الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

توظيف الثغرات من قبل الخصوم في إطار الحرب الدائرة في “الشرق الاوسط”

بقلم: أ.د سعد السعيدي

مدير مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

في خضم الحرب الدائرة في “الشرق الاوسط” والتي فرضتها الولايات المتحدة و”اسرائيل” منذ ايام على ايران، وبعد تجاوز الولايات المتحدة لكل الخطوط الحمراء بالنسبة لايران والمتمثلة بأغتيال المرشد الاعلى للثورة الايرانية وكبار القادة العسكريين فأن مؤشرات الحرب والقتال  تبدوا انها ماضية الى مزيد من التعقيد والتصعيد وستتجاوز كل ما رسمه المتابعون لهذه الحرب من خطوط من المعتقد لا يمكن تجاوزها، وهذا الامر بات واضحا عبر طبيعة الهجمات التي بدأت القوات الايرانية تشنها في المنطقة وعلى جميع مسارح العمليات المتاحة.

ولكل طرف من اطراف الحرب  قائمة  من الثغرات ذات الطابع الاستراتيجي او العملياتي  يمكن توظيفها من قبل الطرف الاخر لممارسة الضغط  على الخصوم والظفر بالنصر في النهاية او على الاقل افشال خطط الطرف الاخر وتقليل حجم الخسائر ويمكن التطرق الى البعض منها وكالاتي:

 

اولاً: الثغرات التي توظفها ايران ضد خصومها

  1. توظيف هشاشة الجبهة الخليجية للضغط على الولايات المتحدة لايقاف الحرب من جهة، وفرض موقف ايراني عسكري مهيمن على مسرح العمليات في الطرف الاخر من الخليج، واظهار القدرة على الانتقام المؤكد من العدو عبر تدمير قواعده ومقراته بل وحتى تواجده الاستخباري وتمثيله الدبلوماسي في هذه الدول ودفعه الى الانكفاء والانسحاب تحت وطأة القصف والتدمير، ووضع كامل التجربة الخليجية التنموية بما فيها مضلة الاستقرار الامني والاقتصادي والاستثماري واللوجستي تحت رحمة الارادة الايرانية في الوقت الحالي والمستقبلي، وهذا الامر يمثل ضغط سياسي وعسكري هائل على مصدر القرار الخليجي ويدفعه لمراجعة خياراته السياسية واصطفافاته الدبلوماسية وتحالفاته العسكرية، وقد ينتهي هذا الضغط الايراني الكبير على الجبهة الخليجية الهشة بواحد من خيارين الاول هو ان تفقد الدول الخليجية صبرها وتقرر الدخول في حرب مباشرة ضد ايران وهذا الامر يعد مفيد لكل من ايران والولايات المتحدة و”اسرائيل” معا فهو مفيد لايران لانه سيفتح لها جبهة هشة تستطيع  فيها تحقيق انتصارات كبيرة وتدمر قدرات دول مجاورة تمتلك مفاتيح ضغط على صانع القرار الامريكي بشكل يدفعها للضغط على الولايات المتحدة لوقف القتال والرجوع الى التفاوض مع ايران، اما بالنسبة للولايات المتحدة و”اسرائيل” فهما يرغبان بأن تتحمل دول الخليج جزء كبير من تكاليف الحرب عبر الدخول بشكل مباشر في الحرب بشكل يتيح للولايات المتحدة و”اسرائيل” تحويل مجرى الصراع  وبوصلة الحرب الى حرب ايرانية- خليجية عربية والاكتفاء بتقديم الدعم لدول الخليج  لتخوض الحرب بالنيابة عن الولايات المتحدة و”اسرائيل” والثاني ان تستمر دول الخليج بصمتها واتخاذها موقف دفاعي مما يسمح باستمرار المرونة التامة امام ايران لتنفيذ عملياتها العسكري في الخليج ضد اعدائها الامريكان وضد مرافق حيوية خليجية بشكل يظهرها كدولة مهيمنة في الخليج ويضعف من خيارات الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين.

 

  1. توظيف ملف الطاقة ومضيق هرمز

بعد الهجمات التي استهدفت العديد من المصافي والمنشأت النفطية من بينها مصافي الدقم في عمان ومصاقي رأس تنورة في السعودية ومصافي الفجيرة في الامارات، ومقرات بعض شركات النفط والغاز في الامارات والبحرين وقطر والكويت، وقيام الحرس الثوري الايراني بأغلاق مضيق هرمز واستهداف بعض ناقلات النفط التي لم تمتثل للقرار واغراقها بشكل يمثل انذار ايراني صارم لكافة الشركات والدول بعدم تحدي قرار الاغلاق، والتهديد الايراني بأحتمالية استهداف كل خطوط نقل الطاقة بما فيها تلك التي تمر خارج مناطق العمليات سواء منها المتوجهة الى الاتحاد الاوربي وامريكا عبر البحر الاحمر او انابيب الطاقة القادمة من اسيا الوسطى باتجاه اوروبا بات ملف الطاقة العالمي بيد ايران بشكل كبير، حيث يمكن لايران ان توظفه لخلق تذمر عالمي كبير بعد انقطاع الامدادت وزيادة اسعار الطاقة بشكل قد يفضي في النهاية الى تصاعد الضغط العالمي على الولايات المتحدة و”اسرائيل” لوقف الحرب او ايجاد حلول مقبولة لملفات الصراع مع ايران، فضلا عن زيادة الضغط الاقليمي من قبل الدول المتضررة (ومنها العراق) من توقف صادراتها النفطية وتعرض بنية الطاقة للدمار وانسحاب الشركات والمستثمرين الاجانب من هذه البلدان بمن فيهم الشركات الامريكية  بعد تحول بيئة الاستثمار الخليجي الى بيئة طاردة.

 

  1. استنزاف المخزون الامريكي و”الاسرائيلي” والخليجي الخاص باسلحة اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، حيث اثبتت مجريات القتال ان ايران تمتلك ميزات نسبية في تصنيع الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة الرخيصة والدقيقة التي تستطيع اختراق القدرات الدفاعية للخصوم بشكل واضح جدا بشكل مكنها من اصابة العديد من اهدافها على مسافات بعيدة جدا من مصادر اطلاقها الامر الذي وضع خصومها بين امرين اما التصدي لهذه الهجمات بأحدث ما يمتلكون من منظومات دفاع جوي صاروخي متمثلة بمنظومات ثاد وباتريوت او القبة الحديدية ونظام ارو والانظمة الليزرية وهي انظمة مكلفة جدا ومحدودة العدد مقارنة بعدد الصواريخ والمسيرات الايرانية، واما ترك بعضها للوصول الى اهدافها تحت ضغط النقص في الاسلحة الدفاعية مما يفضي الى الحاق خسائر فادحة في جبهة خصوم ايران بعد ان اغرقتهم بعدد هائل من الصواريخ المختلفة والطائرات المسيرة.

 

منظومة الدفاع الجوي الصاروخي ثاد THAAD

 

  1. ادخال اطراف محور المقاومة الى الحرب بشكل محسوب لتشتيت قدرات الخصوم واشغالهم بمعارك جانبية,  وتوفير غطاء عملياتي وتكتيكي للهجمات الايرانية على “اسرائيل” والتواجد العسكري والاستخباري والدبلوماسي الامريكي في المنطقة واستهداف كل المصالح الامريكية دون تحفظ، وهذا الامر بدا واضحا بعد دخول حZب الله اللبناني الى الحرب منذ يومين ودخول عدد من فصائل المقاومة في العراق الى الحرب بعد اعلانهم توجيه ضربات الى اهداف في الكويت وربما سنشهد هجمات قريبا من اليمن باتجاه اهداف امريكية و”اسرائيلية” في البحر الاحمر والمنطقة، وربما استهداف مناطق سعودية في العمق السعودي اذا ما قررت السعودية الدخول رسميا في الحرب ضد ايران.

 

ان دخول باقي اطراف محور المقاومة الى الحرب قد لا يعني توسيع دائرة القتال الى لبنان والعراق واليمن وربما سوريا انما قد يعني كذلك ان كل شي اصبح مباح ومتاح في هذه الحرب بما فيه استهداف السفارات والقنصليات الامريكية- “الاسرائيلية” في المنطقة والعالم واستهداف الاشخاص والشخصيات المهمة والشركات الكبرى واشعال الداخل “الاسرائيلي” عبر تنظيمات فلسطينية معينة واستهداف كل ما يمت بصلة للمعسكر الامريكي- “الاسرائيلي”.

 

ثانياً: الثغرات التي توظفها الولايات المتحدة واسرائيل ضد ايران

  1. العمل على تدمير مخازن الصواريخ ومنصات اطلاقها والطائرات المسيرة

فالولايات المتحدة و”اسرائيل” تعلم ان رأس الحربة في استراتيجية الردع الايرانية تكمن في صواريخها البالستية والتي تصل الى مسافات بعيدة وبسرعة فائقة ويمكنها اصابة العمق “الاسرائيلي”، لذلك فهي تعمل وبشكل مكثف وسريع على استهداف مصانع ومخازن الصواريخ والتي يقع اغلبها في مخابيء تحت الارض وتحت الجبال لحمايتها من الاستهداف،  وهذا ما يفسر استخدام القاذفات الاستراتيجية الامريكية في العديد من الهجمات على مواقع ايرانية في الايام الماضية، حيث يأمل الامريكان و”الاسرائيليين” تدمير اغلب القدرات الايرانية الصاروخية لتقليل تدريجي لحجم الهجمات الصاروخية من اجل الوصول في النهاية الى تصفير الهجمات الصاروخية ضد “اسرائيل” او الوصول الى عدد قليل جدا من الهجمات بشكل يمكن السيطرة عليه عبر المتاح من انظمة الدفاع الجوي، مما يتيح مرونة عالية للامريكيين و”الاسرائيليين” في مجال مواصلة الحرب على ايران دون تحمل خسائر كبيرة، ومواصلة الضغط على القيادة الايرانية للقبول بشروطهم قبل وقف الحرب والتي من اهمها انهاء البرنامجين النووي والصاروخي وتكبيل ايران بشروط اخرى تضعف من مكانتها ودورها.

 

  1. العمل على فتح جبهة داخلية ضد ايران عبر دعم جماعات ايرانية مسلحة ودفع بعض قطاعات المجتمع بمن فيهم بعض القيادات العسكرية لا سيما المعارضة للنظام السياسي او المتضررة الى القيام بأنشطة مزعزعة عبر تحفيزهم سياسيا واقتصاديا للانقلاب على النظام السياسي او استهداف اجهزة الامن واشغالها بمعارك داخلية، ومن الملاحظ ان هناك تحضيرات لبعض الاحزاب والجماعات المسلحة الكردية الايرانية تستعد لخوض معارك مع الاجهزة الامنية الايرانية بدعم وغطاء جوي امريكي “اسرائيلي” في مناطق كردستان وايلام وكرمنشاه وغيرها من المناطق في حال تراجعت قدرات الجيش والامن الايرانية تحت ضغط الهجمات والقصف، وقد بدا واضحا ان هناك تركيز “اسرائيلي” على استهداف التواجد العسكري الايراني في المناطق المحاذية للعراق في ما يشبه التمهيد لاضعاف هذه الجبهة لافساح المجال وبدعم استخباري مباشر للجماعات الكردية للتغلغل والسيطرة على بعض المناطق وتشجيع جماعات اخرى في شرق البلاد وهم الجماعات البلوشية لتكرار نفس التجربة لخلخلة الجبهة الداخلية الايرانية واضعافها.

 

  1. تكرار الاوامر المتعلقة بالاخلاء السكاني مثلما يحدث في لبنان من اجل احداث اضطراب سكاني كبير لا سيما في طهران عبر توجيه ندائات للسكان بمغادرة مناطق كبيرة في طهران من اجل قصفها واعتبارها منطقة عمليات عسكرية، وزيادة الضغط على السكان بعد خلق ازمات غذاء ومياه ووقود وسكن، وبشكل يفضي بالنهاية الى خلق ازمات داخلية كبيرة واضطراب اجتماعي وتهيئة الارضية للفوضى والصدامات الداخلية.

 

  1. العمل على استهداف مفاصل القيادة العسكرية والسياسية وتفكيكها وتدمير مراكز القيادة والسيطرة واستهداف انظمة الاتصالات والتواصل بين القيادات العسكرية والسياسية، ودفع القيادات الميدانية للعمل بشكل منفصل عن بعضها بشكل يربك مركزية القرار، والسعي لان يستفرد الحرس الثوري بالقرار العسكري والسياسي لاضعاف وحدة النظام السياسي ومركزيته وصولا الى عزل النظام تماما اقليميا ودوليا عبر اظهاره وكأنه كنظام عسكري- سلطوي يقوده جناح ثوري- عسكري متشدد.

 

ان وجود هذه الثغرات في جبهة طرف معين لا يعني حتمية نجاح الطرف الاخر في توظيفها لمصلحته، فلكل طرف خططه الوقائية الدفاعية السرية والعلنية الخاصة، قطعا ايران اعدت نفسها لحرب طويلة وحصار طويل وبنت بنى عسكرية سرية ومحصنة واعدت خططها الخاصة باحتمالية استهداف قياداتها الاساسية ووضعت خيارات لاحلال قيادات محل اخرى لا سيما ان نظامها السياسي نظام مرن يستطيع العمل في حال غياب اعلى سلطه فيه وله القدرة على انتخاب المستويات المختلفة من القيادة البديلة بسرعة، فضلا عن وضعع خطط لاحتواء اي اضطرابات داخلية والعمل على تدعيم استقرار الجبهة الداخلية بالاستناد الى اجهزة عسكرية وامنية متجذرة وعقائدية لا تنهار بسهولة او تتفكك بمجرد اغتيال قياداتها.

وفي المقابل فأن الولايات المتحدة باعتبارها قوة عظمى تمتلك بدائل كثيرة وتستطيع استبدال خططها العسكرية والميدانية وفقا للتطورات واستخدام اسلحة جديدة اكثر فتكا وتدميرا او تعمل على تفادي نقاط الاحراج التي يمكن ان تدفعها ايران باتجاهها، ومن هنا فأن القدرة على امتصاص الصدمات والضربات الكبرى والقدرة على الصمود لفترة اطول وتحميل الطرف الاخر تكاليف باهضة هي المعايير الاساسية في مدى قدرة الاطراف على استمرار هذه الحرب، حيث لا تزال هذه الحرب  غير صفرية وتسمح بأستئناف المفاوضات اذا ما وصلت الاطراف المتحاربة الى قناعة بصعوبة تحقيق اهدافها عبر الحرب وحدها، وقد تذهب اطراف الحرب الى المفاوضات مرة اخرى بسقف جديد بعد ان تستوعب الموقف الجديد الذي باتت فيه.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى