الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الحصة التركية البالغة 15% في حقول نفط كركوك

التحولات الجيوسياسية في معادلة الطاقة بين العراق وتركيا

 

 

بقلم: بختيار أحمد صالح

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

يشهد قطاع الطاقة في العراق تحولاً مهماً مع انتهاء العمل باتفاقية خط أنابيب كركوك-جيهان الموقعة عام 1973، وبدء بغداد وأنقرة مفاوضات لصياغة إطار جديد للتعاون في مجال الطاقة. وعلى الرغم من أن التصريحات الرسمية ركزت على إمكانية رفع صادرات النفط العراقي عبر تركيا إلى مليون برميل يومياً، فإن التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن التطور الأكثر أهمية يتمثل في منح شركة النفط التركية الحكومية (TPAO) حصة تبلغ 15% في مشروع تطوير حقول كركوك النفطية.

يمثل هذا التطور تحولاً نوعياً في موقع تركيا داخل منظومة الطاقة العراقية؛ فبعد أن اقتصر دورها لعقود على استضافة خط أنابيب كركوك-جيهان بوصفها دولة عبور (Transit State)، أصبحت اليوم شريكاً مباشراً في عمليات الاستكشاف والإنتاج، وهو ما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً يتجاوز حدود قطاع النفط.

وتسعى هذه الورقة إلى تحليل الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية لهذا التحول، وتقييم تأثيره على العراق وإقليم كردستان، إضافة إلى استشراف انعكاساته على أمن الطاقة في “الشرق الأوسط”، ومستقبل التنافس الإقليمي بين تركيا وإيران والقوى الدولية العاملة في قطاع النفط العراقي.

يعد النفط أحد أهم محددات السياسة الخارجية والتحالفات الإقليمية في “الشرق الأوسط”، إذ لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح أداة لإعادة تشكيل موازين القوى وبناء النفوذ السياسي. وفي هذا السياق، يمثل النفط العراقي، ولا سيما نفط محافظة كركوك، أحد أكثر الملفات حساسية بسبب تشابك أبعاده الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والقومية والجيوسياسية.

منذ سبعينيات القرن الماضي، شكل خط أنابيب كركوك–جيهان الشريان الرئيسي لتصدير النفط العراقي إلى الأسواق العالمية عبر البحر المتوسط، كما مثل أحد أهم عناصر الشراكة الاقتصادية بين بغداد وأنقرة. وقد نظمت هذه العلاقة اتفاقية موقعة عام 1973، استمرت لأكثر من خمسة عقود، قبل أن تصل إلى نهايتها في عام 2026، في ظل متغيرات سياسية واقتصادية وقانونية عميقة.

وتزامن انتهاء الاتفاقية مع عدة تطورات، أبرزها قرار هيئة التحكيم الدولية في باريس عام 2023 الذي حمّل تركيا مسؤولية السماح بتصدير نفط إقليم كردستان دون موافقة الحكومة الاتحادية، وما ترتب عليه من توقف صادرات النفط عبر ميناء جيهان لفترة طويلة، الأمر الذي دفع الطرفين إلى إعادة صياغة قواعد التعاون النفطي بينهما.

غير أن التطور الأبرز لم يكن متعلقاً باستئناف ضخ النفط أو زيادة كميات التصدير، وإنما بإعادة هيكلة المصالح الاقتصادية داخل حقول كركوك نفسها، من خلال إشراك شركة النفط التركية الحكومية (TPAO) في مشروع تطوير هذه الحقول بحصة تبلغ 15%.

ومن منظور استراتيجي، فإن هذه الخطوة تعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين تركيا والعراق، حيث انتقلت أنقرة من موقع الدولة الناقلة للطاقة إلى موقع المستثمر والشريك المنتج، بما يمنحها نفوذاً دائماً في أحد أهم الأصول النفطية العراقية.

وتفترض هذه الورقة أن هذا التحول لا يمكن فهمه باعتباره صفقة استثمارية فحسب، بل ينبغي النظر إليه بوصفه جزءاً من استراتيجية تركية أوسع تهدف إلى ترسيخ مكانة البلاد كمركز إقليمي للطاقة، وربط المصالح الاقتصادية بالنفوذ السياسي والأمني في العراق.

 

أولاً: الخلفية التاريخية لاتفاقية كركوك–جيهان

وقعت العراق وتركيا في عام 1973 اتفاقية إنشاء وتشغيل خط أنابيب كركوك–جيهان، بهدف نقل النفط الخام من حقول كركوك إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، ليتم تصديره إلى الأسواق العالمية. وخلال العقود اللاحقة، أصبح الخط أحد أهم منافذ تصدير النفط العراقي، حيث بلغت طاقته التصميمية أكثر من مليون برميل يومياً بعد إنشاء الخط الثاني في ثمانينيات القرن الماضي. وكانت الاتفاقية تمنح تركيا دوراً أساسياً في تشغيل وصيانة البنية التحتية للنقل، مقابل حصولها على رسوم عبور، بينما بقيت ملكية النفط وإدارته بالكامل بيد الدولة العراقية.

وبعد عام 2003، ومع تأسيس حكومة إقليم كردستان وتطويرها قطاع النفط بصورة مستقلة، دخل خط كركوك–جيهان مرحلة جديدة، إذ أصبح يُستخدم أيضاً لتصدير نفط الإقليم، وهو ما أدى إلى خلافات قانونية وسياسية متصاعدة بين بغداد وأربيل. وفي عام 2014، بدأت حكومة الإقليم تصدير النفط بشكل مستقل عبر تركيا، مستندة إلى تفاهمات مباشرة مع أنقرة، الأمر الذي اعتبرته بغداد انتهاكاً لسيادتها ولاتفاقية خط الأنابيب. واستمرت الأزمة حتى مارس 2023، عندما أصدرت هيئة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس حكماً لصالح العراق، معتبرة أن تركيا خالفت الاتفاقية الثنائية بالسماح بتصدير نفط الإقليم دون موافقة الحكومة الاتحادية. وأدى القرار إلى توقف صادرات النفط الشمالية، وهو ما ألحق خسائر مالية كبيرة بالعراق وإقليم كردستان، كما كشف هشاشة منظومة تصدير النفط القائمة على التفاهمات السياسية أكثر من اعتمادها على أطر قانونية مستقرة.

وبحلول عام 2026، ومع انتهاء مدة الاتفاقية الأصلية، وجد الطرفان نفسيهما أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة النفطية على أسس جديدة، لا تقتصر على تشغيل خط الأنابيب، بل تشمل الاستثمار والإنتاج والغاز والكهرباء وربط البنية التحتية للطاقة بين البلدين. غير أن العنصر الأكثر لفتاً للانتباه في هذه المرحلة كان إدخال شركة النفط التركية الحكومية (TPAO) كشريك مباشر في مشروع تطوير حقول كركوك، وهي خطوة تمثل تحولاً هيكلياً في طبيعة الدور التركي داخل قطاع الطاقة العراقي، وقد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية في شمال العراق.

 

ثانياً: دخول شركة TPAO إلى مشروع تطوير حقول كركوك

يعد انضمام شركة النفط التركية الحكومية (TPAO) إلى مشروع تطوير حقول كركوك أهم بند في التفاهمات الجديدة بين بغداد وأنقرة، ليس بسبب حجم الحصة البالغ 15% فحسب، وإنما بسبب ما يمثله من تحول في طبيعة الدور التركي داخل قطاع النفط العراقي. فطوال العقود الخمسة الماضية، كانت تركيا تؤدي دور دولة العبور التي تستضيف خط أنابيب كركوك–جيهان، وتحصل على رسوم نقل النفط العراقي إلى الأسواق العالمية. أما اليوم، فإنها تدخل للمرة الأولى إلى قلب عملية الإنتاج نفسها، لتصبح شريكاً في تطوير أحد أكبر الحقول النفطية في العراق. وبحسب هيكل المشروع المقترح، توزع الحصص على النحو الآتي:

الشركة

نسبة المشاركة

BP البريطانية

43%

ConocoPhillips الأمريكية

42%

TPAO التركية

15%

ورغم أن الحصة التركية هي الأصغر بين الشركاء الثلاثة، فإن قيمتها الاستراتيجية تفوق حجمها العددي، لأن المشاركة في الإنتاج تمنح أنقرة حقوقاً لا توفرها مجرد عقود النقل أو العبور، مثل الاطلاع على البيانات الفنية، والمشاركة في التخطيط طويل الأمد، والإسهام في قرارات الاستثمار والتطوير .وتشمل أعمال المشروع عدداً من أهم الحقول النفطية العراقية، أبرزها: حقل بابا كركر، حقل آفانا، حقل باي حسن، حقل جمبور و حقل خباز. وتعد هذه الحقول من أقدم وأغنى المناطق النفطية في العراق، إذ تقدر احتياطياتها بمليارات البراميل، بينما ما تزال أجزاء واسعة منها بحاجة إلى تقنيات حديثة لزيادة معدلات الاستخراج وتحسين الإنتاج. ومن ثم، فإن دخول TPAO يمنح تركيا موطئ قدم دائم في أحد أهم مراكز إنتاج النفط في “الشرق الأوسط”.

 

ثالثاً: لماذا تعد نسبة 15% أكبر من مجرد رقم؟

من الناحية الاقتصادية، قد تبدو نسبة 15% محدودة مقارنة بحصص BP وConocoPhillips، إلا أن قراءة جيوسياسية مختلفة تكشف أن قيمة هذه الحصة لا تقاس بحجم الأرباح فقط، وإنما بما توفره من نفوذ طويل الأمد:

  1. الانتقال من دولة عبور إلى دولة منتجة: لسنوات طويلة، اعتمدت تركيا على موقعها الجغرافي لتصبح ممراً رئيسياً للطاقة القادمة من العراق وأذربيجان وآسيا الوسطى. لكن هذا النموذج يجعل أنقرة رهينة لاستمرار تدفق النفط عبر خطوط الأنابيب. أما امتلاك حصة في الإنتاج، فيمنحها دوراً مستقراً حتى في حال تغير مسارات النقل مستقبلاً. وبذلك تنتقل تركيا تدريجياً من مفهوم Transit State إلى مفهوم Producer Partner، أي شريك في الإنتاج وليس مجرد ناقل للطاقة.

  2. حماية أمن الطاقة التركي: تستورد تركيا أكثر من 90% من احتياجاتها النفطية، وهو ما يجعل أمن الطاقة أحد أهم أولويات السياسة الخارجية التركية. ومع ازدياد التوترات في الخليج، وارتفاع احتمالات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، تسعى أنقرة إلى تنويع مصادر الإمداد. وتمنحها المشاركة في حقول كركوك فرصة لتأمين إمدادات مستقرة نسبياً من النفط الخام، بعيداً عن مخاطر الممرات البحرية.

  3. ترسيخ مشروع مركز الطاقة: تتبنى الحكومة التركية منذ سنوات استراتيجية تهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة يربط بين “الشرق الأوسط” وأوروبا. وتقوم هذه الرؤية على ثلاثة محاور رئيسية: السيطرة على طرق النقل، المشاركة في الإنتاج و تطوير البنية التحتية للتكرير والتخزين والتصدير ومن ثم، فإن الاستثمار في كركوك يمثل الحلقة المفقودة في هذه الاستراتيجية.

  4. تعزيز النفوذ السياسي في “الشرق الأوسط”: غالباً ما تتحول الاستثمارات النفطية إلى أدوات تأثير سياسي. فالدول التي تمتلك مصالح إنتاجية طويلة الأجل تصبح أكثر حضوراً في عملية صنع القرار داخل الدولة المضيفة. ولا يعني ذلك التدخل المباشر في السياسات العراقية، لكنه يمنح تركيا قدرة أكبر على حماية مصالحها عبر القنوات الاقتصادية والدبلوماسية.

 

 

رابعاً: لماذا قبلت بغداد بهذه الصيغة؟

قد يثار سؤال مهم: إذا كانت كركوك أحد أهم الأصول النفطية العراقية، فلماذا تمنح بغداد حصة لشركة أجنبية مملوكة لدولة مجاورة؟ يمكن تفسير ذلك بعدة اعتبارات:

  1. الحاجة إلى الاستثمار: تعاني معظم حقول كركوك من انخفاض معدلات الإنتاج مقارنة بإمكاناتها الحقيقية. وتحتاج هذه الحقول إلى استثمارات ضخمة وتقنيات حديثة، خصوصاً في مجالات الاستخلاص المعزز وإدارة المكامن. وبالتالي، فإن إشراك شركات دولية يخفف العبء المالي عن الحكومة العراقية.

  2. ضمان إعادة تشغيل خط جيهان: ترتبط إعادة تشغيل صادرات النفط الشمالية بتفاهمات سياسية واقتصادية مع تركيا. ومن ثم، فإن منح TPAO حصة في المشروع يخلق مصلحة اقتصادية مباشرة لأنقرة في استمرار تدفق النفط. وبمعنى آخر، تتحول تركيا من مجرد طرف يقدم خدمة نقل إلى شريك يخسر مالياً إذا توقفت الصادرات.

  3. بناء شراكة طويلة الأمد: تسعى بغداد إلى تجاوز مرحلة الأزمات المتكررة التي ميزت العلاقات النفطية مع تركيا خلال العقد الماضي. ومن خلال إشراك TPAO، يصبح التعاون قائماً على المصالح المشتركة، وليس فقط على اتفاقيات النقل.

  4. جذب استثمارات إضافية: وجود BP وConocoPhillips وTPAO في مشروع واحد قد يشجع شركات أخرى على دخول السوق العراقية، خاصة في قطاع الغاز الطبيعي والطاقة الكهربائية.

  5. العلاقة مع مشروع طريق التنمية: لا يمكن فصل الاتفاق النفطي الجديد عن مشروع طريق التنمية العراقي الذي يربط ميناء الفاو بتركيا وأوروبا. فأنقرة تنظر إلى المشروعين باعتبارهما جزءاً من رؤية استراتيجية واحدة. فالنفط والغاز وخطوط السكك الحديدية والموانئ ليست مشاريع منفصلة، بل شبكة لوجستية متكاملة تهدف إلى تحويل تركيا إلى البوابة الرئيسية لعبور التجارة والطاقة بين الخليج وأوروبا. ومن هذا المنطلق، فإن دخول TPAO إلى كركوك يعزز أيضاً فرص نجاح طريق التنمية، لأن المصالح الاقتصادية التركية لن تقتصر على النقل، بل ستمتد إلى الإنتاج نفسه.

 

خامساً: تأثير الاتفاق على إقليم كردستان

يمثل الاتفاق الجديد بين بغداد وأنقرة نقطة تحول في العلاقة النفطية مع إقليم كردستان، إذ إنه يأتي بعد أكثر من ثلاث سنوات من توقف صادرات نفط الإقليم عبر ميناء جيهان نتيجة قرار هيئة التحكيم الدولية في باريس عام 2023، الذي أكد أحقية الحكومة الاتحادية في الإشراف على صادرات النفط العراقية. وخلال العقدين الماضيين، كان اقتصاد إقليم كردستان يعتمد بصورة كبيرة على تصدير النفط بصورة مستقلة عبر الأراضي التركية، وهو ما منح الإقليم هامشاً واسعاً من الاستقلال المالي والسياسي، كما وفر لأنقرة نفوذاً مباشراً داخل المعادلة النفطية الكردية.

إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن تركيا بدأت تعيد ترتيب أولوياتها. فبدلاً من الاعتماد على العلاقة الثنائية مع حكومة الإقليم، تتجه أنقرة إلى بناء شراكة استراتيجية مباشرة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، بما ينسجم مع المتغيرات القانونية التي فرضها قرار التحكيم الدولي، ويضمن حماية استثماراتها المستقبلية. وبذلك، فإن مركز الثقل في التعاون النفطي ينتقل تدريجياً من أربيل إلى بغداد، وهو تحول يحمل انعكاسات سياسية واقتصادية مهمة على إقليم كردستان. ولا يعني ذلك انتهاء الدور الاقتصادي للإقليم، فخط كركوك–جيهان يمر عبر أراضيه، كما أن العديد من البنى التحتية النفطية تقع ضمن مناطقه. غير أن الإقليم قد يفقد تدريجياً القدرة على التأثير المنفرد في قرارات التصدير، ليصبح جزءاً من منظومة وطنية أكثر مركزية تقودها بغداد. كما أن دخول TPAO إلى مشروع تطوير حقول كركوك يحد من قدرة حكومة الإقليم على استخدام ورقة النفط كورقة تفاوضية، لأن تركيا أصبحت تمتلك مصالح مباشرة في الحقول الخاضعة لإدارة الحكومة الاتحادية، وليس فقط في خطوط النقل القادمة من الإقليم.

 

سادساً: الاتفاق في سياق التنافس التركي–الإيراني

لا يمكن فهم الاتفاق النفطي بمعزل عن التنافس الجيوسياسي بين تركيا والجمهورية الاسلامية في ايران على النفوذ في العراق. فعلى مدى العقدين الماضيين، عززت الجمهورية الاسلامية في ايران حضورها داخل العراق عبر شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية، بينما اعتمدت تركيا بصورة أكبر على أدوات الاقتصاد والتجارة والطاقة. ومع دخول TPAO إلى حقول كركوك، تبدو أنقرة وكأنها تسعى إلى ترسيخ نفوذ اقتصادي طويل الأمد في منطقة تعد ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للجمهورية الاسلامية في ايران أيضاً، نظراً لقربها من مناطق النفوذ الإيراني في شمال ووسط العراق. ومن هذا المنظور، فإن الاستثمار التركي لا يمثل مجرد مشروع اقتصادي، بل يشكل جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى موازنة النفوذ الإيراني داخل العراق عبر أدوات الاستثمار والطاقة، بدلاً من الأدوات العسكرية أو الأمنية. كما أن تركيا تدرك أن أي تراجع في أهمية مضيق هرمز أو أي اضطراب أمني في الخليج سيزيد من القيمة الاستراتيجية للمسارات البرية لنقل النفط، وهو ما يمنح كركوك وخط جيهان أهمية مضاعفة في الحسابات الإقليمية.

 

سابعاً: البعد الدولي… لماذا يشارك البريطانيون والأمريكيون؟

من اللافت أن المشروع لا يقتصر على مشاركة شركة النفط التركية، بل يضم أيضاً شركتين من أكبر شركات الطاقة الغربية، هما BP البريطانية وConocoPhillips الأمريكية. ويعكس ذلك جملة من الاعتبارات الاستراتيجية:

  1. تسعى بغداد إلى استقطاب شركات تمتلك خبرات تقنية متقدمة قادرة على إعادة تطوير الحقول القديمة وزيادة الإنتاج، وهو ما يجعل وجود BP وConocoPhillips عاملاً مهماً في نجاح المشروع.

  2. يمثل وجود شركتين بريطانيا وأمريكية نوعاً من الضمان السياسي والاقتصادي، إذ يقلل من احتمالات تحول المشروع إلى مجال نفوذ أحادي لتركيا، ويمنح بغداد هامشاً أوسع في إدارة توازناتها الدولية.

  3. تنظر الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى العراق بوصفه أحد المصادر الرئيسية التي يمكن أن تسهم في تنويع إمدادات الطاقة العالمية، ولا سيما في ظل استمرار الأزمات الجيوسياسية في مناطق إنتاج النفط الأخرى.

  4. المشروع لا يخدم المصالح التركية وحدها، بل ينسجم أيضاً مع توجهات غربية تهدف إلى تعزيز استقرار إنتاج النفط العراقي وإبقائه جزءاً من منظومة أمن الطاقة العالمية.

 

خاتمة

تكشف قراءة الاتفاق الجديد بين العراق وتركيا أن التركيز الإعلامي على إمكانية رفع صادرات النفط إلى مليون برميل يومياً قد حجب البعد الأكثر أهمية في هذا التحول، وهو دخول شركة النفط التركية الحكومية (TPAO) شريكاً في تطوير حقول كركوك بحصة تبلغ 15%، وعلى الرغم من أن هذه النسبة تبدو محدودة من الناحية الرقمية، فإنها تحمل دلالات استراتيجية عميقة. فهي تعكس انتقال تركيا من دور الدولة الناقلة للنفط إلى دور المستثمر والمنتج، بما يمنحها نفوذاً مؤسسياً داخل أحد أهم الأصول النفطية العراقية.

وفي المقابل، تراهن بغداد على أن هذه الصيغة ستسهم في جذب الاستثمارات، وإعادة تشغيل البنية التحتية للصادرات، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع تركيا ضمن إطار قانوني جديد أكثر استقراراً. إلا أن نجاح هذه الشراكة سيظل مرهوناً بعدة عوامل، أبرزها تسوية الخلافات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وضمان استقرار البيئة الأمنية، والحفاظ على توازن دقيق بين المصالح العراقية والتركية والغربية.

في المحصلة، لا يمثل الاتفاق مجرد إعادة تنظيم لعلاقات الطاقة بين بغداد وأنقرة، بل يؤشر إلى بداية مرحلة جديدة في الجغرافيا السياسية للطاقة في “الشرق الأوسط”، حيث لم تعد السيطرة على خطوط الأنابيب وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت المشاركة في ملكية الأصول الإنتاجية وإدارة سلاسل القيمة النفطية أحد أهم مصادر النفوذ الاستراتيجي.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى