اصدارات المركزالاكثر قراءةتحليلات و آراء

التطورات في العراق.. والنظام الأمني في “الشرق الأوسط”

قراءة في تحولات الردع وإعادة تشكيل النظام الأمني في “الشرق الأوسط”

 

بقلم: نور نبيه جميل

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

يشهد النظام الأمني في “الشرق الأوسط”، منذ أحداث السابع من تشرين الأول 2023 وما أعقبها من اتساع رقعة المواجهات الإقليمية سيما الحرب الإيرانية-“الإسرائيلية”، تحولات بنيوية عميقة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية التقليدية لتطال طبيعة التفاعلات الاستراتيجية بين القوى الإقليمية والدولية. فلم تعد الأزمات الأمنية تُقاس بحجم العمليات العسكرية أو بعدد الضربات المنفذة، بقدر ما أصبحت ترتبط بقدرتها على إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، وإعادة توزيع موازين القوة، وإنتاج أنماط جديدة من الردع تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الأبعاد السياسية والاقتصادية والاستخبارية والقانونية وفي هذا السياق تراجعت الحدود الفاصلة بين الأمن الوطني والأمن الإقليمي إذ باتت الأزمات المحلية تمتلك القدرة على إنتاج تداعيات عابرة للحدود، في ظل تصاعد دور الفاعلين من غير الدول وتطور وسائل الحرب غير المتماثلة وتزايد الاعتماد على القدرات الاستخبارية والتقنيات الحديثة في إدارة الصراعات وفي ضوء هذه البيئة المتغيرة تبرز التطورات الأمنية في المحور السعودي-العراقي خلال تموز 2026 بوصفها أحد أبرز مظاهر التحول في بنية الأمن الإقليمي فقد شهدت المنطقة سلسلة من التطورات الأمنية المتبادلة شملت هجمات استهدفت منشآت داخل السعودية أعقبتها عمليات عسكرية استهدفت مواقع داخل الأراضي العراقية وفقاً لما أعلنته الجهات الرسمية لدى الأطراف المعنية. ولا يمكن النظر إلى هذه الأحداث باعتبارها وقائع أمنية منفصلة اذ تمثل امتداداً لحالة الاستقطاب الإقليمي المتصاعدة التي تتشابك فيها حسابات الردع مع اعتبارات النفوذ الجيوسياسي وتتداخل فيها المصالح الوطنية مع استراتيجيات القوى الكبرى المنخرطة في “الشرق الأوسط” كما تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأنها تقع عند نقطة تقاطع عدد من أكثر الملفات حساسية في الإقليم؛ فهي ترتبط بمستقبل الصراع الأمريكي–الإيراني وبالتوازنات الأمنية في الخليج، وبانعكاسات الحرب الإيرانية–”الإسرائيلية” على المنطقة فضلاً عن تأثيرها في أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز والبحر الأحمر كما تعكس في الوقت ذاته استمرار العراق في أداء دور جيوبوليتيكي بالغ الحساسية، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك بيئته السياسية والأمنية، الأمر الذي يجعله إحدى الساحات الرئيسة التي تتقاطع عندها مصالح القوى الإقليمية والدولية ومن هذا المنطلق  تنبع أهمية هذه التطورات من نتائجها العسكرية المباشرة فحسب وإنما من دلالاتها الاستراتيجية المتعلقة بمستقبل النظام الأمني في “الشرق الأوسط” فهي تثير تساؤلات جوهرية حول حدود استخدام القوة عبر الحدود ومستقبل مفهوم السيادة في ظل تصاعد وتبادل الضربات بين الاطراف وحدود مشروعية الردع الوقائي، فضلاً عن انعكاساتها على التوازنات الإقليمية وإدارة الصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعلى موقع العراق ضمن هذه المعادلة المعقدة. وانطلاقاً من ذلك، يسعى هذا التحليل أبعاد هذه التطورات في إطارها الإقليمي والدولي، وبيان انعكاساتها على البيئة الأمنية في المنطقة واستشراف المسارات المحتملة التي قد يتخذها هذا الملف خلال المرحلة المقبلة.

 

المحور الأول:

التطورات الأمنية بين الأطراف (السعودي–العراقي) وتحول مقاربات الردع الإقليمي

لا يمكن فهم التطورات العسكرية التي شهدها الجانب السعودي-العراقي بمعزل عن التحولات التي طرأت على البيئة الأمنية في “الشرق الأوسط” خلال السنوات الأخيرة ولا سيما بعد تزايد الاعتماد على أنماط الحرب غير المتماثلة وتنامي دور الفاعلين من غير الدول في معادلات الصراع الإقليمي فقد أظهرت التجارب الأمنية التي شهدتها المنطقة، وفي مقدمتها الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة والمرافق الحيوية في عدد من الدول، أن أنظمة الدفاع التقليدية، على الرغم من تطورها التقني، لم تعد قادرة وحدها على التعامل مع التهديدات التي تعتمد على الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والهجمات المركبة منخفضة الكلفة وعالية التأثير. ونتيجة لذلك، اتجهت العديد من الدول إلى مراجعة مقارباتها الأمنية، بما يشمل تطوير منظومات الإنذار المبكر، وتعزيز القدرات الاستخبارية، وإعادة تقييم قواعد الردع التقليدية وفي هذا الإطار، تنظر السعودية إلى التطورات الأخيرة بوصفها امتداداً لسلسلة من التهديدات التي تستهدف أمنها الوطني وبنيتها التحتية الحيوية، الأمر الذي دفعها، وفقاً لروايتها الرسمية، إلى تبني مقاربة أمنية تقوم على توسيع نطاق الردع ليشمل المواقع التي تعتقد أنها ترتبط بالتخطيط أو الدعم أو الانطلاق المحتمل للهجمات. وتعكس هذه المقاربة تحولاً في التفكير الأمني السعودي من التركيز على اعتراض الهجمات بعد وقوعها إلى محاولة منع تكرارها من خلال استهداف مصادر التهديد المفترضة، وهي رؤية تستند إلى تقدير مفاده أن الاكتفاء بالإجراءات الدفاعية قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد في ظل استمرار التهديدات غير التقليدية في المقابل، تطرح قوى عراقية عديدة، وفي مقدمتها محور المقاومة والتشكيلات المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي، مقاربة مختلفة لهذه التطورات إذ ترى أن الضربات التي استهدفت الأراضي العراقية تمثل تجاوزاً لمبدأ السيادة الوطنية وأن معالجتها لا ينبغي أن تتم عبر استخدام القوة العسكرية داخل أراضي دولة ذات سيادة، وإنما من خلال الأطر الدبلوماسية والتنسيق الأمني المباشر بين الحكومات. كما تؤكد هذه القوى أن الحشد الشعبي يُعد مؤسسة رسمية أقرها القانون العراقي، وأن أي استهداف يطاول تشكيلاته ينعكس على المنظومة الأمنية العراقية برمتها ويزيد من تعقيد المشهد الداخلي في مرحلة لا يزال فيها العراق يواجه تحديات أمنية وسياسية متعدد  ومن منظور استراتيجي تكشف هذه التطورات عن وجود تباين واضح في تصورات الأطراف المختلفة لمفهوم الردع ففي حين تميل بعض القوى الإقليمية إلى توسيع نطاق الرد العسكري خارج الحدود متى ما رأت أن مصادر التهديد تنطلق من أراضي دولة أخرى، تتمسك أطراف أخرى بأولوية السيادة الوطنية، وترى أن توسيع استخدام القوة قد يؤدي إلى إنتاج دوامة جديدة من التصعيد يصعب احتواؤها. ومن ثم، فإن جوهر الأزمة لا يتمثل فقط في طبيعة الضربات العسكرية أو أهدافها المباشرة انما في التنافس حول إعادة تعريف قواعد استخدام القوة في الإقليم وحدود مشروعية الرد العسكري وهو ما يجعل هذه التطورات تعبيراً عن تحول أعمق في بنية النظام الأمني في “الشرق الأوسط”، أكثر من كونها مجرد حادثة أمنية عابرة.

 

 

المحور الثاني:

العراق بوصفه عقدة جيواستراتيجية في التنافس الأمريكي–الإيراني وإعادة إنتاج التوازنات الإقليمية

تكشف التطورات الأمنية الأخيرة أن العراق لم  يمثل مجرد ساحة جغرافية تقع بين الخليج والجمهورية الإسلامية الإيرانية اذ انه أحد أهم المفاصل الجيوسياسية التي تتقاطع عندها مصالح القوى الإقليمية والدولية فمنذ عام 2003، أفضت التحولات البنيوية التي شهدها النظام السياسي العراقي إلى إعادة صياغة موقع العراق في معادلات الأمن الإقليمي، بحيث غدا استقراره الداخلي مرتبطاً بصورة مباشرة بالتوازنات الاستراتيجية في الخليج والمشرق العربي وقد أسهم موقعه الجغرافي، وامتداده الحدودي مع الجمهورية الإسلامية في إيران وسوريا وتركيا والأردن والسعودية والكويت فضلاً عن مكانته في أسواق الطاقة العالمية في ترسيخ دوره بوصفه إحدى أهم ساحات التفاعل بين القوى الإقليمية والدولية وفي هذا السياق، يصعب تفسير التطورات العسكرية الأخيرة باعتبارها استجابة مباشرة لاعتبارات أمنية آنية إذ إن دلالاتها تتجاوز البعد التكتيكي إلى مستوى الصراع البنيوي بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية حول شكل النظام الأمني في “الشرق الأوسط” فمن منظور واشنطن يمثل العراق ركناً أساسياً في منظومة الردع الأمريكية الرامية إلى حماية الحلفاء وضمان أمن تدفقات الطاقة والحفاظ على توازن القوى الإقليمي في حين تنظر الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى العراق باعتباره عمقاً استراتيجياً لا غنى عنه في معادلة أمنها القومي، وحلقة محورية في شبكة علاقاتها مع حلفائها الإقليميين في المنطقة وانطلاقاً من هذه المعادلة، برز محور المقاومة العراقية بوصفه أحد اهم الفاعلين المؤثرين في البيئة الأمنية العراقية بعد الحرب على تنظيم د1عش الإرهــ ـــابي ومن هذا المنطلق، تنظر قطاعات واسعة داخل العراق إلى هذه التشكيلات بوصفها جزءاً من منظومة الدفاع الوطني التي أسهمت في مواجهة التهديدات الإرهــ ــابية، في حين ترى الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية أن بعض الفصائل تمتلك ارتباطات تتجاوز الإطار الوطني، بما يجعلها جزءاً من معادلات الردع الإقليمية المرتبطة بالجمهورية الإسلامية في إيران. ويعكس هذا التباين اختلافاً جوهرياً في تفسير طبيعة هذه التشكيلات ودورها، أكثر مما يعكس خلافاً حول وجودها بحد ذاته.

ومن منظور الواقعية البنيوية، يمكن تفسير هذا التداخل بوصفه انعكاساً لتنافس القوى الكبرى على تعظيم مكاسبها النسبية داخل بيئة دولية وإقليمية تتسم بالفوضوية وغياب سلطة مركزية قادرة على ضبط التفاعلات الأمنية فالجمهورية الإسلامية الإيرانية سعت خلال العقدين الماضيين إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات الأمنية والسياسية مع حلفائها الإقليميين بما يعزز قدرتها على تحقيق الردع خارج حدودها الجغرافية في حين عملت الولايات المتحدة على مواجهة هذا النهج عبر العقوبات الاقتصادية وتعزيز وجودها العسكري وتطوير منظومات التعاون الدفاعي مع شركائها الإقليميين ومن ثم فإن العراق أصبح يمثل إحدى أهم ساحات اختبار توازن القوى بين الاطراف، أكثر من كونه مجرد ميدان لتبادل الرسائل العسكرية وفي هذا الإطار تكتسب التطورات الأخيرة بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية بين العراق و السعودية إذ تعكس استمرار تداخل الملفات العراقية مع مجمل التفاعلات الإقليمية فمن جهة ترى السعودية أن أمنها الوطني لم يعد ينفصل عن طبيعة البيئة الأمنية في الدول المجاورة وأن أي تهديد ينطلق من خارج حدودها يستوجب معالجة أسبابه قبل نتائجه ومن جهة أخرى ترى قوى عراقية عديدة أن أمن العراق لا يمكن ضمانه عبر توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل أراضيه، مع اهمية بناء منظومة دفاع متقدمة بالتوازي مع ضمان سيادته وتعزيز مؤسساته الأمنية، بما يتيح للدولة إدارة التحديات الداخلية بعيداً عن الضغوط الإقليمية.

ولا يمكن عزل هذه التطورات عن تداعيات الحرب الإيرانية–”الإسرائيلية”، التي أعادت رسم أولويات الأمن لدى مختلف الفاعلين الإقليميين فقد دفعت هذه الحرب “إسرائيل” إلى تكثيف جهودها الرامية إلى تقليص المجال الحيوي الذي تتحرك فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤها، سواء عبر العمليات العسكرية أو من خلال تكثيف النشاط الاستخباري واستهداف خطوط الإمداد وفي المقابل، سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى الحفاظ على تماسك شبكة علاقاتها الإقليمية باعتبارها أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي في مواجهة الضغوط الأمريكية و”الإسرائيلية”. وبهذا المعنى، فإن أي تطور أمني داخل العراق لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عراقياً خالصاً، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها اعتبارات الردع، والنفوذ، وأمن الطاقة، ومستقبل التوازنات في “الشرق الأوسط”.

غير أن استمرار هذا التشابك يضع العراق أمام معادلة دقيقة تتعلق بكيفية التوفيق بين متطلبات المرحلة الحالية وعمل الحكومة الجديدة وبين تشابك بيئته الأمنية مع الأزمات الإقليمية ومن ثم، فإن جوهر الإشكالية لا يكمن في وجود فاعلين أمنيين متعددين داخل العراق فحسب، وإنما في استمرار تداخل تضارب المصالح الإقليمية والدولية داخل البيئة العراقية، بما يجعل أي تصعيد محدود قابلاً للتحول إلى أزمة إقليمية أوسع. لذلك، فإن مستقبل الاستقرار في العراق سيظل مرتبطاً بقدرته على ترسيخ معادلة أمنية تحقق التوازن بين متطلبات السيادة الوطنية، واستمرار التعاون مع محيطه العربي والإقليمي، والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية الفاعلة، بما يمنع تحويل الأراضي العراقية إلى نقطة ارتكاز دائمة للصراعات الإقليمية.

 

 

المحور الثالث:

التداعيات الاستراتيجية للتطورات الأمنية في المحور السعودي–العراقي وانعكاساتها على النظام الأمني الإقليمي

لم تقتصر التطورات الأمنية الأخيرة على الضربات المتبادلة المرتبطة بالساحة العراقية انما سرعان ما اتسعت رقعة التوتر لتشمل عدداً من المسارح الإقليمية بما يعكس انتقال الأزمة من نطاقها الثنائي إلى مستوى أكثر تعقيداً يمس بنية الأمن الإقليمي بأكملها  فقد شهدت المنطقة، وفقاً لما أعلنته الجهات الرسمية في الدول المعنية تصاعداً في العمليات العسكرية شمل هجمات استهدفت قوات أمريكية في الأردن، وأعقبها تنفيذ ضربات عسكرية مشتركة استهدفت مواقع داخل العراق، بالتزامن مع تصاعد التوتر في الممرات البحرية إثر حوادث استهدفت سفناً في مضيق هرمز، وإعلان جماعة الحوثي تنفيذ عمليات ضد سفن مرتبطة بالسعودية، فضلاً عن ورود تقارير أولية عن حادث أمني استهدف إحدى منشآت الطاقة في مصر وقد انعكست هذه التطورات بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية من خلال ارتفاع أسعار النفط واتساع المخاوف بشأن أمن الملاحة وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يؤكد أن الأزمة تجاوزت إطارها المحلي لتغدو جزءاً من مشهد إقليمي شديد التشابك.

بمعنى ان أهمية التطورات الأمنية في المحور السعودي–العراقي لا تقتصر على نتائجها العسكرية المباشرة، وإنما تكمن في أنها تعكس تحولاً تدريجياً في طبيعة النظام الأمني في “الشرق الأوسط”، اذ لم تعد الأزمات الإقليمية تُدار وفق قواعد الردع التقليدية القائمة على احتواء التصعيد داخل الحدود الوطنية، انما أصبحت تتجه نحو نمط أكثر تعقيداً تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع القدرات الاستخبارية، والتكنولوجيا، والاقتصاد، وشبكات التحالفات الإقليمية والدولية. وبهذا المعنى، فإن الحدث يمثل مؤشراً على انتقال المنطقة إلى مرحلة يعاد فيها تعريف مفهوم الأمن، بحيث لم يعد يرتبط فقط بحماية الحدود، وإنما بإدارة مصادر التهديد أينما وجدت، وهو تحول يحمل تداعيات بعيدة المدى على مستقبل الاستقرار الإقليمي ويبرز في هذا السياق البعد الاستخباري بوصفه أحد أهم ملامح الصراعات المعاصرة فنجاح أي عملية عسكرية دقيقة سواء أكانت هجومية أم دفاعية أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على حجم المعلومات المتوافرة ودقة تحليلها وسرعة تحويلها إلى قرارات عملياتية ولم تعد القوة العسكرية تُقاس بعدد الطائرات أو الصواريخ فقط لكن بقدرة الدولة أو الفاعل الأمني على دمج الاستخبارات البشرية والإلكترونية والفضائية والمفتوحة المصدر ضمن منظومة متكاملة مدعومة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة ومن ثم، فإن أي تطور أمني في المنطقة يعكس في جانب منه تصاعد التنافس الاستخباري بين القوى الإقليمية والدولية، وهو تنافس لا يقل أهمية عن المواجهات العسكرية المباشرة، اذ أصبح في كثير من الأحيان هو العامل الحاسم في تحديد نتائجها.

وفي الوقت ذاته، تكشف هذه التطورات عن استمرار إعادة تشكيل التوازنات المرتبطة بالصراع الأمريكي-الإيراني فالولايات المتحدة تنظر إلى أمن الخليج  بوصفه جزءاً من استراتيجيتها العالمية الرامية إلى حماية طرق التجارة الدولية وضمان أمن الطاقة والحفاظ على شبكة تحالفاتها الإقليمية في حين ترى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن الحفاظ على شبكة علاقاتها الإقليمية يمثل أحد أهم مرتكزات أمنها القومي وقدرتها على مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية. وبين هذين التصورين، يجد العراق نفسه في موقع شديد الحساسية، إذ يتحول أي تطور أمني داخل أراضيه إلى عنصر مؤثر في معادلات الردع الإقليمية، بما يجعل استقراره الداخلي مرتبطاً بصورة متزايدة بتوازنات تتجاوز حدوده الوطنية.

كما تتقاطع هذه التطورات مع الحسابات الأمنية “الإسرائيلية”، وإن بصورة غير مباشرة  فمنذ اندلاع الحرب الإيرانية-“الإسرائيلية”، عملت “إسرائيل” على تقليص البيئة الاستراتيجية التي يتحرك ضمنها حلفاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن تقليص القدرات اللوجستية وشبكات الإسناد يحد من قدرة إيران على الحفاظ على عمقها الاستراتيجي وفي المقابل، تنظر أطراف محور المقاومة إلى هذه الضغوط بوصفها جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة رسم موازين القوى في المشرق العربي، وتقليص قدرة قوى المقاومة على المحافظة على معادلة الردع التي تشكلت خلال السنوات الماضية. ومن ثم، فإن التطورات الجارية لا تمثل صراعاً بين أطراف منفردة، بقدر ما تعكس تداخلاً بين أهداف ومصالح أمنية متنافسة، لكل منها تصوره الخاص لشكل النظام الإقليمي ومستقبل توازناته.

وعلى المستوى الاقتصادي، تبرز أهمية هذه التطورات من ارتباطها الوثيق بأمن الطاقة العالمي فالخليج لا يزال يمثل المركز الرئيس لإنتاج وتصدير النفط والغاز، وأي اضطراب أمني يطال منشآته أو ممراته البحرية ينعكس بصورة مباشرة على الأسواق العالمية ويزداد هذا الأمر حساسية في ظل استمرار الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة الدولية، فضلاً عن ارتباطه بالبحر الأحمر وباب المندب ضمن منظومة متكاملة لسلاسل الإمداد العالمية. ولذلك، فإن استمرار التوتر لا يقتصر أثره على الدول المنخرطة في الأزمة، لكنه يمتد إلى الاقتصاد الدولي من خلال ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتقلبات أسعار النفط وزيادة الضغوط التضخمية ولا سيما في الاقتصادات المستوردة للطاقة.

 

ومن زاوية أوسع، تكشف هذه التطورات أن “الشرق الأوسط” يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها الفواصل التقليدية بين الأمن الوطني والأمن الإقليمي، ليحل محلها نمط أكثر تشابكاً يقوم على تداخل المصالح، وتعدد الفاعلين، وسرعة انتقال آثار الأزمات بين الدول ويعني ذلك أن استقرار أي دولة في الإقليم لم يعد شأناً داخلياً خالصاً بل أصبح جزءاً من شبكة أمنية مترابطة تتأثر فيها الحسابات العسكرية بالعوامل الاقتصادية والسياسية، والاستخبارية، والتكنولوجية في آن واحد.

 

وعليه، فإن الدلالة الأهم لهذه التطورات لا تكمن في حجم الضربات أو نتائجها الميدانية، وإنما في أنها تعكس استمرار عملية إعادة تشكيل النظام الأمني في “الشرق الأوسط”، في ظل تصاعد المنافسة بين المشاريع الإقليمية والدولية، وتنامي دور التكنولوجيا والاستخبارات في إدارة الصراعات، وتزايد أهمية أمن الطاقة والممرات البحرية في رسم سياسات القوى الكبرى. ومن ثم، فإن مستقبل المنطقة سيظل رهناً بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على إيجاد معادلة توازن تحد من احتمالات التصعيد، وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار الإقليم، بعيداً عن الانزلاق إلى مواجهات واسعة يصعب احتواء تداعياتها في ظل التمسك بالمواقف وتعارض المصالح.

 

المحور الرابع:

المسارات المستقبلية: بين احتواء التصعيد وإعادة تشكيل معادلات الأمن الإقليمي

تشير المعطيات الحالية إلى أن التطورات الأمنية في المحور السعودي-العراقي لا تمثل أزمة عابرة يمكن احتواؤها ضمن إطار زمني قصير، بل تعكس تحولاً في طبيعة التفاعلات الأمنية التي تحكم “الشرق الأوسط”. فالتشابك المتزايد بين الصراع الأمريكي-الإيراني، واستمرار تداعيات الحرب الإيرانية-“الإسرائيلية”، وتنامي أهمية أمن الطاقة والممرات البحرية، يجعل مستقبل الأزمة مرهوناً بجملة من المتغيرات البنيوية، من بينها اتجاهات السياسة الأمريكية في المنطقة، وطبيعة السلوك الإيراني تجاه حلفائه الإقليميين، ومستوى التنسيق الأمني الخليجي، فضلاً عن قدرة الدولة العراقية على إدارة التوازن بين التزاماتها الداخلية وعلاقاتها الإقليمية. وفي ضوء هذه المحددات، يمكن استشراف أربعة مسارات رئيسة.

 

أولاً: مسار الاحتواء المتبادل

يرجح هذا السيناريو استمرار حالة الردع المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة بحيث تحافظ الأطراف المختلفة على مستوى من التصعيد المحسوب يهدف إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى حرب مفتوحة فمن المرجح أن تستمر السعودية في تعزيز قدراتها الدفاعية والاستخبارية، مع الاحتفاظ بخيار الرد على أي تهديدات تراها مباشرة لأمنها الوطني، في حين ستسعى الولايات المتحدة إلى المحافظة على توازن الردع الإقليمي دون الانخراط في عمليات عسكرية واسعة، إدراكاً لما قد يترتب على ذلك من كلف سياسية واقتصادية واستراتيجية وفي المقابل، يتوقع أن تعمل الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الحفاظ على شبكة علاقاتها الإقليمية بوصفها أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو مع دول الخليج، ولا سيما في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية. أما العراق، فسيواصل السعي إلى احتواء التوتر عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، بما يحافظ على علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

 

ثانياً: مسار التصعيد المتدرج

يفترض هذا السيناريو أن تؤدي أي هجمات جديدة تستهدف المنشآت الحيوية أو المصالح العسكرية في المنطقة إلى اتساع دائرة الردود العسكريةبما يشمل تنفيذ عمليات أكثر اتساعاً أو ارتفاع وتيرة الضربات المتبادلة. وفي هذه الحالة، ستزداد أهمية العامل الاستخباري في تحديد طبيعة الأهداف وآليات الرد، كما سترتفع احتمالات امتداد التوتر إلى مسارح إقليمية أخرى، سواء في الخليج العربي أو البحر الأحمر أو شرق المتوسط غير أن هذا التصعيد، حتى وإن بقي دون مستوى الحرب الشاملة، ستكون له تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، وعلى حركة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، فضلاً عن تأثيره في الاستثمارات الأجنبية وثقة الأسواق الإقليمية، وهو ما يجعل كلفته تتجاوز الأطراف المنخرطة فيه لتطال الاقتصاد الدولي بأسره.

 

 

ثالثاً: مسار إعادة التوازن داخل العراق

يقوم هذا السيناريو على نجاح الدولة العراقية في تعزيز دورها بوصفها الإطار الجامع لجميع المؤسسات الأمنية، من خلال تطوير آليات التنسيق بين القوات المسلحة العراقية وهيئة الحشد الشعبي وبقية الأجهزة الأمنية، بما يعزز قدرة الدولة على إدارة الملف الأمني بصورة أكثر فاعلية، ويحافظ في الوقت نفسه على السيادة الوطنية ويحد من فرص استغلال الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية ويتطلب هذا المسار تعزيز الحوار السياسي الداخلي، وتفعيل قنوات التعاون الأمني مع دول الجوار، واعتماد مقاربة تقوم على احترام السيادة المتبادلة وعدم استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للإضرار بالمصالح الأمنية للدول الأخرى،بما يرسخ دور العراق بوصفه جسراً للتوازن الإقليمي، لا ساحةً للصراع بين القوى المتنافسة.

 

رابعاً: مسار إعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي

يمثل هذا السيناريو البعد الأكثر استراتيجية، إذ يفترض أن تؤدي التوترات الحالية إلى تسريع إعادة بناء منظومة الأمن في “الشرق الأوسط” على أسس مختلفة عما كان سائداً خلال العقود الماضية. فمن المتوقع أن تتوسع شبكات التعاون الاستخباري، وأن يزداد الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والدفاعات الجوية متعددة الطبقات، بالتوازي مع تصاعد أهمية الأمن السيبراني وحماية البنى التحتية الحيوية.

وفي المقابل، ستواصل القوى الإقليمية البحث عن صيغ جديدة لإدارة الردع، سواء عبر توسيع الشراكات الأمنية أو عبر تعزيز قدراتها الذاتية، في حين ستبقى الولايات المتحدة وروسيا والصين أطرافاً فاعلة في صياغة التوازنات الجديدة، كل وفق مصالحه واستراتيجيته تجاه المنطقة. ومن ثم، فإن “الشرق الأوسط” قد يتجه إلى نظام أمني أكثر تشابكاً، تصبح فيه القدرة على إدارة الأزمات ومنع التصعيد أكثر أهمية من تحقيق الحسم العسكري التقليدي في ضوء المؤشرات الحالية، يبدو أن مسار الاحتواء المتبادل هو الأكثر ترجيحاً خلال المدى المنظور، إذ لا تبدو أي من القوى الرئيسة راغبة في الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، بالنظر إلى ارتفاع كلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية إلا أن هذا الاحتواء لا يعني عودة الاستقرار بصورته التقليدية، بل يشير إلى ترسيخ نمط جديد من التنافس يقوم على الردع المتبادل، والتفوق الاستخباري، والضغوط الاقتصادية، وإدارة الأزمات من خلال عمليات محدودة ومدروسة ومع ذلك، فإن هشاشة البيئة الأمنية في العراق واستمرار التنافس الأمريكي-الإيراني، وتداعيات الحرب الإيرانية-“الإسرائيلية”، تجعل احتمالات التصعيد قائمة كلما تعرضت المصالح الحيوية لأي طرف إلى تهديد مباشر ومن ثم فإن مستقبل الأمن الإقليمي لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية وإنما بقدرة الأطراف المختلفة على إنتاج ترتيبات أمنية أكثر استقراراً، تراعي متطلبات السيادة، وتحد من استخدام القوة عبر الحدود، وتمنع تحول الأزمات المحدودة إلى صراعات إقليمية مفتوحة.

 

خاتمة

تكشف التطورات الأمنية في المحور السعودي-العراقي أن “الشرق الأوسط” يقف أمام مرحلة انتقالية تتجاوز حدود الأزمات العسكرية التقليدية، لتؤشر إلى تحول أعمق في بنية النظام الأمني الإقليمي وآليات إنتاج الردع وإدارة الصراعات. فالضربات المتبادلة، بصرف النظر عن مبررات الأطراف المختلفة، تعكس تصاعداً في الميل إلى توظيف القوة المحدودة كأداة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، في ظل تراجع فعالية أدوات الاحتواء التقليدية واتساع دور الفاعلين من غير الدول والتطور المتسارع في القدرات الاستخبارية والتكنولوجية. وبذلك، لم يعد أمن أي دولة في المنطقة معزولاً عن بيئته الإقليمية، بل أصبح جزءاً من شبكة معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع اعتبارات الطاقة، والاقتصاد، والممرات البحرية، والتنافس بين القوى الكبرى.

كما تؤكد هذه التطورات أن العراق سيظل يحتل موقعاً محورياً في معادلات الأمن الإقليمي، ليس بوصفه ساحةً للصراع فحسب، بل باعتباره أحد أهم مفاصل التوازن الجيوسياسي بين الخليج العربي وبلاد الشام والجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن ثم، فإن قدرة الدولة العراقية على ترسيخ سيادتها، وتعزيز مؤسساتها الأمنية، وإدارة علاقاتها الإقليمية وفق سياسة متوازنة، ستبقى عاملاً حاسماً في الحد من انتقال الأزمات الإقليمية إلى الداخل العراقي، وفي المحافظة على دوره بوصفه طرفاً فاعلاً في إنتاج الاستقرار، لا مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الخارجية.

وفي المقابل، توحي المؤشرات الراهنة بأن الصراع الأمريكي-الإيراني مرشح للاستمرار بوصفه الإطار البنيوي الذي يحكم جانباً كبيراً من التفاعلات الأمنية في “الشرق الأوسط”، في حين ستبقى “إسرائيل” تعمل على تقليص المجال الاستراتيجي الذي يتحرك فيه حلفاء إيران، بينما ستسعى دول الخليج إلى تطوير منظوماتها الدفاعية والاستخبارية بما ينسجم مع إدراكها المتزايد لطبيعة التهديدات غير التقليدية. أما الجمهورية الإسلامية في إيران، فمن المرجح أن تواصل البحث عن صيغ جديدة للحفاظ على توازن الردع الإقليمي، مع مراعاة المتغيرات التي فرضتها الحرب الإيرانية-“الإسرائيلية” وتصاعد الضغوط الدولية وعلى الصعيد الدولي، تؤكد هذه الأزمة أن أمن الخليج العربي لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح عنصراً مؤثراً في استقرار الاقتصاد العالمي، نظراً لارتباطه بأمن الطاقة وسلامة الممرات البحرية الدولية. ولذلك، فإن أي تصعيد مستقبلي لن تقتصر تداعياته على أطرافه المباشرين، وإنما سيمتد إلى الامن والأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، وحسابات القوى الكبرى، وهو ما يمنح إدارة هذا الملف بعداً دولياً يتجاوز الاعتبارات الأمنية الضيقة.

وبناءً على ذلك، يمكن التقدير أن المنطقة تتجه نحو تكريس نظام ردع مرن يقوم على الضربات المحدودة، والتفوق الاستخباري، والضغوط السياسية والاقتصادية، أكثر من اعتماده على الحروب التقليدية واسعة النطاق. إلا أن استدامة هذا النمط ستظل رهناً بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على منع تحوله إلى مسار تصعيدي غير قابل للاحتواء. وفي هذا الإطار، فإن مستقبل تعزيز الأمن في “الشرق الأوسط” لن يتحدد فقط بتوازن القدرات العسكرية، وإنما بمدى نجاح الدول في بناء منظومات أمنية أكثر تكاملاً، وتعزيز قنوات الحوار الإقليمي، واحترام مبادئ السيادة، بما يحد من توظيف أراضي الدول في الصراعات العابرة للحدود، ويؤسس لتوازنات أكثر استقراراً في بيئة إقليمية تتسم بقدر كبير من السيولة وعدم اليقين.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى