الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

التوازن القلق بين واشنطن وطهران

قراءة في مستجدات الصراع الإقليمي واحتمالات المرحلة المقبلة

بقلم: حنين محمد الوحيلي

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

يشهد “الشرق الأوسط” مرحلة إعادة تشكل استراتيجية عميقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع السياسية والاقتصادية والأمنية، بحيث لم يعد التصعيد القائم بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران ومحور حلفائها في لبنان والعراق من جهة أخرى، مجرد صراع نفوذ تقليدي بل تحول إلى صراع على طبيعة النظام الإقليمي القادم وحدود القوة فيه. فالولايات المتحدة التي أعادت تموضع استراتيجيتها العالمية باتجاه آسيا والمحيط الهادئ، لا تزال تنظر إلى إيران بوصفها القوة الإقليمية الأكثر قدرة على تهديد توازنات واشنطن التقليدية في “الشرق الأوسط”، خصوصاً مع تنامي القدرات الصاروخية الإيرانية، وتوسع شبكات الحلفاء الإقليميين، وازدياد القدرة على استخدام أدوات الحرب غير المتماثلة. وفي المقابل ترى طهران أن الضغوط الأمريكية و”الإسرائيلية” ليست مجرد إجراءات احتواء مؤقتة بل مشروع طويل الأمد يهدف إلى تقويض النظام الإيراني وإضعاف نفوذه الإقليمي.

ضمن هذا السياق تبدو المنطقة وكأنها تعيش حالة تفاوض تحت النار، حيث يتجنب الجميع الحرب الشاملة لكنهم في الوقت ذاته يواصلون بناء أدوات الردع والاستنزاف المتبادل.

 

أولاً: التحول في طبيعة الصراع

الملاحظة الأبرز في المرحلة الراهنة هي التحول من مفهوم الحرب المباشرة إلى مفهوم إدارة الاشتباك طويل الأمد. فالولايات المتحدة لم تعد تميل إلى نماذج الغزو الواسع كما حدث في العراق عام 2003، بسبب ارتفاع الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية، إضافة إلى تراجع الحماس الداخلي الأمريكي لخوض حروب مفتوحة في “الشرق الأوسط”. وبدلاً من ذلك تعتمد واشنطن على استراتيجية مركبة تقوم على:

 

  1. العقوبات الاقتصادية واستهداف شبكات التمويل.

  2. الضغط السياسي والدبلوماسي لعزل إيران.

  3. استخدام القوة الجوية والعمليات المحدودة عند الضرورة.

  4. دعم “إسرائيل” استخبارياً وعسكرياً للحفاظ على التفوق النوعي.

  5. إبقاء التهديد العسكري قائماً دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

في المقابل طورت إيران نموذجاً مختلفاً يقوم على الردع غير المتماثل، أي تعويض الفارق العسكري التقليدي عبر أدوات أقل كلفة وأكثر قدرة على الاستنزاف، وتشمل:

 

  1. الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

  2. شبكات الحلفاء الإقليميين.

  3. توسيع ساحات الاشتباك بعيداً عن الجغرافيا الإيرانية المباشرة.

  4. استنزاف الخصم نفسياً واقتصادياً بدلاً من السعي إلى حسم عسكري مباشر.

هذا التحول جعل أي مواجهة محتملة أكثر تعقيداً إذ لم تعد الحرب تقاس بعدد الطائرات أو الدبابات فقط، بل بقدرة كل طرف على الصمود وإدارة الاستنزاف لفترة أطول.

 

 

ثانياً: “إسرائيل” ومعضلة الطوق الإقليمي

تتعامل “إسرائيل” مع التمدد الإيراني بوصفه التهديد الاستراتيجي الأكبر منذ عقود ليس فقط بسبب البرنامج النووي الإيراني بل بسبب تشكل ما تعتبره طوقاً نارياً يمتد من جنوب لبنان إلى العراق وسوريا. وترى المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية” أن الخطر لم يعد يتمثل في جبهة واحدة بل في تعدد الجبهات وتزامنها خصوصاً مع تنامي قدرات حZب الله الصاروخية وارتفاع مستوى التنسيق بين فصائل المقاومة الحليفة للجمهورية الإسلامية في إيران في المنطقة. لهذا السبب، تعتمد “إسرائيل” سياسة تقوم على:

 

  1. تنفيذ ضربات استباقية لمنع نقل أو تطوير الأسلحة النوعية.

  2. منع تثبيت قواعد اشتباك جديدة لصالح إيران.

  3. الضغط على واشنطن للاستمرار في الانخراط الإقليمي.

  4. استنزاف البنية اللوجستية لمحور المقاومة دون الذهاب إلى حرب شاملة.

لكن المفارقة الأساسية تكمن في أن “إسرائيل” رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي تدرك أن أي حرب واسعة مع إيران أو حZب الله ستكون ذات كلفة داخلية هائلة سواء على مستوى الاقتصاد أو الأمن الداخلي أو الجبهة المدنية.

 

 

ثالثاً: إيران واستراتيجية الصمود التفاوضي

في المقابل تدرك طهران أن ميزان القوة التقليدي لا يميل لصالحها في مواجهة الولايات المتحدة و”إسرائيل” لذلك تعتمد على استراتيجية يمكن وصفها بـالصمود التفاوضي، أي رفع كلفة المواجهة إلى الحد الذي يدفع الخصوم إلى القبول بتسويات أقل من أهدافهم القصوى.

وترتكز هذه الاستراتيجية على عدة عناصر:

  1. الحفاظ على القدرة على تهديد المصالح الأمريكية و”الإسرائيلية” في المنطقة.

  2. منع عزل إيران إقليمياً عبر توسيع الشراكات مع روسيا والصين.

  3. استخدام أوراق الضغط الإقليمية في لبنان والعراق واليمن.

  4. تجنب الحرب الشاملة مع إبقاء مستوى التوتر مرتفعاً.

 

كما أن إيران تراهن على متغير مهم يتمثل في أن واشنطن لا ترغب فعلياً في خوض حرب إقليمية كبرى، خصوصاً في ظل التنافس الاستراتيجي مع الصين واستمرار الحرب في أوكرانيا والتحديات الاقتصادية الداخلية. ومن هنا فإن السلوك الإيراني الحالي لا يقوم على السعي إلى المواجهة المباشرة بل على بناء معادلة ردع تجعل تكلفة استهداف إيران أعلى من المكاسب المحتملة.

 

رابعاً: لبنان والعراق كساحتين مركزيتين للصراع

يمثل لبنان والعراق اليوم الساحتين الأكثر حساسية في الصراع الإقليمي. في لبنان أصبح حZب الله جزءاً أساسياً من منظومة الردع الإيرانية وهو ما يجعل أي تصعيد بينه وبين “إسرائيل” قابلاً للتحول إلى مواجهة إقليمية أوسع. إلا أن الحZب رغم امتلاكه قدرات عسكرية متقدمة نسبياً يدرك في الوقت نفسه هشاشة الوضع اللبناني الداخلي والانهيار الاقتصادي والمؤسساتي الذي يجعل أي حرب واسعة تهديداً مباشراً لبنية الدولة اللبنانية نفسها.

أما العراق فيمثل ساحة توازن معقدة بين النفوذ الأمريكي والإيراني. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على وجود أمني واستخباري يضمن مصالحها الاستراتيجية بينما تنظر إيران إلى العراق باعتباره عمقاً أمنياً واقتصادياً لا يمكن التفريط به.

ولهذا فإن العراق يشهد صراعاً منخفض الحدة لكنه مستمر يتجسد في:

  1. التنافس السياسي داخل مؤسسات الدولة.

  2. نشاط الفصائل المسلحة.

  3. الضغوط الأمنية المتبادلة.

  4. الصراع على هوية العراق الإقليمية.

 

خامساً: السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة

السيناريو الأول: استمرار الاستنزاف المنضبط

وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، حيث يستمر التصعيد المحدود والضربات المتبادلة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا النموذج يسمح لجميع الأطراف بالحفاظ على الردع دون تحمل كلفة المواجهة الكبرى.

 

السيناريو الثاني: تسوية مؤقتة وتنظيم للاشتباك

قد تتجه الأطراف عبر وساطات إقليمية ودولية إلى تفاهمات غير معلنة تنظم حدود الاشتباك، خصوصاً إذا تصاعدت المخاوف من تأثير الحرب على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

 

السيناريو الثالث: الانفجار الإقليمي الواسع

يبقى هذا السيناريو قائماً في حال حدوث خطأ كبير في الحسابات، أو تنفيذ ضربة تتجاوز الخطوط الحمراء المتفق عليها ضمنياً. وفي هذه الحالة، قد تتحول الجبهات المتفرقة إلى حرب إقليمية متعددة الساحات تشمل لبنان والعراق وربما الخليج.

 

 

خاتمة

يمكن القول إن المنطقة لا تعيش حالة سلام حقيقي، كما أنها لم تدخل بعد مرحلة الحرب الشاملة بل تعيش ما يمكن وصفه بـالتوازن القلق. الولايات المتحدة و”إسرائيل” تحاولان منع تشكل نظام إقليمي تقوده إيران وحلفاؤها، بينما تسعى طهران إلى تثبيت معادلة تقول إن نفوذها الإقليمي أصبح جزءاً من توازن القوة الجديد في “الشرق الأوسط”. لكن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط حجم القوة العسكرية بل قدرة كل طرف على إدارة الاستنزاف، وضبط إيقاع التصعيد، ومنع التحول من حرب الظل إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم خريطة المنطقة بالكامل.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى