الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

الضربات الأميركية – السعودية المشتركة ضد قوات الحشـ ـد الشعبي في العراق

التحولات في بنية الردع الإقليمي وانعكاساتها على الأمن العراقي

بقلم: بختیار أحمد صالح

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، تشكلت بيئة صراع طويلة الأمد بين قوات الاحتلال والقوى العراقية التي تبنت خيار المقاومة المسلحة. ومع تعاقب السنوات، تطورت هذه المواجهة من عمليات تقليدية إلى حرب مركبة تعتمد على الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والاستخبارات والحرب الإلكترونية. وترى فصائل المقاومة أن الوجود العسكري الأمريكي لم يعد يقتصر على مكافحة الإرهــ ــاب، بل أصبح يمثل أداة استراتيجية لإدامة النفوذ الأمريكي داخل العراق، وتأمين المصالح الأمريكية و”الإسرائيلية” في المنطقة، ومنع تشكل محور إقليمي قادر على تغيير موازين القوى. وفي هذا السياق، جاءت الحرب الإقليمية الواسعة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، لتجعل العراق إحدى أهم ساحات الاشتباك المباشر، نظراً لوجود قواعد أمريكية منتشرة على أراضيه، وامتلاكه موقعاً جغرافياً يربط بين الجمهورية الإسلامية في إيران وسوريا ومن ثم لبنان.

 

لماذا شاركت السعودية عسكرياً؟

يعد هذا السؤال أحد أهم الأسئلة التي تثيرها العملية العسكرية الأخيرة. فمنذ حرب الخليج الثانية عام 1991 تجنبت المملكة العربية السعودية المشاركة المباشرة في عمليات قتالية داخل العراق، باستثناء الدعم اللوجستي أو الاستخباري للتحالفات الدولية. أما في العملية الحالية فإن المشاركة السعودية تمثل تطوراً استراتيجياً يعكس تحولاً في العقيدة العسكرية السعودية:

  1. تطور مفهوم الأمن الوطني السعودي: خلال العقدين الماضيين كان الأمن السعودي يقوم على ثلاث دوائر رئيسية، حماية الحدود، حماية المنشآت النفطية، الاعتماد على الردع الأمريكي، غير أن سلسلة الهجمات التي تعرضت لها المنشآت النفطية منذ عام 2019 أظهرت أن مصادر التهديد لم تعد تقتصر على الحدود المباشرة، وإنما أصبحت تنطلق من دول أخرى عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، ولهذا بدأت الرياض تتبنى مفهوم الدفاع الأمامي (Forward Defense)، الذي يقوم على منع التهديد قبل وصوله إلى الأراضي السعودية، وتجسد ذلك في المشاركة العسكرية المنسقة مع الولايات المتحدة ضد المواقع التي قالت واشنطن والرياض إنها استخدمت لتوجيه هجمات على منشآت الطاقة السعودية.

  2. حماية الاقتصاد الوطني: تعتمد السعودية بصورة كبيرة على صادرات النفط، ولذلك فإن أي هجوم ناجح على منشآتها الحيوية لا يمثل خسارة عسكرية فحسب، بل ينعكس أيضاً على الإيرادات الحكومية، الاستثمارات الأجنبية، تنفيذ رؤية السعودية 2030، وثقة الأسواق العالمية ولهذا أصبح الدفاع عن البنية النفطية جزءاً من الأمن الاقتصادي الوطني.

  3. تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة: تكشف العملية المشتركة عن مرحلة جديدة في العلاقات العسكرية الأمريكية-السعودية فبعد سنوات من تركيز التعاون على التدريب، الدفاع الجوي، تبادل المعلومات الاستخبارية، أصبح التعاون يشمل تنفيذ عمليات هجومية مشتركة خارج الأراضي السعودية عندما تُقدَّر أن مصادر التهديد موجودة خارج الحدود. ويعكس ذلك مستوى أعلى من التكامل العملياتي بين الجانبين.

 

 

الأهداف الأمريكية من العملية

تشير قراءة السلوك الأمريكي إلى أن الضربات لم تستهدف فقط تدمير بعض المواقع العسكرية، وإنما ارادت تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية.

  1. استعادة الردع: أرادت واشنطن إيصال رسالة مفادها أن أي هجوم على قواتها أو على حلفائها سيقابله رد مباشر على البنية العسكرية للفصائل، وليس الاكتفاء بإجراءات دفاعية.

  2. حماية حرية انتشار القوات الأمريكية: تنتشر القوات الأمريكية في العراق وسوريا ضمن إطار دعم عمليات مكافحة الإرهـــ ـــاب، إلا أن تكرار الهجمات بالطائرات المسيّرة يهدد قدرة هذه القوات على أداء مهامها، ويزيد من كلفة بقائها.

  3. حماية أمن الطاقة العالمي: ترى الولايات المتحدة أن استهداف المنشآت النفطية السعودية لا يقتصر أثره على المملكة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ظل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، حيث ارتفعت أسعار النفط مع تجدد الهجمات والمخاوف بشأن الإمدادات.

  4. الضغط على الجمهورية الإسلامية في إيران بصورة غير مباشرة: بدلاً من توجيه ضربة مباشرة للجمهورية الإسلامية في إيران في كل مرة، تسعى واشنطن إلى رفع كلفة استخدام الوكلاء عبر استهداف البنية العسكرية للفصائل التي تعتبرها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وهو ما ينسجم مع استراتيجية تقليص فعالية شبكات الوكلاء دون الانزلاق تلقائياً إلى مواجهة شاملة مع الجمهورية الإسلامية في إيران.

 

 

انعكاسات العملیة على العراق

  1. أزمة السيادة العراقية: تمثل العملية انتهاكاً عملياً للمجال السيادي العراقي ما لم تكن قد نُفذت بموافقة واضحة ومسبقة من الحكومة العراقية. وحتى في حال تبادل معلومات أمنية مع بغداد، فإن تنفيذ ضربات جوية أجنبية داخل العراق يثير تساؤلات بشأن سلطة الدولة على أراضيها ومجالها الجوي. وتزداد الأزمة تعقيداً عندما تكون المواقع المستهدفة تابعة لقوات ترتبط قانونياً بالمؤسسات الأمنية العراقية. ففي هذه الحالة لا ينظر جزء من الرأي العام إلى الضربات بوصفها استهدافاً لجماعات منفصلة فقط، بل بوصفها هجوماً على تشكيل عراقي رسمي. وقد وصف الحشد الشعبي العملية بأنها تصعيد خطير وانتهاك للسيادة والمؤسسات الأمنية العراقية. لكن مفهوم السيادة لا يقتصر على منع التدخل الخارجي؛ بل يشمل أيضاً قدرة الدولة على منع استخدام أراضيها لشن هجمات على دول أخرى. فإذا ثبت أن طائرات مسيّرة أُطلقت من العراق باتجاه منشآت سعودية، فإن ذلك يكشف خللاً موازياً في السيادة العراقية، يتمثل في عجز الدولة عن ضبط النشاط العسكري العابر للحدود. ومن هنا يواجه العراق معضلة مزدوجة:

 المعضلة الأولى: منع الدول الأخرى من تنفيذ عمليات عسكرية داخل أراضيه.

المعضلة الثانية: منع الجماعات المسلحة من استخدام أراضيه لاستهداف قوات أو دول مجاورة. إن معالجة أحد جانبي المعضلة من دون الآخر لن تكون كافية لاستعادة السيادة الفعلية.

 

  1. الضغط على الحكومة العراقية: تضع العملية الحكومة العراقية أمام ثلاثة اتجاهات متعارضة وهي المطالبة بوقف الضربات الأجنبية وحماية السيادة، تجنب صدام داخلي واسع مع الفصائل المسلحة، وتقديم ضمانات للولايات المتحدة والسعودية بأن الأراضي العراقية لن تستخدم لتنفيذ هجمات جديدة. ويصعب التوفيق بين هذه الاتجاهات من دون استراتيجية أمنية واضحة تقوم على إخضاع منظومات الطائرات المسيّرة والصواريخ والمخازن والاتصالات العسكرية لسيطرة الدولة المركزية، كما قد تتعرض الحكومة لضغوط برلمانية وشعبية للمطالبة بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي، في حين ستؤكد واشنطن أن استمرار التهديدات يبرر بقاء قواتها ومنظوماتها الدفاعية. وبذلك قد تؤدي الهجمات التي تهدف إلى إخراج القوات الأمريكية، بصورة عكسية، إلى إطالة وجودها أو تغيير طبيعة انتشارها.

  2. خطر الانقسام داخل مؤسسات الأمن: قد تدفع الضربات بعض الفصائل إلى زيادة استقلاليتها، بينما قد تطالب قوى عراقية أخرى بإعادة هيكلة الحشد الشعبي وإبعاد التشكيلات المرتبطة بأجندات خارجية. وإذا جرت المعالجة بطريقة صدامية، فقد تتحول الأزمة إلى انقسام أمني أو سياسي حاد، أما إذا استُخدمت الأزمة لإجراء إصلاح مؤسسي تدريجي، فقد تتيح فرصة لإعادة تحديد العلاقة بين الحشد ووزارة الدفاع والقيادة العامة للقوات المسلحة.

 

 

الرد المتوقع لقوات الحشد الشعبي

  1. الرد المرحلي: بحسب العقيدة العسكرية للمقاومة، لا يُنظر إلى الرد باعتباره عملاً انتقامياً فورياً، بل كجزء من عملية عسكرية متدرجة تهدف إلى استعادة ميزان الردع. ولهذا، قد يتخذ الرد عدة صور متعاقبة، منها زيادة وتيرة الاستطلاع الاستخباري، إعادة انتشار الوحدات العسكرية، نقل بعض القدرات إلى مواقع بديلة، رفع جاهزية الدفاع الجوي المحلي، وتعزيز أمن الاتصالات والقيادة. وترى المقاومة أن هذه المرحلة قد تكون أكثر أهمية من تنفيذ الضربات نفسها، لأنها تحدد القدرة على مواصلة المواجهة.

  2. الرد العملياتي: في حال استمرار الضربات، تتوقع المقاومة أن تتجه إلى توسيع نطاق العمليات بصورة مدروسة، مع التركيز على أهداف تحقق تأثيراً عسكرياً أو سياسياً يفوق كلفتها. وتستند هذه المقاربة إلى مبدأ الرد المتناسب، بحيث يكون الهدف هو فرض معادلة ردع جديدة تمنع الخصم من تنفيذ ضربات مشابهة من دون تحمل تبعاتها. وتؤكد المقاومة، وفق هذا التصور، أن اختيار طبيعة الرد وتوقيته ومسرحه يخضع لتقدير القيادة العسكرية، ولا يرتبط بالضرورة بمكان أو زمان الضربة الأصلية.

  3. إدارة التصعيد: لا ترى المقاومة أن التصعيد هدف بحد ذاته، بل تعتبره وسيلة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك. وبناءً على ذلك، فإنها تسعى – وفق هذا المنظور – إلى تحقيق توازن بين إظهار القدرة على الرد، وبين تجنب انزلاق المواجهة إلى حرب شاملة إذا لم يكن ذلك يخدم أهدافها الاستراتيجية. ويُنظر إلى هذه السياسة على أنها جزء من إدارة الصراع، حيث يُستخدم التصعيد بصورة محسوبة للحفاظ على الردع، وليس للوصول إلى مواجهة مفتوحة بالضرورة.

 

استنتاجات

  1. تمثل الضربات المشتركة تحولاً مهماً في العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة والسعودية، لكنها لا تثبت بعد قيام تحالف هجومي دائم.

  2. انتقلت السعودية من الدفاع داخل مجالها الجوي إلى المشاركة في استهداف مصدر التهديد المفترض خارج حدودها.

  3. كشفت الأزمة ضعف احتكار الدولة العراقية لقرار استخدام القوة، وعجزها عن منع الأطراف الخارجية والجماعات المحلية من العمل داخل أراضيها.

  4. يمثل غياب الأدلة المنشورة بصورة كاملة مشكلة أساسية في تقييم مشروعية الضربات ونسبة الهجمات إلى الجهات المستهدفة.

  5. قد يؤدي تكرار الهجمات إلى تحويل العراق من ساحة نفوذ غير مباشر إلى جبهة عسكرية.

  6. تحتاج الحكومة العراقية إلى الجمع بين رفض انتهاك سيادتها ومنع استخدام أراضيها للإضرار بدول الجوار؛ فلا يمكن الدفاع عن أحد جانبي السيادة وإهمال الجانب الآخر.

 

خاتمة

تكشف الضربات الأمريكية-السعودية ضد قوات الحشد الشعبی في العراق أن الصراع الإقليمي دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها الحدود السياسية قادرة على احتواء المواجهة. فقد أتاحت الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة القدرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي، بينما أصبحت الدول المستهدفة أكثر استعداداً لضرب مصادر التهديد خارج حدودها. ومع ذلك، فإن توسيع الرد العسكري لا يضمن بالضرورة استعادة الاستقرار. فقد تؤدي الضربات إلى إضعاف بعض القدرات، لكنها قد تدفع فصائل أخرى إلى العمل بصورة أكثر سرية ولامركزية، أو إلى توسيع هجماتها على ساحات أخرى.

إن الضربات الأخيرة قد تكون حادثة عابرة، وقد تتحول إلى لحظة تأسيسية في بنية الردع الإقليمي. ويتوقف الفرق بين الاحتمالين على ما إذا كانت الأطراف ستتعامل معها باعتبارها إنذاراً يدفع نحو الاحتواء، أم بوصفها بداية لجولة جديدة من الفعل والانتقام. وفي الحالتين، يبقى العراق الطرف الذي سيدفع الكلفة الأكبر ما لم يستعد سيادته الفعلية ويوحّد قراره الأمني والعسكري.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى