الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

محور جديد بقيادة السعودية يعيد تشكيل “الشرق الأوسط”

برز هذا التكتل الناشئ بوصفه أحد أبرز المستفيدين المحتملين من الحرب مع إيران

بقلم: أنشال فوهرا

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

ألحقت الحرب الامريكية “الإسرائيلية”* مع إيران أضرارًا جسيمة بدول الخليج، إذ تراجعت صادراتها وتزعزع شعورها بالأمن، ومع ذلك خرجت بعض هذه الدول أكثر تصميمًا على تعزيز تعاونها في إدارة الشؤون الإقليمية، وفي هذا السياق برز تكتل جديد خارج إطار مجلس التعاون لدول الخليج يضم المملكة العربية السعودية وقطر إلى جانب قوى غير خليجية هي مصر وباكستان وتركيا في حين يلفت غياب دولة الإمارات العربية المتحدة عن هذا التكتل الانتباه. وبرزت بعض هذه الدول بوصفها من أبرز المستفيدين من الحرب بينما اكتفت دول أخرى بما حققته من تعزيز لقدرتها على التكيف، ورغم المظاهر التي توحي بوجود قدر من الانسجام بينها فإنها تخفي خلافات عميقة بشأن أفضل السبل للتعامل مع إيران، وكذلك حول ما إذا كان ينبغي المضي في مسار التطبيع مع “إسرائيل” أم الاستعداد لمواجهة ما يُنظر إليه على أنه نزعتها التوسعية وهيمنتها الإقليمية، وفي جميع الأحوال يتضح أن الحرب مع إيران أفرزت نظامًا إقليميًا جديدًا في الخليج يمتد تأثيره إلى العالم الإسلامي على نطاق أوسع.

ويتحدد هذا التكتل الجديد من خلال هدفين رئيسين: احتواء ايران واستعادة النفوذ في الدول التي تهيمن عليها القوى الحليفة لإيران أو وكلاؤها مثل سوريا ولبنان، وفي الوقت نفسه كبح “إسرائيل” ووضع حدود لتحركاتها العسكرية الهجومية في المنطقة، ويشير أحد المراقبين الإقليميين إلى أن الضربة “الإسرائيلية” التي استهدفت الدوحة العام الماضي في إطار ملاحقة عناصر حركة حماس أثارت مخاوف دول الخليج من احتمال أن تصبح هي الأخرى أهدافًا مماثلة وهو ما أسهم في تقريب وجهات النظر بين خصمين إقليميين مثل السعودية وتركيا، كما تشكل القدرات النووية الباكستانية ركيزة أساسية لهذا التحالف إذ تُعد عنصر ردع في مواجهة “إسرائيل” ضمن إطار التعاون الدفاعي السعودي-الباكستاني. ورغم أن هذا التكتل لا يحمل اسمًا رسميًا حتى الآن إذ تصفه التقارير “الإسرائيلية” تارةً بأنه تحالف سني وتارةً أخرى بأنه حلف شمال أطلسي إسلامي آخذ في التوسع، فإنه يعكس إعادة اصطفاف إقليميًا يقوم على تنامي انعدام الثقة بين الرياض وأبوظبي، فمع سعي كل من السعودية والإمارات إلى تقليص اعتمادهما على الاقتصاد النفطي، بات البلدان يتنافسان على استقطاب الاستثمارات الأجنبية ذاتها.

 

 

وخلال المرحلة التي أعقبت ثورات الربيع العربي كانت السعودية والإمارات تنظران إلى جماعة الإخوان المسلمين بوصفها تهديدًا مشتركًا كما تبنتا مواقف متقاربة تجاه معظم القضايا الإقليمية، إلا أن مصالحهما بدأت تتباعد في المرحلة الراهنة فالإمارات ترى أن التطبيع وإرساء السلام مع “إسرائيل” يمثلان الطريق الأمثل للمضي قدمًا، في حين اختارت الرياض الاصطفاف مع مجموعة من الدول الأكثر انتقادًا “لإسرائيل”.

ويمثل هذا التكتل الخماسي أيضًا محاولة سعودية لتكريس دور المملكة بوصفها القوة القيادية في الإقليم، فقد أثار انسحاب الإمارات من منظمة أوبك تساؤلات بشأن المكانة السعودية بوصفها القائد غير الرسمي للدول الخليجية، وفي هذا الإطار قررت الرياض استضافة قمة إقليمية تجمع الدول العربية وإيران غير أن موعد انعقادها لا يزال غير محسوم، كما لم يتضح بعد ما إذا كانت الإمارات ستشارك فيها مع توقع أن تتعامل بحذر مع أي ضمانات قد تُطرح خلالها. ورغم أن السعودية تعرضت لعدد أقل من الهجمات مقارنةً بمعظم جيرانها فإن ذلك لم يقلل من حجم اهتزاز شعورها بالأمن، وذكرت وكالة رويترز أن المملكة نفذت أيضًا ضربات عديدة ضد إيران ردًا على الهجمات، وأكدت الرياض أن القدر المحدود من الثقة الذي نشأ مع طهران عقب التقارب الذي رعته بكين عام 2023 قد تبدد بالكامل.

وعلى الصعيد الاقتصادي استفادت السعودية من ارتفاع الطلب العالمي على النفط وزيادة أسعاره، ففي شهر اذار وعلى الرغم من استمرار إغلاق مضيق هرمز سجلت قيمة الصادرات السعودية أعلى مستوياتها خلال ثلاث سنوات، وأوضح هشام الغنام الباحث في مركز كارنيغي “للشرق الأوسط” في الرياض أن صافي أرباح شركة أرامكو ارتفع بنسبة 26% خلال الربع الأول من العام مدفوعًا بارتفاع أسعار النفط من 74 دولارًا إلى أكثر من 119 دولارًا للبرميل، كما وفر خط أنابيب الشرق-الغرب مسارًا بديلًا لتصدير النفط عبر ساحل البحر الأحمر وعمل بكامل طاقته الاستيعابية البالغة سبعة ملايين برميل يوميًا. ومع ذلك أضاف الغنام أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السعودي تباطأ من 3.7% إلى 2.8% نتيجة إغلاق عدد من الآبار النفطية رغم إعادة توجيه مسارات التصدير، وبينما لا يزال الخبراء منقسمين بشأن آفاق الاقتصاد السعودي، فقد دفعت الحرب المملكة إلى تسريع جهودها لتعزيز بنيتها التحتية على ساحل البحر الأحمر.

وتعد قطر طرفًا آخر في هذا التحالف الجديد، فبعد أن تعرضت عام 2017 للمقاطعة من قبل كل من البحرين ومصر والسعودية والإمارات باتت اليوم تُنظر إليها باعتبارها لاعبًا دبلوماسيًا محوريًا في المنطقة، وخلال الحرب مع إيران دفعت القيود الجغرافية التي تواجهها قطر وعجز الولايات المتحدة عن منع الضربات الإيرانية على الخليج، إلى جانب العلاقات الأكثر دفئًا التي كانت تربط الدوحة بطهران قبل الحرب القيادة القطرية إلى الاقتناع بأن المسار الدبلوماسي مع إيران يمثل الخيار الأكثر جدوى للمضي قدمًا. تعرضت قطر لأقل عدد من الضربات الإيرانية خلال الحرب إلا أن إحدى هجماتها استهدفت منشأة حيوية، إذ أدى القصف إلى توقف العمل في منشأة رأس لفان إحدى أكبر منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، مما أسفر عن انخفاض القدرة التصديرية القطرية بنحو 17% وفقًا للتقديرات.

وعلى إثر ذلك انخرطت الدوحة بكامل ثقلها في جهود الوساطة اعتبارًا من منتصف ايار بعدما تبيّن محدودية الجهود الباكستانية في التوصل إلى تسوية بين الأطراف المتحاربة، وفي الاسابيع الماضية وبينما كان المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون يعقدون جلسة تفاوض استمرت 18 ساعة داخل منتجع فاخر مطل على بحيرة لوسيرن في سويسرا، تصاعدت المخاوف من أن يؤدي تجدد المواجهات بين “إسرائيل” وحzب الله إلى إفشال المحادثات بحسب مصدر مطلع على سير المفاوضات. وأوضح المصدر أن “التوترات المرتبطة بالملف اللبناني كانت حاضرة حتى في الوقت الذي جلس فيه كبار المسؤولين إلى طاولة التفاوض” في إشارة إلى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ومستشاري الرئيس دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إضافة إلى كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، وأشاد المصدر بالدور الذي اضطلع به الوسطاء القطريون في احتواء الأزمة خلال لحظاتها الأخيرة موضحًا أن الدوحة وظفت قنوات اتصالها مع طهران لإقناع حzب الله بإصدار بيان يعلن موافقته على وقف إطلاق النار، كما حثّت الجانب الأمريكي على ممارسة ضغوط على “إسرائيل” للحيلولة دون تصعيد الموقف.

ولا تقتصر المكاسب المتوقعة من الحرب على قطر إذ تتطلع بقية الدول المنضوية في التكتل الذي تقوده السعودية إلى جني فوائد استراتيجية واقتصادية من تداعياتها، فمصر تراهن على الاستفادة من التوسع السعودي المرتقب في مشاريع البنية التحتية بعد أن أضفت الرياض الطابع الرسمي على خطط إنشاء جسر يربطها بشبه جزيرة سيناء ضمن رؤية تهدف إلى تحويل الساحل المصري المطل على البحر المتوسط إلى بوابة رئيسة للتجارة والربط مع أوروبا، أما تركيا فتسعى إلى توسيع صادراتها من الصناعات الدفاعية انطلاقًا من تقديرها بأن الهواجس الأمنية في المنطقة ستظل قائمة في المستقبل المنظور، وفي المقابل حصدت باكستان مكاسب معنوية وسياسية بعدما حظيت بتغطية إعلامية أكثر إيجابية عقب سنوات من الانتقادات الدولية التي ارتبطت باتهامات بدعم شبكات إرهــ ــابية.

وفي موازاة ذلك شرعت دولة الإمارات في إعادة هيكلة منظومتها اللوجستية بهدف إنهاء اعتمادها على مضيق هرمز بصورة كاملة، وخلال الحرب واصلت تصدير النفط عبر ميناء الفجيرة فيما تعمل حاليًا على توسيع قدرات موانئها الشرقية المطلة على خليج عُمان، ومع ذلك بقيت الإمارات خارج إطار التكتل الذي تقوده السعودية، ويرى هشام الغنام الباحث في مركز كارنيغي “للشرق الأوسط”، أن هذا التكتل نشأ “لأن مجلس التعاون الخليجي نفسه لا يُرجح أن يتبنى موقفًا موحدًا تجاه إيران”، كما أنه يمثل بالنسبة للرياض “أداة لتعزيز دورها القيادي في العالم العربي.”

 

وخلال الأشهر الأخيرة شهدت العلاقة الوثيقة التي جمعت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان فتورًا ملحوظًا، ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى تباين مواقف البلدين إزاء الملفين اليمني والسوداني.

 

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الإمارات ستشارك في أي قمة سعودية-إيرانية تعتزم الرياض استضافتها. فقد تعرضت الدولة لأكثر من ثلاثة آلاف هجوم إيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو عدد يفوق إجمالي الهجمات التي استهدفت الدول الخمس الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي مجتمعة الأمر الذي جعل موقفها أكثر تشددًا تجاه إيران، كما كانت تفضل استمرار العملية العسكرية الأمريكية ضد طهران لفترة أطول، بهدف إضعاف قدراتها العسكرية بصورة أشمل قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

إلا أن نقطة الخلاف الأكثر عمقًا بين التكتلين تتمثل في الموقف من “إسرائيل”، وفي هذا السياق قال مسؤول خليجي في حديث هاتفي “ثمة معسكران في المنطقة، أحدهما يتبنى نهجًا مؤيدًا “لإسرائيل”، والآخر يتعامل معها بحذر شديد”. ففي حين حافظت الإمارات على التزامها باتفاقيات أبراهام رغم الحربين في غزة ولبنان وجدت السعودية أن المضي في مسار التطبيع أصبح أكثر صعوبة في ظل هذا المناخ الإقليمي المتوتر، وتشير تقارير إلى أن الإمارات حصلت خلال الحرب على معدات دفاعية “إسرائيلية” متطورة شملت منظومة “القبة الحديدية” للدفاع الجوي، إلى جانب أطقم عسكرية لتشغيلها وفقًا لما أورده موقع أكسيوس في نيسان وهو ما يعكس مؤشرات على تنامي التعاون الدفاعي بين الجانبين في مواجهة إيران.

ومن المنظور الإماراتي تمثل إيران تهديدًا أشد خطورة مما يراه عدد من جيرانها بمن فيهم الدول التي باتت تصطف خلف القيادة السعودية، فالإمارات تعرضت لأعنف رد ايراني خلال الحرب في الوقت الذي تلقت فيه دعمًا مباشرًا من “إسرائيل”، بينما تسعى السعودية إلى انتهاج مقاربة مختلفة تقوم على احتواء كل من إيران و”إسرائيل” معًا، ويبدو أن التباين في الرؤى بشأن إدارة منظومة الأمن الجماعي في الخليج سيشكل أحد المحددات الرئيسة لمستقبل الإقليم، مع ترجيح استمرار الإمارات في انتهاج مسار مستقل يعكس رؤيتها الخاصة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية بعيدًا عن النهج الذي يتبناه التكتل السعودي.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى