الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الولايات المتحدة تخسر العالم العربي

الحروب في غزة وإيران وسواهما تقوّض مكانة واشنطن *

بقلم: أماني جمال

ومايكل روبنز

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

يكاد لا يخلو فرد في “الشرق الأوسط” من التأثر بسلسلة الأحداث التي أطلقها هجوم حركة حماس على “إسرائيل”* في 7 تشرين الأول 2023، فقد أسفرت هذه التطورات عن مقتل عشرات الآلاف معظمهم من سكان غزة وتشريد الملايين وإلحاق أضرار تُقدَّر بمليارات الدولارات، ومن الطبيعي في ظل هذه التداعيات الواسعة أن تشهد مواقف عشرات الملايين تحوّلًا ملحوظًا.

وتكشف استطلاعات الباروميتر العربي- وهو مشروع مسحي نشارك في قيادته- التي أُجريت في الأشهر التي تلت ذلك التاريخ عن تحوّل نوعي في اتجاهات الرأي العام، إذ أدّت مشاهد الحرب “الإسرائيلية” المدمّرة على غزة إلى انزياح حاد في مواقف شعوب المنطقة ضد “إسرائيل” وحليفتها الأبرز الولايات المتحدة، كما تُظهر البيانات المستقاة من استطلاعات أُجريت في مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب والأراضي الفلسطينية وسوريا وتونس خلال الفترة من آب إلى تشرين الثاني 2025- أي بعد حرب الأيام الاثني عشر في حزيران وقبل الجولة الأخيرة من التصعيد مع إيران- أن هذه التحولات لم تكن عابرة بل ترسّخت بمرور الوقت، فقد تراجعت ثقة شعوب المنطقة إلى حدّ كبير بالنظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة في حين باتت تنظر بصورة عامة إلى الصين وإيران وروسيا بإيجابية أكبر مقارنة بواشنطن وغالبًا مقارنة بأوروبا أيضًا، وعلى نحو غير مسبوق يُنظر إلى الولايات المتحدة والعديد من حلفائها باعتبارهم أطرافًا منحازة تفتقر إلى الاتساق الأخلاقي وتتعامل بانتقائية مع قواعد القانون الدولي وذلك بالمقارنة مع هذا المحور من القوى السلطوية، وعند سؤال المستجيبين عن الجهة الأكثر حماية للحريات وإسهامًا في الأمن الإقليمي ودعمًا للقضية الفلسطينية مالت الإجابات بصورة أوضح نحو الصين وإيران وروسيا بدلًا من الولايات المتحدة أو بعض شركائها.

مع ذلك لا يعني هذا التحوّل أن الرأي العام العربي يتبنى على نحو موحّد سياسات بكين أو طهران أو موسكو، فلا تزال قطاعات واسعة تنظر إلى النفوذ الإقليمي لإيران وبرنامجها النووي باعتبارهما مصدر تهديد، وعليه فإن انتقال مركز الثقة السياسية في المنطقة لا يعود إلى جاذبية نموذج بديل بقدر ما يعكس التراجع الحاد في مكانة الولايات المتحدة، وإلى حدّ ما أوروبا. ومن المرجّح أن تسهم الحرب مع إيران في تعميق هذه التصورات السلبية بدلًا من معالجتها، فالصراع في جوهره اندلع بمبادرة من الولايات المتحدة و”إسرائيل” وقد ترافق مع تجدد العمليات العسكرية “الإسرائيلية” في لبنان وتعرّض دول الخليج لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي موازاة ذلك لم يتحقق أي تقدّم يُذكر في جهود إعادة إعمار غزة، بل قد يكون الغضب الشعبي العربي تجاه الولايات المتحدة قد ازداد مقارنة بما كان عليه عند إجراء استطلاعات خريف 2025.

وإذا استمر تراجع صورة واشنطن والعواصم الأوروبية لدى شعوب المنطقة فإن ذلك مرشّح لأن ينعكس على طبيعة علاقاتها مع حكوماتها كذلك، فعلى الرغم من الطابع السلطوي لغالبية الأنظمة العربية فإنها تظلّ حذرة من احتمالات الاحتجاج الشعبي ما يجعلها مضطرة إلى مراعاة الرأي العام بدرجات متفاوتة، وفي هذا السياق بات الانخراط العلني مع الولايات المتحدة ينطوي على كلفة سياسية متزايدة، ومن ثمّ إذا أرادت واشنطن الحفاظ على شبكة تحالفاتها العربية فإنها مطالبة بالعمل على إنهاء الحرب مع إيران في أقرب وقت والدفع نحو تسوية عادلة للصراع “الإسرائيلي”- الفلسطيني وإلا فإنها تخاطر بخسارة العالم العربي بصورة دائمة لصالح خصومها.

 

ترى الغالبية الساحقة من الرأي العام العربي أن الولايات المتحدة تنحاز إلى “إسرائيل” على حساب الفلسطينيين بنسبة 86% في كلٍّ من مصر والأردن و84% في الأراضي الفلسطينية و78% في لبنان و71% في سوريا و69% في تونس و58% في العراق.

 

سمعة متدهورة

تراجعت صورة الولايات المتحدة بشكل حاد مع اندلاع الحرب في غزة ولم تشهد تحسّنًا يُذكر منذ ذلك الحين بل على العكس تبدو واشنطن اليوم أقل شعبية مما كانت عليه منذ سنوات، ففي معظم الدول التي شملتها الاستطلاعات لا ينظر سوى عدد محدود من المواطنين بإيجابية إلى سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية 24% في العراق و21% في لبنان و14% في تونس و12% في كلٍّ من الأردن والأراضي الفلسطينية، في المقابل برز استثناء نسبي في المغرب وسوريا حيث أبدى 63% و61% من المستجيبين على التوالي، مواقف أكثر تأييدًا لسياسات ترامب في المنطقة ويُعزى ذلك على الأرجح إلى اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء الغربية (وهي منطقة متنازع عليها) إضافة إلى دعمه للحكومة السورية الجديدة. ورغم أن ترامب أسهم في التوصل إلى وقف إطلاق النار في تشرين الأول منهيًا الحرب في غزة عبر مسار تفاوضي فإن إدارته لا تحظى بمستوى القبول الذي حظيت به إدارة سلفه جو بايدن، ففي ظل قيادته الحالية تبدو معظم مناطق “الشرق الأوسط” وكأنها واقعة تحت وطأة الصراع، لذلك ليس مستغربًا أن يرى 66% من المستجيبين في مصر و59% في الأردن و53% في الأراضي الفلسطينية و51% في كلٍّ من العراق وتونس و47% في لبنان، أن سياسات ترامب تجاه المنطقة العربية أسوأ من سياسات بايدن- الذي لم تكن إدارته تحظى بدورها بتقييمات مرتفعة، ومرة أخرى يظل المغرب (27%) وسوريا (7%) حالتين استثنائيتين لا تعكسان هذا الاتجاه العام. أما الاتحاد الأوروبي فقد حصد تقييمات أفضل نسبيًا من الولايات المتحدة حيث تراوحت نسب التأييد له بين 70% في سوريا والمغرب و34% في كلٍّ من الأراضي الفلسطينية والعراق ومصر، ومع ذلك تختلف صورة الدول الأوروبية بشكل ملحوظ تبعًا لمواقفها من الصراع “الإسرائيلي”- الفلسطيني إذ تحظى دول مثل إسبانيا وإيرلندا بنظرة أكثر إيجابية نتيجة دعمها للفلسطينيين، في حين تبدو ألمانيا أقل شعبية على الأرجح بسبب تاريخها في مساندة “إسرائيل”.

 

 

في المقابل سجّلت الصين مستويات قبول أعلى بكثير في عام 2025 إذ تراوحت نسب التأييد لها بين 37% في سوريا و69% في تونس، ورغم أن روسيا أقل شعبية من الصين فإنها ما تزال تتفوق على الولايات المتحدة وحلفائها في مصر والعراق والأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية وتونس، أما إيران فتتسم صورتها بالتفاوت إذ تبلغ أعلى مستوياتها في تونس (55%) وأدناها في سوريا (5%) حيث ارتبطت بدعمها الطويل لنظام الرئيس السابق بشار الأسد، ومع ذلك يشير الاتجاه العام إلى تحسّن ملحوظ في صورتها إذ ارتفع مستوى التأييد لها خلال السنوات الخمس الماضية بنحو 20 نقطة في العراق و12 نقطة في الأراضي الفلسطينية متجاوزة بذلك الولايات المتحدة في غالبية الدول التي شملتها الاستطلاعات.

كما شهدت معدلات التأييد لقادة الصين وإيران وروسيا ارتفاعًا لافتًا في العالم العربي، فقد ارتفع الدعم لسياسات الرئيس الصيني شي جين بينغ تجاه “الشرق الأوسط” وشمال أفريقيا بمقدار 26 نقطة في تونس و25 نقطة في كلٍّ من الأردن والأراضي الفلسطينية و19 نقطة في المغرب وخمس نقاط في العراق خلال السنوات الخمس الماضية لتصل نسب التأييد الحالية إلى 61% و51% و43% و58% و53% على التوالي، أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرغم غزوه لأوكرانيا فقد شهدت شعبيته ارتفاعًا ملحوظًا 33 نقطة في المغرب و20 نقطة في الأردن و17 نقطة في تونس و14 نقطة في الأراضي الفلسطينية، وتجاوزت نسبة المؤيدين له 40% في تونس والعراق فيما أعربت أغلبية واضحة من المغاربة – بنسبة 57% – عن نظرة إيجابية تجاهه.

 

عدوّ عدوي

لعلّ النتيجة الأكثر لفتًا للانتباه تتمثّل في الارتفاع الكبير في مستويات التأييد لسياسات المرشد الأعلى الإيراني السابق السيد علي خامنئي الذي اغتيل في ضربات أميركية- “إسرائيلية” في شباط، فعلى مدى سنوات ارتبطت طهران بدعم قوى حليفة في غزة والعراق ولبنان واليمن وبإثارة القلق الإقليمي عبر برنامجها النووي الأمر الذي انعكس سلبًا على تقييم نهجها الخارجي، غير أنّ صورة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي شهدت مؤخرًا تحوّلًا ملحوظًا إذ انتقلت في العديد من الدول من نظرة سلبية كاسحة إلى مواقف أكثر تباينًا.

 

 

فقد بلغت نسبة من ينظرون سلبًا إلى سياساته الخارجية 87% في سوريا و63% في لبنان و60% في الأردن و56% في المغرب و47% في الأراضي الفلسطينية و45% في العراق و31% في تونس، في المقابل بلغت نسبة التقييمات الإيجابية 49% في تونس و48% في العراق و36% في الأراضي الفلسطينية و35% في المغرب و29% في لبنان و19% في الأردن و3% فقط في سوريا، كما شهدت مكانته الشخصية ارتفاعًا لافتًا خلال السنوات الخمس الماضية إذ تُظهر المقارنة بين استطلاعات 2021- 2022 وتلك التي أُجريت في 2025 زيادة في معدلات التأييد بلغت 29 نقطة في تونس و20 نقطة في كلٍّ من العراق والأراضي الفلسطينية و12 نقطة في المغرب و11 نقطة في الأردن وخمس نقاط في لبنان من دون تسجيل أي تراجع في الدول التي توفرت عنها بيانات مقارنة. ومع ذلك لا يعني هذا التحوّل أن الرأي العام العربي يتجاهل التحديات التي تمثلها إيران، فما تزال أغلبيات واسعة في عدد من الدول تعتبر برنامجها النووي تهديدًا خطيرًا تتراوح نسبته بين 55% في الأراضي الفلسطينية و85% في سوريا، كما يُنظر إلى نفوذها السياسي في المنطقة بوصفه قضية مقلقة بما في ذلك في مصر والعراق والأردن ولبنان وسوريا، غير أنّ أغلبية أكبر في هذه الدول نفسها ترى أن استمرار الاحتلال “الإسرائيلي” للأراضي الفلسطينية يشكّل تهديدًا أكثر خطورة لأمنها الوطني ما يفسّر إلى حدّ كبير تحسّن صورة إيران على خلفية معارضتها “لإسرائيل” ودعمها للقضية الفلسطينية.

في المقابل تتراجع صورة الولايات المتحدة بسبب ارتباطها بهذا الصراع، إذ ترى الغالبية الساحقة من الرأي العام العربي أنها تنحاز إلى “إسرائيل” على حساب الفلسطينيين بنسبة 86% في كلٍّ من مصر والأردن و84% في الأراضي الفلسطينية و78% في لبنان و71% في سوريا و69% في تونس و58% في العراق، أما الاتحاد الأوروبي فبالرغم من أنه لا يُنظر إليه على أنه داعم “لإسرائيل” بالقدر ذاته فإن الانطباع العام لا يزال يميل إلى اعتباره منحازًا لها.

وتتباين صورة الدول الأوروبية على نحو أوضح، فمثلًا يُنظر إلى ألمانيا على أنها أكثر التزامًا بالدفاع عن “إسرائيل” مقارنة بالفلسطينيين بفوارق ملحوظة في الأردن (35% مقابل 16%) ولبنان (45% مقابل 12%) والأراضي الفلسطينية (43% مقابل 11%) وسوريا (36% مقابل 17%)، في المقابل تبدو إسبانيا أقل انحيازًا إذ تتقارب نسب من يرونها داعمة للفلسطينيين أو “لإسرائيل” في المغرب والعراق (27% مقابل 29%) وكذلك في سوريا (21% مقابل 24%)، بينما ترى مجتمعات أخرى أنها أقرب إلى دعم الفلسطينيين كما في الأردن (31% مقابل 20%) والأراضي الفلسطينية (39% مقابل 17%) ولبنان (34% مقابل 16%) ومصر (27% مقابل 15%) وتونس (42% مقابل 12%). من جهة أخرى يسود اعتقاد واسع في العالم العربي بأن الأمم المتحدة منحازة لصالح (إسرائيل)، إذ لا تتجاوز نسبة من يرونها أكثر التزامًا بالدفاع عن الفلسطينيين 11% في الأراضي الفلسطينية ومصر و14% في تونس والأردن و17% في سوريا و20% في العراق والمغرب و25% في لبنان، في المقابل يرى نحو 40% إلى 50% من المستجيبين في مختلف أنحاء المنطقة أنها أكثر التزامًا بالدفاع عن “إسرائيل”، والرسالة هنا واضحة فبالنسبة لكثير من المواطنين العرب لم تعد المشكلة مقتصرة على ازدواجية المعايير الأميركية بل باتت تعكس أزمة أعمق تتمثّل في فقدان الثقة بمنظومة القانون الدولي والنظام الإنساني برمّته.

 

انحدار الاستطلاعات

ليس من المستغرب أن تكون “إسرائيل” الدولة الأقل شعبية لدى الرأي العام العربي، ففي جميع الدول التي شملتها الاستطلاعات لا تتجاوز نسبة من لديهم نظرة إيجابية جدًا أو إلى حد ما تجاه “إسرائيل” 5% باستثناء المغرب حيث تبلغ 13%، ومن الطبيعي في هذا السياق أن تسود حالة من انعدام الثقة تجاه أي طرف يُنظر إليه على أنه اصطفّ إلى جانب “إسرائيل” في حرب غزة، وهي حرب يعتبرها كثيرون خارجة عن القانون وتدميرية.

ومع ذلك فإن مواقف الرأي العام العربي تجاه “إسرائيل” ليست ثابتة أو جامدة، فعلى سبيل المثال لا تتجاوز نسبة المؤيدين لتطبيع العلاقات الرسمية مع “إسرائيل” في أي بلد عربي ربع السكان، ففي مصر والأردن مثلًا لا تتجاوز هذه النسبة 4%. إلا أن هذا الدعم يرتفع بشكل ملحوظ عند ربط التطبيع باعتراف “إسرائيل” بدولة فلسطينية إذ يزيد التأييد بمقدار 27 نقطة في سوريا و26 نقطة في الأراضي الفلسطينية و23 نقطة في الأردن و19 نقطة في العراق و18 نقطة في المغرب و17 نقطة في لبنان، وفي الوقت نفسه يحظى “المقترح العربي لإعادة إعمار غزة” -الذي طُرح لأول مرة في آذار 2025 -بدعم واسع النطاق.

لكن سياسات “إسرائيل” الحالية تجعل من غير المرجّح حدوث هذا التحوّل الإيجابي فالغالبية في معظم الدول التي شملها الاستطلاع (باستثناء المغرب) ترى أن حل الدولتين هو الخيار الأفضل لتسوية الصراع “الإسرائيلي”- الفلسطيني بنسبة 67% في الأردن و64% في كل من مصر وسوريا و60% في العراق و59% في الأراضي الفلسطينية و51% في لبنان، غير أن سياسات “إسرائيل” خلال السنوات الأخيرة بما في ذلك توسّع الاستيطان في الضفة الغربية إلى درجة جعلت الأراضي شبه غير متصلة جغرافيًا أدّت عمليًا إلى تقويض فرص تطبيق هذا الحل، ومن هذا المنظور يعكس الغضب العربي تجاه الولايات المتحدة وحلفائها دعوةً لمحاسبة “إسرائيل” على انتهاكاتها وإحباطًا عميقًا من عدم القيام بذلك. لكن النظرة السلبية إلى الولايات المتحدة لا تقتصر على موقفها من القضية الفلسطينية فواحدة من أكثر النتائج دلالة تتمثل في تراجع شرعيتها على الساحة الدولية، فعند سؤال المشاركين عن الدول التي تلتزم بالقانون الدولي بدرجة كبيرة أو متوسطة كان الاختيار يميل بشكل أوضح نحو الصين مقارنة بالولايات المتحدة. ففي مصر- وهي من أبرز الحلفاء غير المنضوين في الناتو- يرى 25% فقط أن الولايات المتحدة تلتزم بالقانون الدولي مقابل 58% للصين، وفي الدول التي شملها الاستطلاع لم تتفوق الولايات المتحدة إلا في المغرب. ويُلاحظ أن هذا التصور قد يتأثر أيضًا بالقضية الفلسطينية إذ ترى نسب معتبرة من الجمهور العربي تتراوح بين 26% في المغرب و44% في لبنان، أن الصين أكثر التزامًا بالدفاع عن الفلسطينيين مقارنة “بإسرائيل” (باستثناء سوريا حيث تبلغ النسبة 15%) ومع ذلك فإن هذه الأرقام ليست حاسمة بحد ذاتها بل تعكس اتجاهاً أعمق يتمثل في تآكل الثقة بالنظام الدولي القائم على القواعد، وهذا التراجع لا يقتصر على الولايات المتحدة بل يطال أيضًا شركاءها إذ يرى معظم المستجيبين في الدول العربية أن الاتحاد الأوروبي أقل التزامًا بالقانون الدولي من الصين وبمستوى يقارب روسيا.

ولا ينظر الجمهور العربي إلى الصين بالضرورة كقوة ليبرالية لكنه يراها أقرب إلى موقع “الأفضلية الأخلاقية” في النظام الدولي، فعند السؤال عن أي السياسات الأميركية أم الصينية- تُعد أكثر حماية للحريات والحقوق كانت نسبة من اختاروا السياسات الأميركية منخفضة 7% في الأراضي الفلسطينية و13% في مصر و15% في تونس و17% في لبنان و19% في الأردن و25% في العراق و29% في المغرب، في المقابل كانت نسب من اختاروا السياسات الصينية أعلى بكثير إذ تراوحت بين 28% في لبنان و43% في تونس فيما ذهب الباقون إلى أن السياسات متقاربة أو سيئة أو لم يحددوا موقفهم.

كما تتقدم الصين أيضًا في مسألة الأمن الإقليمي، فعند السؤال عن الدولة الأقدر على الحفاظ على الأمن في المنطقة حصلت الولايات المتحدة على نسب منخفضة: 6% في مصر والأراضي الفلسطينية و9% في الأردن و13% في تونس و19% في لبنان و22% في العراق و23% في المغرب، في المقابل فضّل عدد أكبر بكثير الصين 46% في تونس و43% في الأردن و40% في الأراضي الفلسطينية و38% في العراق و36% في كل من مصر والمغرب و26% في لبنان، أما في ما يتعلق بالصراع “الإسرائيلي”- الفلسطيني تحديدًا فتظهر الفجوة بشكل أوضح إذ لم تتجاوز نسبة من يفضلون السياسة الأميركية 3% في مصر و9% في الأراضي الفلسطينية و10% في الأردن وتونس و12% في لبنان و20% في العراق والمغرب.

 

قلب الإيقاع؟

يشير التحذير الواضح في أحدث بيانات الباروميتر العربي إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تخسران فقط التعاطف والرأي العام بل تفقدان أيضًا الصورة الراسخة لهما كحاميتين لحقوق الإنسان، فعلى مدى السنوات القليلة الماضية باتت غالبية الشعوب العربية أكثر اقتناعًا بأن الولايات المتحدة وأوروبا قد فشلتا في دعم الفلسطينيين وفي فرض احترام القانون الدولي وفي الحفاظ على نظام دولي عادل قائم على القواعد، ومن المرجّح أن تؤدي الحرب في إيران إلى مزيد من التدهور في صورة الولايات المتحدة و”إسرائيل”، ورغم عدم مشاركة الدول الأوروبية في القتال داخل إيران إلا أنها قد تُحمَّل- إلى حد ما- مسؤولية غير مباشرة وإن كان من غير المتوقع أن تتضرر صورتها بالقدر نفسه الذي تتضرر به صورة الولايات المتحدة.

 

 

ما دامت غزة تمثل المعيار الأوضح للحكم الأخلاقي والسياسي لدى المواطن العربي فإن الصين وإيران وروسيا ستواصل الاحتفاظ بما يُنظر إليه على أنه “تفوق أخلاقي”، ويزيد من تعقيد المشهد أن واشنطن نفسها ساهمت في تقويض النظام الدولي والقانون الدولي على نحو أوسع، وعلى الرغم من أن بكين وموسكو كانتا تاريخيًا أقل انخراطًا في “الشرق الأوسط” مقارنة بالولايات المتحدة- بأستثناء الحالة السورية ربما- فإن المزاج الشعبي العربي يميل إلى تفضيل دورهما العالمي على النظام الذي تقوده واشنطن.

وقد تبدأ الحكومات العربية بدورها في إعادة ترتيب علاقاتها وفق هذا التحول، إذ قد تتجه إلى توسيع التعاون الاقتصادي مع الصين وروسيا وتعزيز الشراكات الدفاعية معهما أو الانخراط في التكتلات متعددة الأطراف التي تقودها هذه القوى وفي الواقع بدأت بعض الحكومات العربية بالفعل بتقليص انفتاحها العلني على الولايات المتحدة أو إدارة علاقاتها معها بحذر أكبر، فقبل اندلاع الحرب في إيران حذّرت بعض دول الخليج نظراءها الأميركيين من مغبة التصعيد إلا أن هذه التحذيرات لم تلقَ استجابة تُذكر، ومع تضرر عدد من دول الخليج بشكل مباشر من تداعيات الحرب الأميركية- “الإسرائيلية” في إيران، يدرس بعض القادة خيار إعادة النظر في استثماراتهم داخل المؤسسات الأميركية.

ومع ذلك فإن مستقبل الولايات المتحدة وأوروبا في “الشرق الأوسط” ليس محسومًا فإذا غيّرت واشنطن وحلفاؤها نهجهم يمكنهم استعادة جزء من سمعتهم المتراجعة، وقد نجحت فرنسا في تحقيق ذلك إلى حدّ ما إذ شهدت تحسنًا في صورتها لدى الرأي العام العربي بعد التراجع الذي أعقب أحداث 7 تشرين الأول ففي أواخر عام 2025 ارتفع مستوى التأييد لها بمقدار 11 نقطة في تونس و10 نقاط في المغرب و7 نقاط في لبنان مقارنةً بما كان عليه قبل عامين، ويُعزى هذا التحسن إلى حد كبير إلى اعتراف باريس الرسمي بالدولة الفلسطينية في أيلول 2025 وهي خطوة رمزية لكنها ذات أثر ملموس على الرأي العام.

وبالتالي فإن مسار تراجع أو استقرار أو تعافي صورة واشنطن يعتمد في نهاية المطاف على قراراتها السياسية، فطريقة إدارة الحرب في إيران والتعامل مع ملف غزة والقدرة على الدفع نحو تسوية عادلة للصراع “الإسرائيلي”- الفلسطيني كلها عوامل حاسمة في السنوات المقبلة، ويتمثل الخيار الأكثر فاعلية في إنهاء الحرب في إيران سريعًا والضغط على “إسرائيل” لضمان الحقوق الأساسية للفلسطينيين وصولًا إلى تحقيق تسوية سياسية عادلة، وبعبارة أخرى فإن استعادة الولايات المتحدة لسمعتها تتطلب مواءمة سياساتها مع المبادئ التي تعلن التمسك بها الالتزام بالقانون الدولي ودعم حقوق الإنسان والديمقراطية والنظام القائم على القواعد بصورة متسقة لا انتقائية فيها وليس فقط عندما يخدم ذلك مصالحها كما في أوكرانيا بل على نطاق عالمي.

 

* Amaney A. Jamal and Michael Robbins, America Has Lost the Arab World Wars in Gaza, Iran, and Elsewhere Have Sunk Washington’s Reputation—Maybe for Good, Foreign Affairs, April 7, 2026.
**  مقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى