الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

محور المقـ ـاومة بعد مذكرة إسلام آباد

من الردع بالوكالة إلى إدارة المخاطر التفاوضية

بقلم: الباحثة اماني خالد عبد الهادي

جامعة بغداد/ كلية الإدارة والاقتصاد

 

منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، مثّلت فكرة “تصدير الثورة” وبناء شبكة من الحلفاء الإقليميين أحد المرتكزات الأساسية للعقيدة الأمنية الإيرانية، وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تطورت هذه الشبكة لتتحول إلى ما يُعرف بـ”محور المقاومة” وهو تكتل غير متجانس يضم دولاً وفصائل مسلحة وغير مسلحة، يجمعها مع طهران موقف مشترك مناهض “لإسرائيل” والوجود الأمريكي في المنطقة، كما تستفيد بدرجات متفاوتة من الدعم العسكري والمالي والسياسي الإيراني، ولم يقتصر دور هذا المحور على كونه أداة للمواجهة المباشرة، بل شكّل في جوهره إطاراً لإعادة صياغة مفهوم الردع في بيئة إقليمية تفتقر فيها إيران إلى عناصر التفوق العسكري والتقني التقليدي التي تمتلكها “إسرائيل” والولايات المتحدة، وتنبع أهمية هذه المقالة من أن عام 2026م، مثّل نقطة تحول مفصلية في مسار هذا المحور، إذ أدت الحرب الأمريكية-“الإسرائيلية” الواسعة التي اندلعت في أواخر شباط من ذلك العام، وما أعقبها من اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وتعيين خليفته آية الله مجتبى خامنئي في آذار 2026م، إلى إعادة طرح تساؤل جوهري بشأن مدى استمرار فاعلية استراتيجية الردع القائمة على شبكة الحلفاء والوكلاء بوصفها أداة لتحقيق المصالح الإيرانية، وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت طهران ستواصل الاعتماد على هذه المقاربة، أم أنها تتجه نحو إعادة صياغة معادلتها الاستراتيجية بما يوازن بين خيار المواجهة المفتوحة والانخراط في مسار تفاوضي يضمن الحفاظ على الحد الأدنى من مكاسبها الاستراتيجية، وانطلاقاً من ذلك تسعى هذه المقالة إلى تتبع الأسس التي قامت عليها استراتيجية الردع الإيرانية، وتحليل التحولات التي طرأت عليها في أعقاب حرب عام م2026، واستعراض ديناميات المفاوضات الجارية، وصولاً إلى استشراف مستقبل محور المقاومة في ظل التوازن الدقيق بين اعتبارات البقاء ومتطلبات التصعيد.

 

أولاً: الجذور النظرية لعقيدة الردع الإيرانية

لم تستند العقيدة الدفاعية الإيرانية إلى مفهوم التفوق العسكري التقليدي، وإنما اتجهت منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما عقب الحرب العراقية-ا لإيرانية، إلى تبني نمط من الردع يمكن وصفه بـ “الردع اللامركزي”. فبدلاً من السعي إلى بناء قوة جوية أو بحرية قادرة على مضاها القدرات العسكرية للدول الإقليمية والدولية المنافسة، ركزت طهران على تطوير ثلاثة مرتكزات رئيسية للقوة: يتمثل المرتكز الأول في البرنامجين الصاروخي والطائرات المسيّرة، بما يوفر قدرة على استهداف أهداف بعيدة بتكلفة منخفضة نسبياً، أما المرتكز الثاني فيتمثل في البرنامج النووي، الذي يمنح الجمهورية الإسلامية في إيران هامشاً استراتيجياً للمناورة والتفاوض، حتى في ظل عدم امتلاكها سلاحاً نووياً فعلياً، ويتمثل المرتكز الثالث في بناء شبكة من الحلفاء والوكلاء الإقليميين، بما يتيح لها توسيع عمقها الاستراتيجي وامتلاك أدوات ضغط متعددة، من دون الاضطرار إلى الانخراط المباشر في معظم ساحات المواجهة، وقد أظهرت هذه المقاربة، التي يصفها بعض الباحثين بـ”الردع متعدد الطبقات”، درجة من الفاعلية خلال العقدين الماضيين، فمن خلال حZب الله في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، والحوثـ ـيين في اليمن، والقوى الحليفة في سوريا، تمكنت الجمهورية الإسلامية في إيران من التأثير في موازين القوى الإقليمية دون الانخراط المباشر في غالبية المواجهات العسكرية، وقد أتاح ذلك لطهران ميزتين أساسيتين:

 

  1. تعزيز قدرتها على المناورة والمساومة السياسية مستفيدةً من إدراك خصومها لإمكانية تفعيل هذه الشبكة عند الضرورة.

  2. تقليص احتمالات تحميلها المسؤولية المباشرة عن العمليات التي تنفذها تلك الجماعات، بما يحد من فرص انتقال المواجهة إلى حرب شاملة على الأراضي الإيرانية.

وفي هذا الإطار، لم يعد “محور المقاومة” مجرد إطار أيديولوجي أو امتداداً عقائدياً للثورة الإسلامية، بل تطور تدريجياً إلى منظومة ردع إقليمية متكاملة، تتمثل وظيفتها الأساسية في رفع كلفة أي عمل عسكري يستهدف الجمهورية الإسلامية في إيران، من خلال القدرة على تهديد المصالح الأمريكية و”الإسرائيلية” في عدة ساحات بصورة متزامنة.

 

 

ثانياً: الحرب الامريكية – “الإسرائيلية” على الجمهورية الإسلامية في إيران عام 2026م، وكشف حدود الردع بالوكالة

شكّلت الحرب الأمريكية – “الإسرائيلية” على الجمهورية الإسلامية في إيران، التي بدأت بضربات جوية واسعة صباح السبت 28 شباط 2026م، واستهدفت طهران ومواقع أخرى داخل البلاد، اختباراً حقيقياً لمنظومة الردع الإيرانية، فقد استهدفت الضربات مناطق ضمت القصر الرئاسي ومقار أمنية، في عملية أطلقت عليها “إسرائيل” اسم “زئير الأسد”، بينما أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم “الغضب الملحمي”، ومثّل اغتيال المرشد الأعلى السيد (علي خامنئي) في اليوم الأول من الحرب تحولاً استراتيجياً غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الإسلامية، الأمر الذي دفع مؤسسات الدولة إلى إعادة تقييم خياراتها بين مواصلة التصعيد العسكري الشامل أو القبول بهدنة تكتيكية تضمن الحفاظ على بقاء النظام، وفي هذا السياق، يرى الباحث توماس جونو، في تحليل نشره ضمن برنامج “الشرق الأوسط” وشمال أفريقيا في معهد “تشاتام هاوس”، أن الحرب كشفت حدود فعالية “محور المقاومة” بوصفه أداة للردع الاستراتيجي الإيراني، فعلى الرغم من عدم تمكن “إسرائيل” من القضاء بصورة كاملة على حركة حماس أو حZزب الله، فإن مجريات الحرب أظهرت محدودية قدرة الشبكة الإقليمية المدعومة من إيران على ردع الولايات المتحدة و”إسرائيل” عن استهداف الأراضي الإيرانية مباشرة، بما في ذلك استهداف قمة هرم النظام السياسي، ويشير ذلك إلى أن الاستراتيجية القائمة على نقل ساحة المواجهة إلى الجبهات الخارجية لحماية العمق الإيراني تعرضت لانتكاسة واضحة، بعدما أصبح هذا العمق نفسه عرضة للاستهداف المباشر.

وفي ضوء هذه التطورات، اتجهت الجمهورية الإسلامية في إيران إلى إعادة تقييم مفهوم الردع الذي تتبناه، مع التركيز بصورة أكبر على قدرتها على تهديد الملاحة الدولية وأمن الطاقة في الخليج العربي، إلى جانب الاعتماد التقليدي على شبكة الحلفاء والوكلاء، وفي هذا الإطار أكد مستشار قائد الثورة الإسلامية، علي أكبر ولايتي، أن محور المقاومة يمتلك القدرة على التأثير في الممرات البحرية الاستراتيجية، في إشارة إلى اتساع نطاق خيارات الرد الإيرانية ليشمل المصالح الحيوية والممرات الاستراتيجية ذات الأهمية للاقتصاد العالمي، وليس الاقتصار على ساحات المواجهة التقليدية.

أما على المستوى الدولي، فقد أفرزت الحرب مواقف متباينة تجاه مسار الأزمة، فقد دعت الصين إلى وقف فوري للعمليات العسكرية واستئناف الحوار، كما أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية استمرار دعم الاتحاد الأوروبي للمسار الدبلوماسي الرامي إلى معالجة الملفين النووي والصاروخي من خلال التفاوض، وفي المقابل أدانت عدة دول خليجية ما اعتبرته انتهاكاً إيرانياً لسيادتها الإقليمية، مع تأكيدها في الوقت نفسه لطهران أنها لن تسمح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في العمليات العسكرية، وهو موقف عكس محاولة تحقيق توازن بين تجنب الانخراط المباشر في الصراع والحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف.

 

 

ثالثاً: من التصادم المطلق إلى إدارة المخاطر

مع تعيين آية الله مجتبى خامنئي مرشداً للجمهورية الإسلامية في 8 آذار 2026، بدأت تتبلور ملامح مقاربة جديدة تسعى إلى تحقيق التوازن بين الإرث الذي تستند إليه شرعية النظام والقائم على مفهوم “المقاومة”، وبين متطلبات البقاء والاستقرار التي فرضتها التحولات الميدانية الناتجة عن الحرب، وفي هذا السياق تمثل رؤية المرشد الجديد امتداداً للمرتكزات الأيديولوجية التي قامت عليها السياسة الإيرانية خلال المرحلة السابقة، مع إعادة تكييفها بما يتلاءم مع الواقع الاستراتيجي المستجد، في المقابل يتبنى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مقاربة مختلفة من حيث الشكل، يمكن وصفها بـ”الدبلوماسية المسلحة”، وتنطلق من فرضية أن نجاح أي مسار تفاوضي بشأن الهدنة يتطلب وجود قدرة ردع فعالة تدعم الموقف التفاوضي الإيراني، ووفقاً لهذا التصور، لا تُعد الهدنة الراهنة تعبيراً عن استسلام أو تسوية نهائية للصراع، وإنما تمثل إجراءً مؤقتاً يهدف إلى الحد من مخاطر الانزلاق نحو حرب شاملة قد تفضي إلى تداعيات داخلية واسعة، وبذلك تُفهم باعتبارها وقفاً مؤقتاً للأعمال القتالية أكثر من كونها سلاماً دائماً، وتعكس العلاقة بين خطاب المرشد وخطاب الرئاسة وجود تمايز وظيفي في إدارة السياسة الإيرانية، ففي حين يحافظ خطاب القيادة العليا على مفردات “المقاومة” بما يسهم في تعزيز التماسك الأيديولوجي للنظام والحد من احتمالات الانقسام الداخلي، يميل الخطاب الحكومي والإداري إلى تبني قدر أكبر من المرونة في التعاطي مع التحديات السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى تؤدي هذه الازدواجية في الخطاب وظيفة سياسية تتمثل في إتاحة هامش للمناورة يجمع بين الحفاظ على ثوابت النظام في مواجهة الضغوط الخارجية، واعتماد مقاربات أكثر براغماتية في إدارة الشؤون الداخلية، بما يسمح بالتكيف مع تطورات البيئة الإقليمية والدولية، ويمكن توصيف هذا التحول بوصفه انتقالاً من سياسة “التصادم المطلق”، التي ارتكزت على رفض التفاوض باعتباره مؤشراً على التراجع، إلى سياسة “إدارة المخاطر”، التي تتعامل مع التفاوض باعتباره أداة للحد من الخسائر والحفاظ على الحد الأدنى من المكاسب الاستراتيجية، دون التخلي عن المرتكزات النظرية للعقيدة الأمنية الإيرانية القائمة على الردع متعدد الطبقات.

 

رابعاً: مسار التفاوض ونقاط الخلاف الجوهرية

أعقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف العمليات العسكرية صدور بيان رسمي عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أكد فيه أن إيران حققت ما وصفه بـ “انتصار عظيم”، وأنها نجحت في دفع الولايات المتحدة إلى قبول خطتها المكونة من عشر نقاط، وشملت هذه الخطة جملة من المطالب، أبرزها: التزام الولايات المتحدة بضمان عدم الاعتداء، واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز مع إخضاع حركة المرور فيه لإجراءات رقابية، والإقرار بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، ورفع جميع العقوبات الأولية والثانوية، وإنهاء الحرب ضد جميع أطراف محور المقاومة، وقد تُرجم هذا المسار لاحقاً إلى مذكرة تفاهم رسمية بين الطرفين، عُرفت بـ”مذكرة إسلام آباد”، وقّعها الجانبان رقمياً في منتصف حزيران 2026م، برعاية باكستانية وبمشاركة قطرية وسعودية وتركية ومصرية في التيسير، ونصّت على فتح نافذة تفاوضية مدتها ستون يوماً قابلة للتمديد للتوصل إلى اتفاق نهائي، وأعقب ذلك عقد جولة مباحثات رفيعة المستوى في سويسرا أواخر حزيران 2026م، أسفرت عن اتفاق الجانبين على خارطة طريق واتفاق موازٍ لتخفيف حدة المواجهة في لبنان، مع تأكيد طهران ضرورة إضفاء صفة الإلزام القانوني على أي اتفاق نهائي مع واشنطن من خلال استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، بما يضمن الحد من احتمالات التراجع الأمريكي عن الالتزامات المستقبلية، على غرار ما حدث عقب الانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015م، ومع ذلك فإن الخطاب الإيراني الذي يقدم هذه التطورات بوصفها انتصاراً استراتيجياً يثير مفارقة مهمة، إذ لا تزال، حتى وقت كتابة هذه السطور، بنود مذكرة التفاهم المتداولة بين الطرفين في جنيف محل تفاوض ونقاش، كما أن المعلومات المتاحة بشأنها لا تسمح بالحكم على مضمونها النهائي أو تقدير فرص نجاحها في التطبيق العملي، ومن ثم يبدو أن توصيف النتائج باعتبارها انتصاراً شاملاً يؤدي، بالدرجة الأولى، وظيفة داخلية تتمثل في تبرير خيار التفاوض أمام الرأي العام والتيارات الأكثر تشدداً، أكثر مما يعكس تقييماً موضوعياً لموازين القوى التي أفرزتها الحرب، وفي السياق ذاته، تشير العديد من التحليلات إلى أن إيران تتبنى سياسة تقوم على إطالة أمد المفاوضات، مستفيدة من طبيعة المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في تشرين الثاني 2026م، قد يسهم استمرار التوتر وما يرتبط به من تداعيات اقتصادية في زيادة الضغوط السياسية على إدارة ترامب وإضعاف موقف الحزب الجمهوري، بما يعزز من فرص ممارسة ضغط داخلي يدفع نحو تسريع التوصل إلى تسوية، ومن هذا المنطلق تنظر طهران إلى عامل الوقت بوصفه أداة تفاوضية يمكن توظيفها لتعزيز موقعها التفاوضي دون اللجوء إلى مزيد من التصعيد العسكري.

 

وتتمحور أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين حول مجموعة من القضايا الجوهرية التي لا تزال تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي، ويمكن إجمالها فيما يأتي:

  1. ملف التخصيب النووي: تتمسك إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها باعتباره مظهراً من مظاهر السيادة الوطنية، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى إخضاع هذا الحق لقيود فنية وآليات رقابة دولية صارمة.

  2. مستقبل شبكة الحلفاء الإقليميين: تطالب الولايات المتحدة وحلفاؤها بتقليص أو إنهاء الدعم الإيراني لحZب الله والحوثيين وفصائل المقاومة في العراق، بينما تنظر طهران إلى هذه الشبكة باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومة ردعها وعمقها الاستراتيجي، وترفض إدراجها ضمن الملفات القابلة للتفاوض.

  3. الضمانات القانونية الملزمة: تصر الجمهورية الإسلامية في إيران على أن يستند أي اتفاق مستقبلي إلى قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، بما يحد من إمكانية الانسحاب الأمريكي الأحادي، استناداً إلى تجربتها السابقة مع الاتفاق النووي لعام 2015.

  4. آلية رفع العقوبات وتسلسلها الزمني: يمثل هذا الملف إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة لطهران، إذ تطالب برفع شامل وفعلي للعقوبات، في حين تخشى من أن يؤدي اعتماد آلية تدريجية أو مشروطة إلى استمرار الضغوط الاقتصادية وإبقاء الاتفاق رهينة للمتغيرات السياسية.

 

خامساً: مستقبل محور المقاومة: من “محور مواجهة” إلى “محور نفوذ”؟

يثير أي تفاهم محتمل بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران تساؤلاً يتجاوز حدود الملفين النووي والعقوبات الاقتصادية، ويتعلق بمستقبل “محور المقاومة” في حال انتقال العلاقات بين الطرفين من مرحلة المواجهة المباشرة إلى مرحلة إدارة الخلاف عبر المسارات التفاوضية، فمثل هذا التفاهم لا يقتصر أثره على العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، وإنما يمتد إلى مستقبل شبكة الحلفاء والوكلاء التي أسهمت في إعادة تشكيل توازنات “الشرق الأوسط” منذ عام 2003م، وتذهب بعض القراءات التحليلية إلى أن محور المقاومة لا يقترب من نهايته، سواء كما يتوقع بعض خصومه أو كما يتخوف بعض أنصاره، فالشبكات السياسية والعسكرية التي بنتها الجمهورية الإسلامية في إيران على مدى عقدين لا يمكن تفكيكها بقرار سياسي أو اتفاق تفاوضي واحد، كما أن النفوذ الذي راكمته هذه القوى داخل البيئات المحلية في لبنان والعراق واليمن، أصبح جزءاً من التفاعلات السياسية والأمنية الداخلية، بما يجعل تجاوزه أو إلغاؤه بقرار خارجي أمراً بالغ الصعوبة، وانطلاقاً من ذلك قد لا يشهد الأمد المتوسط نهاية لهذا المحور، بقدر ما يشهد تحولاً تدريجياً في طبيعته ووظائفه، من “محور مواجهة” يرتكز على الردع العسكري والجبهات المفتوحة، إلى “محور نفوذ” يقوم على توسيع الحضور السياسي، وتعزيز التأثير داخل مؤسسات الدولة، والاعتماد بصورة أكبر على أدوات التفاوض والشراكات السياسية في حماية المصالح، ويحمل هذا التحول أبعاداً استراتيجية مهمة، إذ يقوم نموذج “محور المواجهة” على احتمالية الانخراط المستمر في التصعيد العسكري وما يرتبط به من كلف سياسية واقتصادية وأمنية، في حين يوفر نموذج “محور النفوذ” فرصة للحفاظ على المكاسب الإقليمية بكلفة أقل، من خلال المشاركة في العمليات السياسية والتأثير في عملية صنع القرار داخل الدول التي تنشط فيها القوى الحليفة للجمهورية الإسلامية في إيران ، غير أن نجاح هذا التحول يبقى رهناً بقدرة طهران على تحقيق توازن بين تقديم تنازلات تكتيكية تستجيب لبعض المطالب الإقليمية والدولية، والحفاظ في الوقت ذاته على مستوى من القدرة الردعية يكفل حماية مصالحها ويحول دون استثمار أي تراجع في إضعاف المحور بصورة جوهرية، وفي المقابل، تبرز داخل محور المقاومة مواقف ترى أن الحرب لم تفضِ إلى إحداث تحولات أمنية جوهرية لمصلحة خصومه، ولم تؤدِ إلى إنهاء دور قواه أو تفكيك قدراتها، كما لم تنجح في فصل الساحات الإقليمية عن الجمهورية الإسلامية في إيران، وفي هذا السياق يؤكد بعض الفاعلين، ولا سيما في لبنان، أن المقاومة لا تزال تمثل جزءاً أساسياً من معادلة الردع الإقليمي، وأن أي تفاهم مستقبلي لا يمكن أن يتجاهل دورها في ترتيبات ما بعد الحرب، ويعكس هذا التوجه وجود تيار داخل المحور يتمسك بالإبقاء على البعد العسكري بوصفه ركناً أساسياً في منظومة الردع، ويرفض الاكتفاء بالتحول إلى نموذج يرتكز حصراً على النفوذ السياسي.

 

السيناريوهات المحتملة للمفاوضات

السيناريو الأول: نجاح التفاوض وتثبيت هدنة طويلة الأمد

في هذا السيناريو، تتمكن طهران وواشنطن من التوصل إلى تفاهم شامل نسبياً يتضمن سقوفاً واضحة للتخصيب النووي، وآلية تدريجية لرفع العقوبات، مقابل تعهدات إيرانية بضبط أنشطة وكلائها الإقليميين دون تفكيكهم بالكامل، ويُرجَّح في هذا السيناريو أن تتحول طهران تدريجياً نحو نموذج “محور النفوذ”، مع احتفاظها بهامش ردعي محدود يكفي لحماية مكاسبها التفاوضية دون الانجرار إلى مواجهة جديدة.

 

السيناريو الثاني: هدنة هشة قابلة للانهيار

ويُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في الأمد القريب، حيث تستمر المفاوضات في مسار “دبلوماسية التحذير”، أي أن الاتفاق لا يُنظر إليه كحدث إجرائي منفصل، بل كعملية مستمرة لإدارة المخاطر، ترتكز فيها طهران على تفعيل الردع متعدد الطبقات لرفع كلفة أي تحرك عسكري أو عقابي أمريكي أو “إسرائيلي” مستقبلي، بينما تتوسل واشنطن بمزيج من الضغط الاقتصادي المقيّد والحفاظ على قنوات حوار خلفية لمنع الانزلاق نحو سيناريوهات غير خاضعة للسيطرة، وفي غياب أي إطار قانوني متين ناظم لهذه العلاقة، يبقى الطرفان رهينين لمبادئ متوازية تقع في مربع “إدارة التوتر” دون وجود مؤشرات حقيقية على تقارب استراتيجي وشيك.

 

السيناريو الثالث: الانهيار وعودة التصعيد الشامل

ويبقى هذا السيناريو قائماً في حال فشل المفاوضات في إسلام آباد أو جنيف، أو في حال استمرار التيار المتشدد داخل الجمهورية الإسلامية في إيران في الدفع نحو توسيع الصراع، خصوصاً في ظل وجود أصوات داخل النظام لا تزال تتمسك باستمرار المواجهة كخيار استراتيجي وحيد قادر على حماية هيبة الدولة ومنع الانهيار الداخلي، وفي هذه الحالة، يُرجَّح أن تعود الأطراف الإقليمية والدولية إلى حسابات الردع العسكري المباشر، مع تصاعد خطر استهداف الممرات البحرية وموارد الطاقة في الخليج العربي.

 

خاتمة

يكشف تتبع المسار الإيراني خلال عام 2026م، عن حالة من الازدواجية الاستراتيجية، تتأرجح فيها طهران بين خطاب الصلابة الأيديولوجية الذي يحافظ على شرعية النظام الداخلية، وبين تبني مقاربة براغماتية تقبل بالتفاوض بوصفه أداة لإدارة المخاطر وتقليل الخسائر، ولا يبدو أن محور المقاومة يتجه نحو الزوال الكامل في الأمد القريب، إلا أنه يقف عند مفترق طرق بين التحول إلى أداة نفوذ سياسي طويلة الأمد، أو الاستمرار في الحفاظ على طابعه القتالي التقليدي في ظل بيئة إقليمية ودولية أصبحت أقل تقبلاً لاستمرار التصعيد، وفي ضوء ذلك، لا يمكن حسم معادلة “الردع أم التفاوض” من خلال قرار منفرد أو جولة تفاوضية واحدة، بل ستظل رهينة للتفاعل المستمر بين حسابات الداخل الإيراني، والتحولات في موازين القوى الإقليمية، وأولويات القوى الكبرى المتنافسة على النفوذ في منطقة لا تزال تمثل أحد أكثر مسارح السياسة الدولية حساسية وتعقيداً.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى