الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الولايات المتحدة عند عامها الـ250.. هل تواجه أزمة وجودية أم تمر بوعكة سياسية عميقة؟

يتساءل خبراء عمّا إذا كانت إحدى أقدم الديمقراطيات في العالم قادرة على البقاء والاستمرار

 

بقلم: مايمل هيرش

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

يمضي كثير من الأميركيين في ممارسة طقوس حياتهم اليومية وكأن الأمور تسير على ما يرام، وفي الرابع من تموز احتفلوا مجددًا بعيد الاستقلال وسط عروض للألعاب النارية واحتفالات تمتد، على حد تعبير جون آدامز “من أقصى هذه القارة إلى أقصاها”، وهو الوصف الذي صاغه قبل قرنين ونصف القرن متنبئًا بما ستؤول إليه احتفالات إعلان استقلال الدولة الوليدة عن التاج البريطاني. ورغم التحديات المتراكمة لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بكثير من مقومات القوة التي جعلت منها ما وصفه أول رئيس لها جورج واشنطن بـ”التجربة العظيمة”، فما زالت الدولة الأكثر نفوذًا في النظام الدولي ويواصل اقتصادها تصدر الاقتصادات العالمية مدعومًا بقطاعي التكنولوجيا والخدمات المالية اللذين يهيمنان على الاقتصاد العالمي، إلا أن هذا النجاح الاقتصادي جاء مصحوبًا بتداعيات داخلية عميقة أبرزها اتساع فجوة اللامساواة في توزيع الثروة إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ العصر المذهب فضلًا عن تصاعد الاستقطاب المجتمعي الذي غذّته بيئة إعلامية تهيمن عليها منصات التواصل الاجتماعي وما تنتجه من معلومات مضللة.

غير أن الاحتفال بالذكرى الـ250 للاستقلال يكتسب هذا العام طابعًا مختلفًا تغلب عليه مشاعر القلق أكثر من الفخر، فالولايات المتحدة تبدو اليوم أقل تماسكًا ووحدةً مما كانت عليه منذ عقود طويلة وربما منذ الحرب الأهلية الأميركية، وقد دفع هذا الواقع عددًا متزايدًا من الأميركيين إلى التساؤل عما إذا كانت الروابط الثقافية والقيم المدنية التي شكّلت أساس الأمة قد تعرضت لتآكل عميق وإلى أي مدى ما تزال الضوابط الدستورية قادرة على حماية النظام الجمهوري من التفكك. ولا تقتصر الأزمة على الطريقة التي حوّل بها الرئيس الأميركي الحالي مناسبةً يفترض أن تكون رمزًا للوحدة الوطنية إلى استعراض شخصي يتمحور حوله، فقد أعلن عبر منصة تروث سوشيال (Truth Social) عزمه تنظيم أضخم تجمع لترامب على الإطلاق في الرابع من تموز، في خطوة تعكس بحسب منتقديه نزعة متزايدة إلى شخصنة الحياة السياسية.

لكن الإشكالية الأعمق لا تكمن في هذا السلوك وحده بل في ما يراه كثيرون محاولةً لتحويل واحدة من أعرق الديمقراطيات الدستورية في العالم إلى نظام يقوم على تمجيد الفرد مع تجاهل متكرر للقيود القانونية والمؤسسية بما يشمل قرارات استخدام القوة العسكرية، كما يواجه دونالد ترامب اتهامات بتسخير أجهزة الدولة لاستهداف خصومه السياسيين وباستغلال موقعه لتحقيق مكاسب مالية لعائلته، وهي ممارسات يرى منتقدوه أن الآباء المؤسسين كانوا سيعدّونها أسبابًا كافية لعزله من منصبه.

إلا أن السؤال الأكثر إثارة للقلق يتمثل في ما إذا كانت الأزمة التي يعيشها النظام السياسي الأميركي أعمق من أن تُختزل في شخصية الرئيس أو سياساته، فحالة الاستقطاب الحاد وانعدام الثقة بين الحزبين الرئيسيين بلغت مستويات غير مسبوقة فيما تراجعت ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة إلى أدنى مستوياتها التاريخية، ولا يبدو أن أياً من الحزبين يمتلك رؤية قادرة على احتواء هذا التدهور بل إن المؤشرات توحي باتساع الفجوة بينهما وهو ما تعكسه نتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة التي أظهرت ازدياد نفوذ التيارات اليسارية الراديكالية داخل الحزب الديمقراطي في مقابل استمرار هيمنة تيار (لنجعل أميركا عظيمة مجددًا) على الحزب الجمهوري.

 

مبنى المحكمة العليا الأميركية

 

وترى المحللة القانونية سارة إيسغور في كتابها (الفرع الأخير الصامد: رحلة قد تبدو مفاجئة وأحيانًا طريفة، إلى داخل المحكمة العليا الأميركية اليوم) (Last Branch Standing: A Potentially Surprising, Occasionally Witty Journey Inside Today’s Supreme Court)، أن المحكمة العليا الأميركية ربما تكون المؤسسة الوحيدة التي ما يزال الآباء المؤسسون قادرين على التعرف إليها باعتبارها امتدادًا حقيقيًا للنظام الذي أنشأوه، ومع ذلك فإن المحكمة العليا نفسها لم تنجُ من أزمة الثقة بعدما أصبحت قراراتها تُفسَّر على نطاق واسع بوصفها انعكاسًا للانقسامات الأيديولوجية أكثر من كونها تطبيقًا محايدًا للدستور. وتؤكد مؤشرات الرأي العام حجم هذا التراجع، فوفقًا لاستطلاعات مؤسسة غالوب بلغت نسبة الرضا عن مسار البلاد 69% في مطلع عام 2000 بينما انخفضت في كانون الثاني من هذا العام إلى 36% فقط وهو أدنى مستوى منذ بدء قياس مؤشر “مزاج الأمة” عام 2001، كما تراجعت نسبة الأميركيين الذين يصرحون بأنهم “فخورون للغاية” بانتمائهم إلى الولايات المتحدة من 55% قبل خمسة وعشرين عامًا إلى 33% فقط اليوم. وتلخص سارة إيسغور هذا الواقع بقولها إن أقل من نصف الأميركيين يثقون بالشرطة أو بالنظام الصحي أو بالمؤسسات التعليمية، في حين تقل نسبة الثقة بالنقابات العمالية وقطاع الأعمال ووسائل الإعلام عن الربع، أما الكونغرس فلا يحظى بثقة سوى أقل من عُشر المواطنين. لذلك قد تبدو احتفالات عيد الاستقلال هذا العام بالنسبة إلى كثير من الأميركيين أشبه بمحاولة لإخفاء القلق الذي يخيّم على أسرة تجلس إلى جوار مريض يعاني مرضًا عضالًا، إذ يتبادل الجميع الابتسامات المتكلفة وعبارات التفاؤل بينما يظل السؤال الحقيقي حاضرًا في الأذهان: هل بلغ المرض مرحلة اللاعودة؟ ورغم مشروعية هذا التساؤل فإن التاريخ الأميركي يبيّن أن البلاد واجهت أزمات وجودية متكررة بدءًا من انتفاضة شايز وتمرد الويسكي، مرورًا بـالحرب الأهلية الأميركية وحقبة الفصل العنصري ثم الكساد الكبير والمكارثية وموجة الاغتيالات السياسية التي شهدتها ستينيات القرن الماضي، ورغم تصاعد أعمال العنف السياسي في الوقت الراهن فإنها لم تبلغ بعد مستوى اغتيال رئيس أو مرشح رئاسي. ويرى لاري دايموند أستاذ الديمقراطية في جامعة ستانفورد أن الولايات المتحدة تعاني بالفعل من اختلال ديمقراطي بالغ الخطورة إلا أنه لا يرقى حتى الآن إلى مستوى “المرض المميت”، ويشير إلى أن البلاد لم تشهد منذ إقرار دستورها عام 1789 رئيسًا جمع بين النزعة السلطوية والفساد والاستخفاف بالأعراف الدستورية على النحو الذي يتهم به دونالد ترامب لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن المؤسسات الديمقراطية أظهرت قدرًا معتبرًا من الصمود سواء من خلال يقظة المجتمع المدني أو تدخلات المحاكم الفيدرالية، أو امتناع مجلس الشيوخ عن إزالة بعض القيود التشريعية التي كانت ستمنح الرئيس صلاحيات أوسع لإعادة تشكيل النظام الانتخابي.

 

دانيال شلوزمان
أستاذ في جامعة جونز هوبكنز

ومع ذلك لا يتفق جميع الباحثين مع هذا التقييم، فبحسب عالم السياسة دانيال شلوزمان من جامعة جونز هوبكنز والمؤلف المشارك لكتاب (الأحزاب الجوفاء: الماضي المتعدد والحاضر المضطرب للسياسة الحزبية الأميركية (The Hollow Parties: The Many Pasts and Disordered Present of American Party Politics)، فإن الحكم النهائي على هذه المرحلة لا يزال سابقًا لأوانه مضيفًا: “لسنا أمام ظروف تشبه عام 1861 ولا حتى عام 1933 لكن المؤشرات الراهنة لا تبعث على الاطمئنان”. ويقول دانيال شلوزمان إن “استعارة المرض تبدو ملائمة إلى حدٍّ كبير، فرغم أننا لا نواجه أزمة وجودية بحجم الحرب الأهلية الأميركية أو الكساد الكبير فإن الولايات المتحدة تعاني المشكلات التي عادةً ما ترافق الشيخوخة، والسؤال الحقيقي هو ما إذا كان النظام السياسي الأميركي يمتلك القدرة على التكيف مع الضغوط والتحديات الجديدة”.

ويرى المؤرخ توماس مادن في كتابه الجديد (سقوط الجمهوريات: تاريخ من قرطاج القديمة إلى الدستور الأميركي” (The Fall of Republics: A History From Ancient Carthage to the American Constitution)، أن موجات التمرد الشعبوي سواء القادمة من اليمين أو اليسار، قد أربكت الحياة السياسية الأميركية التقليدية، لكنها لم تبلغ بعد المستوى الذي أدى في الماضي إلى انهيار الجمهوريات. ويكتب مادن أن دونالد ترامب “تبنى خطابًا شعبويًا لكنه خسر التصويت الشعبي في انتخابات عامي 2016 و2020 وفي انتخابات 2024 حصل على أقل بقليل من 50% من الأصوات، وهذا لا يمثل ضغطًا وجوديًا على الجمهورية بل يعكس ببساطة حالة من الصخب السياسي”، ويضيف أن أحداث السادس من كانون الثاني “كانت أعمال شغب مدمرة لكنها لم تُحدث أثرًا جوهريًا في آلية عمل الجمهورية الأميركية”.

واستنادًا إلى دراسته لتجارب الجمهوريات التي انهارت بدءًا من قرطاج وروما يؤكد مادن أنه، على الرغم من خطورة الأوضاع الراهنة فإن الولايات المتحدة لم تشهد بعد أبرز المؤشرات التي سبقت سقوط الجمهوريات عبر التاريخ مثل تعليق الانتخابات أو اندلاع أعمال عنف مباشرة بين كبار المسؤولين الحكوميين أو تبني سياسات تقوم على اعتقال الخصوم السياسيين وتصفيتهم، أو تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية أو احتلال مبنى الكابيتول عسكريًا والإطاحة بالحكومة المنتخبة.

أما بشأن الاستقطاب الحزبي الحاد الذي تشهده الولايات المتحدة اليوم فيرى مادن أنه يمثل في جانب منه “ترفًا سياسيًا” نابعًا من فترة طويلة من السلام والازدهار وغياب أي عدو خارجي يشكل تهديدًا وجوديًا”، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن”غياب الأعداء الخارجيين الوجوديين يدفع المجتمعات إلى اختراع أعدائها في الداخل، ويمكن أن تتعرض الجمهورية لأضرار جسيمة عندما يصور كل طرف خصومه بوصفهم أعداءً للدولة.

ويرى مادن أن هذا المسار ربما بدأ بالفعل في ظل توصيف دونالد ترامب لقيادات الحزب الديمقراطي بمثل هذه الأوصاف، وفي المقابل يحذر خبراء آخرون من أن الجمهوريات قد لا تنهار دائمًا بصورة مفاجئة بل قد تتآكل تدريجيًا بينما لا يلحظ معظم المواطنين ذلك، وهو السيناريو الذي قد تكون الولايات المتحدة بصدد الانزلاق إليه. وتعتقد عالمة السياسة باربرا ف. والتر من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو وهي من أبرز الباحثين في قضايا الحروب الأهلية والتطرف العنيف والإرهاب الداخلي، أن الولايات المتحدة دخلت بالفعل ما تصفه بـ”منطقة الأنوقراطية” وهو نمط سياسي هجين يجمع بين الديمقراطية والاستبداد، حيث يراكم القادة سلطاتهم تدريجيًا بالتزامن مع إضعاف منظومة الضوابط والتوازنات الدستورية. ويرى شلوزمان أن هذا هو النهج الذي يتبعه ترامب بوضوح مضيفًا “إن هيمنة السلطة التنفيذية القوية أصبحت اليوم حقيقةً راسخة في الحياة السياسية الأميركية، وسيكون التراجع عنها مهمة بالغة الصعوبة”.

وقد يشكل ذلك بحسب عدد من الباحثين تهديدًا مباشرًا لاستمرار الجمهورية الأميركية، وفي هذا السياق يقول المؤرخ إدوارد واتس (مؤلف كتاب الجمهورية الفانية: كيف سقطت روما في براثن الاستبداد) قد تتمكن دولة قوية من الحفاظ على مظهر الديمقراطية أو القيم الجمهورية، حتى بعد أن تكون تلك القيم قد فقدت مضمونها العملي”. ويشير واتس إلى أن أباطرة روما، بدءًا من أغسطس كانوا يطلقون على أنفسهم لقب “المواطن الأول، وليس “الملك”، في محاولة للإيحاء بأنهم ما زالوا يحافظون على النظام الجمهوري، في الوقت الذي كانوا يحكمون فيه فعليًا بوصفهم حكامًا مستبدين.

ويذهب أستاذ القانون الدستوري لويس مايكل سيدمان من جامعة جورج تاون، ومؤلف كتاب (الدستور لا يستطيع إنقاذنا: لماذا لم يعد بإمكاننا الاعتماد على وثيقتنا التأسيسية (، إلى أن بقاء الجمهورية الأميركية أصبح مسألة مفتوحة على جميع الاحتمالات. ويضيف سيدمان “الكثير سيتوقف على نتائج انتخابات التجديد النصفي وكذلك انتخابات عام 2028، فإذا نجح ترامب في الحيلولة دون إجراء انتخابات نزيهة فإن انزلاق الولايات المتحدة نحو السلطوية سيكون أسرع بكثير مما يتوقعه معظم الناس، وأعتقد أن من شبه المؤكد أنه سيحاول الطعن بنتائج الانتخابات إذا خسرها، لكن يبقى السؤال مفتوحًا بشأن ما إذا كان سينجح في ذلك”. ولا شك أن الآباء المؤسسين كانوا سيشعرون بقدر كبير من الدهشة والرضا لأن النظام الذي أنشأوه صمد طوال هذه المدة، لكنهم كانوا في الوقت ذاته يدركون تمامًا الكيفية التي يمكن أن ينتهي بها، فقد وجّه ألكسندر هاملتون إلى جورج واشنطن عام 1792 تحذيرًا اتسم ببعد النظر جاء فيه:

“إن الطريق الوحيد إلى تقويض النظام الجمهوري في هذا البلد يتمثل في استمالة أهواء الناس، وإثارة مخاوفهم وهواجسهم بما يؤدي إلى إغراق الشؤون العامة في الفوضى وإشعال الاضطرابات الداخلية، وعندما يرهقهم في النهاية طغيان الفوضى أو غياب الحكم فقد يلجؤون إلى أحضان الملكية طلبًا للاستقرار”. ومع ذلك فإن إدارة دونالد ترامب لم تبلغ بعد أسوأ السيناريوهات التي حذر منها منتقدوها رغم ما يصفونه بتجاوزات خطيرة، مثل نشر الحرس الوطني في مدن أميركية، ومقتل مواطنين اثنين على يد عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية في مدينة مينيابوليس. وخلال ولايته الأولى وبعد مقتل الأميركي الأسود جورج فلويد على يد الشرطة وما أعقبه من احتجاجات واسعة في مختلف أنحاء البلاد كشف وزير الدفاع الأميركي السابق مارك إسبر، في مذكراته الصادرة عام 2022 بعنوان قسم مقدس: مذكرات وزير دفاع في أوقات استثنائية (A Sacred Oath: Memoirs of a Secretary of Defense During Extraordinary Times)، أن ترامب طرح صراحةً فكرة استخدام القوة المسلحة ضد المتظاهرين، متسائلًا ألا يمكنكم إطلاق النار عليهم فحسب؟ الا أن ذلك لم يحدث… حتى الآن. علاوة على ذلك أظهرت إدارة دونالد ترامب في عدد من القضايا التزامًا بأحكام المحكمة العليا الأميركية، فعلى الرغم من هيمنة القضاة المحافظين على المحكمة فإنها لم تتردد أحيانًا في معارضة الرئيس، كما حدث هذا الأسبوع عندما أيدت مبدأ حق المواطنة بالولادة.

 

 

ومع ذلك أصدرت المحكمة أحكامًا أخرى جاءت في صالح ترامب في قضايا محورية من بينها منحه صلاحيات واسعة للإشراف على الوكالات الفيدرالية التي كان الكونغرس قد صممها لتتمتع على الأقل بدرجة من الاستقلالية، وفي هذا السياق نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن المحامي ديباك غوبتا قوله “قد يكون العنوان الرئيس هو المحكمة تكبح ترامب، لكن الخيط الناظم لهذه الأحكام يتمثل في تركيز مزيد من السلطة بيد الرئاسة وبيد المحكمة نفسها، على حساب الكونغرس والوكالات الفيدرالية والناخبين”. ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت آليات التصحيح السياسي نفسها قد أصابها خلل يستعصي على الإصلاح، فقد شهد التاريخ الأميركي مراحل نجح فيها رؤساء إصلاحيون ذوو نفوذ مثل ثيودور روزفلت وفرانكلين د. روزفلت، في الاستجابة لموجات الاضطراب الاجتماعي من خلال تبني سياسات لمكافحة الاحتكار وإصلاح النظام الضريبي وإطلاق برنامج الصفقة الجديدة، إلى جانب حزمة واسعة من الإصلاحات التي هدفت إلى معالجة التفاوت الاقتصادي الحاد الذي شهده العصر المذهب، والتداعيات الكارثية التي خلفها الكساد الكبير. أما اليوم فمن المشروع التساؤل عما إذا كانت الهوة بين الحزبين الرئيسيين قد اتسعت إلى درجة تجعل رأبها أمرًا بالغ الصعوبة وما إذا كان الخلل الذي أصاب النظام السياسي قد أصبح من العمق بحيث لم يعد قابلًا للإصلاح، وتوحي نتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة للحزب الديمقراطي بأن هذا الاحتمال لم يعد مستبعدًا، وفي دلالة تعكس طبيعة المرحلة تبدو المرشحة الديمقراطية الأبرز نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أكثر ميلًا إلى استرضاء الجناح اليساري المتشدد في خطوة قد تمهد لخوضها سباق الانتخابات الرئاسية مجددًا عام 2028.

ويرى معظم المحللين السياسيين أن الأمل الوحيد يكمن في بروز قيادة سياسية من التيار الوسطي قادرة على إعادة التوازن إلى الحياة السياسية الأميركية، ومن المفارقات اللافتة في الولاية الوحيدة للرئيس السابق جو بايدن أنه في مواجهة ترامب من جهة ومنافسيه داخل الحزب الديمقراطي وعلى رأسهم السيناتور بيرني ساندرز من جهة أخرى، حاول تضييق الفجوة بين النزعتين الشعبويتين في اليمين واليسار، وقد نجح جزئيًا في ذلك عبر تبني ما عُرف لاحقًا باسم (اقتصاديات بايدن) وهي مقاربة جمعت بين السياسة الصناعية والسياسات البيئية وسياسة تجارية أكثر انكفاءً نحو الداخل، مع الإبقاء على عدد من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب. غير أن قرار بايدن خوض الانتخابات الرئاسية مجددًا وهو في الحادية والثمانين من عمره أضرّ كثيرًا بمصداقية مشروعه السياسي وأفقد أجندته الإصلاحية جانبًا كبيرًا من زخمها، ويقول دانيال شلوزمان إن النظام السياسي الأميركي شأنه شأن بايدن نفسه يعاني من “ترتيبات سياسية قديمة تتعرض لضغوط هائلة، لكنها لم تخضع للتحديث أو الإصلاح”.

ويضرب شلوزمان مثالًا على ذلك بالأحزاب السياسية نفسها وبنظام الانتخابات التمهيدية الذي يميل بطبيعته إلى ترجيح كفة المرشحين الأكثر تطرفًا لأن المشاركين فيه عادةً ما يكونون من الناخبين الأكثر تشددًا أيديولوجيًا، وفي هذا السياق يشير عالم السياسة إيان شابيرو من جامعة ييل والمؤلف المشارك لكتاب الأحزاب المسؤولة: إنقاذ الديمقراطية من نفسها (Responsible Parties: Saving Democracy From Itself) إلى أن ترامب لم يحصل في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2016 إلا على أقل بقليل من 45% من الأصوات، غير أن ضعف الإقبال على التصويت جعل هذا الفوز يعني عمليًا أن نحو 6% فقط من إجمالي الناخبين الأميركيين هم الذين اختاروه مرشحًا للحزب، أي ما يقارب 14 مليون ناخب من أصل نحو 230 مليون أميركي كانوا مؤهلين للتصويت.

ويتفق معظم الباحثين على أن استمرار ظاهرة “الترامبية” يمثل مصدر القلق الأكبر، فـترامب ليس أول رئيس أميركي يُنتخب بخطاب شعبوي فحسب بل يُعد أيضًا أول ديماغوجي حقيقي يصل إلى البيت الأبيض في التاريخ الأميركي الحديث، كما أنه من الحالات النادرة التي احتفظ فيها سياسي بنفوذه المطلق داخل حزبه حتى بعد خسارته الانتخابات الرئاسية، قبل أن يتمكن لاحقًا من العودة إلى السلطة مجددًا. ومع ذلك فإن دونالد ترامب بلغ الثمانين من عمره بينما الجمهورية التي يسعى بحسب منتقديه إلى تقويضها أقدم بكثير من ذلك. ويختتم لاري دايموند بنبرة أكثر تفاؤلًا قائلًا: “أعتقد أننا سنشهد مع انتخابات التجديد النصفي المقبلة، تحولًا انتخابيًا ملموسًا يعكس تراجع هذا المسار السلطوي، ومن المشروع بالقدر نفسه أن نرى أننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة من الإصلاح الديمقراطي، كما هو مشروع أن نستسلم للتشاؤم بشأن مستقبل الديمقراطية”.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى