الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
استقرار أميركي صيني وهمي.. كيف ستدفع واشنطن ثمن الجمود مع بكين؟

بقلم: جوناثان أ. تشين
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
أصبحت حالة من الهدوء غير المستقر السمة المهيمنة على العلاقات بين الولايات المتحدة والصين خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعلى الرغم من أن الطرفين يصفان هذا الوضع بأنه “استقرار استراتيجي بنّاء” فإن طبيعة العلاقة بينهما تبدو هشة وسطحية إلى درجة تفتقر فيها إلى أي طموح مشترك أو رؤية إيجابية واضحة ما يجعل من الأدق توصيف المرحلة الحالية بأنها حالة من الجمود القائم على “الردع المتبادل عبر الإرباك”، وفي ظل هذا الوضع يبقى السؤال المركزي لكلا الطرفين هو:
أيّهما ينجح في استثمار هذه الفترة الانتقالية بصورة أفضل؟
من جانبها تنظر بكين إلى حالة الجمود بوصفها مكسباً استراتيجياً إذ تراها دليلاً على نجاحها في ترسيخ موقعها كقوة موازية لواشنطن فضلاً عن كونها إقراراً بفعالية السياسات التي تبنتها بعد الولاية الأولى لترامب، والتي هدفت إلى تمكينها من الجمع بين الضغط والمناورة في مواجهة الولايات المتحدة، ومنذ لقاء ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية في تشرين الثاني الماضي ركّزت الاستراتيجية الصينية على شراء الوقت وتوسيع هامش الحركة وتخفيف الضغوط الأمريكية بأقل تكلفة ممكنة، بهدف تعزيز موقعها استعداداً لجولة تنافس جديدة. وعندما التقى الرجلان مجدداً في بكين في أيار عكست الطقوس البروتوكولية والاحتفاء الذي أعده شي لترامب إلى جانب بعض الاتفاقات التجارية المحدودة ثمناً منخفضاً نسبياً مقابل منح بكين مساحة مناورة أوسع، ومن المفارقات أن موقع الصين باعتبارها ثاني أكبر قوة عالمية يمنحها القدرة على تحقيق مكاسب تدريجية دون تحمل الأعباء المالية والسياسية التي أنهكت الولايات المتحدة وقلّصت قدرتها على تبني سياسات خارجية واسعة النطاق. في المقابل لا تزال إدارة ترامب تؤكد أنها الطرف الأكثر قدرة على الاستفادة من هذا الجمود وتحقيق التفوق في المنافسة الاستراتيجية، ورغم اختلاف ترامب عن أسلافه فإنه يشبه إلى حد كبير رؤساء الولايات المتحدة في ولاياتهم الثانية الذين يميلون إلى التركيز على السياسة الخارجية أكثر من الشؤون الداخلية، ومع تقدمه في السن يبدو ترامب منشغلاً بإرثه التاريخي وموقعه في سياق التاريخ العالمي إلا أن سياساته تجاه الصين تبدو في بعض جوانبها عودة إلى مقاربات التسعينيات وبداية الألفية، حيث كان التركيز على الانخراط الاقتصادي أكثر من اعتبارات الأمن الاستراتيجي.
وفي هذا الإطار أعادت الإدارة الحالية وضع التجارة في صدارة الأولويات مقابل تراجع الاعتبارات الأمنية كما أبدت قدراً أكبر من القلق تجاه دور تايوان في زعزعة توازنات مضيق تايوان مقارنة بتركيزها على السلوك الصيني نفسه، وفي الوقت ذاته استنزفت الإدارة جزءاً كبيراً من طاقتها السياسية خلال هذا العام في إدارة صراع جديد في “الشرق الأوسط”، بما يعيد إنتاج أنماط الانشغال الأمريكية التقليدية خلال العقود الماضية ولكن دون وجود مبررات صادمة على غرار أحداث 11 ايلول أو صعود تنظيم الدولة الإسلامية (د1عش) لاحقاً.
وفي ظل هذا “الجمود الاستراتيجي” المعلن يرى الكاتب أن الولايات المتحدة لا تعزز قوتها الصلبة، بل تستنزفها تدريجياً سواء من حيث القدرات العسكرية أو الاستدامة المالية، مع دفع الميزانية الفيدرالية نحو مسار أكثر اختلالاً بدلاً من تعزيز موقعها في المنافسة طويلة الأمد مع الصين.
العائق المألوف
لا يتمثل ما يثير القلق في مقاربة إدارة ترامب تجاه الصين في كونها غير مسبوقة بل في تشابهها مع الأخطاء التي وقعت فيها الإدارات السابقة، فاستمرار الانشغال الأمريكي بـ”الشرق الأوسط” يمثل عامل تشتيت بنيوي عن التنافس الأكثر أهمية مع الصين، وهي حقيقة أقرت بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ أن طرحت إدارة باراك أوباما عام 2011 استراتيجية “التحول نحو آسيا” والتي بقيت جزئياً غير مكتملة التنفيذ. وقد وضع ترامب في ولايته الأولى الصين في صلب استراتيجية الأمن القومي، كما أقرت إدارته الثانية- نظرياً- بمخاطر الانخراط العسكري المتجدد في “الشرق الأوسط” ضمن استراتيجية الأمن القومي الصادرة في كانون الأول 2025، ومع ذلك وجدت الإدارات المتعاقبة نفسها عملياً تعود إلى الإقليم بصورة متكررة.
فقد أدّى الانخراط الأمريكي في عهد أوباما إلى إطالة الحرب في أفغانستان وإلى التدخل في العراق بهدف احتواء صعود تنظيم د1عش، كما وسّعت إدارة جو بايدن نطاق التزامها بـ”الشرق الأوسط” عقب هجوم حماس في 7 تشرين الأول، أما إدارة ترامب فلم تمضِ سوى 12 أسبوعاً على إصدارها استراتيجية الأمن القومي حتى باشرت حرب الخليج الثالثة، بما يعكس نمطاً متكرراً من الانزلاق نحو الإقليم. ويرى بعض أنصار الإدارة أن تركيز ترامب على إيران وفنزويلا يهدف إلى استنزاف حلفاء الصين وتطويق نفوذها، غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أن اعتماد إيران وفنزويلا على الصين يفوق بكثير اعتماد الصين عليهما، ما يجعل المكاسب الأمريكية – في أفضل الأحوال – هامشية، وتقتصر على إزعاج بكين دون إضعاف موقعها البنيوي. وبحلول قمة ترامب – شي جين بينغ في أيار أصبح واضحاً أن “الشرق الأوسط” لم يعد مركز الثقل في التنافس بين القوى الكبرى، ورغم أن الحرب في إيران أظهرت الأهمية الاقتصادية للمنطقة بوصفها عقدة في سلاسل الإمداد العالمية فإن القوى القادرة فعلياً على امتصاص صدمات الطاقة – الولايات المتحدة والصين وروسيا – هي نفسها الأطراف الأكثر قدرة على التكيف مع تداعياتها، ويشكّل ذلك تحولاً لافتاً مقارنة بالحرب الباردة حين اعتمد هنري كيسنجر “دبلوماسية المكوكية” لتفادي أزمات نفطية أو مواجهة مباشرة مع الاتحاد السوفيتي، وكذلك مقارنة بعقد سابق حين اضطرت واشنطن وموسكو إلى تنسيق عملياتهما في سوريا. أما اليوم فلم يعد “الشرق الأوسط” يشكل ساحة احتكاك مباشر بين القوى الكبرى بالدرجة التي كان عليها سابقاً.
وتدرك بكين هذا التحول ولذلك تختار تقليص انخراطها في الإقليم، مكتفية بمراقبة استمرار استنزاف الولايات المتحدة لمواردها العسكرية والمالية والسياسية في “الشرق الأوسط”، في الوقت الذي تُؤجَّل فيه مواجهة الصين إلى مرتبة أدنى من إدارة الأزمات، ونتيجة لذلك تسعى واشنطن إلى الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار مع بكين يسمح لها بالتركيز على إدارة الأزمات الآنية، بدلاً من تطوير استراتيجية تنافسية طويلة الأمد.
عودة إلى المستقبل
بوجه عام يبدو أن ترامب يتجه إلى إعادة سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين إلى “المستقبل القديم”، ومن أبرز مخرجات قمة بكين الاتفاق على إنشاء “مجلس للتجارة” و”مجلس للاستثمار” وهي مؤسسات تحمل طابعاً يُعيد إلى الأذهان مرحلة الانخراط الاقتصادي والحوار التجاري التي كانت سائدة قبل أن يضعها ترامب نفسه جانباً في ولايته الأولى، كما أن ورقة الحقائق الصادرة عن البيت الأبيض بشأن القمة ركّزت بصورة شبه حصرية على الملفات التجارية والاتفاقات الاقتصادية، في مقابل تجاهل واضح لقضايا الأمن المعقدة التي تهيمن على العلاقة بين البلدين.
والإشارة الوحيدة تقريباً إلى هذه القضايا تمثلت في القبول بمفهوم “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء” الذي طرحته بكين وهو ما يعكس ميلاً نحو تغليب الاعتبارات التجارية على حساب منطق التنافس، بل ويُلمّح ضمنياً إلى أولوية تحقيق الاستقرار مع الصين على حساب مصالح الحلفاء والشركاء في المنطقة ولا سيما اليابان وتايوان الذين يواجهون تنامي النفوذ الصيني، حتى المشهد البصري للقمة – بما في ذلك حضور عدد من كبار الرؤساء التنفيذيين الأمريكيين – جاء وكأنه استعادة لمرحلة سابقة من التوافق الاقتصادي في عهد بيل كلينتون أو جورج بوش الابن، وبدلاً من تبني مقاربة “السلام عبر القوة” تبدو الإدارة وكأنها تسعى إلى “شراء الاستقرار عبر التنازل”.
ولا يقتصر هذا النهج على البعد البراغماتي أو الهوس الرئاسي بصناعة الصفقات بل يعكس أيضاً نسخة مشوهة من النزعة التجارية (المركنتيلية) التي كانت في السابق الوجه الآخر لليبرالية الاقتصادية التي رافقت صعود الصين إلى منظمة التجارة العالمية، فكلا التصورين يضع التجارة في مركز الثقل في العلاقات الدولية لكن نسخة ترامب تحوّلها إلى أداة قوة صلبة خالية من الإطار القيمي الذي رافق الليبرالية الاقتصادية، مثل القواعد والمعايير ومفاهيم الرخاء المشترك. وبالمثل يبدو أن إدارة ترامب لا تزال منسجمة مع (النزعة التقنية التفاؤلية (التي ميزت تسعينيات القرن الماضي، وكما كان الحال آنذاك تُترك لشركات التكنولوجيا مساحة واسعة لتطوير قدراتها دون قيود كبيرة رغم التحذيرات المتكررة من مخاطر هذا المسار، وفي السياق ذاته بدأت السياسة الأمريكية تميل تدريجياً من منطق “ضبط الصادرات” إلى “تشجيع الصادرات” في ما يتعلق بالتقنيات المتقدمة الحساسة ولا سيما أشباه الموصلات.
ولا تتوقف حالة “العودة إلى الماضي” عند هذا الحد، ففي ملف تايوان يبدو أن شي جين بينغ نجح في دفع ترامب نحو التركيز على “ردع تايوان” أكثر من التركيز على ردع الصين في تكرار غير مباشر لنهج عام 2003 حين حذّر الرئيس جورج بوش الابن القيادة التايوانية من تغيير الوضع القائم في مضيق تايوان، غير أن هذا النهج لا يتناسب مع البيئة الاستراتيجية الراهنة حيث تتسم سلوكيات الصين بقدر متزايد من الحزم، وتحتاج تايوان إلى دعم واضح لقدراتها الدفاعية. ويشير مؤيدو ترامب إلى صفقة الأسلحة التاريخية التي بلغت قيمتها 10 مليارات دولار والتي أُقرت في كانون الأول 2025 بوصفها دليلاً على استمرار الالتزام الأمريكي بدعم الدفاع التايواني، غير أن هذا الأثر الردعي تآكل جزئياً بسبب تصريحات ترامب لوسائل الإعلام والتي وصف فيها تايوان بأنها “ورقة تفاوضية” في التعامل مع بكين إلى جانب تلميحاته العلنية حول صعوبة التزام الولايات المتحدة بالدفاع عنها نظراً لبعدها الجغرافي وكلفة التدخل العسكري، ونتيجة لذلك يبدو أن السياسة الأمريكية تتأرجح بين الردع والتفاوض بينما تعيد بكين تفعيل أدواتها التقليدية القائمة على تعليق التفاعل مع واشنطن لاستخدام ذلك كورقة ضغط في ملف التسلح التايواني. وفي موازاة ذلك أسقطت استراتيجية الدفاع الوطني للإدارة الإشارة إلى الصين باعتبارها “التهديد المعياري” وهو ما يمثل تحولاً عن استراتيجيات الدفاع في إدارتي ترامب الأولى وبايدن، وقد رد وزير الدفاع بيت هيغسيث في خطاب له خلال “حوار شانغري-لا” في سنغافورة بالتأكيد على ضرورة التركيز على أفعال الإدارة لا على تصريحاتها، إلا أن مجمل السلوك الفعلي للإدارة يوحي باتجاه أكثر مرونة تجاه بكين، ما يجعل الصمت الاستراتيجي في حد ذاته مؤشراً على النهج السياسي المتبع.
ومهما يكن تفسير هذا الصمت فإن وزارة الدفاع الأمريكية جهاز بيروقراطي ضخم يتطلب توجيهات سياسية واضحة ومتسقة للحفاظ على تركيزه الاستراتيجي، وحتى بعد أن حددت الإدارة الأولى لترامب الصين كأولوية دفاعية واجهت المؤسسة العسكرية صعوبة في إعادة توجيه نفسها بعيداً عن حروب “الشرق الأوسط”، وبحلول عام 2024 خلصت لجنة تقييم استراتيجية الدفاع الأمريكية إلى أن الصين باتت في نواحٍ عديدة تتفوق على الولايات المتحدة وأنها نجحت إلى حد كبير في تقليص الميزة العسكرية الأمريكية في غرب المحيط الهادئ، محذرة من أن ميزان القوى دون تغييرات جوهرية سيستمر في الميل لصالح بكين. وفي ظل الإنفاق المتزايد المرتبط بالحرب في إيران، يتراجع بدوره الوزن الفعلي للأداة العسكرية الأمريكية، بما يفاقم التحديات أمام قدرتها على المنافسة طويلة الأمد مع الصين.
الانضباط الاستراتيجي وميزة التركيز
تستفيد الصين في موقعها بوصفها “القوة الثانية” عالمياً من مجموعة من المزايا البنيوية التي يعززها هذا التموضع، وفي مقدمة هذه المزايا أن هذا الموقع يفرض قدراً من الانضباط على أولوياتها في مجال الأمن القومي، فبينما تتحمل الولايات المتحدة أعباء التزامات عالمية واسعة وتجد نفسها منخرطة باستمرار في أزمات متفرقة حول العالم، تتمتع الصين بهامش أكبر من التركيز الاستراتيجي ينصب أساساً على إدارة المنافسة مع واشنطن. حتى التحديات المحيطة بالصين – مثل ملف تايوان والتنافس مع اليابان وتعقيدات بحر الصين الجنوبي – لا تتخذ طابعاً منفصلاً، بل تندرج ضمن مسرح جيوسياسي واحد هو منطقة المحيطين الهندي والهادئ بما يجعلها امتداداً مباشراً للتنافس مع الولايات المتحدة، هذا التمركز الجغرافي يمنح بكين إطاراً تنظيمياً واضحاً لسياستها الأمنية ويتيح لها تصميم استراتيجيات تدريجية تستهدف تقليص مزايا الخصم بصورة منهجية.
ويتجلى هذا المنطق بوضوح في المجال العسكري حيث لا تحتاج الصين إلى التحضير لعدد كبير من السيناريوهات العالمية ولا إلى توزيع قدراتها على مسارح عمليات متعددة في الوقت نفسه، بل تتركز عقيدتها العسكرية منذ سنوات على هدف رئيسي يتمثل في الاستعداد لسيناريو السيطرة على تايوان مع افتراض مواجهة محتملة مع الجيش الأمريكي بوصفه القوة العسكرية الأبرز عالمياً، وقد حققت بكين تقدماً ملموساً في هذا المجال إلى حد أن المجال الوحيد الذي لا تزال فيه الولايات المتحدة تحتفظ بأفضلية واضحة يتمثل في قدرات الحرب تحت سطح البحر. وفي هذا السياق لا يُنظر إلى التغييرات داخل المؤسسة العسكرية الصينية – بما في ذلك عمليات الإحلال والتطهير التي طالت أجيالاً من القيادات – بوصفها مؤشراً على الارتباك، بل كدليل على جدية القيادة السياسية في إعادة تشكيل الجيش بما يتناسب مع متطلبات مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة.

إلى جانب ذلك تستفيد الصين من ما يمكن وصفه بـميزة التوقعات المنخفضة في السياسة الدولية، فعلى عكس الولايات المتحدة التي لا تزال دول عديدة في أوروبا وآسيا و”الشرق الأوسط” تتوقع منها دوراً أمنياً مباشراً لا تُواجه بكين ضغوطاً مماثلة لتقديم قيادة عالمية في إدارة الأزمات، سواء تعلق الأمر بكوريا الشمالية أو الحرب في أوكرانيا أو النزاعات في “الشرق الأوسط” فإن الصين نادراً ما تضطلع بدور قيادي فعّال كما أنها لا تتحمل كلفة سياسية أو مادية كبيرة نتيجة هذا التموقع الحذر، ومع ذلك فإن هذا النهج بات يبدو متناقضاً مع اتساع قوتها الصلبة لكنه يعكس في جوهره حسابات دقيقة لإدارة النفوذ بوصفها القوة الثانية في النظام الدولي.
وفي الوقت نفسه لا تزال الصين مرتبطة عضوياً بالاقتصاد العالمي لكنها منذ الحرب التجارية الأولى مع إدارة ترامب تبنت استراتيجية “الدورة المزدوجة” التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وفي المقابل زيادة اعتماد العالم على الصين، كما طورت أدوات في مجال القوة الاقتصادية شبيهة بتلك التي تستخدمها الولايات المتحدة وإن لم تتضح فعاليتها بشكل كامل إلا مؤخراً، عندما استخدمت بكين اعتماد واشنطن على المعادن النادرة كورقة ضغط استراتيجية في سياق التوترات التجارية.
ومن منظور صيني أظهرت هذه الأدوات فعالية تفوق التوقعات وأسهمت في ترسيخ حالة من التوازن القائم مع الولايات المتحدة بما يضمن استمرار الجمود الاستراتيجي حتى نهاية العام وربما حتى نهاية ولاية ترامب، وتعكس الخطة الخمسية الأخيرة التي ستقود مسار التنمية حتى نهاية العقد مستوى متزايداً من الثقة لدى القيادة الصينية، فقد دعت الخطة إلى تعزيز الجرأة في مواجهة التحديات واستثمار الفرص لإعادة تشكيل البيئة الدولية بما يخدم المصالح الصينية، كما لافت فيها إعادة ترتيب الأولويات إذ جرى خفض أولوية تعزيز الاكتفاء الذاتي من المرتبة الأولى إلى الثانية في إشارة رمزية إلى تنامي ثقة بكين بقدرتها على إدارة التوازنات الدولية.
مفارقة القوة الصينية
على الرغم من هذه النجاحات يشير العديد من المحللين بحق إلى أن التحديات الاقتصادية التي تواجهها الصين تمثل عبئاً على طموحاتها الدولية، غير أن المفارقة تكمن في أن بعض الاختلالات البنيوية داخل الاقتصاد الصيني تعزّز في الوقت ذاته من حضوره الجيوسياسي العالمي. فعلى سبيل المثال تؤدي ظاهرة “الانكماش التنافسي الداخلي” أو ما يُعرف بـ(الانغماس التنافسي) – حيث يؤدي احتدام المنافسة المحلية إلى تقليص أرباح الشركات رغم توسعها – إلى ضغوط انكماشية داخلية تقلّص من موارد الشركات المخصصة للتطوير، لكن هذه المنافسة ذاتها وما ينتج عنها من انخفاض في الأسعار تدفع المنتجات الصينية إلى التوسع بقوة في الأسواق الدولية، ما يمكّن الشركات الصينية من تحقيق مكاسب كبيرة في الحصص السوقية خصوصاً في قطاعات استراتيجية مثل صناعة السيارات. إضافة إلى ذلك فإن جزءاً من هذه التحديات الاقتصادية لا يعكس فشلاً بقدر ما يعكس كلفة خيار استراتيجي اتخذه الرئيس شي جين بينغ، فالتباطؤ الحالي في النمو الاقتصادي يرتبط بتفضيل الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والبنية الصناعية على حساب تحفيز الاستهلاك المحلي، أي الامتناع عن سياسات تحفيز واسعة كان من شأنها دعم الطلب الداخلي، الرهان هنا يقوم على أن هذه الاستثمارات ستُنتج محركات نمو جديدة على المدى الطويل.
ورغم أن هذا النهج القائم على (السياسات الموجهة من جانب العرض) يتسم بعدم الكفاءة من منظور اقتصادي تقليدي، ويحوّل الموارد بعيداً عن المستهلكين المتضررين أصلاً من أزمة قطاع العقارات، فإن القيادة الصينية تبدو مستعدة لتحمل هذا الثمن الاجتماعي، مع تحقيق مكاسب واضحة في القوة التصنيعية والقدرة الصناعية.
ونتيجة لذلك تتسع الاختلالات التجارية بين الصين وبقية العالم بوتيرة متسارعة متجاوزة تريليون دولار لأول مرة في العام الماضي، وقد دفع هذا التطور العديد من المحللين إلى توقع ردود فعل حمائية من الدول الأخرى، ورغم أن دولاً مثل المكسيك وتركيا بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات تقييدية فإن بكين لم تواجه حتى الآن ردوداً جماعية منسقة، أما أوروبا فتبدو أكثر ميلاً نحو تبني إجراءات مضادة لما يُعرف بـصدمة الصين 2.0 غير أن الصين التي خرجت منتصرة نسبياً في حربها التجارية مع واشنطن، تؤكد استعدادها لاستخدام أدواتها الاقتصادية للرد على أي إجراءات أوروبية محتملة.
وفي سياق موازٍ لا تضع الصين كامل رهاناتها على الذكاء الاصطناعي وحده بل تعتمد نهجاً استثمارياً متنوعاً يشمل مجالات أخرى واعدة مثل الروبوتات والتكنولوجيا الحيوية وأنظمة الطاقة الخضراء، وعلى عكس الذكاء الاصطناعي الذي لا تزال وعوده المستقبلية غير مكتملة فإن هذه القطاعات تحقق بالفعل تطبيقات عملية ملموسة اليوم وتُسهم في صعود شركات صينية كبرى مثل BYD إلى مصاف اللاعبين العالميين المؤثرين، وبذلك تبدو الصين وكأنها تجني بالفعل ثمار الجيل الجديد من التقنيات الناشئة.
انقطاع القوة الأمريكية
يرى بعض المعلقين من بينهم أ. ويس ميتشيل مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون أوروبا وأوراسيا، أن إدارة ترامب تعمل على إعادة تجميع القوة الأمريكية استعداداً لمنافسة طويلة الأمد مع الصين، إلا أن الأدلة على ذلك داخلياً تبدو محدودة باستثناء الجهود المعلنة لتقليل الاعتماد على الصين في مجال العناصر الأرضية النادرة.
حتى قبل اندلاع الحرب في إيران كانت القدرات العسكرية الأمريكية تعاني من نقص في الذخائر اللازمة لأي سيناريو مواجهة مع الصين ويُتوقع الآن أن يستغرق استعادة المخزونات إلى مستويات ما قبل الحرب سنوات عدة، كما أن الاعتبارات المالية تفرض بدورها قيوداً متزايدة إذ إن قانون الضرائب والإنفاق الضخم الذي أُقر في الصيف الماضي وما ترتب عليه من تفاقم العجز، قلّص من الهامش المالي المتاح للإدارات المقبلة للاستثمار في المنافسة مع الصين في وقت يتجاوز فيه الدين العام الأمريكي حجم الناتج المحلي الإجمالي بالكامل.
وتؤكد الإدارة أن سياساتها التجارية أدت إلى تراجع واردات الولايات المتحدة من الصين، غير أن هذا التراجع لا يترجم بالضرورة إلى تعزيز في القوة الاستراتيجية الأمريكية خاصة في ظل استمرار الفائض التجاري الصيني الكبير، واحتفاظ بكين بسيطرة مؤثرة على سلاسل توريد حيوية مثل المعادن النادرة والمواد الدوائية.
وبدل أن تؤدي هذه السياسات إلى تعزيز القوة الأمريكية تبدو الإدارة وكأنها تكتشف حدود هذه القوة عملياً، ويمكن ملاحظة تشابه واضح بين الحرب التجارية مع الصين في السنة الأولى من الولاية الحالية والحرب مع إيران في السنة الثانية، إذ في الحالتين تم التقليل من قدرة الخصم على الصمود والرد ثم التصعيد السريع قبل اكتشاف أن الطرف الآخر يسيطر على نقاط ضغط حيوية ما انتهى في النهاية إلى البحث عن تسوية دبلوماسية.
وفي المقابل تواصل الصين التقدم وفق خطتها الخمسية بما قد يمكّنها من تجاوز الولايات المتحدة وحلفائها في عدد متزايد من مجالات التكنولوجيا المتقدمة والصناعات المتطورة، وحتى في حال عدم تحقيق هذه الخطط لكامل أهدافها واستمرار التحديات الاقتصادية الداخلية فإن الصين ستبقى منافساً استراتيجياً طويل الأمد وراسخاً للولايات المتحدة، بما يفرض على أي إدارة أمريكية مستقبلية التعامل معه في ظل موازين قوة أقل ملاءمة من السابق.




