الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
التنافس التركي – الفرنسي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد
المظاهر- الدوافع - والتداعيات

بقلم: الباحث رياض جليل جمعة
أعاد سقوط نظام الأسد في سوريا تشكيل التوازنات الجيوسياسية والأمنية في المنطقة، إذ شهدت سوريا تراجع الدور الروسي والإيراني فيها، لصالح زيادة النفوذ التركي والفرنسي، إضافة إلى “الإسرائيلي”، إذ أصبح الفاعلون الجدد يبحثون عن أدوار قيادية فيها، بدءً من أستغلال قضية المكونات فيها والتدخل لحمايتها، مروراً بترسيخ النفوذ وإحياء الأرث الأستعماري، وصولاً إلى تحويل سوريا إلى ساحة لتحقيق مكتسبات في مناطق أخرى ومنها دول الساحل والصحراء في أفريقيا، والنزاعات حول قبرص واليونان في شرق البحر المتوسط، إضافة إلى التحديات التي تواجهها تركيا من قبل فرنسا في الأنضمام إلى الآتحاد الأوروبي، فضلاً عن التحديات الداخلية لتركيا والمتمثلة في تراجع الديمقراطية في أنقرة، جميع تلك المؤشرات جعلت من التنافس التركي – الفرنسي عاملاً وسبباً رئيساً في تشتت القرار السوري الداخلي وحياده، إضافة إلى تحقيق الأستقرار والتنمية المستدامة بعد أنَّ خرجت سوريا مدمرة ومنهكة من آلة الحرب، إذ تكمن مقاربة العلاقة بين تركيا وفرنسا في سوريا ضمن ما يسمى بـ “التموضع غير المتناظر”، أي حالة يسجل فيها فاعلان حضورهما ضمن ساحة واحدة من دون أن يكونا في علاقة تنسيقية كاملة، ولكن من دون الوصول إلى مستوى التصادم الصريح، إذ توظف تركيا ما يمكن تسميته بـــ “الأدوات التشاركية المرنة”، التي تتيح لها التكيف مع التغيرات السياسية من دون إلغاء تموضعها القائم على مركب أمني – اقتصادي، بينما تعتمد فرنسا على مقاربة “الوجود الرمزي الموسع”، عبر أدوات القوة الناعمة والمؤسساتية.
ملامح التنافس
بدأت فرنسا بعد أنهيار نظام الأسد، وصعود المعارضة السورية للحكم بقيادة أحمد الشرع، تحركاً لافتاً للتعاطي مع تطورات الأزمة السورية، والسعي لتحجيم الدور التركي أو على الأقل موازنته، وهو ما عكس حجم أهتمامها المتزايد بالتطورات المتسارعة التي طرأت على الساحة السورية، من أجل الحفاظ على دور لها في إعادة صياغة الترتيبات السياسية والأمنية في سوريا وتجنب تهميشها، وتمثلت آخر مؤشرات ذلك في الإعلان في 18 كانون الأول من العام 2024 عن أستضافتها أجتماعاً دولياً حول سوريا في كانون الأول عام 2025، إذ وجهت باريس من وراء ستار، انتقادات لتحركات أنقرة في شمال سوريا، بالإضافة إلى ذلك مطالبتها بإدماج السوريين الأكراد في عملية الأنتقال السياسي، وهو الأمر الذي أثار حساسية الأتراك، ومع إصرار أنقرة على محاصرة مشروع الإدارة الذاتية الكردية، ومواصلة العمليات العسكرية التي تنفذها الفصائل الموالية لها ضد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، شهدت العلاقة بين أنقرة وباريس توتراً كبيراً خلال المرحلة الحالية، وفي أعقاب تصاعد الدور التركي على الساحة السورية بعد سقوط “الأسد”، وسعي أنقرة إلى رسم ترتيبات المشهد المستقبلي في دمشق، سارعت فرنسا ببعض الخطوات في محاولة لكبح جماح تمدد أنقرة([1]).
وفي السياق ذاته، ينبع الخلاف بين فرنسا وتركيا بحسب الدكتور (محمد التماوي)، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، من معظمه دعم فرنسا للقوات الكردية، ومن تنافس أوسع نطاقاً على النفوذ في سوريا ما بعد الحرب وسقوط نظام الأسد، وتشمل العوامل الأخرى أختلاف المقاربات في مكافحة الإرهــ ـــاب، والخلافات حول المقاتلين الأجانب، وامتداد التوترات السياسية والثقافية بين باريس وأنقرة، وأضاف المحلل السوري (نبيل شوفان)، المقيم في باريس، أنَّ التنافس الفرنسي التركي لا يقتصر على سوريا، بل يعكس نزاعات أوسع نطاقاً حول اليونان وقبرص في شرق المتوسط، والتنافس في شمال أفريقيا، ومساعي تركيا المتعثرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والمخاوف بشأن تراجع الديمقراطية في أنقرة داخلياً، وعلى الرغم من هذه التوترات، يشير شوفان إلى أن فرنسا تجنبت حتى الآن الضغط من أجل اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد تركيا، مثل العقوبات، مفضلة بدلاً من ذلك إبقاء قنوات التعاون مفتوحة، ولاسيما داخل حلف الناتو([2]).

مظاهر التنافس
أنعكست مظاهر التنافس التركي – الفرنسي في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في الآتي:([3]).
-
دعم الحقوق الكردية في المعادلة السورية الجديدة: أبدت فرنسا حرصاً ملموساً على إثارة ملف الأكراد في سوريا من خلال تأكيد الحقوق الكردية في المعادلة السورية الجديدة، وظهر ذلك في إعلان وزير الخارجية الفرنسي (جان نويل بارو)، في 18 كانون الأول 2024، عن أن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” أوضح خلال أتصال هاتفي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنه يجب أن تكون قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، جزءاً من عملية الأنتقال السياسي.
-
الإعلان عن أستضافة مؤتمر دولي مرتقب حول سوريا: أعلنت فرنسا، في 18 كانون الأول 2025، عن أستضافتها اجتماعاً دولياً حول سوريا خلال يناير 2025، ويعد هذا الأجتماع الذي سيعقد بحضور عربي ودولي موسع، أستكمالاً للقمة التي أستضافتها مدينة العقبة الأردنية في منتصف كانون الأول 2024، وشاركت فيه تركيا ودول عربية وغربية، إذ راهنت باريس في هذا المؤتمر على دفع العملية السياسية الجديدة بمشاركة أطراف متعددة، وضمان تشكيل حكومة سورية شاملة، وهو ما يعني من وجهة نظرها الحد من النفوذ التركي من جهة، ودعم حضور التيارات المحلية الموالية لباريس من جهة أخرى.
-
إرسال وفد دبلوماسي فرنسي إلى دمشق لإجراء مباحثات: في 17 كانون الأول من عام 2024 أرسلت فرنسا وفداً دبلوماسياً إلى دمشق من أربعة دبلوماسيين برئاسة “جان فرنسوا جيوم”، وأجرى الوفد محادثات مع ممثلي الإدارة الإنتقالية، وركزت المهمة على تأكيد دعم فرنسا للإدارة الجديدة شريطة الإلتزام بالقواعد والقوانين التي تعمل على تطوير الحياة السياسية في سوريا، كما أكد الوفد مساهمة باريس في الملاحقة القضائية للمسؤولين عن الإنتهاكات خلال عهد نظام الرئيس السابق “بشار الأسد”، وكذلك مساهمتها في إعادة الأموال المنهوبة من السوريين، وبشكل خاص تلك المتعلقة بـ”رفعت الأسد”، وبالتوازي، ركزت مهمة الدبلوماسيين الفرنسيين على تفقد السفارة الفرنسية المغلقة منذ عام 2012، والعمل على إعادة فتحها.
-
تأجيل رفع العقوبات الغربية المفروضة على دمشق: في الوقت الذي تسعى فيه تركيا إلى تسريع تحركاتها لرفع العقوبات المفروضة على سوريا بجانب العمل على تلميع فصائل المعارضة وتعبيد الطريق أمام انفتاحها على المجتمع الدولي ؛ أكدت فرنسا في 12 كانون الأول 2024، أنه من السابق لأوانه رفع العقوبات الأوروبية عن سوريا بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد، إذ قال (كريستوف لوموان) المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية: ” نعلم أنَّ نظام العقوبات على سوريا كان قاسياً، لكن نحن نتعامل مع هذا بطريقة منظمة، خطوة بخطوة”.
وفي السياق ذاته، يمكن مقاربة العلاقة بين تركيا وفرنسا في سوريا ضمن ما يسمى بـ”التموضع غير المتناظر”، أي حالة يسجل فيها فاعلان حضورهما ضمن ساحة واحدة من دون أن يكونا في علاقة تنسيقية كاملة، ولكن من دون الوصول إلى مستوى التصادم الصريح، إذ توظف تركيا ما يمكن تسميته بـــ”الأدوات التشاركية المرنة”، التي تتيح لها التكيف مع التغيرات السياسية من دون إلغاء تموضعها القائم على مركب أمني – اقتصادي، بينما تعتمد فرنسا على مقاربة “الوجود الرمزي الموسع”، عبر أدوات القوة الناعمة والمؤسساتية، وفي تقرير صادر عن “المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية بباريس” (IRIS)، أشار إلى أن الإستراتيجية التركية في سوريا باتت تتحرك ضمن منطق إعادة التموضع الجيوسياسي، في ضوء تغير مواقف بعض الحلفاء التقليديين، وتبدل ديناميكيات القوة في الإقليم، ووفقاً للباحث الفرنسي (ديدييه بيون)، فإن تركيا تسعى إلى ترسيخ دورها كفاعل محوري في المعادلة السورية، ليس فقط من خلال النفوذ الميداني، بل أيضاً عبر التكيف مع التحولات السياسية والأقتصادية في مرحلة ما بعد الأسد، وهو ما يفتح الباب أمام تقاطعات أو توترات مع فاعلين مثل فرنسا، الذين يتعاملون مع الملف السوري من زاوية مختلفة تقوم على أستعادة النفوذ و التوازن المؤسسي لا الميداني([4]).
إلى جانب ذلك، يقول الدبلوماسي السوري السابق (تحسين الفقير)، إنَّ الحديث عن حسم للتنافس التركي الفرنسي هو أمر مستبعد، لأن التنافس يرتكز على تباين إستراتيجي عميق في الرؤى والمصالح، سواء في سوريا أو شرق المتوسط، ويضيف في حديث لـ”الترا سوريا”، أنَّ ما نشهده حالياً هو إدارة توازن هش، تتحكم فيه معادلات متغيرة تشمل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإيران، فضلًا عن ذلك تفاعلات داخل الاتحاد الأوروبي والناتو، لذلك من المرجح أستمرار التنافس بصيغ متعددة، مع لحظات تهدئة ظرفية أكثر منها تسوية شاملة، ويرى أنَّ هناك عقبات عديدة تقف أمام الرؤية الفرنسية تجاه سوريا، أبرزها محدودية أدوات التأثير الميداني مقارنة بتركيا التي تملك قوات ونفوذاً مباشراً داخل الأراضي السورية، وشبكة من الفصائل المحلية، كما أنَّ فرنسا ليست فاعلاً وحيداً في شرق المتوسط، بل تصطدم رؤيتها أحياناً بعدم وجود توافق أوروبي داخلي أو بفتور أميركي تجاه التصعيد، ومن جهة أخرى يوضح الفقير أنّ ضعف التنسيق الفرنسي مع بعض الفاعلين العرب مثل قطر، أو التغيرات في موقف الإمارات والسعودية مؤخراً، يجعل الرؤية الفرنسية تصطدم بواقع إقليمي معقد([5]).
دوافع التنافس
توجد العديد من الدوافع التي تفسر حرص باريس على تكثيف الأنخراط في المشهد السوري، ومزاحمة الدور التركي في التوقيت الحالي، ويمكن بيان ذلك على النحو التالي:([6]).
-
تحييد التمدد التركي في مناطق النفوذ القديمة: تعد فرنسا الساحة السورية امتداداً لنفوذها القديم في منطقة المشرق العربي، بالإضافة إلى ذلك أنّ سوريا في رؤية باريس تعد نقطة أستناد استراتيجية لتأمين النفوذ الفرنسي في لبنان، وعلى ضوء ذلك، فإن فرنسا لا تريد التسليم بانفراد تركيا بإدارة تطورات المشهد السوري الحالي، بل تريد كبح تمددها في مناطق النفوذ التاريخية لفرنسا، وهنا يمكن تفسير معارضة فرنسا طوال السنوات التي خلت للتحركات التركية في ليبيا واليونان وقبرص وأذربيجان.
-
تأمين المكتسبات الكردية المتحققة منذ 2011: يمكن تفسير إعلان وزير الخارجية الفرنسي عن سعي بلاده إلى القيام بوساطة في التوقيت الحالي بين تركيا ووحدات حماية الشعب الكردية، التي تخوض معارك شرسة مع الفصائل الموالية لتركيا منذ 30 كانون الأول 2024، في ضوء حرص باريس على الحفاظ على المكتسبات الكردية التي تحققت منذ أندلاع الأزمة السورية في عام 2011، إذ تمكنت الإدارة الذاتية الكردية من فرض هيمنتها على نحو ربع الجغرافيا السورية، بالإضافة إلى كونها قوة عسكرية وازنة قادرة على مواجهة انحرافات الإدارة الجديدة حال توجهها نحو تبني مقاربة أيديولوجية تتعارض مع المصالح الغربية، ولا سيما حضور باريس.
-
أمتلاك أوراق مساومة مع أنقرة في الملفات الخلافية: تأتي التحركات الفرنسية الحالية على الساحة السورية، ومحاولة تحقيق أختراق في العلاقة مع الإدارة الانتقالية الجديدة، لتكشف عن محاولات فرنسا امتلاك أوراق ضاغطة على تركيا، لا سيما مع استمرار تجاذبات الطرفين حيال العديد من الملفات الإقليمية، سواء في شرق المتوسط أو فيما يخص العضوية التركية في الاتحاد الأوروبي، كما تعي باريس أن توسيع حضورها في سوريا، يسمح لها بالتأثير على تحركات أنقرة في غرب أفريقيا، وربما مساومتها، لا سيما أن تركيا نجحت خلال الأشهر الأخيرة في ملء فراغ باريس، ومحاصرة ما تبقى لها من تأثير، بعد تراجع دورها في دول الساحل والصحراء في أفريقيا.
-
العمل على دعم النفوذ الفرنسي داخل سوريا: ترغب فرنسا في دعم نفوذها داخل سوريا، وهو ما انعكس في أمرين: الأول هو سرعة تنظيم مؤتمر باريس لدعم سوريا المقرر عقده في كانون الثاني 2025، والمنوط به دعم الأستقرار السياسي، وفتح آفاق أمام إعادة إعمار سوريا كمرحلة مبدئية لإعادة بناء الأماكن المتضررة، والأمر الثاني ظهر في تبني فرنسا خطاباً سياسياً تضامنياً مع مختلف القوى السياسية والمجتمعية السورية، ولا سيما العنصر الكردي الذي يمثل شريحة مجتمعية وعرقية واسعة في الداخل السوري.
تداعيات التنافس على الأمن الإقليمي
قد تشمل تداعيات التنافس التركي – الفرنسي في سوريا، ولاسيما في ظل حكومة أحمد الشرع، الآتي:([7])
-
قد يؤدي التنافس بين تركيا وفرنسا في سوريا إلى تعميق الانقسامات بين الفصائل السورية المختلفة، كما يزيد من حدة الخلافات المستمرة بين المكونات السورية، لا سيما بين الجيش الوطني السوري والإدارة السورية الجديدة من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهةٍ أخرى، وهذا التنافس قد يتسبب في تعطيل مسارات التوصل إلى حلول حول تشكيل الجيش السوري الجديد وعقد الحوار الوطني السوري المرتقب.
-
تزايد التنافس الإقليمي والدولي على الساحة السورية يحول البلاد إلى ساحة لتصفية الخلافات والحسابات، إذ تحاول فرنسا النفاذ الى سوريا لمل الفراغ الناتج عن الإنسحاب الروسي المحتمل من سوريا، وهو ما يشكل رد اعتبار لباريس على خلفية نفس السياسة التي اتبعتها موسكو في أفريقيا لمل الفراغ الذي تركته باريس وبالتالي، قد تلجأ روسيا إلى عقد صفقة مع الإدارة السورية الجديدة، تضمن بقاء قواعدها في الساحل السوري، مقابل تقديم دعم في مجالات حيوية لإعادة بناء الدولة وربما الجيش السوري الجديد.
-
أستغلال العناصر الإرهـ ــابية لمجريات الخلافات والتنافس وللمواجهات المسلحة بين المكونات السورية، من أجل إعادة تنشيطها وشن هجمات إرهــ ــابية جديدة، أو فتح مسارات هروب نحو بؤر جديدة أخرى في المنطقة، إذ أنَّ غياب التنسيق الإقليمي يتيح لتلك التنظيمات فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وتهديد الأمن الإقليمي.
-
قد تحاول إيران وروسيا أستغلال الخلافات التركية – الفرنسية لتصعيد التوترات في الداخل السوري، عبر إحتمالية قيام طهران بتقديم دعم عسكري لقوات سوريا الديمقراطية من خلال حزب العمال الكردستاني، بينما قد تقدم موسكو دعماً للعلويين في الساحل المناوئين لدمشق، وهذه التحركات من شأنها أن تعيد سوريا إلى دائرة النزاعات والفوضى وحالة عدم الأستقرار.
-
أستغلال “إسرائيل” لحالة عدم أستقرار الأوضاع الأمنية في الداخل السوري لتعزيز سيطرتها واحتلالها لمزيد من الأراضي السورية، بهدف تشكيل منطقة عازلة تسهم في حماية أمنها الداخلي.
-
عدم التوافق الدولي حول مستقبل سوريا يضعف من فرص بناء حكومة مركزية قوية قادرة على فرض الأمن والأستقرار في جميع أنحاء البلاد.
خاتمة
في الختام يتضح أنَّ التنافس بين الفاعلين لا زال يجسد أدوار أخرى لقوى كانت فاعلة في سوريا، ولا سيما قبل سقوط نظام الأسد وهما روسيا وإيران، اللذان فقدا تحجيماً كبيراً لدورهما بعد سقوط نظام الأسد وسيطرة المعارضة السورية على زمام السلطة، إذ دخلا الجانبان التركي والفرنسي بعد نظام الأسد مرحلة معقدة من التنافس، تجسدت في محالة لإعادة وفرض النفوذ الجيوسياسي في سوريا، و تأمين المكتسبات الكردية المتحققة منذ 2011، إضافة إلى أمتلاك أوراق مساومة مع أنقرة في الملفات الخلافية، بدءً من قيام فرنسا بكبح مطامح تركيا في الأنضمام إلى الآتحاد الأوروبي، ومروراً بتعويض مناطق النفوذ التي خسرتها فرنسا في دول الساحل والصحراء في أفريقيا، وصولاً إلى سوريا في تحيد النفوذ التركي وتعويض مناطق التنافس المفقودة في أفريقيا، وفي المقابل تحاول تركيا تحويل تلك مكتسبات التنافس التي حصلت عليها في أفريقيا إلى ورقة ضغط إستراتيجية ضد فرنسا، من أجل تخفيف كوابح الضغط الذي تمارسه فرنسا تجاءها، في الأنضمام إلى الآتحاد الأوروبي، وإضعاف دورها في سوريا والحيلوله دون تحقيق مكتسبات جيوسياسية على حساب المكونات الكردية في سوريا والفصائل المسلحة الأخرى، فضلاً عن تداعيات هذا التنافس على الأمن السوري، في إعاقة أي تقدم يقود إلى تحقيق أستقرار دائم في سوريا، من خلال زيادة فجوة الأنقسام بين المكونات السورية المختلفة، وكما لا يمكن تجاهل تداعيات هذا التنافس على الأمن الإقليمي للدول العربية المجاورة ومنها العراق ولبنان، من حيث تصعيد الأوضاع الأمنية وتهديد التوازنات السياسية فيها.
استنتاجات
من خلال أستعراضنا وتقصينا لهذه الورقة البحثية، يمكن أنَّ نعطي عدداً من الآستنتاجات الآتية:
-
ينبع التنافس التركي – الفرنسي في سوريا من تباين وأختلاف كبير في الرؤى والمصالح الإستراتيجية، ولا سيما تلك التي تتعلق بتبادل الأدوار وتحقيق المكتسبات الجيوسياسية.
-
أستغلال الجماعات الإرهــ ــابية والفصائل المسلحة من قبل أطراف التنافس، يقيد أستقرار سوريا ودورها في فرض الهيمنة وحياد قرارها السياسي، وتحقيق التنمية المستدامة.
-
تجد تركيا وجودها في سوريا ضرورياً وماساً، لتأمين أمنها القومي وأستعادة سوريا لمكانتها الجيوسياسية في المنطقة، إضافة إلى عرقلة التمدد الإسرائيلي والحيلولة دون ضمه لمناطق أخرى لسوريا بحجة أنشاء مناطق عازلة وحماية أمنها الداخلي، بينما تجد فرنسا في سوريا ساحة لتحقيق مكتسبات سياسية واقتصادية، فضلاً عن أستخدامها كورقة ضغط ضد تركيا وأستعادة أرثها الأستعماري.
-
التنافس بين تركيا وفرنسا في سوريا قد يؤدي إلى تعميق الأنقسامات بين الفصائل السورية المختلفة، كما يزيد من حدة الخلافات المستمرة بين المكونات السورية، لا سيما بين الجيش الوطني السوري والإدارة السورية الجديدة من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهةٍ أخرى.
-
قد تمتد تداعيات هذا التنافس على الأمن الإقليمي للدول العربية المجاورة ومنها العراق ولبنان، من حيث تصعيد الأوضاع الأمنية وتهديد التوازنات السياسية فيها.
-
تشهد فرنسا تراجع كبير لشعبية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مما يقوض ذلك مسار برنامجه الإنتخابي المقبل ويضعه في حلقة صغيرة للمناورة، إضافة إلى الخلافات العلنية بين ماكرون وترامب في الملفات السياسية والأمنية، ولا سيما فيما يتعلق بعدم دفع فرنسا والحلفاء الأوروبيين حصصهم العادلة مقابل الحماية الأمريكية، فضلاً عن عدم أنضمام فرنسا للعمليات العسكرية الأمريكية – “الإسرائيلية” ضد إيران ودعوتها إلى الوساطة ووقف إطلاق النار، جميع تلك المعطيات قد تصب في صالح تركيا من حيث حسم التنافس في سوريا، ولا سيما مع العلاقة الوطيدة التي تربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.




