الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الاندماج العسكري.. قراءة في إقرار قانون الدفاع الأميركي ودوره في دعم “إسرائيل”

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

أقر مجلس النواب الامريكي مساء الأربعاء مشروع قانون التفويض الدفاعي السنوي (NDAA) لعام 2027 بقيمة بلغت نحو 1.15 تريليون دولار متضمناً المادة 219 المثيرة للجدل التي تحقق اكبر مستوى من التكامل الدفاعي في مجال التكنولوجيا العسكرية بين “اسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أثار ردود افعال حول حجم التكامل العسكري الامريكي-“الاسرائيلي” الذي ادرج في القانون والذي يبدو أنه انتقل من مرحلة المساعدات العسكرية الى مرحلة التكامل، تحاول هذه المقالة قراءة ما نص عليه القانون وتحليل ردود الأفعال حوله ومحاولة التنبؤ بمستقبل شكل الدعم الامريكي “لإسرائيل”.

 

أولاً: طبيعة التكامل الدفاعي الواردة في القانون

حددت المادة 219 من القانون البدء بعملية مأسسة ودمج التكنولوجيا العسكرية وسلاسل التوريد الامريكية بشكل دائم مع نظيرتها الإسرائيلية بحلول العام 2030، واهم ما تتضمنه المادة من بنود هي:

  1. تعيين وكيل تنفيذي في البنتاغون يشرف بشكل مباشر على عملية التنسيق والدمج والتكامل المشترك.

  2. حددت المادة 10 مجالات عسكرية حساسة للدمج وهي الذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيرة، الدفاع الصاروخي، والحوسبة الكمومية وتكامل البيانات والشبكات العسكرية المشتركة بما يسمح للقادة الإسرائيليين الاطلاع بشكل مباشر ولحظي على المعلومات التي ترد للقادة الأمريكيين مما يجعل الطرفين يعلمون بغرفة عمليات واحدة ومشتركة بشكل دائم.

  3. كما نصت المادة على تقليص القيود القانونية التي تحد من وصول أجهزة الاستخبارات “الإسرائيلية” للمعلومات الاستخبارية الامريكية، مما يسهل عملية تبادل المعلومات الاستخبارية بين الطرفين.

بالتالي يمكن اعتبار عملية التكامل هذه تهدف الى لتعزيز التوجه الأمريكي لزيادة الحروب في “الشرق الأوسط”، حيث ان من المعروف ان “إسرائيل” لا تعمل خارج بيئتها الإقليمية لذلك فان تعزيز تكامل قواتها مع القوات الامريكية يمكن ان يستهدف زيادة القدرات العسكرية “الإسرائيلية” بشكل يوازي القدرات العسكرية الامريكية او يقترب منها، بشكل يمكن “إسرائيل” من مواجهة حروبها القادمة لاسيما انها وضعت كل من تركيا ومصر كاهداف لاي حرب مقبلة، في “الشرق الأوسط” وهو امر يستلزم ان تعمل على تطوير قدراتها العسكرية خاصة انها تخطط لمواجهة الجيش التركي الذي يمثل ثاني اقوى جيش في حلف شمال الأطلسي وله صناعاته الدفاعية الخاصة، وبالتالي لا يمكن لنا ان نفهم هذا التكامل الا وفق هذه المقاربة.

 

 

ثانياً: الجدل الأمريكي الداخلي حول القانون

ينقسم الكونغرس الأمريكي بطبيعة الحال الى جمهوريين وديمقراطيين بحكم النظام الحزبي الثنائي السائد في الولايات المتحدة الامريكية، حيث عادةً ما يتخذ الجمهوريون مواقف متشددة في داعم “إسرائيل” تندرج ضمن الدعم العسكري المطلق وصولاً الى الانخراط العسكري المباشر الى جانب “إسرائيل”، فيما يكون الديمقراطيون حتى وان قاموا بدعم “إسرائيل” أكثر ميلاً للدبلوماسية والحلول السلمية، وغالبا ما يدعمون حل الدولتين، وتعد بعض اجنحة الحزب الديمقراطي التي تضم التقدميين أكثر رفضاً للدعم المطلق “لإسرائيل”.

أما بالوقت الراهن وبعد الحرب على غزة ولبنان والجمهورية الإسلامية في إيران، فقد ازداد الانقسام في الشارع الأمريكي حيال دعم “إسرائيل” تعقيداً، حيث برزت في الشارع الأمريكي ثلاث تيارات رئيسة أصبحت ممثلة داخل الكونغرس وهذه التيارات اليوم دخلت في جدل حاد حيال قانون الدفاع الجديد الذي يربط الجيش “الإسرائيلي” بالجيش الأمريكي وأبرز هذه التيارات مع مواقفها هي:

 

التيار الأول: صقور الحزب الجمهوري: وهؤلاء يمثلون المواقف الأكثر تشدداً في دعم “إسرائيل” ويرون “إسرائيل” شريكاً تكنولوجياً أساسياً لمواجهة التهديدات المشتركة (مثل حرب إيران الحالية)، ويعتبرون دمج الشبكات وسيلة لتسريع الابتكار وضمان التفوق النوعي.

التيار الثاني: التقدميون في الحزب الديمقراطي: حيث يقود نواب مثل ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز ورشيدة طليب جبهة ترفض الشيكات المفتوحة “لإسرائيل”، وتعتبر الدمج توريطاً مباشراً لأمريكا في صراعات إقليمية دائمة، ورغم وجود هذا التيار الا انه لا يعني ان كل اعضاء الحزب الديمقراطي يرفضون دعم “إسرائيل”.

التيار الثالث: ويمثله بعض اجنحة الحزب الجمهوري من المحافظين سواء من أنصار تيار أمريكا أولاً ام من المحافظين التحرريين وهؤلاء يختلفون عن الحرس القديم من الحزب الجمهوري ويتميزون بالدعوة للعودة للانعزالية الامريكية، ورفض التدخلات الامريكية الخارجية ورفض دعم “إسرائيل” ويعتقدون ان أموال دافعي الضرائب الأمريكيين ينبغي ان تخصص لدعم الاقتصاد الأمريكي وحماية الامن المحلي وضبط الحدود.

 

وقد اثار القانون جملة من الاعتراضات من قبل التيارات المعارضة كان ابرزها:
  1. اعتراضات تخص الصلاحيات الدستورية: يرى بعض المعترضين على المادة مثل النائب الجمهوري (توماس ماسي) إن دمج قطاعات الدفاع الحساسة بهذه الديمومة يتطلب معاهدة دولية رسمية يصوت عليها ثلثا مجلس الشيوخ، وليس مجرد مادة مدفونة داخل قانون ميزانية سنوي.

ويرى معترضين آخرين ان مأسسة المبادرة تجعل فك الارتباط التكنولوجي والعسكري مع “إسرائيل” أمراً شبه مستحيل بيروقراطياً، مما يحرم أي رئيس أمريكي مستقبلي من ممارسة “أوراق الضغط” أو تغيير السياسة الخارجية وفقاً للمصالح الأمريكية المتجددة.

  1. اعتراضات حول آلية التصويت: لقد قام صقور الحزب الجمهوري بمناورة سياسية إجرائية داخل مجلس النواب عبر لجنة القواعد التي يسيطر عليها الصقور الجمهوريين وهي اللجنة المخولة باستقبال مقترحات مشاريع القوانين والتعديلات من اجل ادراجها للتصويت او المناقشة في مجلس النواب، حيث منعت اللجنة التعديل المعروف بتعديل (خانا-ماسي)  الذي تقدم به النائبان الديمقراطي التقدمي  (روخانا) والجمهوري المحافظ (توماس ماسي) الى لجنة القواعد ويتضمن التعديل على قانون الدفاع الوطني حذف المادة 219 الخاصة بدمج الجيش الأمريكي مع الجيش “الإسرائيلي” في التمويل العسكري، لكن لجنة القواعد قامت بمنع طرح التعديل للمناقشة او التصويت ولم يمنح النائبان الفرصة للحديث والاعتراض على عملية التصويت.

كما قام الجمهوريين بإرسال قانون الدفاع الوطني وفق مبدأ السلة الواحدة او الحزمة الواحدة في التصويت، أي اما ان تصوت على القانون بشكل كامل بما فيها المادة محل الجدل، او  ترفض التصويت على القانون وتؤدي بالاضرار بالجيش الأمريكي من خلال تعطيل ميزانيته العامة وعرقلة دفع مرتبات الجنود والضباط والعاملين بمجال الامن القومي الأمريكي، ما اجبر الكونغرس على تجاوز الجدل والتصويت على القانون بالكامل بما فيها المادة محل الخلاف.

وقد علق النائب (روخانا) على القانون بعد تمريره بالقول: ” إن أمريكا هي من يجب أن تقرر، وليس رئيس وزراء أي دولة أخرى. لقد حُرِم الكونغرس من فرصة التصويت لمنع هذا الدمج، لكننا سنواصل المعركة لحذفه خلال المفاوضات المشتركة القادمة بين مجلسي النواب والشيوخ”([1]).

والواضح ان عملية تمرير القانون بضمنها المادة محل الجدل كان الهدف منها ارغام الكونغرس على التصويت على المادة وارغامهم على دمج الجيش “الإسرائيلي” مع الجيش الأمريكي، ولعل مواقف المعارضين للقانون كانت تهدف لمنع عملية تكبيل الرؤساء الأمريكيين القادمين بقيود تفرض عليهم دعم “إسرائيل” عسكرياً او ان “إسرائيل” ارادت من خلال هذا التكبيل استباق إمكانية وصول رئيس امريكي معارض لسياساتها العسكرية او يعمل على تقليص دعم الولايات المتحدة لها، ما يجعل دعم “إسرائيل” التزاماً الزامياً طويل الأمد.

 

 

ثالثاً: مآلات تطبيق التكامل الدفاعي الأمريكي “الإسرائيلي”

يتيح القانون للجيش “الإسرائيلي” اندماجاً كاملاً في شبكات وقواعد البيانات العسكرية الأمريكية (Data Fusion)، فضلاً عن الربط الشبكي المباشر يمنح القانون إسرائيل تمويلاً مباشراً (يشمل 500 مليون دولار للدفاع الصاروخي مثل القبة الحديدية، و100 مليون دولار لمكافحة المسيرات والأنفاق)، والأهم أنه يحصن عقود التسليح “الإسرائيلية” من التقلبات السياسية السنوية داخل الكونغرس، مما يضمن تدفقاً مستداماً للتكنولوجيا.

كما يتيح البند للبنتاغون الوصول السريع والمباشر للتقنيات العسكرية الميدانية التي تطورها “إسرائيل” (مثل أنظمة اعتراض المسيرات وأنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة) ودمجها مباشرة في أنظمة الجيش الأمريكي الرسمية، ويتم تسريع العملية التكاملية عبر منصب الوكيل التنفيذي المعين من قبل البنتاغون لمتابعة العملية وضمان التنسيق بين وزارة الحرب الامريكية ووزارة الدفاع “الإسرائيلية”.

يمكن ان يؤدي تطبيق هذا البند الى تكبيل الإدارات الامريكية المقبلة بالتزاماتها “بإسرائيل” عبر دمج سلاسل التوريد والإنتاج العسكري المشترك والابتكار المشترك بين الجيشين بشكل يصعب معه على أي رئيس مقبل فصل الجيشين معاً وهو فصل يمكن ان يضر بقدرات الابتكار والتحديث الخاصة بالجيش الأمريكي صناعياً وادارياً ولوجستياً.

وهو امر يخدم “إسرائيل” بالدرجة الأولى حيث سوف تستفيد من احدث الابتكارات الامريكية في التكنولوجيا العسكرية وتصل الى التقنيات الحساسة بشكل اكبر مما يحصل عليه أي حليف آخر للولايات المتحدة، مما يضمن قدرة اكبر للجيش “الإسرائيلي” ويجعله يصل لمرحلة قوة تقترب من قوة الجيش الأمريكي على المستوى التسليحي.

 

رابعاً: تداعيات تحول الرأي العام الأمريكي على مستقبل الدعم الأمريكي “لإسرائيل”

يشهد الشارع الأمريكي تحولات ديمغرافية وجيلية عميقة أطاحت تدريجياً بالاجماع التاريخي المتعلق بالدعم السياسي والعسكري المطلق “لإسرائيل”. هذا التحول لم يعد مقتصراً على الاحتجاجات الشعبية العابرة او الحراك الطلابي الجامعي، بل بدأ يُترجم نفسه الى كتلة تصويتية لا يستهان بها وتيارات سياسية ممثلة لها ضاغطة داخل أروقة المؤسسات الامريكية، ولاسيما في داخل قواعد الحزب الديمقراطي. إن الأجيال الشابة والناخبين من الأقليات باتوا يتبنون مقاربات مختلفة تماماً للسياسة الخارجية، تركز بشكل متزايد على رفض التورط العسكري الأمريكي في صراعات إقليمية مكلفة خارج الحدود، وهو ما يجعل تمرير تشريعات تربط الجيشين الأمريكي و”الإسرائيلي” بهذه الصرامة المؤسسية بمثابة محاولة استباقية وتحدٍ مباشر لهذه التحولات المجتمعية العميقة.

ومن المرجح ان يؤدي هذا التجاذب والاستقطاب الى جعل ميزانيات الدفاع الامريكية والتشريعات الداعمة “لإسرائيل” مادة دائمة للمساومة السياسية في الدورات الانتخابية والتشريعية المقبلة.

إن هذه التحولات لا تقتصر على جمهور الحزب الديمقراطي بل امتدت أيضا الى جمهور الحزب الجمهوري من الشباب، حيث تشير الاحصائيات الى ان الفئة الشابة من ناخبي الحزب الجمهوري تنظر بسلبية اكبر حيال “إسرائيل” اكثر من الفئة الأكبر سناً من الناخبين الجمهوريين،([2]) مما يعني ان “إسرائيل” واللوبي الداعم لها يواجه كتلة انتخابية صاعدة من جمهور الحزبين مناهضة للدعم الأمريكي المطلق “لإسرائيل” سيتنامى دورها ويزداد عددها مما يجعل عملية الدعم الأمريكي “لإسرائيل” تناقش ضمن احد المواضيع الساخنة في الحملات الانتخابية بوصفها معياراً لتقييم المرشح عند جمهور الناخبين، لذلك نجد ان خطوة الدمج تأتي كخطوة استباقية من قبل مؤيدي “إسرائيل” داخل الكونغرس بما يخدم عملية ربط الولايات المتحدة بالمصالح “الإسرائيلية” بشكل يصعب فصله في حالة وصول إدارة أمريكية الى البيت الأبيض ترغب باتخاذ سياسة جديدة معارضة “لإسرائيل”.

 

خاتمة  

يمكن القول من خلال القراءة التحليلية  لإقرار مشروع قانون التفويض الدفاعي السنوي (NDAA) لعام 2027، وتحديداً المادة 219 منه، إن هناك تحول جذري في طبيعة التحالف الأمريكي-“الإسرائيلي”، حيث انتهت فعلياً مرحلة الدعم اللوجستي والمادي ليدخل هذا التحالف مرحلة جديدة تقوم على الدمج الهيكلي والتكنولوجي الشامل. إن هذه الخطوة تتجاوز في أبعادها مجرد تعزيز القدرات العسكرية “الإسرائيلية”، لتشكل محاولة دستورية ومؤسسية مقصودة لتكبيل صانع القرار الأمريكي المستقبلي، وتجريد الإدارات القادمة من قدرتها على استخدام المساعدات العسكرية كأداة ضغط لتوجيه أو تقويم السلوك “الإسرائيلي” في أزمات “الشرق الأوسط”.
وعلى مستوى البيئة الإقليمية، ينذر هذا الاندماج المعمق بسباق تسلح تكنولوجي جديد في المنطقة، حيث سيقود تفوق “إسرائيل” المدعوم بشبكات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية الأمريكية إلى دفع قوى إقليمية وازنة نحو تسريع تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية والبحث عن تحالفات استراتيجية مضادة. ويعكس هذا التوجه “الإسرائيلي” نحو الاحتماء بالمظلة التكنولوجية الأمريكية إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة المقبلة من المواجهات في المنطقة لاسيما وان “إسرائيل” اعتبرت ان الأعداء المقبلين لها بعد ايران هم كل  من مصر وتركيا، مما يعني ان الخطوة الأخيرة تهدف لتعزيز قدرات الجيش “الإسرائيلي” استعداداً مبكراً لمواجهة جيوش نظامية كبرى تمتلك قواعد صناعية دفاعية متطورة ومستقلة.

أما على صعيد الداخل الأمريكي، فإن تمرير هذه التشريعات الاستباقية يعكس قلقاً حقيقياً لدى تيار الصقور واللوبيات الداعمة “لإسرائيل” من التحولات الديمغرافية والجيلية العميقة التي تعيد تشكيل قواعد الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء. إن محاولة مأسسة العلاقة وربط سلاسل التوريد والبيانات العسكرية للبلدين بشكل يجعل فك الارتباط أمراً شديد التعقيد بيروقراطياً، قد يوفر حصانة “لإسرائيل” على المدى القريب والمتوسط، ولكنه في الوقت ذاته يغامر بضرب ما تبقى من الإجماع التاريخي حولها. وهذا يعني تحول الدعم العسكري “لإسرائيل” تدريجياً من ثوابت الأمن القومي الأمريكي المتفق عليها، إلى أحد أكثر الملفات استقطاباً وجدلاً ومساومةً في مستقبل السياسة الداخلية للولايات المتحدة.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى