الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
من نيكسون إلى ترامب.. الاستقطاب السياسي بوصفه استراتيجية للسلطة والانتخابات

من “الأغلبية الصامتة” عام 1970 إلى “ماغا” عام 2026: دروس التاريخ الأميركي وحدود السياسة القائمة على الخوف من الخصم
بقلم: د. محمد حسن سعد
الولايات المتحدة الأميركية
ليست أخطر التحولات في السياسة الأميركية تلك التي تغيّر السياسات العامة وحدها، بل تلك التي تغيّر طبيعة المنافسة السياسية نفسها: من التنافس على البرامج والإنجازات إلى الصراع على تعريف الوطن، ومن محاولة إقناع الناخب إلى محاولة تخويفه من خصمه. فعندما تتراجع الثقة بأداء الحزب الحاكم، يصبح أمامه خياران: أن يدافع عن حصيلته ويقنع المواطنين بجدوى سياساته، أو أن يعيد صياغة المعركة الانتخابية بحيث لا يعود السؤال الأساسي ما الذي أنجزه، بل ما الذي قد يفعله خصومه إذا وصلوا إلى السلطة.
هذا المنطق ليس جديداً في السياسة الأميركية، فمن ريتشارد نيكسون عام 1970 إلى دونالد ترامب عام 2026، مرّت الولايات المتحدة بمراحل متعددة حاولت فيها القيادات الحزبية تحويل الانقسامات الاجتماعية والثقافية إلى أدوات للتعبئة الانتخابية. لكن التاريخ يقدم درساً أكثر تعقيداً من القول إن الاستقطاب ينجح أو يفشل: فقد يساعد الحزب على إحكام قبضته على قاعدته، لكنه قد يدفع خصومه أيضاً إلى مشاركة أكبر، وقد يمنحه مكاسب في مجلس من الكونغرس بينما يعرّضه لخسائر في المجلس الآخر. والنتيجة النهائية تتوقف على التفاعل بين الخطاب السياسي، والأداء الاقتصادي، وشخصية الرئيس، وطبيعة المرشحين، وتوزيع الأصوات في الدوائر المتنافسة.
أولاً: نيكسون عام 1970 وصناعة “الأغلبية الصامتة”
عندما وصل ريتشارد نيكسون إلى البيت الأبيض عام 1969، كانت الولايات المتحدة تعيش اضطراباً عميقاً بسبب حرب فيتنام، والاحتجاجات الطلابية، والصراع حول الحقوق المدنية، والانقسامات الثقافية، ولم يعد الخلاف محصوراً في السياسات الحكومية، بل تحول إلى صراع على معنى الوطنية، وعلى من يمثل أميركا الحقيقية.
في مواجهة هذا المشهد، قدّم نيكسون نفسه مدافعاً عن “الأغلبية الصامتة”، أي الأميركيين الذين لا يشاركون في الاحتجاجات ويرون أن البلاد تحتاج إلى استعادة النظام والاستقرار. أما نائبه سبيرو أغنيو، فاضطلع بدور هجومي في مواجهة الإعلام والنخب الليبرالية والمعارضين للحرب، وجرى توظيف مفهوم “الاستقطاب الإيجابي” (Positive Polarization) لتكريس الانقسام باعتباره أداة انتخابية: معسكر يمثل الوطنية والنظام، وآخر يُصوَّر باعتباره مصدراً للفوضى والتطرف. كانت الاستراتيجية تقوم على نقل مركز النقاش من تقييم أداء الإدارة إلى تقييم هوية الخصم، وبدلاً من مطالبة الناخب بأن يحكم على نتائج السياسات، كان يُطلب منه أن يحدد موقعه في الصراع الثقافي والسياسي. لكن انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني 1970 كشفت حدود هذه المقاربة، فاحتفظ الديمقراطيون بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، وخسر الجمهوريون 12 مقعداً في مجلس النواب، بينما حققوا مكسباً صافياً محدوداً في مجلس الشيوخ. كما خسر الجمهوريون عدداً من سباقات حكام الولايات. وفي وقت كانت فيه الإدارة تصعّد خطابها ضد اليسار والاحتجاجات، ظل التضخم والبطالة وحرب جنوب شرق آسيا من الشواغل الأساسية للناخبين. لم يكن ذلك نهاية لاستراتيجية الاستقطاب، بل كشف أن تأثيرها ليس مطلقاً، فقد نجح خطاب نيكسون في تكوين هوية سياسية متماسكة لدى قطاعات من الأميركيين، لكنه لم يضمن تحويل هذه الهوية إلى أغلبية جمهورية في الكونغرس.
وعليه تكشف انتخابات 1970 عن حدود استراتيجية نيكسون: فقد نجحت الإدارة في ترسيخ خطاب “الأغلبية الصامتة” وتعزيز المواجهة مع خصومها، لكنها لم تتمكن من تحويل هذا الخطاب إلى أغلبية جمهورية في الكونغرس، وهذه هي المفارقة الأساسية في سياسة الاستقطاب، إذ إن تعميق الولاء داخل القاعدة الحزبية لا يعني بالضرورة توسيع التأييد خارجها، بل قد يدفع الخصوم إلى مزيد من التعبئة، فيما يظل الناخب المستقل منشغلاً بأداء الحكومة وتكاليف المعيشة ونتائج الحرب، وبذلك، قد ينجح الحزب في جعل خصمه أكثر رفضاً لدى أنصاره، من دون أن يجعل نفسه أكثر قبولاً لدى بقية الناخبين.
ثانياً: عام 1994 – حين تحولت المعارضة إلى مشروع سياسي منظم
تقدم انتخابات التجديد النصفي عام 1994 مثالاً مختلفاً على العلاقة بين الاستقطاب والنتائج الانتخابية. ففي عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، استغل الجمهوريون بقيادة نيوت غينغريتش الاستياء من الحكومة الفيدرالية، وصاغوا حملة وطنية منظمة حول وثيقة “العقد مع أميركا” (Contract with America)، التي تضمنت تعهدات تشريعية تتعلق بالضرائب والإنفاق الحكومي وإصلاح المؤسسات. لم تكن الاستراتيجية مجرد هجوم على الديمقراطيين، بل جمعت بين تصويرهم باعتبارهم ممثلي حكومة متضخمة، وتقديم برنامج بديل يستطيع الناخبون ربطه بتعهدات محددة، وكانت النتيجة تحولاً تاريخياً: حقق الجمهوريون مكسباً صافياً بلغ 54 مقعداً في مجلس النواب، وانتزعوا أغلبيته من الديمقراطيين للمرة الأولى منذ أربعة عقود، كما استعادوا السيطرة على مجلس الشيوخ. تكشف هذه التجربة عن فرق جوهري بين الاستقطاب بوصفه خطاباً عدائياً والاستقطاب المقترن بعرض سياسي منظم، فالغضب من الحزب الحاكم قد يفتح نافذة انتخابية، لكن وجود برنامج وشعارات قابلة للتسويق وتنظيم حزبي منسق يمنح هذا الغضب اتجاهاً سياسياً أوضح. وهذا لا يعني أن كل وعود “العقد مع أميركا” تحققت، أو أن الانتخابات كانت نتيجة عامل واحد، لكنه يبين أن المعارضة تستطيع تحويل السخط إلى مكاسب حين تنجح في ربط نقدها للحكومة بصورة بديلة عن الحكم. أما بالنسبة إلى ترامب عام 2026، فإن السؤال المقابل هو: هل يملك الجمهوريون خطاباً انتخابياً يتجاوز التحذير من الديمقراطيين، ويقدم إجابات مقنعة عن تكاليف المعيشة والطاقة والرعاية الصحية والسياسة الخارجية؟ أم أن الاعتماد على المواجهة سيصبح بديلاً عن الدفاع عن حصيلة الحكم؟
ثالثاً: عام 2010 ـــ حركة “تي بارتي” Tea Party وكيف تحول الغضب إلى قوة انتخابية
في انتخابات 2010 وبعد عامين من الأزمة المالية العالمية ووصول باراك أوباما إلى الرئاسة، تمكن الجمهوريون من استثمار الغضب من الحكومة الفيدرالية، والاعتراض على خطط الإنفاق والإصلاح الصحي، ومخاوف الضرائب والدين العام، وأسهمت حركة “تي بارتي” Tea Party في تعبئة قطاعات من الناخبين المحافظين، وتحدي بعض الجمهوريين التقليديين، ورفع الضغط على الحزب لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً. كانت النتيجة مكسباً جمهورياً صافياً بلغ 63 مقعداً في مجلس النواب، ما أعاد المجلس إلى السيطرة الجمهورية. كما حقق الجمهوريون مكاسب في مجلس الشيوخ، وإن لم يستعيدوا أغلبيته. لكن أهمية هذه التجربة لا تقتصر على حجم المكاسب، فقد أظهرت أن الاستقطاب يمكن أن يعمل من داخل الحزب نفسه أيضاً: إذ لا يقتصر الأمر على تعبئة الجمهوريين ضد الديمقراطيين، بل قد يتحول إلى ضغط على المؤسسة الجمهورية التقليدية، وإلى اختبار ولاء المرشحين لقواعد أكثر تشدداً. وهنا يظهر أحد أوجه التشابه مع حركة “ماغا”، فكلاهما يستثمر الشعور بأن النخب الحزبية التقليدية لا تمثل الناخبين بما يكفي، ويطالب بإعادة تشكيل الحزب حول هوية سياسية أكثر وضوحاً وحدّة، لكن هذا المسار يحمل تناقضاً داخلياً: فالحزب الذي ينجح في تعبئة قاعدته الأكثر حماسة قد يجد صعوبة في مخاطبة الناخبين المعتدلين والمستقلين الذين يحتاج إليهم في الانتخابات العامة.
وبعبارة أخرى، قد تمنح التعبئة الأيديولوجية الحزب قوة داخلية، لكنها قد تضيق في الوقت نفسه مساحة المناورة التي يحتاج إليها لتوسيع ائتلافه الانتخابي.
رابعاً: عام 2018 ـــ ترامب يحوّل انتخابات الكونغرس إلى استفتاء على شخصه
تقدم انتخابات التجديد النصفي لعام 2018 أقرب الأمثلة التاريخية إلى المعضلة التي يواجهها ترامب اليوم، فقد جعل الرئيس نفسه محوراً أساسياً للحملة، سواء عبر تعبئة أنصاره أو عبر استفزاز خصومه، وفي المقابل حوّل الديمقراطيون معارضة ترامب إلى عنصر جامع لحملاتهم، واستقطبوا قطاعات من الناخبين الذين أرادوا الحد من سلطته السياسية.
كانت النتيجة لافتة: حقق الديمقراطيون مكسباً صافياً بلغ 41 مقعداً في مجلس النواب، واستعادوا أغلبيته، بينما حقق الجمهوريون مكاسب في مجلس الشيوخ. هذه النتيجة مهمة لأنها توضح أن الاستقطاب لا يعمل في اتجاه واحد، فقد كان ترامب قادراً على رفع الحماسة لدى قاعدته، لكن حضوره المكثف منح الديمقراطيين أيضاً هدفاً واضحاً لتنظيم المعارضة حوله، وبذلك أصبحت شخصية الرئيس عاملاً مساعداً للحزبين في التعبئة، لا للجمهوريين وحدهم. كما أن التفاوت بين نتيجتي مجلسي الكونغرس يذكّر بأن التصويت ليس انعكاساً آلياً لمزاج وطني واحد، فالانتخابات المحلية، وتركيبة الدوائر، وشخصية المرشحين، ونوعية السباقات المطروحة، كلها تؤثر في النتيجة. والأهم أن عام 2018 قدم دليلاً عملياً على أن الرئيس قد ينجح في تعزيز ولاء قاعدته، لكنه لا يستطيع منع الناخبين المعارضين من استخدام الانتخابات النصفية لمحاسبته، فكلما ارتبط المرشح الجمهوري بالرئيس، أصبح من الممكن أن يستفيد من شعبيته بين أنصاره، لكنه يصبح أيضاً أكثر عرضة لتحمل كلفة رفضه لدى معارضيه.
خامساً: عام 2022 ـــ الاستقطاب لا يضمن “موجة” انتخابية
قبل انتخابات التجديد النصفي عام 2022، كانت هناك توقعات واسعة بمكاسب جمهورية كبيرة، مدفوعة بالتضخم وارتفاع الأسعار وانخفاض شعبية جو بايدن، لكن النتائج لم تتحول إلى موجة جمهورية بالحجم الذي توقعه كثيرون، اذ حقق الجمهوريون مكسباً صافياً محدوداً بلغ تسعة مقاعد في مجلس النواب، بينما احتفظ الديمقراطيون بالسيطرة على مجلس الشيوخ. توضح هذه التجربة أن الاستياء من الرئيس لا ينتقل بالضرورة بصورة مباشرة إلى مكاسب انتخابية واسعة لخصومه، فالناخب قد يكون غير راضٍ عن الاقتصاد، لكنه قد يعارض أيضاً بعض المرشحين أو مواقفهم، أو يعطي الأولوية لقضايا أخرى، كما أن قدرة الحزب على اختيار مرشحين يجذبون الناخبين خارج قاعدته التقليدية تؤثر في تحويل المزاج العام إلى أصوات.
ومن هنا، فإن الاستقطاب قد يصبح عبئاً على الحزب إذا أدى إلى تضييق خياراته الانتخابية أو جعل المرشحين أكثر ارتباطاً بمواقف لا تحظى بتأييد واسع، فالحملة التي تنجح في الانتخابات التمهيدية عبر مخاطبة القاعدة الأكثر تشدداً ليست مضمونة النجاح في الانتخابات العامة، حيث تتسع دائرة الناخبين وتختلف أولوياتهم. والدرس بالنسبة إلى 2026 هو أن غضب الناخبين من الرئيس، أو ارتفاع كلفة المعيشة، لا يكفيان وحدهما لتفسير النتيجة، اذ ينبغي النظر أيضاً إلى من يترشح، وكيف تُدار الحملات، وأي القضايا تصبح مركزية، ومدى قدرة الأحزاب على تحويل الاعتراض إلى مشاركة فعلية.
سادساً: عام 2026 ـــ عندما يصبح الرئيس نفسه محور المعركة
في الانتخابات الحالية، تظهر ملامح هذه المعضلة بوضوح، فقد جعل ترامب نفسه محوراً رئيسياً للخطاب الانتخابي، لكن خصومه يستخدمون هذا الارتباط بدورهم لتأطير المنافسة باعتبارها حكماً على أداء الإدارة. ووفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس نُشر في 16 تشرين الثاني عام 2026، أنفقت حملات ديمقراطية أكثر من 163 مليون دولار على إعلانات تلفزيونية تذكر ترامب منذ الأول من ايلول، بينما أنفقت الحملات الجمهورية نحو 11 مليون دولار على إعلانات تذكره. وأشار التقرير إلى أن الديمقراطيين يربطون المرشحين الجمهوريين بمواقف الإدارة في الرسوم الجمركية والرعاية الصحية والتحركات العسكرية، في حين يركز كثير من الجمهوريين على ملفات مثل الجريمة والضرائب، أو يتجنبون جعل الرئيس محور رسائلهم الإعلانية.
هذه الأرقام لا تثبت وحدها أن استراتيجية أحد الحزبين ستنجح، فالإنفاق الإعلاني لا يساوي الأصوات، كما أن مضمون الإعلان وتأثيره يختلفان باختلاف الدائرة الانتخابية، لكنها تكشف عن اختلاف في طريقة توظيف شخصية ترامب: فهو بالنسبة إلى بعض الجمهوريين مصدر تعبئة، وبالنسبة إلى خصومهم نقطة يمكن من خلالها ربط المرشحين المحليين بقرارات البيت الأبيض.
وتبرز هذه المعضلة في ولايات كانت تُعد تقليدياً معاقل جمهورية، فقد بات واضحاً أن الجمهوريين يواجهون صعوبات في ولايات مثل كانساس، رغم تاريخها الانتخابي المحافظ، وهذه الإشارة لا تعني أن الولاية فقدت هويتها الحزبية، لكنها توضح أن الانتماء الحزبي التقليدي لا يحصّن المرشحين بالضرورة من أثر المزاج الوطني أو من تقييم الناخبين لأداء الرئيس.
وهنا يعود سؤال نيكسون بصيغة معاصرة: هل يستطيع الحزب الحاكم أن يجعل الخوف من الخصم أقوى من الاستياء من الأداء؟ أم أن المرشحين سيجدون أنفسهم مضطرين إلى الابتعاد عن الرئيس في بعض الدوائر، حتى لو كان ذلك يثير اعتراضات داخل قاعدتهم الحزبية؟
سابعاً: الاقتصاد والسياسة الخارجية ـــ حين ينتقل الاستقطاب إلى حياة المواطن
لا يمكن فهم هذه المعركة من خلال الخطاب وحده. فالاقتصاد يظل عاملاً حاسماً في كيفية تقييم الناخبين للحكومة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالأسعار والطاقة والسكن والرعاية الصحية. وقد لا يتابع المواطن كل تفاصيل السياسة الخارجية، لكنه يشعر بتداعياتها إذا انعكست على أسعار الوقود أو تكلفة السلع أو توقعاته بشأن المستقبل. وفق استطلاع لمركز بيو للأبحاث في تشرين الأول عام 2026، قال 84% من الناخبين المسجلين إن الاقتصاد مهم جداً لقرارهم الانتخابي، وفي استطلاع آخر للفترة نفسها، رأى 65% من الأميركيين أن السياسات الاقتصادية لترامب جعلت الأوضاع أسوأ، مقابل 19% قالوا إنها جعلتها أفضل. وهذه مؤشرات على مزاج عام في فترة محددة، لا على نتيجة انتخابية محسومة. وتصبح هذه الأرقام أكثر أهمية عندما يواجه الحزب الحاكم تحدياً في تفسير الفجوة بين وعوده والواقع المعيشي، فقد يحاول الخطاب السياسي تحميل الخصم مسؤولية المشكلات، أو تحويل النقاش إلى الهجرة والهوية والثقافة، لكن قدرة هذا الخطاب على تغيير الأولويات تبقى محدودة إذا شعر الناخب بأن وضعه المالي يتدهور.
وهنا تكمن المفارقة: قد ينجح الاستقطاب في تحويل الانتباه إلى هوية الخصم، لكنه لا يضمن تغيير تجربة المواطن اليومية، فالأسعار لا تتراجع لمجرد أن الحملة تصعّد خطابها، والقلق الاقتصادي لا يختفي لأن الحزب ينجح في تعبئة أنصاره ضد الطرف الآخر.
ولا يعني ذلك أن الاقتصاد وحده يحدد الاختيار، فقد تؤثر الهجرة والإجهاض والديمقراطية والسياسة الخارجية في قرار الناخب، كما أن الولاءات الحزبية الراسخة قد تدفع كثيرين إلى تفسير الظروف الاقتصادية بطرق مختلفة، لكن القضايا المعيشية تظل اختباراً مباشراً للحكومة، لأنها تربط السياسة بالنتائج التي يلمسها المواطن بنفسه.
ثامناً: ما الذي تقوله المقارنة التاريخية فعلاً؟
تُظهر الحالات السابقة أن الاستقطاب ليس وصفة انتخابية ثابتة النتائج، بل آلية تتفاعل مع الظروف المحيطة بها. في عام 1970، لم يمنع خطاب “الأغلبية الصامتة” الجمهوريين من خسارة مقاعد في مجلس النواب، وفي عام 1994، اقترن استثمار الغضب من الديمقراطيين ببرنامج جمهوري منظم، فتحول إلى مكاسب كبيرة في المجلسين، وفي عام 2010، ساعدت التعبئة المحافظة على تغيير ميزان القوى في مجلس النواب. أما في 2018، فقد أسهم حضور ترامب في تعبئة أنصاره ومعارضيه معاً، وانتهى الأمر بخسارة الجمهوريين مجلس النواب مع تحقيقهم مكاسب في مجلس الشيوخ، وفي 2022، لم يتحول الاستياء من بايدن إلى موجة جمهورية كبيرة كما توقع بعض المراقبين. هذه المقارنات لا تسمح باستنتاج أن الاستقطاب يؤدي دائماً إلى النتيجة نفسها. لكنها تؤكد ثلاثة أمور:
-
أن تعبئة القاعدة لا تعني بالضرورة كسب الناخب المستقل أو المتردد.
-
أن الهجوم على الخصم قد يرتد على صاحبه إذا دفع الطرف المقابل إلى مشاركة أكبر، أو إذا جعل الرئيس محوراً موحداً للمعارضة.
-
أن الأداء الاقتصادي، ونوعية المرشحين، والقضايا المحلية، وتوزيع المنافسة بين الدوائر، عوامل تحدد مدى قدرة الخطاب على التحول إلى نتائج انتخابية.
خاتمة
إن المقارنة بين نيكسون وترامب ليست مجرد تشابه في اللغة الهجومية أو في استدعاء الخوف من الخصم، إنها مقارنة بين استراتيجيتين تحاولان تحويل الانقسام الاجتماعي إلى مورد انتخابي، وإعادة تعريف الانتخابات بوصفها معركة حول هوية الأمة وشرعية الطرف الآخر، لا مجرد تقييم لأداء الحكومة.
لكن التاريخ الأميركي يقدم تحذيراً واضحاً: يستطيع الاستقطاب أن يعيد ترتيب النقاش السياسي، وأن يرفع حماسة القاعدة، وأن يضع الخصم في موقع دفاعي، لكنه لا يضمن الفوز، ولا يعوض غياب الإنجاز، ولا يلغي حق المواطنين في محاسبة السلطة. وفي انتخابات 2026، سيعتمد تأثير هذه الاستراتيجية على مدى قدرة الجمهوريين على الحفاظ على تماسك قاعدتهم من دون خسارة مساحة أوسع من الناخبين، وعلى قدرة الديمقراطيين على تحويل معارضة ترامب إلى مشاركة انتخابية مستدامة، وعلى وزن الاقتصاد والسياسة الخارجية في قرار الناخبين.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح كراهية الخصم بديلاً عن إقناع المواطن، وعندما يتحول النجاح السياسي من القدرة على حل المشكلات إلى القدرة على إبقاء المجتمع في حالة صراع دائم، فالاستقطاب قد يساعد حزباً على الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها، لكنه لا يغني عن الحكم الفعّال، ولا يضمن ثقة المواطنين، ويمكن للحزب أن يقنع أنصاره بأن خصومه خطر، لكنه يظل مطالباً بإثبات أن سياساته تقدم إجابات عن مشكلات الناس.





