الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

لماذا تواجه صفقة ترامب في الكونغو خطر الانهيار؟

حين تصطدم سياسة «أميركا أولًا» بالواقع الأفريقي

بقلم: جوشوا ز. ووكر/ ريغان ميفيري/ وجيسون ك. ستيرنز

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

عندما التقى رئيسا جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا في واشنطن العاصمة مطلع كانون الأول 2025 للمشاركة في مراسم توقيع اتفاق السلام الذي أنهى أربعة أعوام من القتال كان الحدث يُراد له أن يكون استعراضًا لقدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تسوية أكثر النزاعات الدولية استعصاءً، وكعادته أضفى ترامب على مراسم التوقيع طابعًا احتفاليًا اتسم بالمبالغة قائلاً “انظروا إلى مدى المحبة التي يكنّها كل منهما للآخر”، غير أن المشهد حمل دلالات مغايرة إذ امتنع الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي ونظيره الرواندي بول كاغامي عن مصافحة بعضهما البعض، وفي الوقت نفسه كانت القوات الرواندية قد بدأت بالفعل حشد قواتها في مقاطعة كيفو الجنوبية تمهيدًا لشن هجوم واسع النطاق ولم تمض سوى أيام قليلة حتى سقطت مدينة أوفيرا آخر مركز حضري يقع شمال إقليم كاتانغا الغني بالموارد الطبيعية والواقع على بعد نحو 150 ميلًا إلى الجنوب بيد حركة (إم 23) المتمردة والمدعومة من رواندا.

وقد شكّل تعامل إدارة ترامب مع الملف الكونغولي اختبارًا عمليًا لاستراتيجيتها الجديدة في أفريقيا وهي استراتيجية ذات طابع براغماتي تقوم على أولوية إبرام الصفقات ومقايضة الدعم السياسي بالوصول إلى الموارد الطبيعية مع توظيف العقوبات أو التهديد بوقف المساعدات الأمريكية أدواتٍ للضغط على الحكومات الأجنبية، وخلال الأشهر الثمانية عشر الماضية استعادت الولايات المتحدة حضورًا ونفوذًا في الكونغو لم تشهدهما منذ حقبة الحرب الباردة، فقد انخرطت في جهود الوساطة لإنهاء الصراع في شرق البلاد وقدمت الدعم للشركات الأمريكية الساعية إلى الاستثمار في الاحتياطيات الكونغولية الضخمة من الكوبالت والنحاس والليثيوم كما ساهمت في تطوير أحد أكبر الممرات الاقتصادية في القارة الأفريقية، وتراهن إدارة ترامب على توظيف ثقلها السياسي والاقتصادي لتأمين موطئ قدم في قطاع المعادن الحيوية بالكونغو بالتوازي مع تعزيز مكانتها الدولية عبر فرض تسوية للصراع في شرق البلاد.

ورغم أن واشنطن أحرزت قدرًا من التقدم في كلا المسارين فإن التجربة الكونغولية كشفت في الوقت ذاته حدود النهج التبادلي الذي تتبناه إدارة ترامب، فاعتمادها على إبرام اتفاقات سريعة وواسعة النطاق مع تأجيل حسم القضايا الجوهرية والخلافية إلى مراحل لاحقة قد يُقوّض قدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى، وفي مقدمتها ترسيخ استقرار إقليمي مستدام وتقليص الهيمنة الصينية على سلاسل إمداد المعادن الحيوية. والأكثر إثارة للقلق أن سياسة “أمريكا أولًا” قد تدفع واشنطن إلى تغليب الاعتبارات السياسية والمصالح الاقتصادية على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال إعطاء الأولوية لتوثيق العلاقات مع القيادة السياسية في الكونغو بدلًا من دعم المؤسسات الديمقراطية، وقد يفضي هذا النهج على المدى البعيد إلى نتائج عكسية تتمثل في تعميق هشاشة الدولة وزعزعة استقرارها. ولذلك ما لم تُجرِ الإدارة الأمريكية مراجعة جوهرية لنهجها الحالي فإن عملية السلام في شرق الكونغو ستظل مهددة بالانهيار، وقد لا تحقق الاستثمارات الأمريكية في قطاع التعدين العوائد الاستراتيجية المرجوة، في حين قد يجد الرئيس الكونغولي في هذا النهج فرصةً للمضي قدمًا في ترسيخ نزعاته السلطوية وتعزيز قبضته على السلطة.

 

عائد السلام؟

يمتد الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى ما يقرب من ثلاثة عقود، وعلى امتداد جولات القتال المتعاقبة التي شهدت تبدلًا مستمرًا في أطراف الصراع وتحالفاته ظل المحور الرئيس للعنف يتمثل في المواجهة بين حكومتي كينشاسا وكيغالي، وقد اجتاح الجيش الرواندي الأراضي الكونغولية للمرة الأولى عام 1996 متذرعًا بملاحقة الجماعات المسلحة التي شاركت في الإبادة الجماعية في رواندا قبل ذلك بعامين، ومنذ ذلك الحين قدمت الحكومة الرواندية الدعم لأربع حركات تمرد في شرق الكونغو. وبينما تبرر كيغالي تدخلها باستمرار التهديد الذي تمثله الجماعات الرواندية المسلحة المتمركزة داخل الأراضي الكونغولية – وهو تهديد تراجع بصورة ملحوظة منذ عام 1996 – فإن دوافعها تشمل أيضًا إنشاء منطقة عازلة على حدودها، واستغلال الموارد الطبيعية في شرق الكونغو فضلًا عن احتواء التحديات المحتملة داخل الجيش الرواندي نفسه، وتبرير تشديد القبضة على المعارضة الداخلية. وفي أواخر عام 2021 استأنفت حركة (إم 23 (التي ظلت في حالة من الجمود النسبي منذ هزيمتها عام 2013 عملياتها العسكرية بشن سلسلة جديدة من الهجمات في شرق الكونغو، وقد أسفرت الحرب التي أعقبت ذلك عن تهجير ملايين المدنيين، وسعت جماعة شرق أفريقيا وهي منظمة حكومية تضم ثماني دول وتهدف إلى تعزيز التكامل الإقليمي إلى التوسط بين أطراف النزاع الكونغولية كما دفعت بقوة تدخل عسكرية إلى المنطقة. وفي الوقت نفسه استضافت أنغولا محادثات بين الكونغو ورواندا نيابةً عن الاتحاد الأفريقي بينما أرسلت الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (سادك) قوات لدعم الجيش الكونغولي، إلا أن جميع هذه المبادرات انتهت إلى الفشل نتيجة ضعف أداء الجيش الكونغولي من جهة وتعنت الحكومتين الكونغولية والرواندية من جهة أخرى، وفي المقابل أخفق الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى توافق بشأن فرض عقوبات واسعة النطاق أو اتخاذ تدابير أكثر صرامة ضد رواندا ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى حرص بعض الدول الأعضاء على الحفاظ على علاقات وثيقة مع الرئيس الرواندي بول كاغامي.

 

 

وبدا أن إعادة انتخاب دونالد ترامب في أواخر عام 2024 قد تؤدي إلى تصعيد الصراع، فقد سقطت مدينة غوما عاصمة مقاطعة كيفو الشمالية في قبضة مقاتلي حركة (إم 23) بعد أسبوع واحد فقط من بدء الولاية الثانية لترامب، ورجح معظم المراقبين أن رواندا والحركة المتمردة تعمدتا توقيت الهجوم للاستفادة من الفترة الانتقالية بين الإدارتين، حين لم تكن المناصب الرئيسة في الإدارة الأمريكية قد شُغلت بعد بما يحول دون صدور رد أمريكي سريع وحاسم. غير أن إدارة ترامب وبدفع من الدبلوماسيين المهنيين – وبعد تقدم مقاتلي (إم 23) نحو منجم للقصدير تملكه شركة أمريكية – بدأت في الانخراط بصورة مباشرة في الأزمة، ففي شباط 2025 فرضت واشنطن عقوبات على أحد أبرز مستشاري الرئيس الرواندي بول كاغامي ثم عيّنت في نيسان مسعد بولس والد زوجة ابنة ترامب تيفاني مستشارًا أول للرئيس للشؤون الأفريقية، وبفضل إجادته اللغة الفرنسية وخبرته في مجال الأعمال في نيجيريا تمكن بولس سريعًا من تنظيم محادثات مباشرة بين الحكومتين الكونغولية والرواندية في حين استضافت قطر مفاوضات بين الحكومة الكونغولية وحركة (إم 23)، كما لعب بولس بعد أسبوع واحد فقط من تعيينه دورًا محوريًا في تأمين انسحاب مقاتلي الحركة من محيط منجم القصدير الذي بيع لاحقًا إلى مجموعة استثمارية إماراتية. وجرت العادة أن تُدار السياسة الأمريكية تجاه شرق الكونغو من خلال آلية تنسيق مشتركة بين الوكالات الفيدرالية يقودها مجلس الأمن القومي وتشارك فيها مكتب الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية ووزارة الخزانة، وأجهزة الاستخبارات والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إضافةً – بحسب طبيعة الملف – إلى جهات أخرى داخل وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، بما يضمن مساهمة واسعة من الدبلوماسيين المهنيين والخبراء المتخصصين في شؤون المنطقة.

إلا أن إدارة ترامب تجاوزت هذا الإطار المؤسسي التقليدي فبينما ظلت المسؤولية الرسمية عن السياسة الأمريكية في أفريقيا من اختصاص وزارة الخارجية بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو، أصبحت القرارات الرئيسة المتعلقة بالأزمة الكونغولية-الرواندية- وحركة (إم 23) تُتخذ بمشاركة مسعد بولس الذي لم تكن لديه أي خبرة حكومية قبل تعيينه، وكما هو الحال مع المبعوثين الأمريكيين إلى “الشرق الأوسط” وأوكرانيا لم تستند مكانة بولس إلى موقعه المؤسسي بقدر ما استندت إلى ما كان ينظر إليه محاوروه بوصفه علاقة وثيقة بالرئيس، فضلًا عن قدرته على التحرك بمرونة بين المجالات الدبلوماسية والتجارية والسياسية. وقد أتاح تجاوز الإدارة الأمريكية للآليات المؤسسية التقليدية في صنع القرار تحقيق مكاسب سريعة أخفقت الإدارات السابقة في إنجازها، فقد نجح الدبلوماسيون الأمريكيون ومسؤولو وزارة الخزانة في تجاوز الاعتراضات المعتادة على فرض عقوبات على رواندا سواء تلك الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الجيش الرواندي أو عن الأوساط التي طالما أشادت بالنموذج التنموي الرواندي وعدّته قصة نجاح أفريقية، وبعد أسابيع قليلة من تعيين مسعد بولس وقّع وزيرا خارجية الكونغو ورواندا إعلانًا مشتركًا تعهدا فيه بالعمل على إنهاء النزاع.

وفي حزيران 2025 وقّعت كينشاسا وكيغالي اتفاقًا للسلام وهو الاتفاق ذاته الذي أعاد الرئيسان بول كاغامي وفيليكس تشيسيكيدي توقيعه بصورة رمزية خلال مراسم أقيمت في واشنطن في كانون الأول من العام نفسه، ونص الاتفاق على وقف الأعمال القتالية ومعالجة الهواجس الأمنية التي تطرحها رواندا وإلزام القوات الرواندية بالانسحاب من الأراضي الكونغولية، ثم جاء تشرين الثاني 2025 ليشهد التوصل بوساطة قطرية إلى اتفاق إطاري رسم الخطوط العريضة لاتفاق سلام مستقبلي بين الحكومة الكونغولية وحركة (إم 23)، وقد أسهمت هذه المسارات التفاوضية مجتمعة في وقف التوسع العسكري السريع الذي كانت تحققه رواندا وحلفاؤها على الأرض. وفي الوقت نفسه أسهم الدمج الصريح بين الأهداف الاقتصادية وجهود التسوية السياسية الذي تبنته إدارة ترامب في توفير زخم إضافي للمفاوضات خلال مراحلها الأولى، فبالتزامن مع رعايتها مراسم توقيع اتفاق السلام في كانون الأول 2025 توسطت واشنطن في إبرام اتفاق موازٍ للتكامل الاقتصادي الإقليمي تضمّن مقترحات لتمويل أمريكي لإنشاء محطة كهرومائية على الحدود بين الكونغو ورواندا وتطوير آليات مشتركة لإدارة المتنزهات الوطنية والقطاع السياحي، فضلًا عن إنشاء سلسلة إمداد إقليمية للمعادن من شأنها توفير عوائد اقتصادية للبلدين. كما وقّعت الولايات المتحدة اتفاقية شراكة استراتيجية مع حكومة كينشاسا تضمنت منح الولايات المتحدة وحلفائها – الذين وصفهم نص الاتفاق بـ”الأشخاص المتحالفين مع الولايات المتحدة” – حق الأولوية في التقدم بعروض الاستثمار في عدد من مشاريع المعادن الحيوية، وفي أعقاب ذلك أعلنت شركات أمريكية التزامها بضخ استثمارات واسعة في قطاع التعدين الكونغولي، وكشف مسؤولون كونغوليون رفيعو المستوى في أحاديث خاصة مع الكاتبين عن جوهر الرسالة التي وجهتها كينشاسا إلى واشنطن والتي اختُزلت في عبارة واضحة “أبعدوا رواندا عنّا، وسنمنحكم المعادن”.

وسارعت الكونغو إلى الوفاء بالتزاماتها الناشئة عن الاتفاق، ففي اليوم التالي لتوقيعه أعلنت شركة جيكامينز الحكومية بالتعاون مع شركة ميركوريا السويسرية المتخصصة في تجارة الطاقة والسلع تأسيس مشروع مشترك لتسويق الكوبالت والنحاس وغيرهما من المعادن الحيوية إلى الولايات المتحدة والأسواق الحليفة لها، وحظي المشروع بدعم مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية وهي وكالة حكومية تُعنى بتمويل مشاريع البنية التحتية للقطاع الخاص في الدول النامية بما يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.

وفي كانون الثاني أعلنت جيكامينز عزمها ممارسة حقها في شراء 100 ألف طن من النحاس من منجم تينكي فونغورومي تمهيدًا لتصديرها إلى السوق الأمريكية، وأعقب ذلك سلسلة من الصفقات الاستثمارية إذ وقّع تحالف (أوريون للمعادن الحيوية( ومقره نيويورك مذكرة تفاهم غير ملزمة للاستحواذ على40%  من أصول شركة غلينكور الخاصة بالنحاس والكوبالت في الكونغو، كما شرعت شركة (فيرتوس مينيرالز) الأمريكية التي أسسها مسؤولون سابقون في المؤسستين العسكرية والاستخبارية في إجراءات الاستحواذ على أصول النحاس والكوبالت التابعة لشركة (شيماف) المملوكة لمجموعة مقرها دبي، وفي السياق ذاته دخلت شركة (إيفانهو ماينز) الكندية التي تروج لنفسها بوصفها شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة في مفاوضات متقدمة مع جيكامينز وميركوريا لتوريد المعادن الحيوية المستخرجة من أحد مناجمها في الكونغو إلى السوق الأمريكية. وتعكس هذه التحركات التي تجمع بين إنجازات تحققت بالفعل وطموحات لا تزال قيد التبلور جوهر الاستراتيجية الأفريقية الأوسع لإدارة ترامب تحت شعار “أمريكا أولًا”، والتي تستهدف إعادة تشكيل سلاسل إمداد المعادن الاستراتيجية بما يعزز السيطرة الأمريكية عليها، إلى جانب توسيع حضور الشركات الأمريكية في الأسواق الأفريقية.

وتُعد مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية إحدى الركائز التنفيذية الرئيسة لهذه الاستراتيجية، ففي عام 2025 أقر الكونغرس زيادة الحد الأقصى لالتزاماتها المالية المحتملة إلى205  مليارات دولار أي أكثر من ثلاثة أضعاف سقفها السابق، ومنذ ذلك الحين ضخت المؤسسة استثمارات مباشرة وقدمت قروضًا وضمانات ائتمانية لمشروعات في أنغولا والغابون ومالاوي ورواندا وزامبيا، فضلًا عن جمهورية الكونغو الديمقراطية. كما تُعد المؤسسة أحد أبرز الممولين لـممر لوبيتو (Lobito Corridor) وهو مشروع استراتيجي يستهدف تحديث البنية التحتية للموانئ والطرق ونحو800  ميل من خطوط السكك الحديدية داخل أنغولا، بما يربط أحزمة النحاس والكوبالت في الكونغو وزامبيا بالمحيط الأطلسي بهدف إنشاء مسار تصدير بديل يقلص الاعتماد على شبكات النقل والمعالجة التي تهيمن عليها الصين، وفي غرب أفريقيا يجري العمل على مشروع مماثل يحمل اسم ممر الحرية الذي يسعى بدوره إلى استقطاب الدعم المالي والسياسي من الحكومة الأمريكية، في إطار التنافس الجيو اقتصادي المتصاعد بين واشنطن وبكين على النفوذ في القارة الأفريقية.

 

 

دبلوماسية العصا الناعمة

نجحت واشنطن إلى حدٍّ ما في ممارسة ضغوط متزايدة على الحكومة الرواندية في سياق المفاوضات الرامية إلى إنهاء الصراع إذ فرضت مؤخرًا عقوبات على قوات الدفاع الرواندية وعدد من كبار ضباطها، كما شملت العقوبات الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا الذي تتهمه كينشاسا بدعم حركة (إم 23) بالإضافة إلى مصفاة ذهب مملوكة للدولة الرواندية، وقد أسفرت هذه الضغوط عن انسحاب قوات الجيش الرواندي ومقاتلي حركة (إم 23) من بعض المناطق. غير أن الاكتفاء بسياسة الضغط في غياب رؤية استراتيجية متكاملة لمعالجة جذور الأزمة لا يبدو كافيًا لإنهاء الصراع، فالانسحابات الرواندية تبدو أقرب إلى إعادة تموضع تكتيكية منها إلى تحول استراتيجي في الموقف فيما لا تزال الاشتباكات مستمرة بين حركة (إم 23) والجيش الكونغولي، وفي الوقت نفسه اتجه الطرفان إلى توسيع استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية وهو ما أدى إلى تصاعد الخسائر في صفوف المدنيين، ففي آذار أدى هجوم بطائرة مسيّرة نفذته القوات الكونغولية بتفويض من حكومة كينشاسا واستهدف مدينة غوما إلى مقتل أحد العاملين في المجال الإنساني التابعين لمنظمة اليونيسف عن طريق الخطأ. وأي تسوية سلام مستدامة لن تكون ممكنة ما لم يقدم الطرفان تنازلات متبادلة، فمن غير المرجح أن تتخلى رواندا وحلفاؤها في حركة (إم 23) الذين يتمتعون بتفوق عسكري واضح على القوات الكونغولية في معظم جبهات القتال عن السيطرة على منطقة تعادل في مساحتها تقريبًا ولاية ميريلاند الأمريكية بعد أن تكبدوا مئات القتلى خلال الحرب، ومع ذلك لا تزال الحكومة الكونغولية تتمسك بموقفها القاضي بضرورة نزع سلاح رواندا قبل الشروع في أي مفاوضات، وفي مواجهة هذا التشدد يُرجح أن تواصل كيغالي سياسة الانتظار إما إلى حين انتهاء ولاية الرئيس ترامب أو إلى أن تواجه كينشاسا أزمة جديدة تُضعف موقفها التفاوضي، كما يبدو أن الحوافز الاقتصادية التي عرضتها واشنطن لم تنجح في إقناع رواندا بالتخلي عن مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية المتجذرة في شرق الكونغو. وفي المقابل أدى تركيز إدارة ترامب على المصالح الاقتصادية الأمريكية إلى تبني سياسة ضغط غير متوازنة استهدفت بصورة رئيسة تعديل السلوك الرواندي من دون ممارسة ضغوط مماثلة على الحكومة الكونغولية. وقد يدفع هذا الاختلال كينشاسا إلى التشدد في مواقفها ورفض تقديم التنازلات اللازمة بما يقوض فرص التوصل إلى تسوية شاملة قادرة على إرساء سلام دائم ويفتح المجال في الوقت ذاته أمام تصاعد النزعات السلطوية، عبر توسيع الرئيس الكونغولي صلاحياته على حساب المؤسسات الديمقراطية.

وقد أصبحت ملامح هذا المسار أكثر وضوحًا خلال الأشهر الأخيرة، ففي تشرين الأول 2024 بدأ الرئيس فيليكس تشيسيكيدي يلمح إلى رغبته في تعديل الدستور الكونغولي أو استبداله بما يسمح له بالترشح لولاية رئاسية ثالثة، ومنذ فرض واشنطن أحدث حزمة من العقوبات على كيغالي صعّد الائتلاف الحاكم جهوده الرامية إلى تعديل الدستور بالتوازي مع تشديد الإجراءات ضد قادة المعارضة ومنتقدي السلطة، وفي أحاديث خاصة لم يُخفِ مسؤولون في إدارة تشيسيكيدي اعتقادهم بأن إدارة ترامب ستتقبل ترشح الرئيس لولاية ثالثة مقابل منح الولايات المتحدة امتيازات واسعة في قطاع المعادن الكونغولي فضلًا عن تقديم تنازلات أخرى من بينها الموافقة على استقبال مهاجرين رُحِّلوا من الولايات المتحدة، وقد وصلت بالفعل أول دفعة من هؤلاء إلى كينشاسا في نيسان. ورغم أن إدارة ترامب أوضحت مرارًا أنها لا تضع تعزيز الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان ضمن أولويات سياستها الخارجية فإن التعويل على السلطوية باعتبارها ضمانة للاستقرار قد يقوض المصالح الاقتصادية التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها، فغياب المساءلة واستمرار ضعف الحوكمة في كينشاسا من شأنهما تغذية المعارضة الداخلية وهو تطور بالغ الخطورة في ظل هشاشة الأجهزة الأمنية الكونغولية وتعدد مراكز القوة داخلها، كما أن منح تشيسيكيدي دعمًا أمريكيًا غير مشروط قد يبعث برسالة مفادها أن تغييره لن يكون ممكنًا إلا عبر وسائل غير دستورية وهو ما قد يدفع قوى المعارضة المعتدلة إلى التحالف مع الجماعات المسلحة أو الانضمام إليها. وليس من المؤكد في المقابل أن هذا النهج سيحقق مكاسب استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة، فواشنطن تسعى إلى تأمين مصادر بديلة للمعادن الأفريقية بهدف تقليص اعتمادها على الصين غير أن الشركات الصينية تهيمن بالفعل على أنشطة التعدين الصناعية وشبه الصناعية والتعدين الحرفي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وحتى في حال توسع الحضور الأمريكي بصورة كبيرة فمن المستبعد أن يتمكن من إزاحة سلاسل الإمداد الصينية الراسخة في القارة، إذ تتجه أكثر من ثلثي صادرات الكونغو من النحاس والكوبالت إلى الصين كما تستحوذ السوق الصينية على أكثر من نصف صادرات أفريقيا من البوكسيت والمنغنيز والتنتالوم والتنغستن وإضافة إلى ذلك فإن تمركز القدرات الصناعية في الصين يمنحها هيمنة شبه كاملة على حلقات سلسلة القيمة اللاحقة ولا سيما عمليات التكرير المتقدم والتصنيع. وعلاوة على ذلك قد يؤدي النهج الدبلوماسي المتفرق الذي تنتهجه إدارة ترامب إلى إضعاف النفوذ الأمريكي في المنطقة، فسياسة تقليص دور وزارة الخارجية الأمريكية واستنزاف قدراتها المؤسسية مستمرة وهو ما ألقى بظلاله على فعالية السياسة الخارجية الأمريكية، فقد ظل مكتب الشؤون الأفريقية يُدار من قبل مسؤولين بالإنابة طوال الأشهر الستة عشر الأولى من عمر الإدارة كما بقيت 39 سفارة أمريكية من أصل 52 سفارة في أفريقيا من دون سفراء معتمدين، بما في ذلك سفارتا الولايات المتحدة في الكونغو ورواندا.

وقد انعكس هذا القصور المؤسسي على قدرة واشنطن على إدارة ملفات دبلوماسية معقدة وأدى إلى تبني سياسات تتسم بالتناقض وافتقارها إلى الاتساق، فعلى سبيل المثال وبينما كانت الإدارة الأمريكية تفرض عقوبات على كيغالي ردًا على تصعيد تدخلها في شرق الكونغو أواخر عام 2025، أعلنت في الوقت نفسه عن خطة لتقديم مساعدات صحية لرواندا تصل قيمتها إلى 158 مليون دولار كما وقّعت معها مذكرة تفاهم بشأن التعاون الاستراتيجي في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وقد أضعفت هذه الخطوات عمليًا الأثر السياسي للعقوبات وأرسلت إشارات متضاربة بشأن أولويات السياسة الأمريكية تجاه رواندا والمنطقة بأسرها.

 

 

رهان المدى الطويل

إن الخروج على النهج الذي اتبعته الإدارات الأمريكية السابقة في تعاملها مع أفريقيا لا يُعد في حد ذاته خيارًا خاطئًا، فقد كان كبح السلوك الرواندي يمثل الخطوة الأولى الضرورية لمعالجة أزمة حركة (إم 23) وفي هذا الجانب أحرزت إدارة ترامب قدرًا من التقدم، غير أن مكامن الضعف في نهجها بدأت تتجاوز ما حققته من مكاسب. فالسياسة الخارجية القائمة على التحركات الارتجالية وغير القابلة للتنبؤ حتى وإن أتاحت لقوة عظمى كالولايات المتحدة تحقيق نتائج سريعة فإنها تفقد فعاليتها بمرور الوقت، إذ سرعان ما تتكيف الأطراف المعنية مع هذه السياسات وتعيد حساباتها، وفي هذا السياق يرى عدد من الدبلوماسيين الغربيين في كيغالي أن رواندا قد تكتفي بتحمل الضغوط الأمريكية مؤقتًا، ريثما يغادر ترامب البيت الأبيض أو يفقد اهتمامه بالملف. وعلاوة على ذلك وحتى إذا توصلت الكونغو ورواندا إلى اتفاق سلام، فإن الطبيعة المعقدة والمتجذرة للصراع الذي تشارك فيه عشرات الجماعات المسلحة، تقتضي تبني خطة سلام شاملة وطويلة الأمد تتجاوز الاكتفاء بالاتفاقات السياسية المؤقتة. ومن هذا المنطلق فإن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية الأمريكية في الكونغو لا يُقاس بالأشهر بل بالسنوات وربما بالعقود الأمر الذي يفرض على واشنطن تبني رؤية استراتيجية بعيدة المدى، فالتركيز على ممارسة الضغوط على رواندا بالتزامن مع التقارب السياسي مع الحكومة الكونغولية لن يكون كافيًا لإنهاء الحرب، والأجدى بالولايات المتحدة أن تدفع كينشاسا إلى التخلي عن الرهان على الحسم العسكري والانخراط بجدية في مفاوضات مع حركة (إم 23) تقوم على تقديم تنازلات متبادلة إلى جانب الالتزام بالقيود الدستورية المتعلقة بتحديد عدد الولايات الرئاسية. وفي هذا الإطار تستطيع الإدارة الأمريكية توظيف أدواتها الدبلوماسية بما في ذلك العقوبات الاقتصادية وقيود منح التأشيرات والرسائل السياسية الصادرة عن أعلى المستويات لدعم تسوية مستدامة وحماية المسار الديمقراطي في الكونغو، ويشمل ذلك إعلان موقف واضح يرفض ترشح الرئيس فيليكس تشيسيكيدي لولاية رئاسية ثالثة، أو أي محاولة أخرى للبقاء في السلطة بعد انتهاء ولايته الدستورية عام 2028.

ورغم تعدد مراسم التوقيع والإعلانات الرسمية واللقاءات البروتوكولية التي رافقت الجهود الدبلوماسية فإن الصراع في جمهورية الكونغو الديمقراطية لا يزال يراوح مكانه، فلا يبدو أن أيًا من أطراف النزاع يمتلك في الوقت الراهن حافزًا حقيقيًا لتقديم تنازلات جوهرية، كما أن النهج الذي اتبعته واشنطن في محاولة التوفيق بين دورها بوصفها وسيطًا سياسيًا وبين مصالحها الاقتصادية المباشرة بدأ يقترب من حدوده العملية. وفضلاً عن ذلك فإن الدخول في خلافات غير ضرورية مع شركاء الولايات المتحدة التقليديين، وفي مقدمتهم الدول الأوروبية وجنوب أفريقيا والأمم المتحدة، جعل من الصعب تنسيق الجهود الدولية على النحو الذي أسهم في دعم عمليات السلام السابقة.

ويتمثل السيناريو الأكثر تشاؤمًا في أن تنتهي السياسة الأمريكية إلى تجميد أزمة (إم 23) بدلًا من حلها بالتوازي مع انزلاق الكونغو تدريجيًا نحو مزيد من السلطوية، من دون تحقيق تقدم يُذكر في الهدف الاستراتيجي المتمثل في تنويع سلاسل إمداد المعادن بعيدًا عن الهيمنة الصينية، وفي هذه الحالة ستتحول المكاسب التكتيكية قصيرة الأجل إلى إنجازات شكلية تفتقر إلى أي قيمة استراتيجية مستدامة، إذ إن الانتصار الذي لا يستند إلى رؤية بعيدة المدى سرعان ما يفقد معناه ويغدو في نهاية المطاف وكأنه لم يكن انتصارًا على الإطلاق.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى