الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
فرضية الإخفاق الاستخباري في العملية العسكرية الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران

بقلم: بختيار أحمد صالح
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
يُعد الإخفاق الاستخباري (Intelligence Failure) من أكثر الموضوعات التي تناولتها دراسات الأمن القومي خلال العقود الأخيرة، إذ تُظهر التجارب التاريخية أن امتلاك كميات كبيرة من المعلومات لا يضمن بالضرورة اتخاذ قرارات صحيحة. ففي كثير من الحالات، لا يكون الفشل ناتجًا عن نقص المعلومات، بل عن سوء تفسيرها، أو سوء تقديرها، أو بناء الخطط على افتراضات غير واقعية.
وقد أظهرت حالات تاريخية مثل الهجوم على بيرل هاربور (1941)، وحرب تشرين الأول 1973، وتقديرات أسلحة الدمار الشامل في العراق (2003)، أن الخطأ الاستخباري غالبًا ما ينشأ في مرحلة التحليل وصناعة القرار أكثر من مرحلة جمع المعلومات.
وفي ضوء الفرضية التي تتناولتها هذه الورقة، فإن السؤال لا يتمثل في ما إذا كانت المعلومات المتوافرة عن إيران صحيحة أو خاطئة، وإنما في كيفية تفسير تلك المعلومات، وكيف تحولت إلى تقديرات استخبارية بُنيت عليها خيارات عسكرية واستراتيجية.
أولاً: ما هو الإخفاق الاستخباري؟
يُعرّف الإخفاق الاستخباري بأنه عدم قدرة الأجهزة الاستخبارية أو صناع القرار على إنتاج تقدير دقيق وموضوعي للبيئة الأمنية، بما يؤدي إلى اتخاذ قرار استراتيجي غير متناسب مع الواقع.
ولا يعني الإخفاق بالضرورة غياب المعلومات، بل قد يحدث رغم توافر معلومات وفيرة، إذا لم تُحلل بطريقة صحيحة أو إذا طغت الافتراضات المسبقة على الأدلة. ومن المهم التمييز بين ثلاثة أنواع رئيسية من الإخفاق:
-
إخفاق جمع المعلومات: يحدث عندما تعجز الأجهزة الاستخبارية عن الوصول إلى معلومات أساسية عن الخصم، مثل خططه أو قدراته أو نواياه.
-
إخفاق التحليل: يحدث عندما تكون المعلومات متوافرة، لكن المحللين يفسرونها بصورة خاطئة، أو يعطونها وزنًا لا يتناسب مع أهميتها.
-
إخفاق صناعة القرار: يحدث عندما تكون التقديرات الاستخبارية سليمة، لكن القيادة السياسية أو العسكرية تتجاهلها أو تختار مسارًا مختلفًا لأسباب سياسية أو أيديولوجية.

ثانياً: هل كانت المشكلة في المعلومات أم في الافتراضات؟
وفقًا للروايات التي تُناقشها هذه الورقە، فإن الفرضية لا تشير إلى غياب المعلومات عن إيران، بل إلى أن بعض الافتراضات التي بُنيت عليها الخطة ربما كانت أكثر تأثيرًا من المعلومات نفسها. ومن بين هذه الافتراضات:
-
أن استهداف القيادة سيؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة.
-
أن الحرس الثوري سيفقد تماسكه سريعًا.
-
أن الشارع الإيراني سيتحرك ضد النظام فور تعرضه لضربة خارجية.
-
أن إيران ستصبح غير قادرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
إذا صحت هذه الفرضيات، فإنها تعكس رهانًا على سلوك الخصم المتوقع أكثر من اعتمادها على قدراته المؤسسية الفعلية.
ثالثاً: الانحياز التأكيدي
يُعد الانحياز التأكيدي من أكثر الأخطاء شيوعًا في العمل الاستخباري. ويقصد به: ميل الأفراد أو المؤسسات إلى التركيز على المعلومات التي تؤيد قناعاتهم المسبقة، وإهمال المعلومات التي تتعارض معها. فعندما يقتنع صانع القرار بأن النظام المستهدف ضعيف أو يوشك على الانهيار، فإنه قد يفسر أي مؤشر سلبي على أنه دليل إضافي على قرب السقوط، بينما يتجاهل مؤشرات الصمود أو القدرة على إعادة التنظيم. وفي حالة إيران، إذا افترضنا وجود هذا الانحياز، فقد يكون قد ظهر في:
-
إعطاء وزن كبير للاحتجاجات الداخلية.
-
التقليل من قدرة المؤسسات الأمنية على السيطرة.
-
المبالغة في تأثير الضربات الجوية على تماسك النظام.
-
التقليل من قدرة القيادة الإيرانية على إدارة مرحلة ما بعد الضربة.
-
المبالغة في تأثير دور الكرد للإطاحة بالنظام.
رابعاً: التفكير الجماعي
يُعد مفهوم التفكير الجماعي من المفاهيم الأساسية في تحليل القرارات الأمنية. ويحدث عندما:
يسود داخل فريق صنع القرار رأي واحد.
يتردد الأعضاء في طرح آراء مخالفة.
تُستبعد السيناريوهات البديلة.
تصبح الرغبة في التوافق أهم من اختبار الفرضيات.
وفي مثل هذه البيئة، قد تتبنى المؤسسات تقديرًا يبدو متماسكًا، لكنه في الواقع لم يخضع للنقد الكافي. ولذلك، تعتمد الأجهزة الاستخبارية المحترفة على ما يُعرف بـ )الفريق الأحمر)، وهو فريق مستقل يتولى تحدي الافتراضات السائدة، ومحاولة إثبات خطئها قبل اعتمادها في التخطيط.
خامساً: تقدير النوايا مقابل تقدير القدرات
من المبادئ الأساسية في التحليل الاستخباري أن النوايا يمكن أن تتغير بسرعة، أما القدرات فتتغير ببطء نسبيًا. ولهذا السبب، يوصي كثير من خبراء الاستخبارات بأن تُبنى الخطط العسكرية على أسوأ الاحتمالات المرتبطة بقدرات الخصم، لا على أكثر السيناريوهات تفاؤلًا بشأن نواياه. وفي الحالة الإيرانية، حتى لو افترض المخططون وجود تذمر داخلي أو خلافات بين المؤسسات، فإن السؤال الحاسم يبقى: هل كانت لدى إيران القدرة المؤسسية والعسكرية على الاستمرار في إدارة الدولة والرد العسكري بعد الضربة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن التخطيط يجب أن يأخذ ذلك في الاعتبار، حتى لو بدا احتمال استخدام تلك القدرات منخفضًا.
سادساً: البيئة المؤسسية الإيرانية وصعوبة التقدير
من الأسباب التي تجعل تحليل إيران معقدًا هو تعدد مراكز القوة داخل الدولة. فإلى جانب الحكومة الرسمية، توجد مؤسسات ذات طابع ثوري وأمني، مثل:
-
الحرس الثوري.
-
قوات التعبئة (الباسيج).
-
وزارة الاستخبارات.
-
جهاز استخبارات الحرس الثوري.
-
مجلس الأمن القومي.
-
شبكات اقتصادية ومؤسسات دينية ذات نفوذ.
هذا التداخل يمنح النظام مرونة مؤسسية؛ إذ إن تضرر مؤسسة أو تغيير قياداتها لا يعني بالضرورة توقف بقية المؤسسات عن العمل. ومن منظور استخباري، فإن مثل هذه البنية تزيد من صعوبة التنبؤ بردود الفعل، لأن عملية اتخاذ القرار لا تعتمد على مركز واحد يمكن استهدافه بسهولة.
سابعاً: قياس احتمالات انهيار الأنظمة
تحاول الأجهزة الاستخبارية بناء نماذج لتقدير استقرار الأنظمة السياسية، لكنها تواجه تحديات كبيرة، منها:
-
محدودية المعلومات البشرية داخل الدوائر المغلقة.
-
صعوبة قياس الولاءات الحقيقية للنخب.
-
تغير المزاج الشعبي بسرعة.
-
تأثير الحرب الخارجية في تعزيز التماسك الوطني.
-
اختلاف ردود فعل المجتمعات من حالة إلى أخرى.
ولهذا السبب، فإن تقديرات قرب انهيار النظام تُعد من أكثر التقديرات عرضة للخطأ إذا لم تستند إلى مؤشرات متعددة ومستمرة. واستنادا الى ذلك نلاحظ حجم الفشل الذي واجهته اجهزة الاستخبارات الامريكية والاسرائيلية في تقدير امكانية اسقاط النظام السياسي الايراني اثناء الحرب، لان الاجهزة الاستخبارية قد راهنت على تفكك المؤسسات الايرانية من جهة وعلى السخط الشعبي من جهة الاخرى لكن اثبتت الحقائق محدودية كفاءة التقديرات الاستخبارية.
ثامناً: الدروس المستفادة من منظور استخباري
يمكن استخلاص عدد من المبادئ العامة التي رافقت عملية التقييم الاستخباري الامريكي – “الاسرائيلي” قبل واثناء الحرب على ايران ، بغض النظر عن صحة الروايات المتعلقة بالحالة، والخروج بتعميمات بسيطة منها:
-
لا يجوز الخلط بين الرغبة السياسية والتقدير الاستخباري.
-
يجب اختبار جميع الفرضيات، بما فيها تلك التي تبدو بديهية. فالصدف والتغيرات المفاجئة قد تجعل من الفرضيات البديهية في حالة معينة فرضيات مستحيلة في حالة اخرى.
-
في علم الاستخبارات الخطط ينبغي ان تبنى استنادا الى قدرات الخصم، لا على افتراضات بشأن سلوكه.
-
وجود قنوات تواصل استخباري – معلوماتي مع الحلفاء والشركاء لا يغني عن التحليل الوطني المستقل.
-
البيئات المؤسسية المعقدة تتطلب تقييمًا متعدد الأبعاد، يشمل العوامل العسكرية والسياسية والاجتماعية.
-
إدخال فرق مراجعة مستقلة في عملية التخطيط يقلل من مخاطر الانحيازات المعرفية.
خلاصة
توضح هذه الورقة بأن الإخفاق الاستخباري لا يعني بالضرورة نقصًا في المعلومات، بل قد يكون نتيجة سوء تحليل، أو افتراضات غير دقيقة، أو انحيازات معرفية تؤثر في تفسير البيانات. كما يبرز أن تقييم الدول ذات البنية المؤسسية المركبة، مثل إيران، يتطلب فهمًا عميقًا لتوزيع مراكز القوة وآليات استمرارية القيادة، وليس الاكتفاء بمؤشرات ظرفية أو توقعات سياسية.
ولا نستبعد ان تكون الاجهزة الاستخبارية الايرانية نفسها تشارك في تمرير معلومات خاصة لتضليل الخصم واجهزته الاستخباريه ومراكز قراره ودفعه الى تبني تقييمات وخيارات مغلوطة حيال ايران وقدراتها ونواياها عبر اظهار سلوك معين مضلل، في حين ان الخطط الايرانية الحقيقية تمضي في اتجاه آخر.




