الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

العلاقات الصينية – الإيرانية في ظل تداعيات الحرب على إيران: الفرص والقيود

بقلم: نور نبيه جميل

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

لم يكن الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية ذات أبعاد إقليمية، انما مثل نقطة انعطاف في إدراك القوى الدولية لطبيعة النظام الأمني في “الشرق الأوسط”، واختباراً عملياً لشبكات الشراكات التي بنتها القوى الصاعدة خلال العقدين الأخيرين. وفي مقدمة تلك الشراكات تبرز العلاقة الصينية-الإيرانية التي طالما وُصفت بأنها إحدى الركائز الأساسية للتحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، غير أن مجريات الحرب أظهرت أن هذه العلاقة أكثر تعقيداً من اختزالها في مفهوم “التحالف” أو “الاصطفاف” السياسي. فقد سادت، قبل الحرب، فرضية مفادها أن تعاظم التعاون بين الصين والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا سيما بعد توقيع اتفاقية التعاون الشامل، سيقود تدريجياً إلى انتقال العلاقة من مستوى الشراكة الاقتصادية إلى مستوى التحالف الاستراتيجي القادر على موازنة الضغوط الأمريكية. إلا أن التطورات الميدانية وما أعقبها من تحركات دبلوماسية صينية أظهرت أن بكين فضلت تبني سياسة تقوم على احتواء الأزمة والدفع نحو التسوية، بدلاً من الانخراط في مواجهة مباشرة دفاعاً عن إيران، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات جوهرية بشأن حدود الالتزام الصيني تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية. غير أن تفسير هذا السلوك باعتباره تعبيراً عن تردد صيني أو تراجع في قيمة الشراكة يظل تفسيراً قاصراً، لأنه ينطلق من افتراض أن إيران كانت تسعى أصلاً إلى تحويل الصين إلى حليف عسكري أو ضامن لأمنها القومي. والحال أن مراجعة العقيدة الاستراتيجية الإيرانية تكشف أن طهران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية، تبنت مبدأ الاستقلالية الاستراتيجية بوصفه أحد المرتكزات المؤسسة لسياستها الخارجية، وهو مبدأ يقوم على رفض الارتهان لأي قوة دولية، حتى وإن كانت تلك القوة شريكاً سياسياً واقتصادياً مهماً.

ومن ثم، فإن حدود العلاقات الصينية-الإيرانية لا تعكس تحفظاً صينياً فحسب، بل تمثل أيضاً نتاجاً لتوافق ضمني بين الطرفين على إبقاء العلاقة ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية المرنة، التي تحقق المصالح المتبادلة دون أن تفرض التزامات دفاعية أو قيوداً على استقلالية القرار الوطني لأي منهما.

وانطلاقاً من ذلك، تنطلق هذه الورقة من فرضية رئيسة مفادها أن الحرب على إيران لم تؤد إلى إضعاف الشراكة الصينية-الإيرانية، وإنما كشفت طبيعتها الحقيقية، باعتبارها شراكة تحكمها البراغماتية الجيوسياسية، وتتحدد حدودها وفق حسابات المصلحة الوطنية للطرفين، لا وفق منطق التحالفات التقليدية. وعليه، تهدف الورقة إلى تحليل تداعيات الحرب على مسار العلاقات الثنائية، واستشراف مستقبلها في ضوء التغيرات الإقليمية والدولية، مع التركيز على الفرص والقيود التي ستحدد اتجاهها خلال المرحلة المقبلة. ويتمحور مما سبق عبر الاتي:

 

أولاً: الحرب على إيران وإعادة تعريف الشراكة الصينية-الإيرانية

أعادت الحرب على إيران صياغة كثير من المسلمات التي حكمت تحليل العلاقات الصينية-الإيرانية خلال السنوات الأخيرة. فقد انطلقت غالبية التقديرات قبل الحرب من فرضية مفادها أن تعاظم التعاون الاقتصادي بين البلدين، وتوقيع اتفاقية التعاون الشامل، وانضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، كلها مؤشرات على انتقال العلاقة تدريجياً نحو تحالف استراتيجي مكتمل الأركان. غير أن السلوك الصيني خلال الأزمة أظهر أن بكين تتعامل مع مفهوم “الشراكة الاستراتيجية” بمنظور يختلف جذرياً عن المفهوم الغربي للتحالفات الأمنية ففي الرؤية الصينية، لا يعني توصيف العلاقة بأنها شراكة استراتيجية وجود التزام بالدفاع العسكري عن الطرف الآخر، بل يشير إلى وجود توافق طويل الأمد في المصالح الاقتصادية والسياسية، مع احتفاظ كل طرف باستقلالية كاملة في إدارة خياراته الأمنية. ولهذا السبب لم يكن امتناع الصين عن التدخل العسكري أو عن اتخاذ مواقف تصعيدية مؤشراً على تراجع العلاقة، بقدر ما كان انعكاساً لطبيعة النموذج الذي تبنته الصين في إدارة علاقاتها الدولية.

 

 

وفي المقابل، فإن القراءة الإيرانية للعلاقة كثيراً ما تعرضت للمبالغة، سواء في الخطاب الإعلامي أو السياسي، إذ جرى تصوير الصين باعتبارها بديلاً استراتيجياً عن الغرب وقوة قادرة على موازنة النفوذ الأمريكي. إلا أن هذا التصور اصطدم بواقع السياسة الصينية القائمة على مبدأ تعظيم المكاسب وتقليل الالتزامات، وهو مبدأ يشكل أحد المرتكزات الأساسية في الاستراتيجية الصينية المعاصرة.

إلا أن الاقتصار على هذا التفسير يظل غير كافٍ، لأنه يفترض ضمناً أن إيران كانت تتوقع أو ترغب في انتقال العلاقة إلى مستوى التحالف الدفاعي، وهو افتراض لا تدعمه طبيعة السلوك الإيراني. فالعقيدة الاستراتيجية الإيرانية منذ عام 1979، قامت على رفض إدخال أي قوة كبرى في عملية صنع القرار الأمني الوطني، سواء كانت الولايات المتحدة في مرحلة ما قبل الثورة، أو روسيا والصين في المرحلة اللاحقة. ولذلك، فإن طهران، رغم حاجتها إلى الشراكات الدولية، حرصت باستمرار على تجنب أي صيغة قد تُفسر بوصفها تبعية استراتيجية أو انتقاصاً من استقلالية قرارها.

ومن هنا، فإن الحرب الأخيرة لم تكشف حدود الدعم الصيني لإيران فقط، بل كشفت أيضاً حدود الرغبة الإيرانية في تحويل الصين إلى حليف أمني. فكلا الطرفين وجد في نموذج الشراكة المرنة صيغة تحقق مصالحه؛ فالصين تتجنب الانخراط في صراعات قد تستنزف مواردها أو تضر بعلاقاتها مع شركاء آخرين، بينما تحافظ إيران على هامش واسع من حرية الحركة ينسجم مع رؤيتها للاستقلال الاستراتيجي.

وعليه، فإن النتيجة الأبرز للحرب لا تتمثل في إعادة تقييم قوة العلاقات الصينية-الإيرانية، وإنما في إعادة تعريف طبيعتها. فالعلاقة بين البلدين ليست تحالفاً مؤجلاً بقدر ما هي شراكة مصممة منذ البداية لتبقى دون مستوى التحالف، وهو ما يفسر قدرتها على الاستمرار رغم اختلاف أولويات الطرفين في إدارة الأزمات.

 

ثانياً: محددات السلوك الصيني والإيراني بعد الحرب: لماذا فضّل الطرفان الشراكة على التحالف؟

إذا كانت الحرب على إيران قد اختبرت متانة العلاقات الصينية-الإيرانية، فإنها في الوقت ذاته كشفت عن حقيقة أكثر عمقاً، تتمثل في أن سقف العلاقة بين البلدين لم يكن منخفضاً بسبب تردد الصين وحده، بل لأن طبيعة المصالح الاستراتيجية للطرفين لا تدفع أصلاً نحو بناء تحالف عسكري بالمعنى التقليدي. ومن ثم، فإن فهم مستقبل هذه العلاقة يتطلب تجاوز التفسيرات التي تركز على سلوك طرف واحد، والانتقال إلى تحليل البنية الاستراتيجية التي تحكم خيارات كل من بكين وطهران.

من منظور صيني، تنطلق السياسة الخارجية من مفهوم يمكن وصفه بــ”التحوط الاستراتيجي” وهو مفهوم يقوم على تعظيم المكاسب عبر تنويع الشركاء، وتجنب الالتزامات الأمنية التي قد تُقيد حرية الحركة أو تستدرج الدولة إلى صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة. لذلك، فإن الصين لا تسعى إلى استبدال النظام التحالفي الذي بنته الولايات المتحدة بنظام تحالفات صيني موازٍ، بل إلى إنشاء شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والسياسية تسمح لها بتوسيع نفوذها مع تقليل كلفة الانخراط العسكري. وفي هذا السياق، تمثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية إحدى حلقات هذه الشبكة، لكنها ليست الحلقة الوحيدة ولا الأكثر أهمية اقتصادياً. فخلال العقد الأخير، اتجهت بكين إلى بناء علاقات استراتيجية متوازية مع السعودية والإمارات وقطر والعراق، وهي دول تمثل بالنسبة للصين أهمية اقتصادية تفوق إيران من حيث حجم التجارة والاستثمارات وتدفقات الطاقة. وعليه، فإن انحياز الصين الكامل إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية كان سيؤدي إلى تقويض سياسة التوازن التي بنت عليها حضورها الإقليمي، ويهدد موقعها بوصفها شريكاً مقبولاً لدى جميع الأطراف.

أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن دوافعها لا تقل تعقيداً. فبالرغم حاجتها إلى الدعم الاقتصادي والتكنولوجي الصيني، لم تُظهر في أي مرحلة استعداداً للتنازل عن استقلالية قرارها الاستراتيجي. ويعود ذلك إلى أن مفهوم “الاستقلال” لا يُعد مجرد شعار سياسي في الفكر الاستراتيجي الإيراني، بل يمثل ركناً تأسيسياً في شرعية النظام نفسه. ولذلك، فإن إدخال قوة كبرى في معادلة الأمن القومي الإيراني من خلال تحالف دفاعي ملزم كان سيشكل تناقضاً مع أحد أهم المبادئ التي قامت عليها السياسة الخارجية الإيرانية منذ عام 1979، ومن ثم، فإن العلاقة بين الصين وإيران يمكن فهمها بوصفها توافقاً على عدم التحالف أكثر من كونها عجزاً عن الوصول إليه. فكل طرف وجد في هذا النموذج مساحة تحقق مصالحه دون أن يتحمل أعباء إضافية؛ الصين تحافظ على حرية المناورة في بيئة إقليمية معقدة، وإيران تحافظ على استقلال قرارها وتتفادى الارتهان لأي قوة دولية. وتبرز هذه الحقيقة بوضوح عند تحليل السلوك الصيني خلال الحرب. فقد تبنت بكين خطاباً داعماً لوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، وامتنعت عن اتخاذ خطوات قد تُفسر بوصفها انخراطاً مباشراً في الصراع. وقد فسّر بعض المحللين هذا الموقف على أنه تراجع في الالتزام تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أن قراءة أكثر عمقاً تشير إلى أن الصين لم تخرج عن نمطها المعتاد في إدارة الأزمات الدولية. فهي ترى أن دورها كقوة صاعدة لا يتحقق عبر الانخراط في الحروب، بل عبر ترسيخ صورتها كفاعل قادر على حماية الاستقرار الاقتصادي وتوفير بيئة مواتية للتسويات السياسية. وفي المقابل، لم تمارس الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضغوطاً علنية على الصين للمطالبة بتدخل عسكري أو بتقديم ضمانات أمنية، وهو ما يعكس إدراكاً إيرانياً لطبيعة العلاقة وحدودها. فإيران تعلم أن القيمة الاستراتيجية للصين بالنسبة لها تكمن في كونها شريكاً اقتصادياً وسياسياً قادراً على تخفيف آثار العزلة الدولية، وليس قوة يمكن أن تحل محل منظومة الردع الإيرانية أو تصبح الضامن الخارجي لأمنها. وهنا تظهر مفارقة مهمة أغفلتها كثير من التحليلات؛ إذ افترضت أن الحرب كشفت “ضعف” الشراكة الصينية-الإيرانية، بينما يمكن القول إن ما كشفت عنه الحرب هو نجاح الطرفين في الحفاظ على الصيغة التي صُممت العلاقة على أساسها. فالصين لم تُجبر على الانخراط في حرب لا ترغب بها، وإيران لم تُجبر على التخلي عن استقلالية قرارها أو طلب حماية خارجية، وهو ما يعني أن الشراكة استمرت ضمن الحدود التي أرادها الطرفان منذ البداية.

 

 

ثالثاً: الفرص والقيود في مستقبل العلاقات الصينية-الإيرانية: بين إعادة التموضع الجيوسياسي وإعادة دمج إيران في الاقتصاد الإقليمي

أنتجت الحرب على إيران بيئة استراتيجية جديدة دفعت مختلف الفاعلين الدوليين إلى إعادة تقييم مصالحهم في “الشرق الأوسط”، ولم تكن الصين استثناءً من ذلك. غير أن خصوصية الموقف الصيني تكمن في أن بكين لم تنظر إلى الحرب من زاوية التنافس العسكري أو إعادة توزيع النفوذ السياسي، وإنما من منظور أكثر اتساعاً يرتبط بأمن سلاسل الإمداد، واستقرار أسواق الطاقة، ومستقبل الممرات التجارية التي تشكل العمود الفقري لمبادرة الحزام والطريق. ومن ثم، فإن السؤال المحوري لم يعد يتمثل في كيفية حماية الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الضغوط الخارجية، بل في كيفية توظيف مرحلة ما بعد الحرب لإعادة بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً تسمح للصين بتوسيع حضورها الاقتصادي. وخلافاً للطرح الذي يرى أن العقوبات الغربية كانت تمنح الصين أفضلية دائمة من خلال الحصول على النفط الإيراني بأسعار مخفضة، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه الأفضلية أصبحت محدودة. فالعقوبات، وإن وفرت مكاسب قصيرة الأمد في قطاع الطاقة، فإنها فرضت في الوقت ذاته قيوداً كبيرة على الشركات الصينية الحكومية والخاصة، التي اضطرت إلى العمل عبر ترتيبات مالية معقدة وتحمّل مخاطر العقوبات الثانوية، الأمر الذي حدّ من قدرتها على الاستثمار طويل الأجل في الاقتصاد الإيراني. ومن هنا تبرز مفارقة استراتيجية؛ إذ إن إيران المستقرة والمنفتحة اقتصادياً قد تكون أكثر أهمية للصين من إيران المعزولة. فرفع القيود عن الاقتصاد الإيراني لا يعني فقط زيادة صادرات النفط، بل يفتح أمام بكين فرصاً واسعة في مجالات البنية التحتية، والسكك الحديدية، والموانئ، والاقتصاد الرقمي، وشبكات الاتصالات، والطاقة المتجددة، وهي قطاعات تحقق عوائد استراتيجية تتجاوز بكثير المكاسب التي توفرها تجارة النفط وحدها وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مستقبل العلاقات الصينية-الإيرانية عن مشروع الحزام والطريق. فإيران لا تُعد مجرد مورّد للطاقة، بل تمثل عقدة جغرافية تربط شرق آسيا بآسيا الوسطى والقوقاز والخليج وشرق المتوسط. وكلما اقتربت إيران من الاستقرار، ازدادت قيمتها بوصفها ممراً برياً ولوجستياً يختصر الزمن والكلفة في حركة التجارة الصينية نحو أوروبا. وعليه، فإن نجاح أي تسوية سياسية بعد الحرب قد يحول الجمهورية الإسلامية الإيرانية من دولة تواجه عزلة دولية إلى محور اقتصادي إقليمي يخدم الرؤية الصينية لإعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية.

إلا أن هذا المسار لا يخلو من قيود جوهرية. فالسياسة الصينية في “الشرق الأوسط” تقوم على مبدأ التوازن الشبكي، أي بناء علاقات متوازية مع القوى المتنافسة بدلاً من الانحياز إلى أحدها. ولهذا فإن:

 

بكين تنظر إلى علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتبارها جزءاً من منظومة أوسع تضم أيضاً السعودية والإمارات وقطر والعراق ومصر، وهي دول تمثل، من حيث حجم التجارة والاستثمارات، ركائز لا تقل أهمية عن إيران، بل تتفوق عليها في بعض المجالات. وبالتالي، فإن تعميق التعاون مع طهران لن يكون على حساب هذه الشراكات، لأن أي اختلال في هذا التوازن قد ينعكس سلباً على الاستراتيجية الصينية في المنطقة. لذلك ستواصل بكين اتباع سياسة “الانخراط المتوازن”، التي تسمح لها بالحفاظ على علاقات وثيقة مع جميع الفاعلين الإقليميين دون التحول إلى طرف في صراعاتهم.

 

ومن ناحية أخرى، يبقى الملف النووي الإيراني أحد المتغيرات الحاسمة. فإذا نجحت طهران في تثبيت مسار تفاوضي يخفف الضغوط الدولية، فإن الصين ستكون من أكبر المستفيدين، ليس فقط بسبب توسع الاستثمارات، بل لأن ذلك سيعزز أمن الممرات التجارية ويخفض احتمالات التصعيد العسكري الذي يهدد تدفقات الطاقة. أما إذا عاد الملف النووي إلى دائرة التصعيد، فإن بكين ستجد نفسها مضطرة إلى الموازنة مجدداً بين استمرار الشراكة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحماية مصالحها الاقتصادية الأوسع.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن مستقبل العلاقات الصينية-الإيرانية لن يتحدد بحجم التقارب السياسي وحده، وإنما بقدرة الطرفين على تحويل الشراكة من علاقة فرضتها العقوبات إلى علاقة تقوم على الاندماج الاقتصادي والاستقرار الإقليمي. وهذه هي النقلة النوعية التي قد تجعل مرحلة ما بعد حرب 2026 مختلفة عن كل المراحل السابقة. إن الحرب لم تغيّر طبيعة الشراكة الصينية-الإيرانية بقدر ما غيّرت وظيفة إيران داخل الاستراتيجية الصينية. ففي مرحلة العقوبات كانت إيران تمثل شريكاً يساعد بكين على إدارة الضغوط الغربية، أما في مرحلة ما بعد الحرب، فإن قيمتها الاستراتيجية ستقاس بقدرتها على أن تكون منصة للاستقرار الاقتصادي والربط القاري، لا مجرد ممر. هذا هو الجزء الأخير، وهو أهم جزء في تقدير الموقف، لأنه لا يكتفي بعرض السيناريوهات، بل يرجّح أحدها بمنطق تحليلي. هذا ما تتوقعه مراكز الدراسات الاستراتيجية.

 

رابعاً: المسارات المستقبلية للعلاقات الصينية-الإيرانية

إن استشراف مستقبل العلاقات الصينية-الإيرانية لا يمكن أن يبنى على نتائج الحرب وحدها، لأن هذه العلاقة تتداخل فيها متغيرات بنيوية تتجاوز الحدث العسكري ذاته، وفي مقدمتها طبيعة المنافسة الأمريكية-الصينية، ومستقبل النظام الإقليمي في “الشرق الأوسط”، ومسار البرنامج النووي الإيراني، وتحولات سوق الطاقة العالمي. لذلك فإن مستقبل العلاقة سيتحدد وفق تفاعل هذه المتغيرات، وليس وفق رغبة أي من الطرفين منفرداً.

 

  1. سيناريو الشراكة البراغماتية المستقرة (السيناريو الأكثر ترجيحاً)

يقوم هذا السيناريو على استمرار النموذج الحالي للعلاقات، مع تطويره اقتصادياً وتكنولوجياً دون أن يتحول إلى تحالف أمني. وستواصل الصين تعزيز استثماراتها في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاقتصاد الرقمي، مع الحفاظ على خطاب سياسي داعم لإيران في القضايا التي تمس سيادتها، لكنها ستتجنب أي التزام دفاعي مباشر وفي المقابل، ستستمر إيران في النظر إلى الصين باعتبارها شريكاً استراتيجياً مهماً، دون أن تمنحها دوراً في صياغة قرارها الأمني أو العسكري. فطهران تدرك أن الحفاظ على استقلالية القرار يمثل أحد أهم عناصر الردع السياسي، وأن التحالفات الملزمة قد تفرض عليها قيوداً تتعارض مع فلسفة سياستها الخارجية.ويستند هذا السيناريو إلى حقيقة أن الطرفين يحققان بالفعل معظم مصالحهما من خلال النموذج القائم، الأمر الذي يقلل دوافع الانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر كلفة سياسياً وأمنياً.

 

  1. سيناريو الشراكة الاقتصادية المعمقة

يفترض هذا السيناريو نجاح الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وتقدم المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي، وتخفيف العقوبات الدولية بصورة تدريجية. وفي هذه الحالة ستتحول إيران إلى إحدى أهم ساحات الاستثمار الصيني في غرب آسيا، وستزداد أهمية الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الطاقة ضمن مشروع الحزام والطريق.

وسيؤدي هذا المسار إلى انتقال العلاقة من مرحلة “إدارة العقوبات” إلى مرحلة “إدارة الفرص الاقتصادية”، وهو تحول نوعي في وظيفة الشراكة. فبدلاً من أن تقتصر العلاقة على الالتفاف على الضغوط الغربية، ستصبح قائمة على استثمار بيئة أكثر استقراراً تسمح للصين بتوسيع حضورها الاقتصادي بصورة قانونية ومؤسسية. غير أن تحقق هذا السيناريو يبقى مرهوناً بقدرة إيران على إعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، وباستمرار البيئة الإقليمية في اتجاه التهدئة.

 

  1. سيناريو إعادة التموضع الاستراتيجي

يقوم هذا السيناريو على احتمال تعرض البيئة الإقليمية لتحولات عميقة، سواء من خلال عودة التصعيد العسكري، أو حدوث تغيرات داخلية في إيران، أو إعادة تشكيل الترتيبات الأمنية في “الشرق الأوسط”. وفي مثل هذه الحالة قد تعيد الصين توزيع أولوياتها الإقليمية، مع إعطاء وزن أكبر للدول الأكثر استقراراً والأكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي.

لكن حتى في هذا السيناريو، من غير المرجح أن تتخلى الصين عن إيران بصورة كاملة، لأن الأخيرة تحتفظ بأهمية جيوسياسية يصعب استبدالها، سواء بحكم موقعها الجغرافي أو مواردها الطاقوية أو دورها في ممرات النقل البرية. وبالتالي فإن إعادة التموضع، إن حدثت، ستكون في مستوى حجم الاستثمار والانخراط، لا في مستوى إنهاء الشراكة. اذ تشير معطيات ما بعد الحرب إلى أن العلاقات الصينية-الإيرانية دخلت مرحلة إعادة تعريف أكثر من دخولها مرحلة إعادة بناء. فالحرب لم تؤدِّ إلى انهيار الشراكة، كما لم تدفعها نحو التحالف، وإنما أكدت أن النموذج الذي اعتمده الطرفان منذ سنوات كان قائماً أساساً على إدارة المصالح لا على تبادل الالتزامات الأمنية.

وتكشف الأحداث أن الخطأ التحليلي الذي وقع فيه كثير من المراقبين تمثل في قياس العلاقات الصينية-الإيرانية بمعايير التحالفات الغربية، بينما تقوم الفلسفة الصينية في السياسة الخارجية على مفهوم مختلف، يجعل من النفوذ الاقتصادي بديلاً عن الالتزام العسكري، ومن الاعتماد المتبادل أداة لإدارة العلاقات بدلاً من منظومات الردع التقليدية. وفي الوقت نفسه، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تُظهر خلال الأزمة رغبة في استدعاء نموذج الحماية الخارجية، بل حافظت على ثوابتها المرتبطة باستقلال القرار الوطني. وهذا يعني أن حدود الشراكة ليست تعبيراً عن ضعفها، بل عن توافق ضمني بين الطرفين على أن أفضل صيغة للعلاقة هي تلك التي تمنح كلاً منهما أعلى قدر من حرية الحركة الاستراتيجية. وعليه، فإن مستقبل العلاقات الصينية-الإيرانية لن يتحدد بمدى استعداد الصين للدفاع عن إيران، ولا بمدى حاجة الاخيرة إلى الصين، بل بقدرة الطرفين على الحفاظ على التوازن بين الشراكة والاستقلال. فكلما تمكنت بكين من توسيع حضورها الاقتصادي دون الانجرار إلى التزامات أمنية، وتمكنت طهران من الاستفادة من هذا الحضور دون المساس باستقلالية قرارها، ازدادت فرص استدامة العلاقة. بمعنى ان الحرب الأخيرة لم تُسقط الرهان الإيراني على الصين، كما لم تثبت وجود تحالف صيني-إيراني. بل كشفت أن العلاقة بينهما تنتمي إلى نمط جديد من العلاقات الدولية، يمكن وصفه بـ “الشراكة الاستراتيجية المقيدة”؛ وهي شراكة تقوم على تقاطع المصالح الكبرى، لكنها تتوقف عند حدود يفرضها إدراك الطرفين بأن تعظيم النفوذ لا يقتضي بالضرورة تعظيم الالتزامات.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى