الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

كيف أصبحت مقاتلات الصين من الجيل القادم أكثر انكشافاً من المقاتلات الأميركية؟

في ظل تنامي دور التحليل مفتوح المصدر على حساب أساليب جمع المعلومات الاستخباراتية التقليدية لا يزال أحد أكبر ألغاز جيش التحرير الشعبي الصيني دون إجابة

بقلم: سام روغيفين

وديفيد فالانس

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

أثار اختبار الصين لصاروخ باليستي يُطلق من الغواصات في السادس من تموز دهشة العديد من المراقبين، غير أن اللافت لم يكن الاختبار بحد ذاته بل الجدل الذي أعقبه بين محللي المصادر المفتوحة حول طبيعة الصاروخ المستخدم هل كان من طراز JL-2 أم JL-3؟ إن قدرة الباحثين المستقلين على خوض نقاش تقني بهذا المستوى تعكس حجم المعلومات المتاحة اليوم عن جيش التحرير الشعبي الصيني مقارنة بما كان متاحاً عن الجيوش الكبرى في العقود السابقة. وغالباً ما تُستحضر الحرب الباردة بوصفها إطاراً مرجعياً لفهم التنافس الأمريكي-الصيني الراهن إلا أن متابعة القدرات العسكرية السوفيتية آنذاك كانت تتم عبر وسائل محدودة ومعلومات شحيحة، في حين تُرصد عملية التحديث العسكري الصينية اليوم ضمن بيئة معلوماتية أكثر انفتاحاً وثراءً، صحيح أن أدوات الاستخبارات التقليدية لم تفقد أهميتها بالكامل فطائرات الاستطلاع الأمريكية U-2 التي اشتهرت بمهامها فوق الاتحاد السوفيتي لا تزال في الخدمة حتى اليوم، إلا أن هذه الأدوات باتت مدعومة بصورة متزايدة بمصادر معلومات مفتوحة ومتاحة عبر الفضاء الرقمي. في السابق كان جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها حكراً على الحكومات وأجهزة الأمن والمؤسسات البحثية المتخصصة، أما اليوم فقد أفضت ثورة المعلومات إلى نشوء مجتمع عالمي من المحللين والخبراء المستقلين العاملين في مجال الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT)، الذين أسهموا في توسيع فهم العالم لأكبر عملية تحديث عسكري تشهدها دولة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

 

The JL-2 (Ju Lang-2, CSS-NX-14) is a Chinese intercontinental-range submarine-launched ballistic missile.

وتحرص بكين من جانبها على إبراز إنجازاتها العسكرية من خلال الكشف الدوري عن منظومات وتسليح جديد في المناسبات الوطنية والعروض العسكرية الكبرى، وقد مثّل العرض العسكري الذي نظمته الصين العام الماضي بمناسبة الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية مصدراً غنياً للمعلومات والتحليلات المتعلقة بقدراتها العسكرية المتطورة. وفي كثير من الأحيان تكشف المواد الإعلامية الرسمية الصادرة عن الجيش الصيني أكثر مما ترغب السلطات في إظهاره، فالمحللون يدققون في مقاطع الفيديو والصور المنشورة بحثاً عن أدق التفاصيل بما في ذلك العناصر الظاهرة في الخلفية والتي قد تسمح بتحديد مواقع التصوير جغرافياً، ومن ثم استنتاج أماكن تمركز الأنظمة العسكرية الجديدة أو مراحل اختبارها. وعلى الرغم من القيود التي يفرضها ما يُعرف بـ”جدار الحماية العظيم” فإن الإنترنت الصيني يظل مصدراً مهماً للمعلومات غير الرسمية، فعلى سبيل المثال تُلتقط بصورة متكررة صور لأحواض بناء السفن في شنغهاي من قبل ركاب الطائرات المدنية العابرة ما يتيح للباحثين رصد تطورات تصميم السفن الحربية الصينية، وقد ساعدت إحدى هذه الصور في ترجيح أن حاملة الطائرات الصينية المقبلة ستعمل بالطاقة النووية بعدما أظهرت تفاصيل إنشائية تتشابه مع مكونات مفاعلات الدفع النووي البحرية.

وفي حادثة أخرى وثقت كاميرا مركبة مدنية مرور مقاتلة صينية جديدة شديدة السرية أثناء هبوطها في إحدى القواعد الجوية، ومن المفارقات أن المعلومات المتوافرة حالياً حول برامج الصين الخاصة بمقاتلات الجيل القادم تفوق ما هو معروف عن نظيرتها الأمريكية، إذ ظهرت على شبكة الإنترنت صور متعددة لنموذجين أوليين صينيين بينما لا تزال تفاصيل المقاتلة الأمريكية اف – 47 محاطة بدرجة عالية من السرية. ويعكس انتشار هذه الصور حقيقة أن الرقابة الرقمية الصينية ليست محكمة بالكامل، كما يشير إلى احتمال وجود قدر من التساهل الرسمي تجاه بعض التسريبات التي تخدم الأهداف الدعائية للدولة، فكثير من الحسابات التي تنشر هذه المواد تحركها دوافع قومية ورغبة في إبراز التقدم التكنولوجي والعسكري الذي حققته الصين. ومع ذلك تبقى هناك حدود واضحة لما يمكن تداوله، فالمتابعون الصينيون للشؤون العسكرية غالباً ما يمارسون رقابة ذاتية على المحتوى الذي ينشرونه، عبر إخفاء الأرقام التسلسلية للطائرات أو طمس بعض التفاصيل الحساسة التي قد تكشف معلومات تشغيلية مهمة.

ولا تقتصر مصادر المعلومات المفتوحة على الصور ومقاطع الفيديو إذ تسهم الأوراق العلمية والمنشورات الأكاديمية الصينية بصورة متزايدة في الكشف عن مجالات بحثية ذات تطبيقات عسكرية محتملة، كما أصبحت صور الأقمار الصناعية التجارية أحد أهم مصادر المعلومات في هذا المجال، خاصة مع تراجع تكاليف تشغيل الأقمار الصناعية وتحسن جودة الصور التي توفرها. وتقدم شركات مثل (Planet Labs) و(BlackSky) خدمات تصوير فضائي عالية الدقة فيما تتيح منصات حكومية أمريكية صوراً مجانية يمكن للباحثين الاستفادة منها، وقد مكّنت هذه الأدوات الباحثين المدنيين من متابعة مشاريع عسكرية صينية كبرى، شملت حاملات الطائرات وصوامع الصواريخ الباليستية والمقرات العسكرية الجديدة التي يجري إنشاؤها بالقرب من بكين. ولا يقتصر توظيف البيئة المعلوماتية على الصين وحدها فالولايات المتحدة بدورها تستفيد من اتساع نطاق الاستخبارات مفتوحة المصدر، وعندما تكشف وسائل الإعلام أو مراكز الأبحاث عن صور لقواعد أو منشآت عسكرية صينية لم تكن معروفة سابقاً، يبقى من المشروع التساؤل عما إذا كانت جهات رسمية أمريكية قد ساهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في توجيه الاهتمام نحو تلك المواقع. وقد أدى هذا التطور إلى توسيع دائرة الفاعلين المشاركين في دراسة الجيش الصيني لتشمل مؤسسات بحثية مرموقة ومحللين مستقلين على حد سواء، وتبرز في هذا السياق مؤسسات مثل مؤسسة راند ومعهد الدراسات البحرية الصينية ومركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي، إلى جانب باحثين مستقلين متخصصين في تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات المفتوحة لرصد التحولات الجارية في القدرات العسكرية الصينية.

ويمثل هذا المشهد مثالاً واضحاً على الكيفية التي أعادت بها الثورة الرقمية تشكيل إنتاج المعرفة الأمنية والعسكرية، فبرغم التحديات المرتبطة بالمعلومات المضللة والدعاية السياسية أسهم الإنترنت في توسيع قاعدة الخبرة التحليلية، وكسر الاحتكار التقليدي للمعلومات الذي كان مقصوراً على المؤسسات الرسمية والنخب المتخصصة. ومع ذلك فإن وفرة المعلومات المتعلقة بالمنظومات والأسلحة العسكرية الصينية لا تعني بالضرورة توافر فهم مماثل للعقيدة العسكرية أو التفكير الاستراتيجي أو البنية اللوجستية لجيش التحرير الشعبي، ففي حين تتوافر للباحثين المتخصصين في الشأن العسكري الأمريكي عشرات الدوريات والمجلات المهنية التي توضح أسس التفكير العسكري والعقائدي لا تزال المصادر الصينية المماثلة محدودة نسبياً، ولذلك تبقى العقيدة العسكرية الصينية وآليات صنع القرار الاستراتيجي داخل الجيش من أبرز الثغرات المعرفية التي تواجه الباحثين في دراسة القوة العسكرية الصينية المعاصرة.

ولهذا السبب انصبّ جانب كبير من التطور الذي شهدته تحليلات الاستخبارات مفتوحة المصدر الخاصة بجيش التحرير الشعبي الصيني على تقييم قدراته العسكرية في حين ظل تحليل نواياه الاستراتيجية أكثر تعقيداً واستعصاءً على التفسير، وفي هذا السياق يمكن الاستناد إلى التمييز الكلاسيكي في الأدبيات الاستخباراتية بين (الأحجية) و(اللغز) فالأولى تشير إلى مسألة تمتلك إجابة محددة يمكن التوصل إليها من خلال جمع المزيد من المعلومات بينما تمثل الثانية قضية لا تفضي إلى إجابة حاسمة حتى مع توافر بيانات إضافية لأن جوهرها يرتبط بالتقدير والتحليل أكثر من ارتباطه بنقص المعلومات، فالسؤال كم عدد القاذفات الاستراتيجية التي تمتلكها الصين؟ “يُعد أحجية يمكن حلها” أما السؤال لأي غرض تعتزم الصين توظيف هذه القاذفات؟ فهو لغز لا يمكن الجزم بإجابته. وتجسد الحرب الروسية واسعة النطاق ضد أوكرانيا هذا التمييز بوضوح إذ إن وضوح الصورة بشأن القدرات العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على استشراف النوايا السياسية أو تحسين عملية صنع القرار، فعلى الرغم من التحذيرات المتكررة والأدلة التي قدمها مجتمع الاستخبارات الأمريكي بشأن استعداد روسيا لشن هجوم شامل، فإن كثيراً من الأوكرانيين فضلاً عن عدد كبير من الدول الأوروبية استبعدوا وقوع الغزو الأمر الذي مكّن موسكو من تحقيق عنصر المفاجأة الاستراتيجية.

 

 

وينبغي أن يمثل ذلك درساً مهماً لصناع القرار الأمني في آسيا، فاليوم تتوافر معلومات وافية عن القدرات التي طورتها الصين لتنفيذ عملية عسكرية ضد تايوان، فمن المستحيل تقريباً إخفاء التوسع المتسارع في ترسانتها من الصواريخ الباليستية والصواريخ قصيرة المدى كما تكشف الأدلة المتاحة عن استعدادات لاستخدام العبارات المدنية في عمليات الإنزال البرمائي المحتملة، وقد أظهرت صور نُشرت العام الماضي أسطولاً من الأرصفة العائمة المتحركة المصممة لتسهيل إنزال أعداد كبيرة من المركبات الثقيلة مباشرة على الشواطئ بما يعزز القدرات اللوجستية اللازمة لأي عملية اجتياح واسعة. وفضلاً عن ذلك فإن أي عملية غزو لتايوان ستستلزم أشهراً من التحضير العسكري واللوجستي تشمل الحشد المسبق للقوات والمعدات والذخائر على نطاق واسع، وفي ظل البيئة المعلوماتية الحالية سيكون من العسير على بكين إخفاء مثل هذه التحركات، غير أن تجربة الحرب في أوكرانيا تؤكد أن انكشاف الاستعدادات العسكرية لا يفضي بالضرورة إلى يقين بشأن القرار السياسي باستخدام القوة أو توقيت اتخاذه.

ومن هذا المنطلق فإن استيعاب النوايا الاستراتيجية للصين لا يُعد أكثر صعوبة من تقييم قدراتها العسكرية فحسب بل يمثل أيضاً أولوية أكثر إلحاحاً، فالقدرات العسكرية تُبنى تدريجياً على مدى سنوات وربما عقود الأمر الذي يمنح الباحثين فرصة كافية لدراستها وتحليلها، في حين أن النوايا السياسية والاستراتيجية قد تتغير بسرعة تبعاً لتبدل البيئة الدولية أو الحسابات الداخلية للدولة. ولفهم الكيفية التي قد توظف بها أي دولة قدراتها العسكرية لا بد أولاً من فهم طبيعة تلك القدرات والمهام التي صُممت لأدائها، وعلى الرغم من أن جانباً مهماً من عملية التحديث العسكري الصيني يرتبط بسيناريو تايوان فإن بكين تعمل في الوقت نفسه على تطوير أسطول بحري وجوي يتجاوز متطلبات نزاع عبر مضيق تايوان ويضم حاملات طائرات وطرادات وسفن إمداد وإنزال برمائي كبيرة وقاذفات بعيدة المدى ومنصات قتالية أخرى صُممت لإسقاط القوة العسكرية على مسافات بعيدة، ورغم إمكانية توظيف هذه القدرات في أي مواجهة محتملة حول تايوان فإن خصائصها العملياتية تشير إلى أنها أكثر ملاءمة لتنفيذ عمليات عسكرية خارج النطاق الإقليمي المباشر. وقد تخلت الصين منذ زمن عن رؤية ماو تسي تونغ الداعية إلى تصدير الثورة الشيوعية إلى الخارج إلا أن طبيعة القوة العسكرية التي تبنيها اليوم توحي بأن طموحاتها تتجاوز حدود الدفاع الإقليمي التقليدي، ومن ثم فإن تحليل بنية القوة العسكرية الصينية يظل مؤشراً مهماً لاستشراف توجهاتها المستقبلية، انسجاماً مع المقولة الشهيرة للمعماري الألماني فالتر غروبيوس “إن الشكل يتبع الوظيفة” فخصائص القوة العسكرية غالباً ما تعكس طبيعة الأدوار التي يُراد لها أن تؤديها.

ونشرنا مؤخراً دراسة تناولت التداعيات الاستراتيجية للتحديث العسكري الصيني على الأمن والدفاع الأستراليين خلصت إلى أن قدرات الصين على تنفيذ الضربات بعيدة المدى أصبحت راسخة وتتجه نحو مزيد من التطور، وقد تعمدنا في تلك الدراسة تجنب الخوض في الدوافع أو السيناريوهات المحتملة لاستخدام هذه القدرات واقتصرنا على تحليل الإمكانات العسكرية ذاتها، ومع ذلك قوبل التقرير برد فعل حاد من وزارة الخارجية الصينية التي نقلت عنها صحيفة غلوبال تايمز قولها إن التقرير “يحاول تفسير الصين وفق الافتراض التقليدي القائل إن كل قوة عظمى لا بد أن تسعى إلى الهيمنة” واعتبرت ذلك “سوء تقدير استراتيجياً جسيماً”. ويبدو أن بكين سواء عن قصد أو عن غير قصد خلطت بين تحليل القدرات واستنتاج النوايا، فقد انصب تركيز الدراسة على الإمكانات العسكرية التي قد تتيح للصين استخدام القوة ضد أستراليا من دون أن تزعم أن بكين تعتزم الإقدام على ذلك أو أن تحاول تفسير دوافعها السياسية، وسواء تبنى الباحث أو صانع القرار رؤية متشددة أو متحفظة تجاه الصين فإن هذا النوع من الدراسات يظل ضرورة لا غنى عنها لأن السياسات الرشيدة لا تُبنى على الافتراضات وإنما على تحليل موضوعي للحقائق والقدرات القائمة.

 

ولهذا يدرك محللو الاستخبارات وخبراء مراكز الفكر والأكاديميون والباحثون المتخصصون في الشؤون العسكرية الصينية، أهمية مواصلة دراسة القدرات العسكرية لبكين لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن هذه المعرفة مهما بلغت درجة دقتها، لا تكفي وحدها للكشف بصورة قاطعة عن الكيفية التي تعتزم الصين توظيف قوتها العسكرية المتنامية.

 

وإذا كانت بكين ترى حقاً أن نواياها تُساء قراءتها أو تفسيرها وإذا كانت حريصة على تصحيح هذه الصورة، فإن الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق ذلك يتمثل في تبني قدر أكبر من الشفافية بشأن أهدافها الاستراتيجية وتوجهاتها المستقبلية، وكما عبّر السفير الصيني لدى أستراليا شياو تشيان عن ذلك بقوله “إن الشائعات تتلاشى عندما يكون الناس على اطلاع كافٍ بالحقائق”.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى