الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

حروب الطائرات المسيّرة في أفريقيا: من يحقق التفوق في ميدان الحرب الذاتية التشغيل؟

لم تعد أوكرانيا الساحة الوحيدة التي تشكل مستقبل الأنظمة القتالية المستقلة

بقلم: نيت ألين – وريدا لياموري

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

في 22 حزيران 2025 هاجمت طائرات مسيّرة بمنظور الشخص الأول (FPV) مرتبطة بالألياف الضوئية، شغّلها جبهة تحرير أزواد (FLA) وهي جماعة تمرد طوارقية قافلةً تابعة لـفيلق أفريقيا الروسي والقوات المسلحة المالية في شمال مالي، وتُظهر اللقطات المصورة الطائرات المسيّرة وهي تصيب شاحنتين قبل أن تنتقل إلى مشاهد لمقاتلين يقفون بجانب الحطام، وكانت دلالة العملية واضحة فبعد ما يزيد قليلًا على عام من ظهور الطائرات المسيّرة المرتبطة بالألياف الضوئية لأول مرة في أوكرانيا، تمكنت جماعة متمردة محدودة الموارد من توظيف تكنولوجيا متقدمة للغاية لإلحاق هزيمة رمزية بخصمين من الدول يتمتعان بتفوق نسبي في القدرات العسكرية. قبل عقد من الزمن كان استخدام الطائرات المسيّرة المسلحة في الأجواء الأفريقية يبدو مختلفًا تمامًا ففي عام 2011 نفذت الولايات المتحدة أول ضربة بطائرة مسيّرة في القارة الأفريقية مستهدفةً قيادات بارزة في حركة الشباب الصومالية الإسلامية، وفي ذلك الوقت كانت واشنطن تحتكر تقريبًا قدرات تشغيل الطائرات المسيّرة إذ لم تكن سوى الجيوش الأكثر تقدمًا في العالم تمتلك إمكانية الوصول إلى طائرة “بريداتور” المسيّرة التي بلغت كلفة الواحدة منها نحو 20 مليون دولار فضلًا عن الخبرة التقنية اللازمة لتشغيلها، إلا أن هذا الاحتكار انهار منذ ذلك الحين فخلال العقد الماضي اقتنت ما لا يقل عن 37 قوة عسكرية أفريقية طائرات مسيّرة بدرجات متفاوتة من التطور والتكلفة.

وقد أتاحت الطائرات المسيّرة للدول الأفريقية التي غالبًا ما تمتلك قوات صغيرة ومحدودة التجهيز توسيع نطاق عملياتها عبر مساحات شاسعة تتنازع فيها السلطة مع جهات أخرى، غير أن السنوات الأربع الأخيرة شهدت تحولًا مهمًا إذ بدأت الجهات المسلحة غير الحكومية في أكثر من اثنتي عشرة دولة باقتناء الطائرات المسيّرة وتجريبها، واستخدامها لدعم العمليات البرية وإلقاء قذائف الهاون وتنفيذ هجمات انتحارية. واليوم باتت هذه الجماعات توظف الأنظمة الجوية الصغيرة غير المأهولة – التي يمكن تجميع الكثير منها من مكونات رخيصة ومتاحة على نطاق واسع – بكفاءة تفوق أحيانًا كفاءة الدول نفسها التي لا تزال تعتمد على الحكومات الأجنبية في الحصول على هذه التقنيات، وبهذا أثبتت أن الفجوة بين الخصوم محدودي الموارد ونظرائهم الأكثر تمويلًا وتجهيزًا قد تقلصت بشكل ملحوظ منذ بدايات “حروب الطائرات المسيّرة”، الأمر الذي يهدد التفوق الجوي الذي تمتعت به الدول لعقود طويلة في مختلف أنحاء العالم.

ولم يعد بإمكان الحكومات الأفريقية استعادة ميزتها العسكرية من خلال تبني الاستراتيجيات التي اعتمدتها قبل عقد من الزمن، كما أنها لا تستطيع التعويل على الحكومات الأجنبية التي قد تحكمها اعتبارات ومصالح أخرى في توفير القوة النارية المطلوبة، وبدلًا من ذلك يتعين عليها تطوير قدراتها المحلية في مجال الطائرات المسيّرة ودمج هذه الأنظمة ضمن قوات عسكرية جرى تصميمها خصيصًا لخوض حروب غير نظامية، بما يمكّنها من مواجهة حركات التمرد والجماعات المسلحة التي تشكل التهديد الأكبر لأمنها واستقرارها.

 

السيطرة على المجال الجوي

انطلقت سباقات التسلح بالطائرات المسيّرة في أفريقيا من ساحتي ليبيا وإثيوبيا، فخلال الحرب الأهلية الليبية الثانية التي امتدت رسميًا بين عامي 2014 و2020 تحولت ليبيا إلى أكثر ساحات الصراع نشاطًا في استخدام الطائرات المسيّرة على مستوى العالم، وقد أسهمت الطبيعة الجغرافية المفتوحة نسبيًا للبلاد إلى جانب التدفق المستمر للأسلحة من أطراف إقليمية ودولية، في جعل النزاع الليبي مختبرًا عمليًا لاختبار التقنيات العسكرية الناشئة. وخلال تلك الحرب تبادلت حكومة الوفاق الوطني في طرابلس والجيش الوطني الليبي في بنغازي آلاف الضربات بالطائرات المسيّرة وصولًا إلى معركة طرابلس الحاسمة عام 2020، وفي تلك المواجهة لعبت طائرات “بيرقدار TB2” التركية التي زُوِّدت بها حكومة الوفاق الوطني دورًا محوريًا، إذ كانت تحلّق خارج نطاق أنظمة الدفاع الجوي الروسية التي استخدمها الجيش الوطني الليبي وتوفر دعمًا جويًا مباشرًا لقوات الحكومة أثناء تصديها للهجوم على العاصمة، وأسهم فشل ذلك الهجوم في التمهيد لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم عام 2020 وأنهى العمليات القتالية الرئيسية.

ولعبت الطائرات المسيّرة دورًا أكثر حسماً في الحرب الإثيوبية ضد قوات دفاع تيغراي بين عامي 2020 و2022، فبحلول أواخر عام 2021 كانت قوات تيغراي قد تقدمت إلى مسافة لا تتجاوز 65 ميلاً من أديس أبابا عاصمة البلاد ومقر الاتحاد الأفريقي، وفي ظل اقتراب الخطر من قلب السلطة السياسية لجأ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى إيران وتركيا والإمارات العربية المتحدة للحصول على طائرات مسيّرة متطورة. وقد تسببت هذه الطائرات في خسائر فادحة لقوات تيغراي واستهدفت شبكات اتصالاتها وخطوط إمدادها، ما أدى إلى قلب موازين المعركة وتحويل ما بدا انهيارًا وشيكًا للحكومة إلى هزيمة ساحقة للمتمردين، وقد لخّص أحد ضباط تيغراي المشاركين في الهجوم هذا التحول بقوله لمجلة “ذي إيكونوميست” “كان بإمكاننا السيطرة على أديس أبابا بسهولة، لكن تلك الطائرات المسيّرة غيّرت كل شيء، لم تكن لدينا أي وسيلة لإسقاطها”. تكشف تجربتا ليبيا وإثيوبيا أن نتائج الصراعات لم تُحسم بأعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة بل بعدد محدود من المنصات الفعالة التي عملت بالتكامل مع قوات برية وآلية قادرة على استثمار التفوق الجوي، وقد أتاح التفوق التكنولوجي في هذا المجال لكل من حكومة الوفاق الوطني والقوات المسلحة الإثيوبية صدّ خصوم كانت قواتهم مكشوفة ومتمركزة في تشكيلات يسهل استهدافها، ولم تمر هذه الدروس دون أن تسترعي انتباه دول أفريقية أخرى.

 

لم نعد في أديس أبابا

خلال السنوات اللاحقة سارعت عشرات الدول الأفريقية إلى اقتناء طائرات مسيّرة بعيدة المدى، مدفوعة بفكرة الحصول على قوة جوية منخفضة التكلفة نسبيًا وقادرة على تعويض محدودية الموارد العسكرية التقليدية، غير أن هذه الدول تبنّت هذا التوجه بغض النظر عن طبيعة التهديدات التي تواجهها أو مدى تشابهها مع الظروف التي شهدتها ليبيا وإثيوبيا. واليوم لم يعد التهديد الرئيسي الذي تواجهه الحكومات الأفريقية يتمثل في جيوش متمردة كبيرة ومكشوفة بل في جماعات مسلحة مرنة وعابرة للحدود توسّع نفوذها عبر منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد والصومال، وبعد موجة الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة بين عامي 2020 و2023 وما رافقها من انسحاب أو طرد القوات الفرنسية والأميركية وقوات الأمم المتحدة، اتجهت السلطات العسكرية الحاكمة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى الاعتماد على الطائرات المسيّرة التركية، ولا سيما “بيرقدار” و”أقنجي” لمواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة.

 

الطائرة المسيرة “بيرقدار” التركية

في البداية بدت هذه المقاربة واعدة إذ وفرت الطائرات المسيّرة بديلاً أقل كلفة من الدعم العسكري الغربي، ومكّنت مالي من استعادة مناطق واسعة في شمال البلاد كانت خاضعة لسيطرة جبهة تحرير أزواد لأكثر من عقد من الزمن، إلا أن النتائج الاستراتيجية جاءت مختلفة عما حدث في ليبيا وإثيوبيا. فبدلاً من تعزيز سيطرة الدولة تزامن الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة مع تآكل النفوذ الحكومي في أجزاء واسعة من الأراضي الوطنية، فقد واصلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة والمنسقة في بعض العمليات مع جبهة تحرير أزواد إلى جانب تنظيم (د1عش) في الساحل توسيع نطاق نشاطها في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بل والتمدد نحو شمال بنين وساحل العاج وغرب نيجيريا وتوغو وهي مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب مستقرة نسبيًا وبعيدة عن بؤر التمرد. ويعود ذلك جزئيًا إلى أن العديد من الجيوش الأفريقية ركزت بصورة مفرطة على القوة الجوية، على حساب تطوير قوات برية أكثر كفاءة وبناء شبكات استخبارات ميدانية فعالة، وتعزيز الحضور الحكومي والخدمات العامة في المناطق الطرفية البعيدة عن مراكز السلطة.

وفي الوقت نفسه تكيفت الجماعات المسلحة بسرعة مع واقع الحرب بالطائرات المسيّرة مستفيدة من الآثار السياسية والاجتماعية للضربات الجوية، فقد أدت الخسائر المدنية الناتجة عن بعض الهجمات إلى تنامي مشاعر السخط تجاه الحكومات، فعلى سبيل المثال عندما تسببت ضربة جوية نفذها الجيش البوركينابي عام 2024 في مقتل عشرات المدنيين سارعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى تنظيم عمليات إنقاذ وتقديم مساعدات طبية للسكان المتضررين، في محاولة لتعزيز حضورها المحلي وتقويض شرعية الدولة. وفي شمال شرق نيجيريا استثمرت جماعة بوكو حرام حالة الغضب الناجمة عن سقوط ضحايا مدنيين في عمليات التجنيد واستقطاب المقاتلين، مستفيدة من هشاشة الخدمات الحكومية في المناطق النائية. ولم يقتصر تكيف الجماعات المسلحة على استغلال التداعيات السياسية للضربات الجوية بل شمل أيضًا تطوير أساليب فعالة لتحييد مزايا التفوق الجوي الحكومي، فبعد سنوات من التعرض للاستهداف الجوي اعتمدت هذه الجماعات تكتيكات تقوم على الانتشار اللامركزي والعمل ضمن وحدات صغيرة واستخدام مركبات خفيفة الحركة، والاندماج في المجتمعات المحلية الواقعة خارج نطاق السيطرة الحكومية المباشرة. وفي الصومال على سبيل المثال تخلّت حركة الشباب عن القوافل التقليدية من المركبات رباعية الدفع، واستعاضت عنها بالدراجات النارية والعربات الزراعية البسيطة بما يسهّل اندماج عناصرها بين السكان المدنيين ويصعّب عملية رصدهم واستهدافهم. وتحقق هذه التكتيكات هدفين متلازمين: زيادة صعوبة التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وإشاعة مناخ من الخوف والشك المتبادل داخل المجتمعات المحلية، بما يضعف الثقة بين السكان والدولة.

غير أن التحول الأكثر أهمية يتمثل في انتقال الجماعات المسلحة من مرحلة التهرب من الطائرات المسيّرة إلى مرحلة امتلاكها واستخدامها، فمع الانتشار العالمي الواسع للطائرات التجارية الصغيرة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، بات بإمكان الجهات غير الحكومية شراء الطائرات ومكوناتها بسهولة عبر الأسواق والمنصات الإلكترونية، ثم توظيفها في الاستطلاع وجمع المعلومات وتنفيذ الهجمات. ورغم أن هجمات جبهة تحرير أزواد ضد القوات المالية والروسية تُعد من أكثر الأمثلة تطورًا من الناحية التقنية فإنها ليست سوى جزء من ظاهرة أوسع، فبين أيلول 2023 ونيسان 2025 نفذت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أكثر من اثنتي عشرة عملية منسقة باستخدام الطائرات المسيّرة في مالي وبوركينا فاسو وتوغو، شملت إنتاج مواد دعائية وتنفيذ هجمات انتحارية وتوجيه عمليات برية استنادًا إلى بيانات الاستطلاع والمراقبة التي جمعتها الطائرات. وبصورة عامة استخدمت جهات مسلحة غير حكومية الطائرات المسيّرة المسلحة فيما لا يقل عن سبع عشرة دولة أفريقية، وهو ما يعكس التحول المتسارع في طبيعة الصراعات داخل القارة.

ومع استمرار التطور التكنولوجي للأنظمة غير المأهولة وتراجع تكاليف الحصول عليها وتسليحها تتآكل الافتراضات التي دفعت الحكومات الأفريقية إلى تبني استراتيجية الحرب بالطائرات المسيّرة، فالتفوق الجوي الذي كان يُعد ميزة حصرية للدول لم يعد مضمونًا وأصبحت السيطرة على المجال الجوي ساحة تنافس متزايد بين الدول والفاعلين المسلحين من غير الدول، في مشهد يعيد رسم معادلات القوة في الحروب المعاصرة.

 

الاعتماد المُسلَّح

في الوقت الذي تواصل فيه الجماعات المتمردة تطوير قدراتها على شراء الطائرات المسيّرة الصغيرة وبنائها ودمجها ضمن عملياتها القتالية لا تزال الحكومات الأفريقية تعتمد إلى حدٍّ كبير على التقنيات التي تستوردها من دول خارج القارة، وقد تحولت تجارة الطائرات المسيّرة إلى أداة نفوذ جيوسياسي تستخدمها الدول المصدِّرة لتعزيز حضورها السياسي والعسكري، من خلال توظيف صفقات السلاح في التفاوض على اتفاقيات تجارية وتوسيع الشراكات الأمنية، الأمر الذي أعاد تشكيل توازنات القوة التقليدية في العديد من مناطق القارة. فما يقرب من 90% من الطائرات المسيّرة العسكرية المستخدمة في أفريقيا – والتي تمتلك الحكومات الأفريقية الغالبية العظمى منها – مصدرها موردون أجانب، وقد أدى تراجع صادرات الطائرات المسيّرة الأميركية منذ عام 2020 نتيجة ارتفاع كلفتها وتردد الإدارات الأميركية في بيعها لأنظمة استبدادية ذات سجل حقوقي مثير للجدل، إلى إفساح المجال أمام الصين لتصبح أكبر مزود للطائرات المسيّرة في أفريقيا، وتستحوذ الطائرات الصينية منخفضة التكلفة وعالية الكفاءة اليوم على نحو ربع إجمالي الطائرات المسيّرة التي اشترتها الدول الأفريقية. وقد أفضى هذا التحول إلى إعادة رسم خريطة الشراكات الدفاعية الأفريقية بعيدًا عن الموردين الغربيين التقليديين باتجاه سوق أكثر تنوعًا تضم قوى إقليمية ومتوسطة مثل إيران و”إسرائيل”** وتركيا والإمارات العربية المتحدة، وتتبنى هذه الدول نهجًا تجاريًا مباشرًا يقوم على بيع التكنولوجيا العسكرية لأي طرف قادر على دفع ثمنها، وهو ما وفر للحكومات الأفريقية الساعية إلى تنويع شراكاتها الأمنية وتخفيف اعتمادها على القوى الكبرى خيارًا جذابًا ومرنًا.

غير أن هذا التنوع في مصادر التسليح لم يكن عامل استقرار بالضرورة، فسهولة إنتاج الطائرات المسيّرة وتصديرها إلى جانب تأثيرها الكبير في موازين القوة على الأرض جعلت النزاعات الأفريقية أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، وفي كثير من الحالات أسهمت هذه المنظومات في تحويل الحروب الأهلية إلى صراعات بالوكالة تتنافس فيها القوى الإقليمية والدولية عبر أطراف محلية، وهو ما تجسد بأوضح صوره في الحرب السودانية. ففي السودان ساعدت طائرات “بيرقدار TB2 ” التي زودت بها تركيا القوات المسلحة السودانية، إلى جانب طائرات “مهاجر” و”أبابيل” التي قدمتها إيران، على تحديد مواقع تمركز قوات قوات الدعم السريع واستهدافها خلال عام 2025 مما أسهم في دفعها خارج العاصمة الخرطوم. وردّت قوات الدعم السريع بشن هجوم واسع النطاق على مدينة بورتسودان التي أصبحت المقر الفعلي للسلطة الحكومية مستخدمة طائرات انتحارية مسيّرة زُوِّدت بها من قبل الإمارات العربية المتحدة، التي تدعم قوات الدعم السريع في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها في مسارات التجارة ومناطق التعدين، ولا سيما مناجم الذهب في إقليم دارفور.

 

 

وتكمن خطورة هذا النمط من التدخل في أن الجهات الخارجية تستطيع تزويد حلفائها المحليين بالطائرات المسيّرة بكلفة محدودة نسبيًا مع ترك العبء الأكبر للقتال على عاتق هؤلاء الحلفاء، ونتيجة لذلك أصبحت القوى الخارجية قادرة على إطالة أمد النزاعات والتأثير في مساراتها دون تحمل التكاليف السياسية والعسكرية التي ترافق التدخل المباشر. وفي الحالة السودانية كانت الكلفة الإنسانية لهذا النمط من الحروب كارثية، فقد أودى النزاع بحياة ما لا يقل عن 150 ألف شخص، فيما يواجه ملايين آخرون خطر المجاعة وأجبر نحو 12 مليون شخص على النزوح، وهو أكبر عدد من النازحين في أي صراع نشط في العالم حاليًا. ورغم أن السودان يمثل حالة متطرفة فإنه يعكس الديناميات نفسها التي برزت في منطقة الساحل، فامتلاك أحدث تقنيات الطائرات المسيّرة لا يضمن بحد ذاته النجاح في الحروب كما لا يوفر للدول سيادة حقيقية على قدراتها الدفاعية، فالتبعية التكنولوجية للخارج تظل قيدًا استراتيجيًا يحد من قدرة الدول على توظيف هذه المنظومات بصورة مستقلة ومستدامة. ولذلك فإن مواجهة التهديدات المتزايدة التعقيد التي تشهدها القارة تتطلب من الدول الأفريقية تجاوز دور المستهلك للتكنولوجيا العسكرية، والانتقال إلى تطوير أنظمتها غير المأهولة محليًا ودمجها ضمن عقائدها العسكرية وهياكل قواتها المسلحة، فامتلاك التكنولوجيا لا يكفي بل إن القدرة على إنتاجها وتكييفها وتوظيفها ضمن استراتيجية وطنية متكاملة هي العامل الحاسم في تحقيق التفوق العسكري والحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي في عصر الحروب المسيّرة.

 

التصنيع المحلي بوصفه ضرورة استراتيجية

تُخاض معظم النزاعات المسلحة في أفريقيا داخل بيئات تتسم بضعف الموارد ومحدودية البنى التحتية في قارة لا يتجاوز متوسط الناتج المحلي الإجمالي لدولها نحو 20 مليار دولار، وغالبًا ما تعتمد هذه الحروب على جيوش صغيرة تعاني نقصًا في الأفراد والتجهيزات وتواجه جماعات مسلحة تتمتع بقدرة عالية على المناورة والتخفي، وفي مثل هذه الظروف فإن الاعتماد على منظومات قتالية مستوردة من دول صُممت عقائدها العسكرية لخوض حروب تقليدية واسعة النطاق بين الدول وليس لمواجهة تمردات محلية مرنة غالبًا ما يؤدي إلى نتائج محدودة أو غير حاسمة. ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام الجيوش الأفريقية لا يكمن في اقتناء المزيد من الطائرات المسيّرة المتطورة بل في تكييف التقنيات الناشئة الخاصة بالطائرات المسيّرة ومضاداتها بما يتناسب مع واقعها الأمني ومواردها المتاحة وطبيعة التهديدات التي تواجهها، كما أن نجاح هذه الدول في مواجهة الجماعات المسلحة يتطلب تجاوز المفاهيم التي حكمت المراحل الأولى من استخدام الطائرات المسيّرة في القارة، والانتقال إلى مقاربات أكثر شمولًا تدمج هذه التكنولوجيا ضمن استراتيجيات الحرب غير النظامية ومكافحة التمرد.

وفي هذا السياق ينبغي ألا تنظر الحكومات الأفريقية إلى القوة الجوية باعتبارها بديلًا عن بقية القدرات العسكرية والأمنية بل باعتبارها عنصرًا مكملًا لها، فالاستثمار المفرط في الطائرات المسيّرة على حساب قوات المشاة ووحدات الأمن المحلي وأجهزة الاستخبارات الميدانية وقدرات إدارة المناطق المحررة وتقديم الخدمات للسكان قد يؤدي إلى إضعاف قدرة الدولة على تثبيت مكاسبها العسكرية، فاستعادة السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة القدرة على الاحتفاظ بها أو إدارتها بصورة فعالة. ولهذا السبب ينبغي توظيف الطائرات المسيّرة ضمن منظومة عملياتية متكاملة تشمل قوات برية مرنة وفرق تدخل سريعة، ومركبات تكتيكية عالية الحركة إلى جانب مؤسسات أمنية ومدنية قادرة على ترسيخ سلطة الدولة في المناطق المتنازع عليها، فنجاح عمليات مكافحة التمرد لا يُقاس بعدد الأهداف التي تُدمَّر من الجو بل بقدرة الدولة على بسط نفوذها المستدام في المناطق التي تستعيدها. وقد بدأت بعض الدول الأفريقية بالفعل اتخاذ خطوات عملية نحو بناء قدرات ذاتية في هذا المجال، فهناك ما لا يقل عن إحدى عشرة دولة في القارة تنتج طائرات مسيّرة محليًا من بينها كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا والمغرب، ويبرز المغرب على وجه الخصوص بوصفه نموذجًا متقدمًا بعد إطلاقه برامج للتدريب والتصنيع المشترك بالتعاون مع شركاء دوليين، بهدف تطوير قاعدة صناعية وطنية في قطاع الطائرات المسيّرة.

ومن شأن توسيع هذه التجارب أن يتيح للدول الأفريقية تقليص اعتمادها على الموردين الخارجيين، ويمكن للحكومات أن تعيد توجيه جزء من الموارد المخصصة لشراء المنظومات الأجنبية نحو بناء صناعات محلية قادرة على إنتاج الطائرات المسيّرة وتطويرها وصيانتها، كما يمكنها استثمار ما تمتلكه القارة من معادن استراتيجية تدخل في صناعة المكونات الإلكترونية والبطاريات وأنظمة التوجيه، لتشجيع الشركات الدولية على نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية إلى الأسواق الأفريقية. وفي المقابل لا ينبغي أن يقتصر التركيز على إنتاج الطائرات القتالية الكبيرة مرتفعة التكلفة بل يجب إعطاء الأولوية للطائرات منخفضة الكلفة وسهلة التصنيع والاستبدال وهي الفئة التي أثبتت فعاليتها المتزايدة في النزاعات المعاصرة، فهذه المنظومات توفر حلولًا أكثر ملاءمة للبيئات العملياتية الأفريقية وتمنح الجيوش مرونة أكبر في مواجهة الجماعات المسلحة التي تعتمد بدورها على تقنيات بسيطة ومنخفضة التكلفة. ومع أن الطائرات المسيّرة ستظل أداة مهمة في مكافحة التمرد والجماعات المسلحة فإن فعاليتها تبقى رهينة بمدى تكاملها مع القدرات العسكرية والمؤسسية الأخرى، فامتلاك قاعدة صناعية محلية سيمكن الحكومات الأفريقية من تطوير منظومات مسيّرة ومضاداتها وفقًا لاحتياجاتها الفعلية، بدلًا من الاعتماد على نماذج مصممة لبيئات وصراعات مختلفة.

كما أن المكاسب المحتملة لهذا التوجه تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، فتعزيز الإنتاج المحلي سيحد من التبعية التكنولوجية للخارج ويعزز مرونة الصناعات الدفاعية الوطنية ويمنح الدول الأفريقية هامشًا أكبر من الاستقلالية في قراراتها الأمنية والاستراتيجية، كذلك قد يسهم في تقليص قدرة القوى الخارجية على توظيف تجارة السلاح كأداة نفوذ سياسي أو كوسيلة للتأثير في مسارات النزاعات الداخلية. وعلى المدى الأبعد يمكن أن يؤدي ظهور قطاع أفريقي تنافسي في مجال الطائرات المسيّرة إلى إعادة تشكيل جانب من السوق العالمية التي تهيمن عليها حاليًا قوى محدودة وعلى رأسها الصين، فالقارة تمتلك مقومات بشرية ومعدنية وصناعية تؤهلها لتطوير قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة إذا ما توافرت الإرادة السياسية والاستثمارات المناسبة. وفي ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها الحروب الحديثة يبدو أن العامل الحاسم في الصراعات المستقبلية لن يكون امتلاك التكنولوجيا الأكثر تطورًا فحسب، بل القدرة على دمجها بفعالية ضمن العقيدة العسكرية والهياكل التنظيمية وبيئة العمليات المحلية، فمع استمرار انتشار الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وتزايد قدرتها على تقليص الفوارق بين الخصوم، سيصبح الابتكار في الاستخدام والتوظيف أكثر أهمية من مجرد امتلاك أحدث المنظومات.

ومن ثم فإن استمرار الجيوش الأفريقية في الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة والعقائد القتالية المستوردة معًا سيجعلها عرضة للتخلف عن خصومها الأكثر قدرة على التكيف والابتكار، أما بناء القدرات المحلية وتوطين المعرفة التقنية، فسيكونان الشرط الأساسي للحفاظ على التفوق العسكري وتحقيق الاستقرار في بيئة أمنية تتغير بسرعة غير مسبوقة.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى