الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الولايات المتحدة وإيران وقّعتا مذكرة سوء تفاهم
إنّ الدقة والعناية عنصران حاسمان في صنع السلام، لكنهما لا يحظيان بالأولوية لدى هذه الإدارة الأمريكية

بقلم: ديفيد رايكوف
ترجمة: صفت مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
لقد نسفت إدارة البيت الأبيض اتفاق وقف إطلاق النار في مضيق هرمز لأنها لم تدرك – أو لم تُعر اهتماماً – لما وافقت عليه بالفعل، وهو ما ستكون له تداعيات استراتيجية طويلة الأمد على أمن الملاحة والاستقرار في المضيق.
عندما يتعلق الأمر باتفاقيات السلام ووقف إطلاق النار فإن التفاصيل لا تُعد مسألة شكلية بل تمثل جوهر الاتفاق وأساس فاعليته، وينطبق ذلك على جميع الاتفاقيات الدولية إلا أن أهميته تتضاعف في سياق النزاعات المسلحة حيث لا يترك انعدام الثقة وحسن النية بين الأطراف سوى هامش ضئيل للغاية للخطأ أو الغموض أو عدم الدقة، وحتى إذا لم يُعرض الاتفاق يوماً أمام هيئة قضائية فإن النص الموقع يظل المرجع القانوني الوحيد الذي يحدد بصورة قاطعة ما التزم به الأطراف بالفعل. وقبل المضي في هذا التحليل تجدر الإشارة إلى ملاحظة منهجية مهمة، فكما هو الحال في العديد من الاتفاقيات الدولية تمثل إشكاليات الترجمة أحد أبرز مصادر القلق، ووفقاً للصور التي بثتها وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية وقّع كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نسختين من الاتفاق إحداهما باللغة الإنجليزية والأخرى باللغة الفارسية، ويستند هذا التقييم إلى النسخة الإنجليزية الموقعة التي نشرها البيت الأبيض ومع ذلك وفي غياب نص يمنح إحدى النسختين الأفضلية القانونية فإن كلتيهما تتمتعان بالحجية القانونية ذاتها ولا يمكن الجزم بوجود اختلافات بينهما أو تقدير أثرها القانوني من دون إجراء مقارنة دقيقة يجريها مترجم متخصص في النصوص القانونية.
بل إن الفروق الدقيقة في الصياغة أو البناء اللغوي أو ترتيب الأحكام حتى داخل اللغة الواحدة قد تفضي إلى نتائج مصيرية، فالغموض مهما بدا محدوداً يفتح الباب أمام تفسيرات متعارضة ونزاعات بشأن المقصود الحقيقي من النص، ولعل اتفاق الولايات المتحدة مع حركة طالبان عام 2020 يقدم مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تعهدت الحركة بالإفراج عن “ما يصل إلى خمسة آلاف (5,000) سجين” قبل أن تبادر إلى تصعيد عملياتها العسكرية بهدف أسر مزيد من الأشخاص ليشملهم الإفراج المنصوص عليه في الاتفاق. ولهذا السبب ليس من المستغرب أن يقضي المفاوضون والخبراء والمتخصصون أشهراً طويلة في مناقشة كل كلمة بل وكل فاصلة عند إعداد اتفاقيات السلام أو وقف إطلاق النار، ويجسد اتفاق السلام الشامل لعام 2005 بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان هذا النهج، إذ بلغ عدد صفحاته 259 صفحة خُصص منها خمسون صفحة كاملة لملحق يتناول بالتفصيل آليات تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار والتدابير الأمنية.
وقد جاء هذا المستوى من الدقة نتيجة تراكم خبرات ودروس مكلفة لم تُستوعب بالشكل الكافي خلال المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق الأمريكي-الإيراني، فبأي معيار موضوعي أفرزت تلك العملية نصاً يعاني أوجه قصور جوهرية، فالوثيقة قصيرة للغاية إذ لا تتجاوز النسخة الرسمية الموقعة باللغة الإنجليزية صفحتين بقليل كما تتسم بالغموض والالتباس، بل إن بعض أحكامها يفتقر إلى الوضوح اللازم لفهم المقصود منها.

وتبدأ الإشكاليات منذ السطور الأولى للاتفاق فمهما كانت التسمية التي اختارها الطرفان فإن الوثيقة لا تمثل بالمعنى القانوني الدقيق مذكرة تفاهم لأن هذا النوع من الوثائق يُفترض من حيث الأصل ألا يكون ملزماً قانونياً للموقعين عليه، ورغم احتواء الاتفاق على بعض الأحكام الواضحة فإن الغموض والصياغات الملتبسة يمتدان إلى أهم مواده في حين تغيب عنه عناصر تُعد أساسية في مثل هذه الاتفاقيات، كآليات المراقبة وإجراءات تسوية النزاعات أو تُذكر بإيجاز شديد يجعلها أقرب إلى الغياب منها إلى التنظيم الفعلي. ومن المتعذر الجزم بما كان يدور في أذهان المفاوضين أو الموقعين أو مستشاريهم أثناء صياغة الاتفاق، ومع ذلك تشير صياغة النص إلى أن إيران سعت إلى تضمين أحكام تمنحها مساحة قانونية للمطالبة بدور إداري في تنظيم حركة الملاحة داخل المضيق ثم سارعت لاحقاً إلى ترجمة ذلك عملياً، ويتمثل النص المحوري في الفقرة الخامسة التي تنص على ما يلي “تقوم جمهورية إيران الإسلامية، ببذل أفضل مساعيها، باتخاذ الترتيبات اللازمة لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، من دون فرض أي رسوم، وذلك لمدة ستين يوماً فقط”.
ويبدو أن المفاوضين الأمريكيين وكذلك القيادة السياسية في واشنطن لم يدركوا – أو لم يولوا اهتماماً كافياً – للدلالات القانونية الكامنة في هذه الصياغة الأمر الذي أدى إلى تضارب في محاولات الطرفين فرض السيطرة على المضيق، وفي أعقاب ذلك استخدمت إيران القوة – وربما ضمن الحدود التي يتيحها نص الاتفاق – لتنفيذ تلك الترتيبات بينما ردت الولايات المتحدة بخطوات عدّتها إيران انتهاكاً مباشراً للاتفاق، ونتيجة لذلك تخلى الطرفان ولو بصورة مؤقتة عن الالتزام به واستأنفا تبادل الضربات المحدودة الأمر الذي أبعدهما أكثر عن أي تسوية مستقرة ودائمة.
ومن الناحية القانونية تمتلك إيران حجة يمكن الاستناد إليها مفادها أنها لم تنتهك أحكام الاتفاق على الأقل حتى بدأت الولايات المتحدة توجيه ضربات إلى أهداف داخل الأراضي الإيرانية، فالوثيقة لا تتضمن نصاً يُلزم إيران بالسماح لجميع السفن التجارية بالعبور عبر المضيق، بل إن مبدأ التناسب الوارد في الفقرة الرابعة يوحي ضمناً بإمكانية تقييد هذا العبور، ولا سيما خلال الأيام الثلاثين الأولى من سريان الاتفاق. ولا يفرض الاتفاق على إيران سوى اتخاذ ترتيبات تكفل المرور الآمن للسفن التجارية وفقاً لما ورد في الفقرة الخامسة، وهي صياغة تختلف بوضوح عن النص الوارد في الفقرة الرابعة الذي يُلزم الولايات المتحدة بـ”الإنهاء الكامل” للحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وعلى خلاف عدد من الأحكام الأخرى لا يشترط النص أن تحظى هذه الترتيبات بموافقة أو توافق متبادل بين الطرفين، كما لا يحدد طبيعتها أو كيفية تنفيذها أو القيود التي ينبغي أن تحكم الوسائل التي يجوز لإيران استخدامها لفرضها.
وتشير الوقائع إلى أن إيران وضعت بالفعل ترتيبات تبدو منسجمة مع حرفية النص، فقد اشترطت على جميع السفن التجارية الحصول مسبقاً على تصريح عبور من هيئة مضيق الخليج الفارسي (PGSA) والالتزام باستخدام ممرات الملاحة التي تعتمدها داخل المضيق وهي ممرات تمر عبر المياه الإقليمية الإيرانية، ورغم أن هذه الإجراءات تثير اعتراضات سياسية وقانونية واضحة، فإنها في حد ذاتها لا تتعارض مع أي حكم صريح ورد في الاتفاق. كما أن الاتفاق لا يتضمن نصاً صريحاً يحظر بصورة مطلقة استخدام إيران للقوة ضد السفن التجارية، وبطبيعة الحال فإن مدى توافق هذه الممارسات مع قواعد القانون الدولي البحري يُعد مسألة مستقلة وأكثر تعقيداً، فإيران لا تعتبر نفسها ملزمة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في حين ترى الولايات المتحدة أنها ملتزمة ببعض أحكام الاتفاقية دون غيرها الأمر الذي يجعل تقييم المشروعية القانونية أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى، وفي المقابل تقتصر الفقرة الأولى من الاتفاق على حظر استخدام القوة بين الطرفين الموقعين من دون أن تتناول استخدام القوة تجاه أطراف ثالثة. وتشير التقارير المتاحة حتى الآن إلى أن جميع الضربات الإيرانية استهدفت سفناً حاولت عبور مضيق هرمز خارج الممرات البحرية التي اعتمدتها إيران، ويُرجح أنها لم تكن تحمل تصاريح عبور صادرة عن هيئة مضيق الخليج الفارسي (PGSA)، وإذا كانت إيران تعتبر أنها تنفذ الترتيبات التي يفرضها الاتفاق فإن لجوءها إلى قدر محدود من استخدام القوة يمكن من الناحية التفسيرية أن يُعد متسقاً مع حرفية النص. في المقابل تبدو الولايات المتحدة وكأنها اتخذت خطوات متعمدة للحيلولة دون تكريس أي دور إداري لإيران في إدارة الملاحة داخل المضيق، فقد واصل مركز المعلومات البحرية المشترك التابع لـ القوات البحرية المشتركة بقيادة الولايات المتحدة إصدار توجيهات متكررة للسفن التجارية تحثها على استخدام ممرات بحرية لا تعترف بها إيران منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، كما لم تُرفع العقوبات التي يفرضها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) على هيئة مضيق الخليج الفارسي (PGSA) ضمن ترتيبات الاتفاق بل أصدر المكتب تحذيراً أكد فيه أن “أي جهة تتعاون مع ما يسمى بسلطة المضيق قد تكون عرضة لخطر فرض العقوبات”، ورغم أن الاتفاق لا يحظر هذه الإجراءات بصورة صريحة فإنه يحظر بوضوح استخدام الولايات المتحدة للقوة ضد الأراضي أو الأصول الإيرانية.
وفي ضوء هذه المعطيات مجتمعة يبدو من المعقول افتراض أن القيادة الإيرانية تعتقد بالفعل أنها أوفت بالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق في حين تجاهلت الولايات المتحدة أجزاءً أساسية منه، وربما عززت واشنطن هذا الانطباع عندما بادر الرئيس دونالد ترامب بعد فترة وجيزة من توقيع الاتفاق إلى تجاهل الحظر الواضح والصريح الوارد فيه بشأن التهديد باستخدام القوة، ويوفر هذا التصور تفسيراً منطقياً لمعظم الخطوات التي اتخذتها إيران منذ أواخر شهر حزيران كما يبدو أن القيادة الإيرانية حرصت على توحيد خطابها الإعلامي، مستندة ليس فقط إلى اتهام الولايات المتحدة بسوء النية وإنما أيضاً إلى الاستناد المباشر إلى الأحكام المحددة الواردة في الاتفاق. ولا يعني هذا التحليل تبرئة إيران أو تبرير سلوكها، فالوثيقة بصيغتها الحالية تعاني عيوباً جوهرية وقد يكون من الصعب أو حتى من المستحيل التوفيق بين بعض أحكامها وبين قواعد القانون الدولي، بل إن تطبيقها الحرفي قد يسهم في زعزعة استقرار المنطقة بأسرها. كما توجد مؤشرات تدعو إلى الاعتقاد بأن القيادة الإيرانية نفسها أساءت فهم بعض الأحكام الأساسية على الأقل في النسخة الإنجليزية من الاتفاق، فعلى سبيل المثال لا تفرض الأحكام المتعلقة بلبنان أي التزامات قانونية على “إسرائيل”** في حين تمنح الولايات المتحدة هامشاً واسعاً من حرية التصرف، كما أن البنود الخاصة بالتخفيف المؤقت للعقوبات أبقت على إجراءات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)التي حدّت عملياً من معظم آثار ذلك التخفيف. وفي جميع الأحوال فإن الكيفية التي تنظر بها إيران إلى مجريات هذه العملية ستلقي بظلالها على أي جهود مستقبلية لإدارة الأزمة وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، فلا توجد مؤشرات تدل على أن الولايات المتحدة أو أي قوة أخرى تمتلك الإرادة والقدرة على ضمان فتح المضيق بالقوة من دون موافقة إيران، ومن ثم فإن أي مسار يهدف إلى التوصل إلى تسوية مستقرة لهذه الأزمة سيقود في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات.
غير أن العودة إلى المفاوضات تتطلب قبل أي شيء آخر وجود حد أدنى من الثقة في أن النصوص المكتوبة للاتفاقيات تمتلك قيمة قانونية وسياسية حقيقية، ومن دون هذا القدر من الثقة قد يصبح حتى اتخاذ أبسط الخطوات التمهيدية نحو استئناف الحوار أمراً بالغ الصعوبة، ولذلك فإن تجاوز هذه الأزمة يقتضي في الحد الأدنى فهماً دقيقاً لما شاب عملية التفاوض حتى الآن واستيعاب المخاطر التي قد تترتب مستقبلاً على التفاوض المتسرع أو الصياغات غير المحكمة للاتفاقيات الدولية.



