الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

التحول العسكري الياباني الجديد طوكيو وتوسيع القاعدة الصناعية للدفاع والأمن

بقلم: ماثيو فينكل

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

شهدت الصناعات الدفاعية اليابانية التي ظلت لعقود طويلة في حالة من الركود بداية مرحلة جديدة من إعادة الإحياء والتحول الاستراتيجي، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية التزمت اليابان بقيود دستورية فرضتها سلطات الاحتلال التابعة للحلفاء ما أرسى عقيدة أمنية ذات طابع سلمي صارم ووفق هذا الإطار امتنعت طوكيو عن امتلاك جيش تقليدي بالمعنى المتعارف عليه رغم أن “قوات الدفاع الذاتي” اليابانية تمتلك قدرات عسكرية متقدمة تفوق نظيراتها في العديد من الدول، كما حافظت الحكومات اليابانية المتعاقبة حتى وقت قريب على حظر تصدير الأسلحة الفتاكة في انعكاس مباشر للإرث السياسي والثقافي المناهض للعسكرة، وقد عزز المجتمع الياباني هذا التوجه إذ ارتبطت الصناعات الدفاعية والسياسيون الداعمون للتوسع العسكري تاريخيًا بصورة سلبية وغالبًا ما وُصفوا بـ”تجار الموت”. وقد أفضت هذه القيود الممتدة إلى إضعاف القاعدة الصناعية الدفاعية اليابانية بصورة تدريجية، فاليابان باتت تعتمد بدرجة شبه كاملة على الولايات المتحدة بوصفها الضامن الرئيس لأمنها القومي والمصدر الأساسي لتجهيزاتها العسكرية، كما عانت الصناعات الدفاعية المحلية من الجمود وتراجع القدرة التنافسية نتيجة محدودية السوق المحلية واقتصارها إلى حد كبير على طلبات قوات الدفاع الذاتي ذات الموارد المقيدة، وبدا لفترة طويلة أن تآكل البنية الصناعية الدفاعية- وما يرتبط بها من قدرة اليابان على إعادة التسلح في أوقات الأزمات والحروب- يمثل مسارًا يصعب التراجع عنه.

إلا أن هذا الواقع يشهد اليوم تحولات متسارعة وغير مسبوقة فعلى المستويين السياسي والمجتمعي بدأت اليابان إعادة صياغة رؤيتها للأمن والدفاع بما يتلاءم مع التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية الراهنة، وقد تراجع الإرث السلبي المرتبط بالصناعات الدفاعية أمام تصاعد المخاوف من السلوك الصيني المتشدد وتزايد القلق بشأن هشاشة النظام الدولي القائم على القواعد، وبعد عقود ارتبط فيها قطاع الدفاع بالإرث العسكري الياباني في النصف الأول من القرن العشرين وتعود الصناعات الدفاعية اليوم بوصفها أحد أعمدة الأمن القومي والسياسة الصناعية الحديثة، وإذا ما تمكنت طوكيو من تجاوز تحديات ضعف الطاقة الإنتاجية والثغرات السيبرانية واعتمادها الاقتصادي العميق على الصين فإنها قد تتمكن من إعادة تعريف موقعها الأمني وإعادة تشكيل موقعها داخل سوق الصناعات العسكرية العالمية.

 

التحول الاستراتيجي في طوكيو

 على مدى سنوات طويلة دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على مطالبة اليابان بتحمل دور أكبر في منظومة الأمن الإقليمي والدولي واليوم تبدو طوكيو أكثر استعدادًا للاستجابة لهذه الضغوط مدفوعة بجملة من المتغيرات أبرزها تنامي الحزم الصيني وتراجع الثقة النسبي في المظلة الأمنية الأميركية فضلًا عن المخاوف من احتمال انتقال نماذج الصراعات الكبرى- كما حدث في أوكرانيا – إلى منطقة شرق آسيا، وتشير استطلاعات الرأي اليابانية إلى أن التهديدات الصينية أصبحت تتصدر قائمة الهواجس الأمنية لدى الرأي العام متجاوزة حتى تهديدات كوريا الشمالية الصاروخية، كما يتفق المخططون العسكريون في كل من الولايات المتحدة واليابان ان في حال اندلاع تصعيد في مضيق تايوان فإن القدرات العسكرية اليابانية الحالية غير كافية لمواجهة التحدي وأن مخزونات الصواريخ وشركات التصنيع الدفاعي لن تكون قادرة على دعم حرب طويلة الأمد.

وفي هذا السياق تمضي اليابان في تنفيذ خطة دفاعية تمتد لخمس سنوات وتهدف إلى مضاعفة الإنفاق العسكري تدريجيًا من نحو 35 مليار دولار عام 2022 إلى ما يقارب 60 مليار دولار بحلول عام 2027، ووفقًا لمؤشرات الإنفاق العسكري العالمية أصبحت اليابان تحتل المرتبة التاسعة عالميًا من حيث حجم الإنفاق الدفاعي، كما باتت العقود الحكومية المخصصة لقطاع الدفاع أكثر جاذبية وربحية الأمر الذي دفع عددًا متزايدًا من الشركات اليابانية إلى دخول سوق الصناعات العسكرية والتنافس على عقود التوريد والتطوير.

وفي السنوات الأخيرة شرعت طوكيو في إطلاق مجموعة من المشاريع الدفاعية الطموحة التي تعكس التحول الجاري في استراتيجيتها العسكرية والصناعية، إذ تعمل وكالة الاستحواذ والتكنولوجيا واللوجستيات التابعة لوزارة الدفاع على تطوير مقاتلة شبحية من الجيل السادس بالتعاون مع إيطاليا والمملكة المتحدة في إطار شراكة دفاعية متقدمة متعددة الأطراف، وفي الوقت ذاته تطور شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة مركبة انزلاقية فرط صوتية تُعد عمليًا أول منظومة صاروخية باليستية يابانية حديثة فضلًا عن توليها بناء 11 سفينة حربية من فئة “موغامي” لصالح أستراليا في صفقة دفاعية غير مسبوقة بالنسبة لطوكيو.

وقد أثارت سرعة التحولات الأخيرة دهشة المراقبين المتخصصين بالشأن الياباني الذين اعتادوا على بطء عملية صنع القرار داخل النظام السياسي الياباني القائم على التوافق البيروقراطي، وكان رئيس الوزراء السابق فوميو كيشيدا قد وضع الأسس الأولية لهذا التحول منذ عام 2022 غير أن الزخم الحقيقي للثورة الدفاعية الراهنة ارتبط بصعود رئيسة الوزراء ساناي تاكائيتشي التي استطاعت عقب فوزها الكاسح في الانتخابات المبكرة خلال شباط تأمين غطاء سياسي واسع لعملية إعادة هيكلة قطاع الدفاع، وفي ظل قيادتها تتجه اليابان بصورة متزايدة نحو الانفتاح على أسواق السلاح العالمية وتخفيف القيود التنظيمية التي حكمت الصناعات الدفاعية لعقود طويلة.

ويأتي هذا التحول في لحظة استراتيجية حساسة تسعى خلالها اليابان إلى الانتقال من نموذج دفاعي تقليدي إلى مفهوم أكثر مرونة وحداثة، فقد أظهرت الحرب في أوكرانيا حدود الاعتماد المفرط على المنظومات العسكرية الثقيلة والباهظة التي تتحول بسهولة إلى أهداف عالية القيمة في النزاعات الحديثة، ومن هنا بدأت طوكيو توجيه استثماراتها نحو المنصات غير المأهولة منخفضة الكلفة والقابلة للإنتاج الكمي فضلًا عن تعزيز قدرات الصيانة والإدامة العملياتية خلال الحروب الممتدة وتطوير أنظمة هجومية بعيدة المدى قادرة على استهداف الخصوم من مسافات آمنة.

وتشير التقديرات العسكرية إلى أن أي صراع مستقبلي في بحر الصين الجنوبي أو محيط تايوان سيعتمد بصورة متزايدة على أسراب الطائرات المسيّرة والمركبات الذاتية تحت الماء والقدرات السيبرانية وأنظمة الاتصالات والاستطلاع الفضائي وأدوات الحرب الإلكترونية والتشويش المتقدمة فضلًا عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنسيق وإدارة العمليات القتالية، وفي موازاة ذلك تعيد اليابان الاستثمار في إنتاج الذخائر التقليدية بعدما أظهرت الحرب الأوكرانية السرعة الكبيرة في استنزاف مخزونات الصواريخ والذخائر وكذلك الاستهلاك المكثف للصواريخ الاعتراضية خلال الصراعات الإقليمية في “الشرق الأوسط”، ومن خلال هذا المزيج بين التكنولوجيا المتقدمة والتوسع في الإنتاج الكمي تسعى طوكيو إلى بناء قدرة ردعية أكثر فاعلية واستدامة ضمن حدود مالية محسوبة. ومع ذلك لا يقتصر الدافع وراء الطفرة الدفاعية اليابانية على الاعتبارات الأمنية وحدها بل يرتبط أيضًا بالأولويات الاقتصادية والاستراتيجية بعيدة المدى، إذ تمثل الاستثمارات في التصنيع المتقدم- بما يشمل الصناعات الجوية وبناء السفن والبرمجيات والتقنيات الرقمية- ركيزة أساسية في استراتيجية الحكومة اليابانية لإعادة تنشيط الاقتصاد بعد عقود من النمو البطيء والركود الهيكلي، كما تراهن طوكيو على أن هذا التحول الدفاعي سيبعث برسالة واضحة إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مفادها أن اليابان باتت أكثر استعدادًا لتحمل نصيب أكبر من أعباء الأمن الإقليمي والدولي ضمن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

 

صُنع في اليابان

مع ذلك فإن تداعيات الانخراط الياباني المتزايد في الصناعات الدفاعية تتجاوز حدود الأمن القومي الياباني ذاته، فإذا نجحت طوكيو في استثمار هذه اللحظة الاستراتيجية فقد تفضي نهضتها الدفاعية إلى إعادة تشكيل سوق السلاح العالمية، التي ظلت لعقود خاضعة لهيمنة عدد محدود من الموردين الكبار.

 

ANDERSEN AIR FORCE BASE, Guam – Japan Self-Defense Forces F-2 fighter jet lands here Jan. 30 to participate in the two week Cope North exercise. The Japanese F-2 single-engine fighter (FS-X) has performance capabilities roughly comparable to those of the U.S. F-16.

 

فالولايات المتحدة التي تتصدر قائمة أكبر مصدّري السلاح في العالم بفارق واسع تعتمد على إنتاج منظومات عسكرية عالية الكلفة وعالية الأداء من بينها المقاتلة الشبحية «إف-35 لايتنينغ 2» ومنظومة “ثاد” للدفاع الصاروخي، غير أن هذه الأنظمة تبدو بالنسبة لكثير من الدول باهظة الثمن إلى حد يصعب تحمله كما أنها أصبحت أقل انسجامًا مع المفاهيم القتالية الحديثة التي باتت تميل إلى الاعتماد على أنظمة منخفضة الكلفة قابلة للاستهلاك والإنتاج الكمي السريع، والأكثر إشكالية أن شركات الصناعات الدفاعية الأميركية لم تعد قادرة على تلبية الطلب العالمي المتزايد إذ تواجه حتى الدول القادرة ماليًا فترات انتظار طويلة وتأجيلات متكررة في مواعيد التسليم نتيجة تعثر سلاسل التوريد وصعوبات التصنيع داخل الولايات المتحدة. في المقابل تعرض كل من روسيا والصين- وهما أبرز المنافسين الاستراتيجيين للولايات المتحدة في سوق السلاح- معدات عسكرية أقل تكلفة بصورة ملحوظة، غير أن غالبية حلفاء واشنطن يترددون في شراء هذه الأنظمة خشية التداعيات الجيوسياسية أو المخاطر الأمنية المرتبطة بالاعتماد على خصوم استراتيجيين، كما أن الأداء الميداني للمعدات الروسية في الحرب الأوكرانية أثار شكوكًا واسعة بشأن فعاليتها في الحروب الحديثة في حين اكتسبت الصناعات العسكرية الصينية سمعة تتعلق بتراجع الجودة وضعف الاعتمادية والمتانة التشغيلية.

وفي هذا السياق تمثل النهضة الدفاعية اليابانية- إذا ما كُتب لها النجاح- مصدرًا جديدًا ومختلفًا لتسليح القوى المتوسطة على يد قوة متوسطة أخرى، فاليابان تحصر صادراتها العسكرية بالدول التي تربطها بها اتفاقيات رسمية لنقل المعدات والتكنولوجيا الدفاعية ما يعني أن الوصول إلى ترسانتها المتنامية سيظل مقتصرًا إلى حد كبير على شركاء الولايات المتحدة في أوروبا وجنوب شرق آسيا، وتوفر اليابان لهذه الدول موردًا دفاعيًا موثوقًا وطاقة صناعية إضافية يمكن أن تسهم في تقليص فترات الانتظار فضلًا عن إدخال عنصر المنافسة إلى سوق السلاح العالمية. وقد أبدت كل من الفلبين وإندونيسيا اهتمامًا متزايدًا بالحصول على أنظمة دفاعية يابانية بما في ذلك نسخة مبسطة من الفرقاطة اليابانية من فئة “موغامي”، كما يُرجح أن تستفيد كل من ماليزيا وفيتنام من هذا التوسع في ضوء اتفاقيات نقل التكنولوجيا القائمة مع اليابان والمصالح المشتركة المتعلقة بردع التهديدات البحرية فضلًا عن سجل البلدين في استيراد المعدات الدفاعية اليابانية غير الفتاكة، وأدى تصاعد الضغوط والإكراهات البحرية الصينية ضد عدد من دول جنوب شرق آسيا إلى خلق سوق إقليمية واعدة للصناعات الدفاعية اليابانية وعلى المدى الطويل قد تسهم المنتجات العسكرية اليابانية في جعل احتواء النفوذ البحري الصيني أقل تكلفة وأكثر سهولة بالنسبة لشركاء واشنطن في المنطقة.

أما في أوروبا فإن التحول الدفاعي الياباني يبدو بدوره حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى فقد كشفت الحرب في أوكرانيا هشاشة سلاسل التوريد الأوروبية وحدود القدرة على تخزين الذخائر والمعدات العسكرية على المدى الطويل، وبعد أربع سنوات من الدعم العسكري المستمر لكييف بدأت المخزونات الأوروبية بالتآكل بصورة مقلقة ما دفع الدول الأوروبية إلى تسريع جهود إعادة التسلح بالتزامن مع تزايد القلق من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة التي باتت تُنظر إليها بوصفها شريكًا أقل موثوقية في مجال الإمدادات الدفاعية، وفي هذا الإطار شرعت اليابان بالفعل في توسيع حضورها داخل السوق الدفاعية الأوروبية إذ أوفدت خلال شباط وفدًا رسميًا إلى كل من فنلندا والسويد بهدف تعميق التعاون في مجالات التكنولوجيا والصناعات الدفاعية.

 

صعود القوة العسكرية اليابانية

غير أن ترجمة الطموحات الدفاعية اليابانية إلى واقع عملي لن تكون مهمة سهلة، فبعد عقود طويلة من ضعف الاستثمار في القطاع العسكري تواجه اليابان تحديات بنيوية تتعلق بنقص الكفاءات الهندسية والقدرات الصناعية فضلًا عن الحاجة إلى إعادة تأهيل وتحديث عدد من منشآتها التصنيعية الحيوية، كما أن الشركاء الدوليين المحتملين يراقبون عن كثب قدرة طوكيو على الوفاء بالتزاماتها الصناعية ولا سيما ما يتعلق بتسليم الفرقاطات من فئة “موغامي” إلى أستراليا ضمن الأطر الزمنية المحددة باعتبار ذلك اختبارًا حاسمًا لموثوقية الصناعات الدفاعية اليابانية وقدرتها التنافسية.

 

الغواصة اليابانية Sōryū class submarines

 

ويمثل الاعتماد المتواصل على الصين أحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام مشروع إعادة بناء القاعدة الدفاعية اليابانية فعلى الرغم من الجهود التي بذلتها طوكيو خلال السنوات الأخيرة لتأمين سلاسل التوريد وتقليل نقاط الضعف الاستراتيجية فإن الصناعات العسكرية اليابانية ما تزال تعتمد على الصين في توفير عدد من المكونات الأساسية الداخلة في تصنيع المعدات الدفاعية، ويزداد هذا التحدي تعقيدًا بالنظر إلى أن معظم شركات الصناعات الدفاعية اليابانية ليست شركات متخصصة حصريًا في المجال العسكري بل أقسامًا تابعة لتكتلات صناعية وتكنولوجية عملاقة لا تمثل الصناعات الدفاعية سوى نسبة محدودة من عائداتها، وفي المقابل تعتمد قطاعاتها التجارية الأكثر ربحية بصورة كبيرة على السوق الصينية الأمر الذي يضع هذه الشركات أمام معادلة دقيقة بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية، وحتى الآن أبدت الشركات اليابانية استعدادًا لتطوير منظومات دفاعية قد تنظر إليها بكين باعتبارها تهديدًا مباشرًا إلا أن استمرار التصعيد والضغوط الاقتصادية الصينية قد يدفع بعض هذه الشركات إلى إعادة حساباتها مستقبلًا.

وفي موازاة ذلك تواجه الشركات اليابانية تحديًا آخر يتمثل في محدودية خبرتها في المنافسة داخل سوق السلاح العالمية، فمن الناحية التاريخية تعاملت المؤسسات الصناعية اليابانية مع الإنتاج الدفاعي بوصفه مساهمة وطنية ذات طابع خدمي أكثر من كونه نشاطًا تجاريًا قائمًا على الربحية والتوسع الدولي، ولذلك تفتقر هذه الشركات إلى الخبرة المتراكمة في مجالات التسويق العسكري الدولي وبناء شبكات النفوذ السياسي والتفاوض على عقود التسلح الخارجية، كما أن الحكومة اليابانية نفسها لم تطور بعد الأدوات الدبلوماسية والمؤسساتية اللازمة لدعم شركاتها الدفاعية في الأسواق العالمية. وعلى النقيض من ذلك تتبنى كوريا الجنوبية نموذجًا أكثر هجومية وفاعلية في تسويق صناعاتها العسكرية، إذ توظف أدواتها السياسية والدبلوماسية بصورة مكثفة لتسهيل إبرام الصفقات الدولية ودعم الشركات الوطنية، ومن ثم فإن دخول اليابان الفعلي إلى سوق السلاح الدولية يتطلب تطوير منظومة جديدة من الخبرات التجارية والدبلوماسية والمؤسساتية التي لا تزال في طور التشكّل. كما تحتاج الصناعات الدفاعية اليابانية إلى دعم مالي واسع النطاق لتمكينها من توسيع طاقتها الإنتاجية وتعزيز قدراتها التصنيعية، فالشركات اليابانية ما تزال مقيدة بسياسات مالية محافظة تتبناها وزارة المالية إضافة إلى محدودية منظومة رأس المال الاستثماري المحلية التي تتسم بالحذر وضعف الميل نحو الاستثمارات عالية المخاطر، وفي هذا السياق قد تجد شركات رأس المال المغامر الأميركية ولا سيما في وادي السيليكون فرصة استراتيجية للاستثمار في قطاع الصناعات الدفاعية الياباني، كذلك قد ترى واشنطن في تقديم دعم مباشر للمشروعات الدفاعية اليابانية استثمارًا استراتيجيًا يخدم المصالح الأمنية المشتركة بين البلدين. ومع ذلك يبقى التحدي الأكثر خطورة بالنسبة لليابان متمثلًا في هشاشة بنيتها الخاصة بالأمن السيبراني، فقد كشفت الاختراقات المتكررة للأنظمة والشبكات اليابانية عن ثغرات مقلقة أثارت مخاوف متزايدة داخل الولايات المتحدة بشأن سلامة تبادل المعلومات الاستخبارية الحساسة مع حليف يعاني قصورًا في الحماية الإلكترونية، وتعود هذه الهشاشة إلى مجموعة من العوامل من بينها تشتت المسؤوليات بين المؤسسات الحكومية والقيود القانونية والتنظيمية فضلًا عن محدودية الكفاءات البشرية المتخصصة في مجال الأمن السيبراني. وتتيح هذه الثغرات للخصوم إمكانية الوصول إلى بيانات حساسة وسرقة معلومات استراتيجية بما يهدد القدرات العسكرية اليابانية ويقوض مكانة طوكيو كشريك موثوق في مجالات التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة، وبالتالي فإن قدرة اليابان على التصدي للهجمات السيبرانية الصينية والكورية الشمالية وحماية ملكيتها الفكرية وبيانات شركائها، ستشكل عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان التوسع في الإنفاق العسكري سيتحول إلى قوة ردع فعلية ومستدامة.

وقد قوبلت التحركات الدفاعية اليابانية برد فعل صيني متشدد، إذ فرضت بكين عقوبات على عدد من الشركات اليابانية وشددت القيود على صادرات المعادن الحيوية فضلًا عن اتخاذ إجراءات للحد من السياحة الصينية إلى اليابان، كما عمدت وسائل الإعلام الصينية الرسمية إلى تصوير قرار طوكيو السماح بتصدير الأسلحة الفتاكة باعتباره مؤشرًا على عودة النزعة العسكرية اليابانية المرتبطة بإرث الحرب العالمية الثانية.

غير أن العديد من دول المنطقة لا تشارك بكين هذا التوصيف. ففي نيسان استقبلت الفلبين قوات قتالية يابانية على أراضيها للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ضمن تدريبات عسكرية مشتركة تعكس تنامي الشراكة الأمنية بين البلدين، وفي أيار حظيت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكائيتشي باستقبال رسمي لافت في فيتنام، حيث ناقش الجانبان ملفات تتعلق بأمن بحر الصين الجنوبي، وسلاسل توريد المعادن الحيوية والتعاون الاستراتيجي في مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة.

ورغم احتمالات تصاعد الضغوط والإجراءات الانتقامية الصينية خلال المرحلة المقبلة لا تبدو حكومة تاكائيتشي مستعدة للتراجع عن مسارها الدفاعي الجديد، صحيح أن إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية اليابانية ستتطلب سنوات من العمل والاستثمار حتى في حال تمكنت طوكيو من تجاوز العقبات الهيكلية التي تواجهها إلا أن المؤشرات الحالية تعكس وجود إرادة سياسية واضحة للمضي قدمًا في هذا التحول الاستراتيجي، وكما أكدت رئيسة الوزراء اليابانية خلال إطلاق مراجعة شاملة لاستراتيجية الأمن القومي الشهر الماضي “لا يوجد وقت يمكن إضاعته”.

 

* Matthew Finkel, The Return of Japanese Hard Power Why Tokyo Is Bulking Up Its Defense Industrial Base, Foreign Affairs, May 5, 2026.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى