الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

إشكالية القيادة أم بنية النظام؟

بقلم: الباحث عبد الكريم قيس الشمري

الجامعة العراقية/ كلية القانون والعلوم السياسية

 

تتجدد مع كل دورة انتخابية في العراق موجات الجدل السياسي والإعلامي حول شخص الرئيس سواء كان رئيس الجمهورية أم رئيس مجلس النواب أم رئيس مجلس الوزراء الذي يحظى بالنصيب الأكبر من هذا الجدل. غير أن هذا الطرح غالبا ما ينطلق من مقاربة تبسيطية تحمل الرئيس مسؤولية الإصلاح وانتشال الواقع وكذلك مسؤولية الإخفاق بعد انتهاء ولايته، متجاهلة السياق المؤسسي الذي يعمل ضمنه وحدود قدرته الفعلية داخل بنية النظام السياسي.

في المقابل يقتضي التحليل الواقعي بعيدا عن الضجيج الإعلامي الانطلاق من فرضية مفادها أن تراكم الأزمات وفشل السياسات العامة في إطار الدولة الريعية أسهما في إنتاج بيئة سياسية مأزومة تعيد باستمرار إنتاج الصراع حول شخص الرئيس، وتغذي في الوقت ذاته نزعة البحث عن المنقذ الفرد. وهذه النزعة لا تعكس فقط اختلالا في الأداء السياسي، بل تشير إلى خلل أعمق في بنية النظام السياسي ذاته.

لا شك أن للسلطتين التنفيذية والتشريعية دورا محوريا في رسم السياسات العامة وصياغتها وتنفيذها، إلا أن فهم طبيعة النظام السياسي العراقي يكشف أن جوهر الإشكالية يكمن في اعتماده نموذج الديمقراطية التوافقية بصيغتها المشوهة، حيث تحولت من آلية انتقالية مؤقتة إلى إطار دائم لإدارة الدولة. فمن الناحية النظرية يفترض أن تمثل التوافقية مرحلة انتقالية تهدف إلى بناء الثقة بين المكونات المجتمعية وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة وتقليص الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي تمهيدا للانتقال نحو ديمقراطية تمثيلية مستقرة.

لكن على المستوى العملي فإن تجسيد هذا النموذج يقع على عاتق الزعامات السياسية التي تمثل المكونات المختلفة. وهنا تتجلى إشكالية أخرى تتمثل في أن فاعلية النظام السياسي تصبح رهينة بمدى كفاءة هذه الزعامات ومستوى وطنيتها. فكلما ارتفعت درجة الأهلية السياسية والرؤية الوطنية انعكس ذلك إيجابا على أداء النظام، والعكس صحيح.

وعلى الرغم من وجود مؤسسات دستورية وآليات ديمقراطية شكلية، إلا أن الواقع السياسي يكشف عن تفوق قوة الزعامات على قوة المؤسسات، بحيث باتت القرارات السياسية والتشريعية مرهونة بتوافقات تلك القيادات بغض النظر عن الأوزان البرلمانية أو التمثيل الشعبي. وهذا ما يؤدي إلى إفراغ العملية التمثيلية من مضمونها، إذ يتحول النائب من ممثل لإرادة ناخبيه إلى منفذ لتوجيهات الكتلة أو الزعامة، كما يصبح الرئيس بمختلف مستوياته مقيدا بشبكة من التوافقات والفيتو السياسي.

 

في ضوء ذلك يبرز التساؤل الجوهري كيف يمكن إصلاح نظام سياسي تقيد فيه إرادة الفاعلين الرسميين نوابا ورؤساء بإرادات غير رسمية متمثلة بالزعامات؟

 

يمكن مقاربة الإجابة من خلال إعادة توجيه بوصلة الإصلاح نحو مصدر القوة الفعلي لهذه الزعامات والمتمثل في القواعد الاجتماعية الحاضنة لها. إذ إن استمرار هيمنة الزعامات يرتبط بثقافة سياسية قائمة على الامتثال العاطفي والرمزية المقدسة، وهي ثقافة تعيق تشكل وعي سياسي نقدي. ومن هنا فإن التحول المطلوب يتمثل في الانتقال من الطاعة العاطفية إلى الطاعة العقلانية المشروطة، أي ربط الدعم الشعبي بمستوى الأداء والإنجاز.

إن ترسيخ ثقافة الوعي السياسي من شأنه أن يعيد تشكيل العلاقة بين القاعدة والقيادة ويدفع الزعامات إلى تبني سلوكيات أكثر عقلانية قائمة على التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة بدل الانخراط في سياسات فئوية ضيقة. وبهذا المعنى فإن إصلاح النظام السياسي في العراق لا يبدأ من تغيير الأشخاص بقدر ما يتطلب إعادة بناء قواعد الفعل السياسي ذاتها بما يفضي في النهاية إلى تعزيز دور المؤسسات وتكريس أسس الدولة الحديثة القادرة على تحقيق الاستقرار. نعم التحديات كبيرة لكن الإصلاح يبدأ بخطوة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى