الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الحرب على إيران بين السرديات المعلنة والدوافع البنيوية.. النفط وصعود الصين في قلب الصراع الدولي

بقلم: الباحث عبد الكريم قيس الشمري
الجامعة العراقية / كلية القانون والعلوم السياسية
المعلن والمتداول في فضاء الصراع الجاري يتمحور حول جملة من الأسباب من أبرزها:
-
التهديد الوجودي “لإسرائيل”: تعتبر “إسرائيل” إيران خطراً وجودياً، وتسعى إلى ضرب برنامجها النووي والصاروخي بشكل كامل، كما تمارس ضغوطاً مستمرة على واشنطن للانتقال من سياسة العقوبات إلى خيار “العمل العسكري الشامل”.
-
استغلال الضعف الداخلي الإيراني: ترى بعض دوائر صنع القرار الأمريكي، خصوصاً في عهد دونالد ترامب، بأن حركة الاحتجاجات الشعبية إلى جانب التدهور الاقتصادي، جعل من النظام الإيراني في أضعف حالاته، مما يتيح فرصة ملائمة لإسقاطه أو إجباره على تقديم تنازلات جوهرية قد تصل إلى مستوى الاستسلام غير المشروط.
-
تغيير “قواعد اللعبة” في “الشرق الأوسط”: تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية من خلال إنهاء النفوذ الإيراني عبر حلفائه ووكلائه في المنطقة، مثل حZب الله والحوثيين والفصائل العراقية، مع العمل على تدمير بنيته العسكرية التقليدية.
-
إحباط “التقدم النووي”: رغم استمرار المسارات التفاوضية، تصر واشنطن على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لا سيما في ظل تقارير تشير إلى تطويرها صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.
وفي المقابل، يذهب فريق آخر إلى تفسير الحرب الدائرة على أنها تعبير عن اختلالات شخصية لدى القادة الأمريكيين أو الإسرائيليين، أو نتيجة لنزعات أيديولوجية غير عقلانية، سواء ذات طابع ديني أو تاريخي، أو حتى باعتبارها محاولة متعمدة لصرف الأنظار عن قضايا داخلية، مثل ملفات إبستين، أو نتيجة لتأثير جماعات الضغط، وعلى رأسها ما يُعرف بـ(اللوبي “الإسرائيلي”) الذي يمارس نفوذاً واسعاً على صناع القرار في الولايات المتحدة عبر مؤسسات مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية “الإسرائيلية” (أيباك) وغيرها.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه العوامل، على الرغم من حضورها وتأثيرها، لا تمثل في مجملها الأسباب الجذرية لإشعال فتيل الحرب. فمن منظور الواقعية السياسية، يصعب تصور أن دولة بحجم الولايات المتحدة يمكن أن تكون خاضعة لتلاعب دولة أخرى أو أن يتم توجيهها بالكامل من قبلها، بل إنها الفاعل الأقدر على تحديد اتجاهات الصراع بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.
ومن زاوية أخرى، يطرح تساؤل جوهري مفاده: هل تشكل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالفعل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة الأمريكية؟ تشير المعطيات الواقعية والمسار التاريخي إلى أن إيران لم تمثل تهديداً عسكرياً مباشراً وفورياً للولايات المتحدة. وعلى عكس “إسرائيل”، لا تمتلك إيران، حتى الآن، أسلحة نووية، كما أنها التزمت بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بعدم انتشار الأسلحة النووية، وأبدت درجة من الانفتاح على آليات التفتيش الدولي.
كما أن إيران لم تخض، في التاريخ الحديث، حرباً شاملة ضد دولة أخرى، وتتبنى مبدأ عدم البدء باستخدام السلاح. وبناءً على ذلك، فإن الادعاءات الأمريكية و”الإسرائيلية” بشأن كون إيران تهديداً وجودياً تبدو، في جزء منها، أقرب إلى محاولة بناء مبررات سياسية، على غرار ما حدث في حالات تاريخية مثل حادثة خليج تونكين، أو “نظرية الدومينو”، أو الادعاء بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، والتي استُخدمت جميعها لتبرير تدخلات عسكرية. ([1])
وهنا يبرز التساؤل المحوري: إذا لم تكن هذه المبررات هي الأساس الحقيقي، فما هي الدوافع الفعلية الكامنة وراء هذا الصراع؟
لطالما كان الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة في “الشرق الأوسط” لعقود هو الهيمنة على المصالح الاقتصادية. وتماشياً مع هذه الاستراتيجية طويلة الأمد، فإن الحرب الحالية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وايران من جهة، تكون ابعد من الأهداف المعلنة اذ تتمحور أساساً حول ثلاثة أمور مترابطة: النفط، والصين، والأسلحة النووية.
ومن بين هذه الدوافع، يمكن الإشارة إلى مسألة تفنيد فكرة تراجع أهمية النفط أو اقتراب نهاية عصره، حيث لا يزال النفط يشكل عنصراً حيوياً في معادلات القوة العالمية. كما يبرز هدف استراتيجي آخر يتمثل في استهداف قوة صاعدة لم تشارك بشكل مباشر في الصراع، لكنها تمثل التحدي الأكبر للهيمنة الأمريكية، وهي الصين.
فالصين، بوصفها قوة اقتصادية متنامية، تعتمد بشكل كبير على إمدادات الطاقة، ولا سيما من إيران، مما يجعل التحكم في هذه الإمدادات وسيلة غير مباشرة للحد من صعودها. ومن هنا، يصبح قطع أو تقليص تدفقات الطاقة أحد الأدوات الفاعلة لكبح هذا الصعود. ([2]) ولا يمكن إغفال دور الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، التي تبحث عن الربح والنفوذ، وتمارس تأثيراً واضحاً في توجيه السياسات الدولية، بما في ذلك قرارات الحرب والسلم.
النفط
إن الهجوم على إيران لا يمكن تفسيره بوصفه رداً مباشراً على فعل آني، بل يمكن فهمه في إطار سعي الولايات المتحدة إلى إعادة توجيه سلوك إيران على المدى الطويل، من موقع التحدي إلى موقع الخضوع، وذلك عبر التحكم في مواردها النفطية.
ويستحضر هذا السياق تجربة تأميم النفط الإيراني في عهد محمد مصدق، حينما تم إخراج الشركات النفطية الكبرى، وهو ما شكل حينها تحدياً مباشراً للمصالح الغربية. إن السيطرة على نفط “الشرق الأوسط” تمثل أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الأمريكية، وهي تفسر إلى حد كبير طبيعة الدعم المقدم “لإسرائيل” بوصفها قوة عسكرية متقدمة في المنطقة. وهذا الدعم لا يمكن اختزاله في أبعاده الأخلاقية أو التاريخية، بل يرتبط باعتبارات استراتيجية أعمق.
لكن ما المقصود بالسيطرة على النفط؟ لا تعني السيطرة بالضرورة امتلاك الموارد، بل القدرة على التحكم في تدفقها إلى الأسواق العالمية، والتأثير في أسعارها واتجاهاتها. فالولايات المتحدة، رغم امتلاكها احتياطيات كبيرة، تسعى إلى الحفاظ على موقعها كفاعل مهيمن في سوق الطاقة العالمية.
ومن الأمثلة الدالة على هذا النمط من السيطرة، ما حدث في فنزويلا، حيث تم التأثير على تدفقات النفط بما يحد من وصوله إلى الصين، وهو ما يعكس استخدام الطاقة كأداة في الصراع الجيوسياسي، وليس فقط كسلعة اقتصادية. ([3])
الصين
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هيمنت الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي، وبشكل خاص عبر شركاتها الكبرى. غير أن طبيعة هذه الهيمنة ليست ثابتة، إذ تخضع لتغيرات مستمرة بفعل التنافس والاندماج والتحولات في الأسواق. ومنذ عام 2010 تقريباً، برز تحول مهم تمثل في الصعود المتسارع للصين، التي أصبحت ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وتسير بخطى ثابتة نحو الصدارة. هذا التحول يهدد بفقدان الولايات المتحدة لهيمنتها التقليدية، سواء في مجال التصنيع أو في القطاع المالي.
وقد أدى هذا الواقع إلى بروز حالة من القلق، بل وربما ما يمكن وصفه بـ”الاستنفار الاستراتيجي” لدى بعض النخب الاقتصادية الأمريكية، التي تسعى إلى تأمين مواقعها عبر السيطرة على مناطق النفوذ غير المتنازع عليها، والاستعداد للمنافسة في المناطق المتنازع عليها.
وفي المقابل، تستثمر بعض الشركات الأمريكية الكبرى في السوق الصينية وتسعى إلى الحفاظ على علاقات مستقرة معها، في حين ترى شركات أخرى في الصين تهديداً مباشراً، نظراً لقدرتها على إنتاج سلع ذات جودة عالية وتكلفة منخفضة، ما يمنحها ميزة تنافسية عالمية. وينعكس هذا التباين في مصالح الشركات على صانع القرار الأمريكي، الذي يجد نفسه أمام ضغوط متعارضة من جماعات ضغط تمثل رؤى مختلفة. فبينما يدفع البعض نحو التركيز على آسيا ومواجهة الصين، يفضل آخرون تعزيز الهيمنة في النصف الغربي من العالم.
أما “الشرق الأوسط”، فيبقى منطقة توافق نسبي بين هذه الأطراف، نظراً لأهميته الاستراتيجية من حيث الطاقة والموقع الجغرافي، لا سيما قربه من الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي. إن المحرك الحقيقي لهذا الصراع يتمثل في الحاجة الملحة لدى النخبة الرأسمالية الأمريكية لإبطاء تراجعها النسبي أمام الصين، وذلك جزئياً عبر تأمين السيطرة على مصادر الطاقة في “الشرق الأوسط”. ولا يُستبعد أن تنطوي هذه الاستراتيجية، في بعض سيناريوهاتها، على استخدام أدوات عسكرية متقدمة، في إطار ما يُعرف بالعقيدة النووية الأمريكية. ([4])
وهنا يطرح سؤال: لماذا إيران تحديداً؟ تكمن الإجابة في أن الصين تعتمد بدرجة كبيرة على النفط الإيراني، خاصة في ظل العقوبات، حيث تحصل عليه بأسعار تفضيلية، فضلاً عن وجود مشاريع وشراكات استراتيجية بين البلدين.
ومن المفارقات أن الولايات المتحدة، التي تنظر إلى الصين بوصفها تهديداً، تجد نفسها في مواجهة نموذج يتجه نحو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، والاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، وهو ما قد يعيد تشكيل قواعد القوة في المستقبل.
مضيق هرمز
لطالما لعبت المناطق الجيوسياسية دوراً محورياً في تشكيل المعادلات السياسية الدولية، ويُعد مضيق هرمز أحد أبرز هذه المناطق وأكثرها حساسية وتأثيراً في بنية النظام العالمي. فالمضيق يمثل ممراً حيوياً واستراتيجياً تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، لا سيما النفط والغاز، باتجاه كبرى الدول الصناعية، مما يجعله بمثابة شريان اقتصادي حيوي للدول المصدّرة والمستوردة على حد سواء.
وتنبع الأهمية الاستراتيجية لهذا المضيق من موقعه الجغرافي الذي يربط الخليج العربي بالمحيط العالمي، فضلاً عن وقوعه ضمن نطاق النفوذ الجيوسياسي الإيراني، الأمر الذي يمنح طهران قدرة كامنة على التأثير في حركة الملاحة البحرية. وعليه، فإن أي محاولة لإغلاق المضيق، أو حتى التلويح بالتحكم في تدفقاته، تمثل تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي، نظراً لاعتماد الأسواق الدولية على استمرارية تدفق الطاقة عبر هذا الممر الحيوي.
في ضوء ذلك، أصبح مضيق هرمز أحد العوامل المركزية في الصراع القائم، ليس فقط باعتباره ممراً بحرياً، بل كأداة ضغط جيوسياسية يمكن توظيفها في إدارة التوازنات الدولية. فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان حرية الملاحة في المضيق، وهو ما يُترجم عملياً عبر تعزيز حضورها العسكري والبحري، بما يحدّ من قدرة أي طرف إقليمي، وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية، على استخدام المضيق كورقة ضغط استراتيجية. ([5])
ومع تصاعد حدة الصراع وتعطل أو تهديد تدفقات التصدير، وما يرافق ذلك من انعكاسات مباشرة على الدول المصدّرة وارتفاع أسعار النفط عالمياً، يبرز عامل إضافي قد يسهم في توسيع نطاق الصراع، يتمثل في دفع الدول المعتمدة على هذا الممر إلى البحث عن بدائل استراتيجية. ويتمثل هذا التوجه في تقليل الاعتماد على مضيق هرمز عبر تطوير مسارات بديلة لنقل الطاقة، ولا سيما من خلال مدّ خطوط أنابيب برية تتجاوز هذا الممر الحيوي. وفي هذا السياق، تتجه المنطقة نحو إعادة تشكيل جغرافية الطاقة، بما يسمح بخلق شبكات نقل بديلة تخضع لاعتبارات أمنية وسياسية جديدة، وهو ما يعيد توزيع الأدوار ومراكز النفوذ في منظومة الطاقة الإقليمية. كما يُطرح في هذا الإطار دور “إسرائيل” بوصفها فاعلاً يسعى إلى توظيف هذه التحولات، سواء من خلال الانخراط في مشاريع البنى التحتية البديلة، أو عبر بناء شراكات إقليمية تمكّنها من التموقع ضمن معادلة أمن الطاقة. إذ إن نقل جزء من تدفقات الطاقة بعيداً عن مضيق هرمز يفتح المجال أمام إعادة توزيع مراكز السيطرة، بما قد يمنح “إسرائيل” موقعاً متقدماً في منظومة نقل الطاقة، سواء بصورة مباشرة أو عبر ترتيبات إقليمية غير مباشرة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الصراع حول مضيق هرمز لا يقتصر على كونه صراعاً على ممر بحري، بل يتجاوز ذلك ليشكّل جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بإعادة تشكيل خرائط الطاقة والنفوذ في “الشرق الأوسط”، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاستراتيجية، وتتحول الممرات البحرية إلى أدوات حاسمة في إدارة الصراع الدولي وإعادة إنتاج توازنات القوة.
([1]) الحرب “الإسرائيلية”- الامريكية على ايران خلفياتها وأهدافها، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- قطر، 4 اذار، 2026.
([2]) عزالدين عبدالمولى، تغيير “الشرق الأوسط” وإعادة تشكيل النظام الدولي: إطاران لفهم أبعاد الحرب على إيران، مركز الجزيرة للدراسات، 26اذار / 2026، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6478.
([3]) دانيال اكسلورد،ترجمة صالح الرزوق، الحرب على ايران الصورة الشاملة، صحيفة العالم الجديد الالكترونية، 24/ اذار/ 2026، https://al-aalem.com/.
([4]) دانيال اكسلورد،ترجمة صالح الرزوق، مصدر سابق.
([5]) نور نبيه جميل، مضيق هرمز كأداة ضغط جيو سياسية، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 14 اذار /2026.




