الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

معضلة الصين في الخليج

بكين تريد المكاسب التجارية دون الاضطلاع بأعباء المسؤولية

بقلم: محمد السديري، وأندريا غيسيلي، وآرون غلاسرمان

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

أحدثت الحرب على إيران حالة من الاضطراب في منطقة الخليج، فقد تزايدت مشاعر الإحباط لدى الدول العربية تجاه الولايات المتحدة التي أطلقت حربًا أحدثت اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية لكنها أخفقت في الوقت نفسه في حمايتها من الضربات الإيرانية، غير أن هذه الحرب دفعت أيضًا دول الخليج إلى إعادة تقييم طبيعة علاقتها بالصين، فقد بددت سياسة بكين القائمة على الترقب والانتظار وإحجامها عن توظيف نفوذها لدى طهران لاحتواء الصراع ما تبقى لدى الدول العربية الخليجية من آمال في أن تتحول الصين، في المستقبل المنظور إلى شريك أمني ذي أهمية في المنطقة.

وخلال السنوات القليلة الماضية بدأت الدول العربية الخليجية تنظر إلى بكين بوصفها قوة بنّاءة في “الشرق الأوسط”، ففي عام 2023 جاءت نحو 36% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام من دول مجلس التعاون الخليجي (المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر وسلطنة عُمان والبحرين)، وفي عام 2024 بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ودول الخليج نحو 300 مليار دولار متجاوزًا إجمالي تجارة الخليج مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مجتمعين، وقد راهنت العديد من حكومات المنطقة على أن تعمق الانخراط الاقتصادي الصيني سيدفع بكين إلى إبداء استعداد أكبر لكبح السلوك الإيراني حمايةً لمصالحها الاقتصادية في المنطقة وإسهامًا في ترسيخ الاستقرار الإقليمي. إلا أن الدول العربية الخليجية باتت تدرك اليوم أن الصين أصبحت بعد الحرب على إيران أقل استعدادًا من أي وقت مضى لتحمل مسؤولية الإسهام في ضمان أمن الخليج، فبكين تفتقر إلى رؤية واضحة لشكل النظام الأمني الذي ينبغي أن يسود المنطقة كما عززت الفوضى التي أفرزتها الحرب قناعتها بأن استراتيجيتها التقليدية القائمة على تجنب الالتزامات الأمنية والامتناع عن الانحياز لأي طرف لا تزال الخيار الأكثر ملاءمة، ورغم أن الصين ستواصل توسيع علاقاتها التجارية والاستثمارية في المنطقة فإن دول الخليج تجد نفسها مضطرة إلى الإقرار بأن بكين لن تشكل موازنًا لواشنطن في ضمان الأمن الإقليمي، وبناءً على ذلك باتت هذه الدول أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تعميق الاعتماد على الولايات المتحدة رغم ما تتسم به سياساتها من تقلب وعدم يقين أو البحث عن شركاء جدد لسد الفراغ الذي كانت تأمل أن تتمكن الصين من ملئه.

 

 

الحلم الصيني

مع التوسع المتسارع للحضور الصيني في منطقة الخليج منذ مطلع العقد الحالي ارتفعت التوقعات بشأن الدور الذي يمكن أن تضطلع به بكين في المنطقة، ورغم استمرار اعتماد معظم الدول العربية الخليجية على الولايات المتحدة بوصفها الضامن الرئيس لأمنها، فإنها كانت تراهن في الوقت ذاته على أن تسهم الصين في تعزيز الاستقرار الإقليمي والاضطلاع بدور أمني أكثر فاعلية. فقد أصبحت الصين أكثر اعتمادًا على الخليج بوصفه مصدرًا رئيسًا للطاقة ورأس المال الأمر الذي عزز اعتقاد الدول الخليجية بأن بكين ستغدو أكثر حرصًا على حماية استقرار المنطقة وصون مصالحها الاقتصادية فيها، وقبيل اندلاع الحرب على إيران في شباط كانت دول مجلس التعاون الخليجي تصدّر إلى الصين ما يقارب أربعة ملايين برميل من النفط الخام يوميًا، وفي الوقت نفسه كثفت صناديق الثروة السيادية الخليجية استثماراتها في الصين وافتتحت مكاتب لها في بكين وهونغ كونغ وشنغهاي كما أبرمت دول خليجية عديدة اتفاقيات تعاون مع الصين في مجالات متنوعة شملت الطاقة المتجددة وتقنيات الفضاء، كذلك شهدت الجالية الصينية في شبه الجزيرة العربية نموًا ملحوظًا ليتجاوز عدد أفرادها نصف مليون نسمة.

كما غذّى النفوذ الصيني في طهران آمال العواصم الخليجية بإمكانية أن توظف بكين ثقلها السياسي لكبح السلوك الإيراني تجاه جيرانه، فإيران تعتمد بدرجة كبيرة على الصين في توفير الدعمين الاقتصادي والدبلوماسي في ظل العقوبات الأمريكية الممتدة منذ سنوات، وفي عام 2021 وقع البلدان اتفاقية تعاون شاملة لمدة خمسة وعشرين عامًا في خطوة عكست استعداد الصين لتوسيع استثماراتها في إيران، وقد شكّل هذا النفوذ أحد العوامل التي دفعت المملكة العربية السعودية إلى قبول اضطلاع بكين بدور الضامن للاتفاق الذي أبرمته الرياض مع طهران عام 2023 والذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين القوتين الخليجيتين، كما عقدت الصين وإيران والسعودية ثلاثة اجتماعات ثلاثية لاحقة كان آخرها في طهران في كانون الأول 2025 وشكلت هذه اللقاءات واحدة من المحطات النادرة التي بعثت قدرًا من التفاؤل الدبلوماسي في منطقة أنهكتها الأزمات.

ولم تقتصر أسباب هذه التوقعات على النفوذ الصيني في إيران بل عززتها أيضًا الخطابات الرسمية والتحركات العملية لبكين التي أوحت بأنها تتجه إلى التحول إلى فاعل رئيس في المنظومة الأمنية الإقليمية، فبعد عقد من التشاؤم أعقب أحداث الربيع العربي وما شهده “الشرق الأوسط” من حروب وصراعات بالوكالة رأت الصين مؤشرات واعدة مع صعود جيل جديد من صناع القرار والإصلاحيين في المنطقة، كما بدا أن العديد من قادة الخليج عازمون على تنويع اقتصاداتهم وتقليص الاعتماد على النفط وتعزيز الترابط الاقتصادي مع محيطهم الإقليمي وهي أهداف تتوافق مع الخبرات الصينية الأمر الذي أبدت بكين استعدادًا لدعمه، وفي هذا السياق أفردت وسائل الإعلام الرسمية الصينية مساحات واسعة للإشادة بعدد من قادة المنطقة وفي مقدمتهم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي وصفته بأنه يقود مشروعًا لـ )التحديث على الطريقة الصينية).

وفي موازاة ذلك كثّفت الصين انخراطها الدبلوماسي في منطقة الخليج، ففي عام 2022 شارك الرئيس الصيني شي جين بينغ في القمة الصينية-العربية الأولى وقمة الصين-مجلس التعاون الخليجي اللتين استضافتهما الرياض حيث وقّع بيانًا مشتركًا تضمن تأييدًا للمطالب السيادية لدولة الإمارات العربية المتحدة بشأن الجزر الثلاث المتنازع عليها والخاضعة للسيطرة الإيرانية، وفي آذار 2023 اعتبر مسؤولون ومحللون صينيون أن التقارب السعودي-الإيراني يمثل بداية (موجة مصالحة) من شأنها أن تطوي سنوات من الصراع والجمود والاضطرابات التي شهدتها المنطقة. كما افترضت الدول العربية الخليجية أن اتساع المصالح الصينية في المنطقة سيزيد من حرص الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها القيادي وسيمنح العواصم الخليجية هامشًا أوسع للمناورة في الحصول على مكاسب اقتصادية وأمنية من واشنطن، فعلى سبيل المثال تمتلك شركة هواوي الصينية العملاقة في مجال الاتصالات مراكز تشغيل رئيسة في كل من دبي والرياض وقد أخفقت الضغوط الأمريكية الرامية إلى دفع الدول الخليجية للتخلي عن الشركة بسبب غياب بدائل عملية قادرة على تلبية احتياجاتها، وفي الوقت ذاته أضفت المنافسة التكنولوجية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين بُعدًا إضافيًا للأهمية الاستراتيجية للخليج في الحسابات الأمريكية، ففي أيار 2025 وبعد الجولة الخليجية التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقعت كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية اتفاقيات طموحة مع شركة إنفيديا (Nvidia) الأمريكية للحصول على رقائق إلكترونية متطورة في خطوة تمثل ركيزة أساسية لتحقيق طموحهما في التحول إلى مركزين إقليميين رائدين في مجال الذكاء الاصطناعي، وانطلاقًا من ذلك ساد اعتقاد لدى دول الخليج بأن اهتمام قوتين دوليتين كبيرتين بالمنطقة سيمنحها خيارات استراتيجية أوسع ويعزز قدرتها على تحقيق مصالحها وترسيخ أمنها الإقليمي.

 

شلل التحليل

غير أن موجة العنف التي اجتاحت المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية بددت الآمال التي عقدتها الدول العربية الخليجية على الصين وهو تقييم يردده باستمرار مسؤولون ومحللون في المنطقة في أحاديثهم الخاصة، فمنذ هجوم حركة حماس على “إسرائيل”** في تشرين الأول 2023 لم تُظهر بكين أي استعداد لتحمل دور أمني مؤثر في “الشرق الأوسط”، ورغم سعيها إلى الظهور بمظهر الوسيط وصانع السلام وتوسطها في عدد من المسارات التفاوضية بين الأطراف المتنازعة، إذ استضافت على سبيل المثال في تموز 2024 اجتماعًا لفصائل فلسطينية مختلفة فإن هذه الجهود ظلت محدودة الأثر ولم تُفضِ إلى أي تغيير جوهري في الواقع القائم. وعندما شرع أنصار الله الحوثــ ــيون أواخر عام 2023، في استهداف السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر لم تمارس الصين ضغوطًا على إيران لكبح هجمات حليفها على الملاحة الدولية، بل اختارت التوصل إلى اتفاق خاص مع الحوثيين يضمن سلامة السفن التي ترفع العلم الصيني. وخلال الحرب على إيران هذا العام امتنعت بكين مرة أخرى عن توظيف نفوذها الكبير لدى طهران لمنعها من استهداف شركاء الصين في الخليج وهو ما أثار استياءً خاصًا لدى المملكة العربية السعودية التي رأت أن الصين بصفتها الضامن لاتفاق المصالحة مع إيران كان ينبغي أن تضطلع بدور في حمايتها، ورغم أن بكين تجنبت في معظم الأحيان الانحياز إلى إيران في مواجهة الضربات الأمريكية و”الإسرائيلية” فإن بعض الدول الخليجية اعتبرها شريكًا بصورة غير مباشرة في الهجمات الإيرانية على الخليج وذلك لسببين رئيسين: استخدامها حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يدعو إلى تشكيل قوة دولية لحماية الملاحة في مضيق هرمز، فضلًا عن تقارير أشارت إلى احتمال قيام شركات صينية بتزويد طهران ببيانات استخباراتية جغرافية ساعدتها على تحسين دقة استهدافها للأهداف الإقليمية.

ولم يكن هذا التحفظ الصيني نابعًا من البراغماتية وحدها بل عكس أيضًا حالة من التردد الاستراتيجي والجمود في صنع القرار، فمنذ اندلاع ثورات الربيع العربي خلال عامي 2010 و2011 ثم صعود تنظيم الدولة الإسلامية (د1عش) في السنوات اللاحقة دار داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الصينية نقاش مستمر حول ما إذا كان ينبغي لبكين إعادة صياغة دورها في “الشرق الأوسط” وكيف يمكن أن يتم ذلك، وقد رأى منتقدو السياسة الرسمية أن مكانة الصين بوصفها قوة كبرى تفرض عليها القيام بدور أكبر في حماية مصالحها وتعزيز الاستقرار الإقليمي، غير أن هؤلاء لم يقدموا تصورًا عمليًا لكيفية ترجمة هذا الدور على أرض الواقع أو تحديد الظروف التي قد تستدعي إشراك القوات الصينية أو كيفية تحمل التكاليف السياسية والعسكرية المترتبة على بناء شراكات أمنية أعمق مع قوى إقليمية مثل المملكة العربية السعودية، وفي ظل منطقة تتسم بقدر كبير من الاضطراب وتحمل إرثًا طويلًا من التدخلات الخارجية المكلفة بدا أن القيادة الصينية خلصت إلى أن الامتناع عن الانخراط المباشر يظل الخيار الأقل كلفة والأكثر أمانًا. كما اتسم صانعو القرار في بكين بالحذر نتيجة غموض المسار الذي تتجه إليه المنطقة، فقد رأت الصين على سبيل المثال أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران عزز صورتها بوصفها قوة دولية مسؤولة من دون أن تتحمل أعباءً تُذكر غير أن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا عام 2024 ثم اندلاع الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا في عام 2025 أثارا مخاوف متزايدة لدى بكين من انزلاق “الشرق الأوسط” إلى مرحلة جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار، ولذلك عندما بدأت الولايات المتحدة و”إسرائيل” شن ضربات عسكرية على إيران في شباط لم تكن الصين تمتلك استراتيجية واضحة أو بديلة لحماية أصولها الاقتصادية في المنطقة وتقليل احتمالات انجرارها إلى صراع طويل الأمد، وقد أفضى هذا التردد في اتخاذ القرار إلى تجاهل الهواجس الأمنية للدول الخليجية وتركها أكثر عرضة للهجمات الإيرانية.

 

 

المزيد من الأموال.. من دون مسؤوليات

لن تتخلى دول الخليج عن الصين بصورة كاملة، فمن المرجح أن تستمر العلاقات الخليجية-الصينية في التوسع ضمن المجالات التي تتوافر فيها توقعات واضحة ومصالح متبادلة ومخاطر سياسية محدودة، وسيظل قطاع الطاقة حجر الزاوية في هذه العلاقة، فعلى المدى القريب ستواصل الدول الخليجية تصدير كميات كبيرة من النفط إلى الصين، أما على المدى البعيد ومع تسارع التحول العالمي نحو إزالة الكربون من منظومات الطاقة والتوسع في الاعتماد على الكهرباء فإن الريادة الصينية في تقنيات الطاقة النظيفة ستجعل منها شريكًا رئيسًا للدول العربية الخليجية الساعية إلى إنجاز تحولها نحو مصادر الطاقة المتجددة وهي عملية بدأت بالفعل في عدد من هذه الدول. وفي السياق ذاته يُرجح أن تواصل صناديق الثروة السيادية الخليجية توسيع استثماراتها في السوق الصينية في وقت تسعى فيه بكين إلى استقطاب مزيد من رؤوس الأموال الأجنبية، وفي المقابل تواصل الشركات الصينية تمويل مشروعات التعدين والبنية التحتية والإنشاءات في منطقة الخليج، كما توفر الصين مزيجًا من رؤوس الأموال والخبرات التكنولوجية والقدرات الصناعية واللوجستية التي تحتاج إليها الحكومات الخليجية لتحقيق أهدافها التنموية ولا سيما في مجالات مثل الطائرات المسيّرة والزراعة المائية والروبوتات.

إلا أن الحرب كشفت بوضوح أن تشابك المصالح الاقتصادية مع الصين لا يعني استعدادها للاضطلاع بدور في ضمان أمن المنطقة، وبالنسبة إلى الدول العربية الخليجية فإن الولايات المتحدة تظل القوة الوحيدة القادرة على توفير المظلة الأمنية للإقليم لكنها في الوقت نفسه تبقى الطرف الأكثر قدرة على زعزعة استقراره، كما أن إحجام بكين عن أداء دور أمني أكثر فاعلية يفرض على الدول الخليجية إعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية، ويجبرها على اتخاذ قرارات صعبة بشأن كيفية ضمان أمنها.

غير أن هذه الدول ليست على موقف واحد من أفضل السبل للمضي قدمًا، فدول مثل سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية التي تبدي قلقًا متزايدًا من الإفراط في الاعتماد على واشنطن تتجه إلى تبني استراتيجيات تحوط جديدة، وقد كانت سلطنة عُمان التي هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصفها في حزيران الأكثر صراحة في الدعوة إلى موازنة الاعتماد على الولايات المتحدة عبر تعزيز التعاون الأمني الإقليمي، ففي مقال نشرته صحيفة لوموند الفرنسية في 13 تموز دعا وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي إلى إنشاء نظام أمني إقليمي في مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية يضم دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق. في المقابل تتجه دول مثل البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة إلى توثيق علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وفي ظل غياب قوى دولية أخرى قادرة على توفير الحماية ومع تعرضها لضغوط وهجمات إيرانية متزايدة ترى هذه الدول أن تعميق ارتباطها بواشنطن يمثل الخيار الأكثر أمانًا، ومع ذلك فإن حتى الدول التي تفضل الاحتماء بالمظلة الأمنية الأمريكية لا تكتفي بالاعتماد عليها وحدها بل تعمل بالتوازي على تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية وفتح قنوات حوار مع إيران لخفض التوتر وتوسيع شبكة شراكاتها الأمنية مع دول مثل تركيا وباكستان، وفي ظل استبعاد الصين من معادلة الأمن الإقليمي باتت هذه الدول تسعى إلى استثمار كل الخيارات المتاحة تحسبًا لاحتمال إخفاق الرهان على الولايات المتحدة بصورة كاملة.

وفي الوقت الذي تبحث فيه الدول العربية الخليجية عن بدائل لتعزيز أمنها تتراجع دوافع الصين للانخراط بصورة أكبر في أمن المنطقة، فبكين تستطيع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية الواسعة في الخليج مع تقليل مخاطر الانجرار إلى التزامات أمنية أو صراعات إقليمية، وبهذا المعنى بدأت العلاقات الخليجية-الصينية تقترب تدريجيًا من نمط العلاقة الصينية-الإيرانية إذ أصبحت شراكة تمليها الضرورات والمصالح المتبادلة، أكثر مما تغذيها التوقعات والطموحات المشتركة. ومع ذلك يبقى للدول العربية الخليجية عامل قوة مهم في علاقتها مع بكين، فهي تمتلك من المقومات الاقتصادية والاستثمارية ما يفوق بكثير ما تستطيع إيران تقديمه للصين، ولذلك فإن انتهاء الحرب لن يغير حقيقة أن دول الخليج ستظل تتمتع بموقع تفاوضي وشراكة أكثر قوة وأفضلية مع بكين مقارنة بإيران، حتى وإن ظلت هذه الشراكة محكومة بالاعتبارات الاقتصادية أكثر من كونها ترتكز إلى التزامات أمنية أو استراتيجية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى