الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
تحوّل الهجوم الروسي نحو استهداف البنية التحتية.. أين أصبح مركز الثقل في الحرب الأوكرانية؟

بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تشير تطورات الحرب بين روسيا وأوكرانيا في منتصف نيسان 2026 إلى تحوّل نوعي في بنية الصراع يفرض إعادة النظر في أحد أهم المفاهيم الكلاسيكية في الفكر العسكري لكلاوزفيتز وهو (مركز الثقل) فإذا كان التصور التقليدي لهذا المفهوم يرتبط عادة بالقوات المسلحة أو العاصمة السياسية أو القدرة العسكرية المباشرة فإن مسار العمليات الجارية يكشف عن انتقال تدريجي نحو مراكز ثقل غير تقليدية تتمثل في البنية التحتية الاقتصادية واللوجستية للدولة، هذا التحول لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد تعديل تكتيكي في أسلوب القتال بل بوصفه إعادة هندسة لطبيعة الحرب نفسها، اذ تتراجع أهمية الحسم العسكري المباشر لصالح منطق الاستنزاف البنيوي طويل الأمد. ضمن هذا السياق، تصبح الضربات على الموانئ، وشبكات النقل، والطاقة، جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى التأثير في قدرة الدولة على الاستمرار، وليس فقط على القتال. وفقاً لما سبق نقسم الورقة التحليلية على النحو الآتي:
من الهجوم الميداني إلى الاستنزاف البنيوي
نفّذت القوات الروسية سادس أكبر سلسلة من الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على مدار يوم 15 نيسان وليلة 16 نيسان، مستخدمةً أكثر من 700 مركبة هجومية وفقاً لهذه المعطيات الميدانية أن العمليات الروسية لم تعد تركز على تحقيق اختراقات جغرافية واسعة، بل على إدارة ضغط عسكري مستمر عبر جبهات متعددة ذات كثافة متفاوتة هذا النمط من العمليات يعكس انتقالاً واضحاً من منطق الهجوم الحاسم إلى منطق الضغط التراكمي.
في هذا السياق يصبح غياب التقدم السريع مؤشراً على إعادة تعريف أهداف الحرب نفسها فبدلاً من السعي إلى انهيار سريع في بنية الدولة الأوكرانية، يبدو أن الهدف أصبح مرتبطاً بتآكل تدريجي في قدرتها على الإنتاج، والتمويل، والاستمرار في تعبئة الموارد هذا التحول يضع الحرب ضمن إطار أوسع يمكن وصفه بـالاستنزاف البنيوي، اذ تصبح مدة الصراع الطويلة جزءاً من الاستراتيجية وليس نتيجة عرضية لها.
بمعنى اخر يفسر هذا الجمود الديناميكي استقرار الجبهات وتصاعد العمق فعلى الرغم من أن خطوط التماس بين روسيا وأوكرانيا تبدو مستقرة نسبياً إلا أن هذا الاستقرار يخفي وراءه نشاطاً عملياتياً متصاعداً في العمق الاستراتيجي هذا ما يمكن توصيفه بـ الجمود الديناميكي، اذ يتراجع احتمال الاختراقات الكبرى لكن بالمقابل تتكثف الضربات بعيدة المدى التي تستهدف البنية التحتية الحيوية في هذا السياق، لا يعني غياب التقدم الميداني الواسع فشل الحملة الروسية، بل يعكس إعادة توجيهها نحو نمط أكثر استدامة وأقل مخاطرة، يقوم على إضعاف القدرات الأوكرانية بشكل تدريجي بدلاً من السعي إلى انهيار سريع قد يكون مكلفاً وغير مضمون النتائج.

في هذا السياق يعد استهداف موانئ الدانوب إعادة تعريف مركز الثقل فيُعد استهداف ميناء إزمايل على نهر الدانوب مؤشراً بالغ الدلالة على هذا التحول فالميناء لا يمثل هدفاً تكتيكياً بحتاً انما يُجسد أحد أهم مراكز الثقل الاقتصادية لأوكرانيا، لاسيما بعد تعقيد الوصول إلى موانئ البحر الأسود إن ضرب هذه المنشآت لا يهدف فقط إلى تعطيل حركة الشحن بل يسعى إلى إحداث أثر تراكمي يتمثل في تقويض قدرة الدولة الأوكرانية على تمويل الحرب والاستمرار فيها هنا يظهر بوضوح أن مركز الثقل في الحرب لم يعد متمثلاً في القوات المسلحة وحدها بل في الشبكات اللوجستية والاقتصادية التي تدعم هذه القوات، وهو ما يعكس تحولاً عميقاً في فهم طبيعة الصراع المسلح في القرن الحادي والعشرين.
الهجوم الشبكي تفكيك النموذج الخطي للعمليات العسكرية
تشير المعطيات المستخلصة إلى أن العمليات الروسية لم تعد تتبع نمطاً خطياً يركز على محور واحد بل أصبحت موزعة عبر جبهات متعددة وبدرجات متفاوتة من الكثافة هذا التحول نحو ما يمكن تسميته بـالهجوم الشبكي يعكس قدرة على التكيف مع بيئة عملياتية معقدة اذ يتم توزيع الضغط العسكري بطريقة تمنع الخصم من تركيز دفاعاته في نقطة واحدة غير أن هذا النمط رغم ما يوفره من مرونة، يحمل في داخله تناقضاً بنيوياً إذ يحدّ من إمكانية تحقيق اختراق حاسم ويجعل الحرب أقرب إلى حالة استنزاف مستمر بدلاً من معركة فاصلة.
كما ان حرب المسيّرات تعد نموذجًا لإعادة تشكيل معادلة الكلفة والفعالية وهي أحد أبرز ملامح هذه المرحلة تتمثل في الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة التي لم تعد مجرد أداة تكتيكية بل تحولت إلى عنصر مركزي في الاستراتيجية العسكرية إن الاعتماد المتزايد على هذه الوسائط يعكس تحوّلاً في معادلة الكلفة والفعالية، اذ أصبح بالإمكان تنفيذ هجمات ذات تأثير ملموس بكلفة منخفضة نسبياً في مقابل ارتفاع كلفة أنظمة الدفاع الجوي اللازمة للتصدي لها هذا الاختلال يخلق بيئة مواتية للاستنزاف إذ يمكن للطرف المهاجم أن يفرض ضغطاً مستمراً بتكلفة أقل ما يعزز منطق الحرب الطويلة ويُضعف فرص الحسم السريع.
في مقابل التصعيد الروسي المتواصل خلال هذه المرحلة، لم تتخذ أوكرانيا نمط ردّ مباشر ومتماثل بل اعتمدت مقاربة مركّبة يمكن توصيفها ضمن إطار الاستجابة غير المتماثلة التكيفية اذ تتداخل فيها ثلاث مستويات رئيسة من الفعل الاستراتيجي: يتمثل المستوى الأول في البنية الدفاعية متعددة الطبقات والتي ترتكز على أنظمة الدفاع الجوي واعتراض الهجمات الصاروخية والمسيّرات بما يسمح بتقليل الأثر التراكمي للضربات الروسية دون القدرة على منعها بشكل كامل وهنا لا يُقاس النجاح بوقف الهجوم، بل بخفض فعاليته الاستراتيجية ومنع تحوله إلى انهيار في البنية التحتية أو القدرة العسكرية.
أما المستوى الثاني فيتمثل في نقل جزء من الصراع إلى العمق الروسي عبر ضربات غير متماثلة تستهدف منشآت لوجستية وصناعية وعسكرية داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك منشآت الطاقة والمستودعات والموانئ ذات الصلة بسلاسل الإمداد العسكري هذا النمط يعكس تحوّلاً في منطق الرد الأوكراني من الدفاع السلبي إلى إعادة توزيع كلفة الحرب بحيث لا تبقى الأعباء محصورة في الجبهة الأوكرانية، بل تمتد إلى العمق الاستراتيجي للخصم بما يخلق تأثيراً تراكمياً على قدرته على الاستمرار في العمليات طويلة الأمد.
أما المستوى الثالث فيتعلق بإدارة الجبهة الأمامية عبر هجمات مضادة محدودة وعمليات إرباك تكتيكي تهدف إلى منع تثبيت المكاسب الروسية وإجبارها على إعادة توزيع قواتها بين محاور متعددة، وهو ما يحدّ من قدرة روسيا على تحقيق اختراق حاسم رغم استمرار الضغط العملياتي. وبالتوازي مع ذلك، تعمل أوكرانيا على تعزيز صمودها السيبراني والمؤسسي لضمان استمرار وظائف الدولة الحيوية في ظل الحرب بما في ذلك الاتصالات والخدمات اللوجستية والإدارة المدنية وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة الحرب بوصفها صراع استنزاف بنيوي وليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية.
وبذلك يمكن فهم الرد الأوكراني بوصفه منظومة متكاملة تقوم على الدفاع لتجنب الانهيار والهجوم غير المتماثل لنقل الكلفة إلى العمق الروسي وإدارة الجبهة لمنع الحسم وهو ما يكرّس في المحصلة نمط حرب طويل الأمد قائم على الاستنزاف المتبادل بدل الحسم العسكري السريع.
تدويل الصراع عبر الاحتكاك الجغرافي
إن استهداف موانئ الدانوب يكتسب بعداً إضافياً بسبب قربه الجغرافي من دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي ما يرفع من احتمالية التداخل غير المقصود بين مسارح العمليات هذا القرب قد يعني وجود نية لتوسيع الحرب ويزيد من خطر الخطأ الاستراتيجي اذ يمكن لحادث عرضي، مثل اختراق المجال الجوي أو سقوط طائرة مسيّرة أن يخلق أزمة تتجاوز حدود الصراع الواقعي بين الاطراف بهذا المعنى فإن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد مجرد نزاع ثنائي بل أصبحت جزءاً من بيئة أمنية أوسع تتسم بحساسية عالية وقابلية للتصعيد غير المقصود.
كما تكشف هذه التطورات عن مستوى متقدم من التكامل بين الأدوات العسكرية والاقتصادية اذ يتم توظيف القوة العسكرية ليس فقط لتحقيق أهداف ميدانية، بل لإحداث تأثيرات اقتصادية بعيدة المدى كما إن استهداف الموانئ، وشبكات الطاقة، والبنية التحتية للنقل، يعكس إدراكاً متزايداً بأن القدرة على الاستمرار في الحرب تعتمد على سلامة هذه المنظومات وبالتالي فإن الحرب تتحول تدريجياً إلى صراع على القدرة على إعادة إنتاج القوة وليس فقط على استخدام القوة في حد ذاتها.
في ظل هذا التحول، يصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم النصر فالنصر لم يعد يعني السيطرة الكاملة على الأراضي أو تدمير الجيش المعادي بل يتمثل في القدرة على الصمود لفترة أطول وتحمل كلفة الاستنزاف وإجبار الخصم على التراجع سياسياً أو اقتصادياً هذا التعريف الجديد يعكس طبيعة الحروب المعاصرة، التي تتسم بطول أمدها وتشابك أبعادها، ويجعل من الصعب تحقيق نتائج حاسمة في المدى القصير.
الخاتمة
إن إعادة تقييم الحملة الهجومية الروسية في منتصف نيسان 2026 تكشف بوضوح أن الحرب في أوكرانيا دخلت مرحلة تتجاوز فيها حدود المواجهة العسكرية التقليدية لتصبح نموذجاً متقدماً لحرب الاستنزاف البنيوي متعدد المستويات ففي هذه المرحلة لم يعد التقدم الجغرافي هو المعيار الأساسي للنجاح بل القدرة على إدارة الصراع على المدى الطويل، واستهداف مراكز الثقل الاقتصادية واللوجستية، وفرض واقع استنزافي على الخصم وبينما تستمر روسيا في ممارسة ضغط عسكري واقتصادي متواصل، وتنجح أوكرانيا في منع الانهيار والحفاظ على تماسك جبهتها، يتضح أن الحرب لم تصل إلى طريق مسدود، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً واستدامة. إنها حرب لا تُحسم بسرعة، لكنها قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى الدولية بشكل تدريجي، وهو ما يجعلها أحد أهم النماذج المعاصرة لفهم تحولات الصراع في النظام الدولي.



