الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

باب المندب بعد هرمز

تداعيات محتملة لإغلاق المضيق على الاقتصاد العالمي

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز  حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 يمثل مضيق باب المندب شريان حيوي للتجارة العالمية فبعد حفر قناة السويس في القرن التاسع عشر، تحول طريق التجارة العالمية الرئيسي عبر هذا الطريق الذي يمثل أحد  اقصر الطرق البحرية التي تربط شرق الأرض بغربها لاسيما بأوروبا، ولا يماثل مضيق باب المندب وقناة السويس بالأهمية الى طريق قناة بنما في أمريكا اللاتينية، ومع تطورات الحرب الامريكية الإيرانية ، وقيام ايران بإغلاق مضيق هرمز ، تضررت امدادات العديد من السلع الاستراتيجية على راسها النفط والغاز وبعض السلع الحيوية البتروكيماوية، فلجأت دول الخليج المصدرة لها للبحث عن بدائل تصدير احدها عبر البحر الأحمر ، لذلك يمثل التصعيد الأخير في اليمن واحتمالات قيام اليمن بإغلاق مضيق هرمز تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي، تحاول هذه المقالة مناقشة هذه التداعيات المحتملة بالإضافة الى أوراق أخرى تملكها كل من ايران واليمن يمكن ان تستخدمها في حال وصل التصعيد الى ذروة غير محسوبة.

 

أولاً: انقطاع سلاسل امدادات الطاقة

يؤدي اندلاع المواجهة الشاملة وإغلاق مضيق هرمز إلى نقلة نوعية في طبيعة الصراع، حيث تتجاوز التداعيات النطاق المحلي لتشتبك مع مسارح عملياتية موازية في اليمن، مما يهدد بتقويض التهدئة الهشة المستندة إلى تفاهمات الأعوام السابقة. وفي هذا السياق، تكتسب التحركات العسكرية للفاعلين من غير الدول في اليمن أبعاداً إقليمية ترتبط مباشرة بأمن الطاقة العالمي؛ إذ تسعى القوى الخليجية، ولاسيما المملكة العربية السعودية، إلى تأمين مناطق نفوذها الحيوية في المحافظات الشرقية والساحلية مثل حضرموت وميناء المكلا على بحر العرب، باعتبارها منافذ جغرافية واعدة لبناء خطوط أنابيب بديلة تتجاوز الاختناقات الجيوسياسية في الخليج العربي. ومع تعطل حركة الملاحة في هرمز، يتراجع حجم التدفقات النفطية الخليجية ليقتصر الجزء الأكبر من الصادرات السعودية على خط الأنابيب شرق-غرب المتجه نحو البحر الأحمر، بطاقة استيعابية تقارب 5 ملايين برميل يومياً كحد أقصى. وهنا تبرز الخطورة الاستراتيجية للتهديدات الحوثية بإغلاق مضيق باب المندب، إذ إن هذا الإجراء لا يعني مجرد تعطيل ممر مائي عادي، بل يمثل شللاً تاماً لخيارات الالتفاف الاستراتيجي وحرمان الأسواق الدولية من إمدادات الطاقة البديلة المتبقية. إن هذا الترابط العضوي بين تعطل هرمز واستهداف باب المندب يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة عرض غير مسبوقة، تتجاوز قدرة آليات التحوط الدولية على الاستيعاب، مما يدفع أسواق الطاقة نحو حالة من الارتباك الهيكلي الشامل.

 

 

ثانياً: تضرر امدادات البتروكيماويات

تمثل دول مجلس التعاون الخليجي من اهم مصدري البتروكيماويات في العالم، حيث تعتمد حوالي 6 قطاعات على صادرات البتروكيماويات الخليجية، لذلك فتراجع امدادات البتروكيماويات الخليجية سيؤثر على قطاعات النقل والسيارات من خلال تراجع تصدير المواد المهمة في صناعة المواد العازلة، وكذلك على قطاعات البناء وصناعة الملابس والصناعات الطبية والاسمدة فضلا عن قطاع التعبئة والتغليف الذي يعد المستهلك الأكبر لهذه المواد البتروكيماوية حيث يتقاطع القطاع الأخير مع القطاعات الأخرى، مما يعرض العديد من الصناعات حول العالم الى ارتفاع في الأسعار ناتج عن قلة المعروض من المواد الخام الداخلة في هذه الصناعات مما يؤدي لارتفاع معدلات التضخم وخسائر كبيرة للشركات الكبرى في قطاعات مختلفة بما فيها القطاع الغذائي وقطاعات الادوية وغيرها، وهي تداعيات متوسطة وبعيدة المدى على هذه القطاعات تظهر آثارها مع الوقت باستمرار تراجع امدادات النفط والمواد البتروكيماوية المشتقة من النفط، ومع فشل إيجاد البديل عن مضيق هرمز وتحييد اخر بديلين محتملين عبر البحر الأحمر وبحر العرب، تكون دول مجلس التعاون الخليجي قد مرت بأزمة تصدير خانقة تمنعها من توريد هذه السلع الى عملاءها حول العالم من الشركات المختلفة.

 

ثالثاً: ورقة الكابلات البحرية وامن البيانات والاتصالات

 تعد الكابلات البحرية عصب الاتصالات العالمية لما تمثله من وسيلة رئيسية لتوفير خدمة الانترنيت وخدمات الاتصال الدولية الأخرى، والتي تساهم في تقريب المسافات وتسهيل التواصل بين الافراد والشركات والحكومات عبر العالم، وتمثل عقدة الكابلات البحرية الموجودة منطقة مضيق هرمز واحدة من اهم عقد الكابلات البحرية، حيث تربط نشاطات الاتصال بين دول الخليج التي تمثل مركز اقتصادي مهم من المراكز الاقتصادية في العالم، مع باقي مراكز العالم الاقتصادية، وفي ظل بيئة العولمة الاقتصادية العالمية وتشابك مصالح الدول والشركات والافراد باتت مراكز الاقتصاد العالمي مترابطة بشبكة من الاتصالات والتعاملات الدولية التي تمر عبر هذه الكابلات البحرية، مما يعني ان كم هائل من البيانات يتدفق عبر هذه الكابلات يساهم في ربط قارات العالم، حيث تتواجد مقار إقليمية للشركات التكنولوجية الكبرى في دول الخليج سيما في الامارات، مما يعني ان عقدة الكابلات البحرية في المنطقة ضرورية وحيوية لاقتصاد العالم، وبالتالي فان أي انقطاع بهذه الكابلات في مضيق هرمز ومضيق باب المندب سيؤدي لانهيار شبكة الانترنيت الرابطة بين آسيا وأوروبا بنسبة تصل الى 95%، كما ان اصلاح هذه الكابلات يتطلب وقتاً طويلاً يستمر لأشهر من خلال سفن صيانة وهو ما لا تستطيع سفينة القيام به في ظل مرحلة تصعيد محتملة في الممر، مما يزيد من مدة الانقطاع ويفاقم الاضرار الاقتصادية على جميع دول العالم.

إن أي انقطاع لشبكة الانترنيت سيؤدي لعزل دول الخليج وعدد من دول اسيا مثل الهند عن دول أوروبا والتي تعتمد بشكل كبير على هذه الخطوط، كما ان هذا الانقطاع سيعطل تدفق ملايين المعاملات اليومية المصرفية مما يحد من عملية انتقال الحوالات البنكية وبالتالي يعرقل حركة التجارة العالمية ويضطر الدول لإيجاد بدائل لتوفير عمليات التحويل، وهي بدائل تتطلب وقتاً طويلاً حتى تتمكن الدول من ايجادها وهو ما يؤدي لخسائر كبيرة تصيب التجارة الالكترونية والخدمات السحابية.

ان الازمة المحتملة من هذا النوع قد تجبر الدول على استخدام كابلات بديلة تمر عبر طرق أطول كتلك التي تمر عبر رأس الرجاء الصالح مما سيؤدي لزيادة الضغط على تلك الكابلات من خلال انتقل حجم هائل من البيانات اليها من كابلات أخرى، مما يؤدي لعودة الخدمة ولكن بشكل ابطأ من السابق، أما البدائل الفضائية مثل أقمار ستارلينك فما زالت في بدايتها كمشاريع رائدة لنقل الانترنيت والاتصالات ولا تملك القدرة الاستيعابية الكافية على نقل كم هائل من الاتصالات والبيانات يومياً كما تفعل كابلات الالياف الضوئية.

ان سيناريو قطع الكابلات البحرية في مضيق هرمز ومضيق باب المندب هو احتمال متقدم قد ينجم عن تصاعد وتيرة التصعيد والمواجهة بين الولايات المتحدة وايران ولكن بنفس الوقت يمثل خياراً كبيراً لا يتوقع ان تلجأ اليه ايران الا في حالات بالغة الخطورة من التصعيد، كما انها قد تلجأ بدلا من ذلك الى التهديد والتلويح بقطع هذه الكابلات البحرية كوسيلة من وسائل الردع للضغط على الأمريكيين في اطار الحرب ودفعهم لأنهاء الحرب والانسحاب من المنطقة بعد وصولهم الى مرحلة يدركون فيها حجم الكلف التي يتكبدوها من جراء استمرار الحرب مما  قد يجبرهم على الانسحاب من المنطقة وهو أمر من الواضح ان ايران تعول عليه كثيرا كأساس لاستراتيجيتها في هذه الحرب.

 

 

رابعاً: تداعيات كبرى على التجارة العالمية وطرق الشحن

سيؤدي اغلاق مضيق باب المندب الى جانب مضيق هرمز الى ازمة شحن عالمية، حيث سترتفع كلف الشحن  وتتعطل سلاسل الامداد نتيجة لحاجة السفن لقطع مسافات طويلة في البحر للوصول الى وجهتها، مما يؤدي لزيادة مدة الرحلة البحرية ويرفع كلف استهلاك الوقود والشحن البحري، مما يؤدي لتعطيل سلاسل الامداد ويرفع معدلات التضخم في الأسواق العالمية نتيجة للنقص الكبير الذي قد تواجه الأسواق العالمية بالسلع الصناعية وغير الصناعية وتلك الأساسية وغير الأساسية التي ستكون اما غير ممكن تصنيعها بسبب نقص موادها الخام المنتجة في منطقة الخليج والمنطقة العربية، او بسبب تعطل سفن الشحن في البحار الدولية، مما يؤدي الى تداعي الاقتصادات العالمية ومواجهتها لانكماشات حادة نتيجة لاضطرار عدد من الدول لاسيما المتقدمة منها الى تخصيص قدر اكبر من ميزانياتها لتغطية كلف السلع والمواد الأساسية اللازمة لادامة عجلة الإنتاج الصناعي ، مما يؤدي بالنتيجة الى ارتفاع كلف المنتجات المصنعة بشكل عام عالميا ويؤثر بشكل مباشر على الدخل الفردي سواء بالدول المتقدمة ، وكذلك بالدول النامية التي ستعاني في سبيل الحصول على المنتجات الأساسية.

 

خاتمة

تخلص هذه الورقة إلى أن الترابط الجيوسياسي والجيواقتصادي بين مضيقي هرمز وباب المندب لم يعد يقتصر على كونهما ممرات مائية تقليدية، بل أصبحا يمثلان نقطة الارتكاز الأشد حساسية في بنية الاقتصاد العالمي المعاصر. إن انتقال عدوى الصراع وإغلاق مضيق باب المندب كساحة تصعيد موازية بعد تعطل الملاحة في هرمز، يجسد استراتيجية خنق مزدوجة تتجاوز تداعياتها النطاق الإقليمي لتحدث صدمة هيكلية شاملة. فمن جهة، يؤدي هذا السيناريو إلى حرمان الأسواق الدولية من إمدادات الطاقة عبر إجهاض مساعي التحوط والبدائل الاستراتيجية لدول الخليج المارة عبر البحر الأحمر وبحر العرب. ومن جهة أخرى، يتقاطع هذا الشلل النفطي مع أزمة خانقة في سلاسل إمداد البتروكيماويات، مما ينذر بموجات تضخمية عالمية وركود يضرب قطاعات صناعية وغذائية ودوائية حيوية.

علاوة على ذلك، يشكل تفعيل ورقة الكابلات البحرية تحولاً نوعياً نحو التهديدات غير المتماثلة في بيئة الصراعات المعاصرة، حيث يتسع نطاق التأثير من عرقلة السلع المادية إلى شلل حركة تدفق البيانات والأموال. إن هذا الدمج بين تعطيل شرايين الطاقة وشرايين الاتصالات الرقمية يضع النظام المالي والتكنولوجي العالمي أمام حالة ارتباك قصوى تعجز البدائل اللوجستية والفضائية الحالية عن احتوائها. وفي المحصلة، تثبت هذه المعطيات المتشابكة حجم الهشاشة العميقة التي يعاني منها الاقتصاد الدولي وارتهانه العضوي بأمن هذه المضايق، مما يؤكد أن أي تصعيد غير محسوب للفاعلين في هذه الممرات سيقود إلى أزمة عالمية مركبة، تتجاوز في تعقيداتها أزمات الطاقة الكلاسيكية لتهدد الأسس المادية والرقمية التي تقوم عليها العولمة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى