الإيرانية، وتتمتع هذه القيادات بصلاحيات كاملة لإدارة العمليات والتذخير والتكتيكات بشكل لامركزي تماماً في حال انقطاع الاتصالات مع الاتصال المركزي في طهران، مما يضمن استمرارية المقاومة والاستنزاف حتى تحت ظروف الهجوم الشامل.
وقد أظهرت المواجهات المباشرة وغير المباشرة الأخيرة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” أن هذه العقيدة أصبحت تمتاز بمرونة عالية والتكيف مع التطورات الميدانية، فمع تصاعد كشف الغطاء الاستخباري والتفوق التكنولوجي للخصوم والضربات الدقيقة التي طالت قيادات من الصف الأول وبنى تحتية حليفة انتقلت طهران من الاعتماد التجزيئي على الوكلاء إلى أسلوب الهجمات المركبة والمكثفة. حيث أصبحت تعتمد على إطلاق أسراب متزامنة من المسيرات والصواريخ لإغراق منظومات الدفاع الجوي المتقدمة للخصم، بالتوازي مع تعزيز مرونة سلاسل القيادة والسيطرة. ويعكس هذا التطور انتقال العقيدة العسكرية الإيرانية من مجرد كونها وسيلة لتعويض الضعف التسليحي، إلى منظومة متكاملة تهدف لإدامة استنزاف الخصوم وفرض تكاليف باهظة عليهم حتى في ظل تفوقهم العسكري والنوعي.
ثانيًا: أدوات الجمهورية الإسلامية في إيران في الحرب غير المتكافئة
تعتمد الترسانة الإيرانية غير التقليدية على خماسية عملياتية مترابطة صُممت هندسياً للالتفاف على التفوق العسكري للخصوم، ولا تُدار هذه الأدوات بمعزل عن بعضها بل تُوظف ضمن استراتيجية دمج الأسلحة الشاملة لإحداث حالة من الإنهاك المستمر والاستنزاف المالي والعملياتي لقوات الخصم.
تأتي القوة الصاروخية في صدارة هذه الترسانة بوصفها الذراع الرادعة المباشرة لطهران؛ إذ عملت الهيئة الجوية التابعة للحرس الثوري على تحويل التركيز من الصواريخ السائلة التقليدية إلى الأجيال المتطورة العاملة بالوقود الصلب، مثل صواريخ “خيبر شكن” و”فتاح” فرط الصوتية لتفادي مخاطر وقت التحضير الطويل والتتبع الاستخباري، ورغم الاستهداف المستمر لورش التجميع ومنصات الإطلاق الثابتة حولت الجمهورية الإسلامية في إيران التركيز نحو المنصات المتحركة المخفية في الأنفاق والمدن الصاروخية تحت الأرض، مع اعتماد تكتيك الإطلاق المتقاطع والمتزامن بكثافة عالية لنقل الصراع إلى عمق الخصم المباشر وإشغال حظائر الدفاع الجوي المتقدمة.
وفي الشق الجوي أحدثت الطائرات المسيرة (UAVs) نقلة نوعية في معادلة الكلفة التأثيرية لدى الجمهورية الإسلامية في إيران، فمن خلال منصات منخفضة التكلفة وخفيفة الوزن كعائلات “شاهد” الانتحارية (مثل شاهد-136) ومسيرات “مهاجر” الاستطلاعية والتكتيكية، تمكنت طهران من بناء قوة هجومية بعيدة المدى تستطيع الطيران على ارتفاعات منخفضة لتفادي الرادارات الأرضية، وتعتمد العقيدة الإيرانية هنا على مبدأ “الإغراق الدفاعي” عبر إطلاق أسراب مختلطة تجمع بين المسيرات والصواريخ الجوالة لاستنزاف الصواريخ الاعتراضية مرتفعة الثمن وتسهيل اختراق الأهداف الحيوية.
أما عنصر الفاعلين من غير الدول والشبكات الإقليمية، فيمثل خط الردع المتقدم وسلاح الإنكار السياسي لطهران. تتيح هذه الشبكة الإقليمية توزيع جبهات المواجهة على مساحة جغرافية واسعة تمتد من خليج عمان والبحر الأحمر وصولاً إلى شرق المتوسط، مما يفرض على الخصوم تشتيت القوات ورفع تكاليف الانتشار، ومع الأضرار والضربات الاستباقية القاسية التي طالت بعض أطراف هذه الشبكة وقياداتها الحاكمة، لجأت طهران إلى تعديل نمط التنسيق عبر ما يُعرف بـ “غرف العمليات المشتركة” لضمان الاستقلالية الذاتية لكل طرف مع الحفاظ على التوجيه الاستراتيجي العام.
وفي المجال البحري تحظر عقيدة الحرس الثوري المواجهة التقليدية بين السفن في المياه المفتوحة، وتعتمد بدلاً من ذلك على عقيدة “حرب العصابات البحرية” في مضيق هرمز ومياه الخليج، وتتألف هذه القوة من زوارق سريعة موجهة ومأهولة عالية المناورة مثل فئات “ذوالفقار” و”سراج” مزودة بمدفعية صواريخ خفيفة وصواريخ كروز مضادة للسفن مثل “نور” و”قادر”، بالتوازي مع التوسع في الألغام البحرية الذكية والمسيرات البحرية الهجومية، وتستهدف الجمهورية الإسلامية في إيران من هذه الجاهزية التهديد الدائم بشل حركة نقل الطاقة وتأمين أوراق ضغط اقتصادية عالمية عند نشوب أي مواجهة حادة.
تكتمل هذه الأدوات عبر الفضاء السيبراني والعمليات الإعلامية، حيث تُوظف طهران أسلوب الهجمات الإلكترونية غير المتماثلة لاستهداف المنشآت الخدمية، والبنى التحتية للطاقة، وشبكات الاتصالات التابعة للخصوم، ولا تستهدف هذه العمليات التدمير المادي الجسيم دائماً، بل يسعى العقل العسكري الإيراني من خلالها إلى تحريك “الحرب النفسية”، وإحداث حالة من الإرباك الداخلي وتشتيت الانتباه الاستخباري، مما يجعل الفضاء الرقمي ساحة موازية ومكملة للميدان العسكري التقليدي.
ثالثًا: التجسيد الميداني لنهج الحرب غير المتكافئة في الأزمات الأخيرة
لم تظل العقيدة العسكرية الإيرانية حبيسة الأدبيات النظرية، بل وُضعت على المحك الميداني عبر سلسلة من الأزمات والساحات المعقدة في منطقة “الشرق الأوسط”، وسعت طهران من خلال هذا التطبيق الميداني إلى بناء جغرافيا دفاعية ممتدة تُدار بأقل تكلفة ممكنة، وتمنحها هامش حركة واسع دون الانزلاق المباشر نحو مواجهات تقليدية شاملة قد تُهدد أمن البنية الحاكمة أو تُبرز الفجوة في ميزان القوى التسليحي.
تجلت هذه العقيدة بشكل واضح في الساحة اللبنانية حيث شكل الدعم الإيراني الممتد لحzب الله النموذج الأبرز لبناء شبكة الردع الإقليمية، فقد استثمرت طهران على مدى عقود في تزويد الحزب بترسانة صاروخية ضخمة، ومنظومات مسيرة، وتقنيات التوجيه الدقيق، ليتحول إلى رأس حربة وخط دفاع متقدم للمصالح الإيرانية في المشرق العربي. إلا أن المواجهات المتصاعدة والتطورات الميدانية التي شهدتها الجبهة الشمالية وما تبعها من عمليات “إسرائيلية” مكثفة واستهدافات طالت هيكلية القيادة والسيطرة والبنية التسليحية للطرف اللبناني وضعت هذا الخيار أمام اختبار صعب، وأدت إلى تراجع نسبي في قدرته على الحفاظ على معادلة “الردع المتكافئ” السابقة مما فرض على طهران إعادة تقييم ثقل هذا المفصل في استراتيجيتها الكلية.
وفي العمق السوري والعراقي صممت الجمهورية الإسلامية في إيران نموذجاً يقوم على رعاية فصائل وقوى مسلحة محلية لضمان تأمين الممر البري الرابط بين طهران وبيروت عبر الأراضي العراقية والسورية، ووُظفت هذه الشبكة لممارسة ضغوط عملياتية متقطعة على الوجود العسكري الأمريكي ومواجهة النفوذ المنافس مع الحفاظ على هامش من “الإنكار السياسي” لتجنب التصعيد المباشر مع واشنطن، ومع تزايد فاعلية الضربات الاستباقية والغارات الدقيقة التي استهدفت معسكرات ومقرات هذه الفصائل وخطوط إمدادها عبر الحدود، اتجه العقل العسكري الإيراني نحو إعادة توزيع هذه القوات، وتبني أساليب إدارة أكثر لامركزية وحذراً تقليلاً للخسائر البشرية والتكتيكية.

أما في الساحة اليمنية، فقد قدم دعم طهران لجماعة أنصار الله (الحوثــ ــيين) أحدث نماذج الحرب غير المتكافئة وأقلها تكلفة بالنسبة للجمهورية الإسلامية في إيران، فمن خلال تزويد الجماعة بالتقنيات الصاروخية المسيرة والخبرات البحرية تمكنت هذه القوة من فرض كلفة أمنية واقتصادية باهظة في الملاحة البحرية ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، ووفر هذا النموذج لطهران ورقة ضغط استراتيجية عالية التأثير على القوى الإقليمية والدولية وعلى سلاسل الإمداد العالمي دون أن تتورط الجمهورية الإسلامية في إيران في تبني تلك الهجمات بصفة مباشرة أو تتحمل تبعاتها المباشرة.
شكلت التحولات الميدانية المتلاحقة في السنتين الأخيرتين نقطة تحول مفصلية في تطبيق هذه العقيدة؛ إذ انتقلت المواجهة من حرب الظل والوكلاء إلى الصدام المباشر والمكثف مع “إسرائيل” والولايات المتحدة. وقد أظهرت هذه المواجهات تكتيكاً إيرانياً يقوم على إطلاق أسراب متزامنة وموجات كثيفة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بهدف “إشباع” أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات وإرباكها، وفي المقابل كشفت الهجمات والضربات المضادة المتطورة التي استهدفت المنشآت العسكرية الحساسة وشبكات الرادار داخل الجغرافيا الإيرانية عن حدة الفجوة في التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي والجوّي لصالح الخصوم.
دعت هذه المتغيرات الميدانية القيادة العسكرية الإيرانية إلى إعادة تكييف أدواتها دون التخلي عن العقيدة الأساسية؛ حيث يتجه التفكير العسكري في طهران حالياً نحو تقليل الاعتماد الكلي على الفاعلين الإقليميين بعد الضغوط الشديدة التي تعرضوا لها، والتركيز مكثفاً على بناء قدرات ردع ذاتية أكثر مرونة، وتعتمد هذه الصيغة المحدثة على الدمج بين القوة الصاروخية السريعة والمركزة، والتوسع في الحرب السيبرانية، وتعميق تكتيكات اللامركزية القيادية بما يضمن صمود هيكل الدفاع الإيراني وإدامة قدرته على فرض التكاليف العالية في أي أزمة مستقبلية.
رابعًا: التحولات الحديثة في عقيدة الحرب غير المتكافئة الإيرانية وآفاقها المستقبلية
فرضت المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة بين الجمهورية الإسلامية في إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى، واقعاً جديداً كشف عن دخول العقيدة الإيرانية مرحلة عملية من التحول الهيكلي والتكتيكي. فلم تعد هذه العقيدة تكتفي بالأدوار التقليدية الموزعة سابقاً بل أُجبرت على التكيف مع بيئة أمنية تتميز بالتفوق التكنولوجي الواضح للخصوم، والاعتماد المكثف على شبكات الاستطلاع الفضائي، والضربات الدقيقة عبر الجو، وقد انطلقت هذه التعديلات من واقع استخباري وميداني مؤلم كشف عن انكشاف بعض حلفاء طهران والتأثير القاسي للضربات الاستباقية التي طالت قيادات رفيعة المنصب وبنى تحتية تسليحية متقدمة داخل وخارج الجغرافيا الإيرانية.
أدى هذا التحول الميداني إلى ميل العقل العسكري الإيراني نحو تقليل الرهان المطلق على شبكة “الوكلاء والفاعلين الإقليميين” كخط دفاع أول، والتحول السريع نحو بناء كفاءة “الاعتماد الذاتي المباشر”، ويظهر هذا المعطى بوضوح في تطوير مفهوم “الردع المركب أو الهجين”؛ وهو تكتيك عملياتي يعتمد على الربط العضوي المباشر بين منصات إطلاق الصواريخ الباليستية ذات الأبعاد المتعددة مثل منظومات صواريخ “خيبر شكن” و”فتاح” ذات المناورة العالية، وأسراب الطائرات المسيرة الانتحارية كطائرات “شاهد-136” وأجيالها الحديثة، بالتوازي مع فتح جبهات اختراق سيبراني وهجمات إلكترونية مستهدفة، والهدف من هذه الاستراتيجية المدمجة لم يعد يقتصر على مجرد إحداث تدمير مادي في موقع محدد، بل تشتيت جهد أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات مثل “القبة الحديدية”، و”مقلاع داوود”، ومنظومات “باتريوت” و”ثاد”، عبر نقل سيناريو “الإغراق الناري” المزدوج من مسار واحد إلى مسارات واختراقات متزامنة تشغل حظائر الاعتراض للخصوم وتستنزف ذخائرها مرتفعة التكلفة.
ومع تزايد حجم الاختراقات الاستخباراتية وتتابع الضربات المركزية التي استهدفت خطوط التجميع الثابتة ومراكز إدارة القوة داخل إيران، سارعت طهران إلى نقل مفهوم “الدفاع الفسيفسائي” إلى مستويات أكثر متانة وعزل حركي، وتجسد ذلك عبر التوسع الاستثماري في نقل الترسانة الصاروخية ومصانع المسيرات إلى أعماق سحيقة تحت الأرض داخل المنشآت الخرسانية المعروفة “بلمدن الصاروخية”، مع التركيز على استخدام منصات الإطلاق المتحركة والسريعة التي تعتمد مبدأ “اضرب واختفِ”، لتقليل بصمتها الحرارية والرادارية أمام مسيرات وطائرات استطلاع الخصوم. وإلى جانب التحصين الهندسي أُعطيت القيادات الاستقليمية لـ 31 محافظة إيرانية صلاحيات أوسع لإدارة مخازن العتاد ومتابعة القرار التكتيكي بشكل مجزأ لضمان استمرارية استهداف القواعد والمصالح المعادية حتى في حال انقطاع الاتصالات المركزية مع هيئة أركان الحرس الثوري في طهران.
وعلى الصعيد التقني والتطويري استغل العقل التسليحي الإيراني معطيات الحروب الحديثة كما جرى استخلاصه من الساحة الأوكرانية و”الشرق أوسطية” لإدخال أدوات تحسين نوعية؛ مثل دموج تقنيات الذكاء الاصطناعي البسيطة وخوارزميات الملاحة الذاتية في الطائرات المسيرة لمواجهة التشويش الإلكتروني المتبادل، والاعتماد على شبكات الاتصال العنقودية بين المسيرات لتبادل الأهداف آلياً أثناء الطيران. علاوة على ذلك أظهرت المواجهات الأخيرة توسعاً في استخدام صواريخ الكروز الساحلية ذات الارتفاع المنخفض والزوارق غير المأهولة الموجهة عن بعد في مياه خليج عمان ومضيق هرمز، بهدف إبقاء الشرايين الملاحية والاقتصادية للخصوم تحت التهديد الدائم دون الانخراط في معارك بحرية تقليدية مفقودة النتيجة.
إن هذه التحولات المؤكدة تشير إلى أن استراتيجية الحرب غير المتكافئة الإيرانية لا تتجه نحو التراجع أو التخلي بل تمر بإنعطافة إعادة هيكلة جذري لرفع كفاءتها، ورغم التحديات الكبيرة التي تفرضها منظومات الرصد والذكاء الاصطناعي المتطورة والضربات الموجهة الشديدة التي يستخدمها الخصوم لقطع سلاسل الإمداد وملاحقة شبكات التمويل والتصنيع، إلا أن طهران لا تزال تنظر إلى هذه العقيدة بوصفها خيار الوجود المتبقي؛ حيث يُعاد صقل أدواتها باستمرار لتظل قادرة على إدامة حالة الاستنزاف، وفرض تكاليف غير مقبولة على أي طرف يستهدف تغيير المعادلات السياسية أو الأمنية في المنطقة.
خاتمة
تشكل الحرب غير المتكافئة الركيزة الأساسية للعقيدة العسكرية الإيرانية، إذ استطاعت طهران من خلالها تعويض جانب كبير من الفجوة في القدرات العسكرية التقليدية مقارنة بخصومها، مستندة إلى مزيج من القوة الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والقدرات السيبرانية، وشبكة الحلفاء الإقليميين، وقد مكنها هذا النهج من تعزيز قدرتها الردعية، وتوسيع نفوذها الإقليمي، ورفع تكلفة أي مواجهة عسكرية مباشرة ضدها.
إلا أن التطورات الإقليمية والمواجهات العسكرية الأخيرة كشفت في الوقت نفسه عن حدود هذه الاستراتيجية في ظل تصاعد قدرات الاستطلاع والاستخبارات والضربات الدقيقة، وتطور منظومات الدفاع الجوي، فضلًا عن الضغوط التي تعرضت لها بعض الأذرع الإقليمية لجمهورية الإسلامية في إيران، وقد دفع ذلك القيادة الإيرانية إلى إعادة تطوير أدوات الحرب غير المتكافئة من خلال زيادة الاعتماد على القدرات الذاتية، وتعزيز اللامركزية في القيادة والسيطرة، ودمج الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات السيبرانية ضمن مفهوم أكثر تكاملًا للردع.
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن الحرب غير المتكافئة ستظل تمثل الخيار الاستراتيجي الأكثر واقعية للجمهورية الإسلامية في إيران في المستقبل المنظور، ليس باعتبارها بديلًا عن القوة التقليدية فحسب، وإنما بوصفها عقيدة عسكرية مرنة وقابلة للتكيف مع التحولات المتسارعة في بيئة الصراعات الحديثة، ومن ثم، فإن فهم هذه العقيدة وتطوراتها يعد أمرًا ضروريًا لتحليل السلوك العسكري الإيراني واستشراف توجهاته المستقبلية في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي.



