الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
سيناريوهات الصراع في “الشرق الأوسط” وانعكاساتها على العراق

بقلم: أ.م.د أوراد محمد مالك كمونه
كلية العلوم السياسية / جامعة بغداد
تشهد منطقة “الشرق الأوسط” في المرحلة الراهنة تصاعدًا في مستوى التوترات السياسية والعسكرية نتيجة التفاعلات المعقدة بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، ويُعدّ هذا التصعيد جزءًا من سياق أوسع يتصل بإعادة تشكيل توازنات القوة في المنطقة، إذ تسعى كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل” إلى احتواء النفوذ الإيراني المتنامي، في حين تعمل إيران على توسيع مجال تأثيرها الإقليمي وتعزيز حضورها في عدد من الساحات الاستراتيجية، وفي ظل هذه البيئة المتغيرة، يبرز العراق بوصفه دولة تقع في قلب هذه التفاعلات بحكم موقعه الجيوسياسي وتشابك علاقاته السياسية والأمنية مع الأطراف المختلفة، الأمر الذي يجعل تطورات الصراع الإقليمي ذات تأثير مباشر أو غير مباشر على استقراره الداخلي وخياراته السياسية.
يتسم التفاعل بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى بطابع تنافسي مركب يجمع بين عناصر الردع والصراع غير المباشر، فالولايات المتحدة ما تزال تنظر إلى أمن المنطقة من منظور الحفاظ على توازن القوى ومنع أي قوة إقليمية من تحقيق هيمنة استراتيجية، في حين ترى “إسرائيل” أن تنامي القدرات العسكرية الإيرانية وتوسع شبكات النفوذ المرتبطة بها يمثلان تحديًا مباشرًا لأمنها القومي، في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية توسيع النفوذ الإقليمي من خلال أدوات سياسية وأمنية متعددة، الأمر الذي أدى إلى تشكل نمط من الصراع غير المباشر أو ما يُعرف أحيانًا بحروب الظل، هذه التفاعلات تسهم في رفع مستوى التوتر في المنطقة وتزيد من احتمالات التصعيد المحدود، دون الوصول بالضرورة إلى مواجهة شاملة، لكنها في الوقت ذاته تخلق بيئة إقليمية غير مستقرة تنعكس آثارها على الدول الواقعة ضمن هذا المجال الجغرافي.
يقع العراق في موقع جغرافي وسياسي يجعله متأثرًا بصورة واضحة بالتفاعلات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك بالسياسات الإقليمية “لإسرائيل”، فالعراق يرتبط بعلاقات سياسية وأمنية مع الولايات المتحدة في إطار التعاون الأمني ومكافحة الإرهــ ــاب، وفي الوقت نفسه تجمعه علاقات تاريخية وجغرافية واقتصادية وثيقة مع إيران ، هذا التداخل في العلاقات يضع العراق في وضع معقد يتطلب منه إدارة توازن دقيق بين هذه الأطراف، بما يضمن الحفاظ على سيادته واستقراره الداخلي، أن أي تصعيد إقليمي قد ينعكس على الساحة العراقية من خلال الضغوط السياسية أو التوترات الأمنية أو التأثيرات الاقتصادية، وهو ما يدفع صناع القرار في العراق إلى تبني سياسات تميل إلى التهدئة وتجنب الانخراط في محاور الصراع الإقليمي.

أما انعكاسات التصعيد الإقليمي على الأمن والاستقرار في العراق، فإن استمرار حالة التوتر بين الولايات المتحدة و”اسرائيل” والجمهورية الاسلامية في إيران قد يترك مجموعة من التأثيرات على البيئة السياسية والأمنية في العراق، فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وارتباطه بتفاعلات المنطقة قد يتأثر بأي تحولات في ميزان القوى أو أي تصعيد عسكري محتمل، كما أن حالة عدم الاستقرار الإقليمي يمكن أن تنعكس على الأوضاع الاقتصادية والسياسية الداخلية، خاصة في ظل ارتباط العراق بمنظومة إقليمية من العلاقات التجارية والطاقة والتعاون الأمني، وفي هذا السياق، يبرز التحدي أمام العراق في كيفية الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة تسعى إلى تقليل آثار الاستقطاب الإقليمي، والعمل على تعزيز دوره كطرف يسهم في التهدئة والحوار بدلاً من أن يكون ساحة للتنافس والصراع بين القوى المختلفة.
إن التفاعلات القائمة بين الولايات المتحدة و”اسرائيل” وإيران تمثل أحد العوامل الرئيسة التي تسهم في تشكيل البيئة الاستراتيجية “للشرق الأوسط” في المرحلة الحالية، وبينما تسعى هذه القوى إلى تحقيق مصالحها الأمنية والاستراتيجية، يجد العراق نفسه أمام ضرورة تبني مقاربات سياسية ودبلوماسية قادرة على إدارة التوازنات المعقدة في المنطقة، بما يحافظ على استقراره الداخلي ويحد من انعكاسات التصعيد الإقليمي على أمنه الوطني، في إطار التحليل الاستراتيجي للصراع الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة و”إسرائيل”، غالبًا ما تعتمد الدراسات في العلاقات الدولية على تحليل السيناريوهات المستقبلية لفهم المسارات المحتملة للتطورات الأمنية والسياسية.
في ظل الحرب القائمة بين الولايات المتحدة و”اسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات مستقبلية محتملة لمسار الحرب في “الشرق الأوسط” وانعكاساتها على العراق، وفق منطق تحليل الصراعات الدولية وتوازنات القوى الإقليمية:
السيناريو الأول: اتساع نطاق الحرب إقليمياً (سيناريو التصعيد الشامل)
يقوم هذا السيناريو على احتمال توسع العمليات العسكرية لتشمل مسارح جغرافية أوسع في الشرق الأوسط، نتيجة استمرار الضربات المتبادلة واستهداف المصالح العسكرية للطرفين، وقد يؤدي ذلك إلى انخراط قوى إقليمية أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر تقديم الدعم العسكري أو فتح جبهات جديدة.
انعكاساته على العراق
-
تحوّل العراق إلى ساحة ضغط استراتيجي بسبب وجود مصالح عسكرية وأمنية للطرفين داخل أراضيه.
-
زيادة احتمالات استهداف القواعد العسكرية أو البعثات الأجنبية.
-
تصاعد الانقسام السياسي الداخلي بين القوى المؤيدة أو المعارضة لأحد أطراف الحرب.
-
تراجع الاستقرار الاقتصادي نتيجة اضطراب أسواق الطاقة والتجارة الإقليمية.
السيناريو الثاني: حرب الاستنزاف طويلة الأمد (سيناريو الحرب الممتدة)
يفترض هذا السيناريو استمرار الحرب لفترة طويلة دون حسم عسكري واضح، إذ تعتمد الأطراف المتحاربة على استراتيجية الاستنزاف من خلال الضربات المحدودة، العمليات غير المباشرة، والحروب بالوكالة.
انعكاساته على العراق
-
بقاء العراق في حالة توتر أمني مستمر نتيجة امتداد العمليات العسكرية في محيطه الجغرافي.
-
زيادة الضغوط السياسية على الحكومة العراقية لتحديد موقفها بين القوى المتصارعة.
-
تذبذب الوضع الاقتصادي بسبب عدم استقرار أسعار النفط وطرق التجارة.
-
استمرار استخدام العراق كمنطقة نفوذ وتأثير ضمن التنافس الجيوسياسي الإقليمي.
السيناريو الثالث: الاحتواء الدولي وفرض تسوية مرحلية (سيناريو إدارة الحرب)
يقوم هذا السيناريو على تدخل قوى دولية كبرى ومنظمات دولية للحد من توسع الحرب، عبر فرض ترتيبات سياسية أو أمنية مؤقتة تقلل من حدة العمليات العسكرية دون إنهاء جذور الصراع.
انعكاساته على العراق:
-
حصول العراق على فرصة لتعزيز سياسة التوازن في علاقاته الخارجية.
-
انخفاض مستوى التوتر الأمني مقارنة بمرحلة التصعيد.
-
إمكانية توظيف موقع العراق الدبلوماسي في الوساطة الإقليمية.
-
بقاء تأثيرات الحرب غير المباشرة مثل الضغوط الاقتصادية والتحالفات الإقليمية.
أن ترجيح سيناريو الاحتواء الدولي يعود إلى طبيعة التوازنات الاستراتيجية التي تحكم الحرب الجارية في “الشرق الأوسط”، إذ إن استمرار العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة و”اسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى يهدد بتوسيع نطاق الحرب بصورة قد تضر بمصالح القوى الدولية الكبرى، لذلك تميل هذه القوى عادةً إلى التدخل لمنع تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تؤدي إلى اضطراب النظام الإقليمي وتهديد استقرار أسواق الطاقة العالمية وخطوط التجارة الدولية، أن إدارة الحرب عبر آليات الاحتواء والضغط الدبلوماسي تمثل الخيار الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، إذ تسعى القوى الدولية إلى تقليل مستوى التصعيد العسكري مع إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها سياسياً وأمنياً، ويعزز هذا الاحتمال إدراك الأطراف المتحاربة نفسها لارتفاع كلفة الحرب المفتوحة، الأمر الذي يدفعها– ولو بصورة غير مباشرة– إلى القبول بترتيبات مرحلية تقلل من حدة المواجهة دون أن تنهي أسباب الصراع بشكل كامل.
ويشكل العراق أحد الأطراف المتأثرة بهذه الترتيبات، إذ يمكن أن يستفيد من حالة الاحتواء الدولي عبر اتباع سياسة توازن في علاقاته الإقليمية والدولية، والسعي إلى تقليل تداعيات الحرب على أمنه واستقراره الداخلي، إذ تعتمد المسارات المستقبلية للحرب في “الشرق الأوسط” على طبيعة توازن القوة بين الأطراف المتحاربة، ومدى تدخل القوى الدولية، ومستوى التصعيد العسكري في الإقليم، وفي جميع السيناريوهات يبقى العراق متأثراً بدرجات متفاوتة بحكم موقعه الجيوسياسي وارتباطه بشبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والدولية.
المصادر
-
عبد الله، أحمد محمد. «التنافس الأمريكي– الإيراني في “الشرق الأوسط” بعد حرب غزة 2023: تحولات الردع الإقليمي»، مجلة دراسات دولية، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، جامعة بغداد، العدد 97، 2024.
-
محمد، ميسر فتحي. «الأداء الاستراتيجي للولايات المتحدة في “الشرق الأوسط”: قراءة مستقبلية في إدارة الصراع الإقليمي»، مجلة العلوم الإنسانية، كلية الإمام الجامعة، العدد 6، 2024.
-
مركز الجزيرة للدراسات. «الحسابات الأمريكية والإيرانية في” الشرق الأوسط”: سيناريوهات التصعيد والتهدئة»، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2025.
-
مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. «التنافس الأمريكي– الإيراني في “الشرق الأوسط”: تحولات الاستراتيجية الإقليمية»، القاهرة، 2025.
-
مركز الجزيرة للدراسات. «”الشرق الأوسط” على حافة التصعيد: حسابات الحرب بين إيران و”إسرائيل”»، الدوحة، 2025.
-
المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS). «التوازن العسكري في “الشرق الأوسط” 2024–2025»، لندن، 2024.
-
وكالة رويترز. «صمود وقف هش لإطلاق النار بين إيران و”إسرائيل” بعد تصعيد عسكري»، قسم الشؤون الدولية، 2025.
-
صحيفة الغارديان. «تصاعد هجمات الميليشيات المرتبطة بإيران على أهداف أمريكية و”إسرائيلية” في “الشرق الأوسط”»، 2026.
-
نبيل فهمي. قيد التشكيل: “الشرق الأوسط” بين تحولات النظام الدولي والتفاعلات الإقليمية. أبوظبي: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 2025. على الرابط:
https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/10397. Gulf Research Center.
-
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. “الشرق الأوسط”: ديناميكيات 2025 وأولويات 2026.
أبوظبي: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 2025. على الرابط: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/10703



