الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

انعكاسات صدمة الطاقة في “الشرق الأوسط” وفق حسابات منطق “المكاسب النسبية” بين الولايات المتحدة والصين

 بقلم: نور نبيه جميل

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تشهد بنية النظام الدولي خلال المرحلة الراهنة حالة من السيولة الاستراتيجية المتصاعدة، في ظل تداخل الأزمات الإقليمية مع التنافسات الكبرى بين الولايات المتحدة والصين، الأمر الذي أعاد تشكيل العلاقة بين الجغرافيا السياسية للطاقة وبين توازنات القوة العالمية. وفي هذا السياق، برزت قمة بكين الثنائية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ (13-14 أيار 2026) بوصفها حدثًا يتجاوز أبعاده الدبلوماسية المباشرة، ليمثل محاولة اضطرارية لإدارة التنافس الاستراتيجي في لحظة دولية شديدة الهشاشة.

وتنبع أهمية القمة من تزامنها مع تصاعد أزمة الخليج العربي وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قاربت 118 دولارًا للبرميل، نتيجة اضطراب البيئة الأمنية في مضيق هرمز، وهو ما أعاد ملف أمن الطاقة إلى قلب الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى، بعد سنوات من هيمنة الخطابات المرتبطة بالعولمة الاقتصادية والتشابك التجاري.

غير أن القراءة البسيطة التي تفسر القمة باعتبارها انفراجًا في العلاقات الأمريكية-الصينية تتجاهل الطبيعة البنيوية للصراع القائم بين الطرفين. فالتنافس بين واشنطن وبكين لم يعد خلافًا حول التجارة أو الرسوم الجمركية فحسب، بل تحول إلى صراع ممتد على إعادة تشكيل هرم القوة في النظام الدولي، اذ يسعى كل طرف إلى منع الآخر من تحويل مكاسبه الاقتصادية والتكنولوجية إلى تفوق استراتيجي طويل الأمد.

وانطلاقًا من ذلك، يجادل هذا التقدير بأن قمة بكين لا تمثل نقطة تحول نحو الاستقرار، بل تعكس نمطًا جديدًا من “إدارة التنافس تحت الضغط”، فرضته محددات النظام الدولي الفوضوي، اذ تتعايش الحاجة إلى التعاون الاقتصادي المؤقت مع استمرار الصراع الصفري في مجالات التكنولوجيا والأمن والطاقة والنفوذ الجيوسياسي.

 

 

بناء على ماسبق قسم التقدير على النحو الاتي:-

المحور الأول: صدمة هرمز وإعادة مركزية الطاقة في التوازنات الدولي

أعاد التصعيد في الخليج العربي خلال أيار 2026 إحياء الدور الجيوسياسي للطاقة بوصفه أحد أهم محددات القوة في النظام الدولي. فعلى الرغم من الخطابات الغربية المتزايدة حول التحول الطاقوي والطاقة البديلة، كشفت أزمة مضيق هرمز أن الاقتصاد العالمي ما يزال رهينًا لاستقرار الممرات البحرية التقليدية، وأن أي اضطراب في تدفقات النفط يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة استراتيجية عالمية.

إن استقرار أسعار خام برنت عند مستويات مرتفعة نسبيًا لا يعكس فقط أزمة عرض وطلب اقتصادية، بل يمثل مؤشرًا على عودة الجغرافيا السياسية للطاقة إلى صدارة التفاعلات الدولية. فالمشكلة الجوهرية لا تكمن في حجم النفط المتاح، وإنما في هشاشة البيئة الأمنية المحيطة بمسارات نقله، خصوصًا في مضيق هرمز الذي يشكل أحد أهم الشرايين البحرية للاقتصاد العالمي.

تزداد أهمية مضيق هرمز في الحسابات الجيوسياسية الدولية لكونه يمثل أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب 20-21 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب ثلث تجارة النفط البحرية عالميًا، فضلًا عن مرور نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني فيه قادرًا على إحداث صدمات فورية في الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة استراتيجية مركبة، فمن جهة، تسعى واشنطن إلى الحفاظ على مصداقية حضورها الأمني في الخليج ومنع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من فرض وقائع ردعية جديدة، لكنها من جهة أخرى تدرك أن أي انخراط عسكري واسع سيؤدي إلى استنزاف إضافي لقدراتها الاقتصادية والعسكرية، في وقت يتزايد فيه تركيز استراتيجيتها الكبرى على احتواء الصين في شرق آسيا.

 

 

وهنا تظهر إحدى أهم الإشكاليات التي تطرحها الواقعية البنيوية، والمتمثلة في كيفية توزيع القوة والموارد داخل بيئة دولية فوضوية. فالولايات المتحدة لم تعد تمتلك رفاهية إدارة أزمات متعددة دون كلفة استراتيجية متراكمة، وهو ما يفسر محاولتها تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة في الخليج، رغم استمرارها في تعزيز الانتشار البحري ورفع مستوى الردع العسكري. في المقابل، استفادت الصين نسبيًا من هذا الانكشاف الأمريكي، ليس عبر التدخل العسكري المباشر، بل من خلال توظيف الأزمة لإعادة تعزيز موقعها الاقتصادي والسياسي داخل “الشرق الأوسط”. فبكين تدرك أن انشغال واشنطن بأمن الخليج يمنحها هامشًا أوسع لترتيب فضائها الاستراتيجي في شرق آسيا، كما يسمح لها بتوسيع نفوذها الاقتصادي عبر أدوات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية.

لكن من الضروري عدم الوقوع في قراءة مبالغ فيها تعتبر أن الصين أصبحت بديلًا أمنيًا للولايات المتحدة في المنطقة، فبكين ما تزال تعتمد عمليًا على المظلة البحرية الأمريكية لحماية جزء كبير من تدفقاتها التجارية والطاقة. وبالتالي، فإن سلوكها الحالي يعكس نمط “الاستفادة من الاستقرار دون تحمل كلفته الأمنية”، وهي معادلة تمنحها مكاسب نسبية مهمة في المدى المتوسط.

كما يمر ما يقارب 30% من تجارة الحاويات البحرية العالمية عبر الممرات الممتدة بين المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يفسر تصاعد الحساسية الدولية تجاه أي اضطراب أمني في الخليج أو بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان.

 

المحور الثاني: قمة بكين ومنطق “المكاسب النسبية” في إدارة التنافس الأمريكي-الصيني

تكشف مخرجات قمة بكين بوضوح أن العلاقات الأمريكية-الصينية دخلت مرحلة يمكن وصفها بالتعايش التنافسي المقيد حيث لم يعد هدف الطرفين تحقيق شراكة استراتيجية حقيقية، بل منع التنافس من الانفجار في توقيت غير ملائم للطرفين.

ومن منظور الواقعية البنيوية، فإن المشكلة الأساسية لا تتعلق بحجم التعاون الاقتصادي الممكن، وإنما بطبيعة المكاسب الناتجة عنه. فواشنطن تنظر بقلق متزايد إلى احتمالية تحويل الصين أي انفتاح اقتصادي أو تكنولوجي إلى عناصر قوة استراتيجية قد تهدد التفوق الأمريكي مستقبلاً، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة.

ولهذا السبب، جاءت التفاهمات التجارية خلال القمة محدودة ومقيدة، حيث جرى حصرها في القطاعات غير المرتبطة مباشرة بالأمن القومي. وهذه ليست تفصيلة تقنية، بل تعبير واضح عن منطق “المكاسب النسبية“، الذي يفترض أن الدول الكبرى لا تقيس نجاح التعاون بحجم الأرباح المطلقة فقط، وإنما بمدى تأثير هذه الأرباح على ميزان القوة المستقبلي.

ومن هنا، فإن الملف التكنولوجي أصبح يشكل الحد الفاصل بين التعاون والتنافس. فالولايات المتحدة تعتبر أن أي تفوق صيني في الذكاء الاصطناعي أو سلاسل تصنيع الرقائق الإلكترونية قد يترجم لاحقًا إلى تفوق عسكري وسيبراني، وهو ما يدفعها إلى تبني سياسات احتواء تكنولوجي متزايدة الصرامة.

في المقابل، ترى الصين أن القيود الأمريكية لا تستهدف حماية الأمن القومي فقط، بل تهدف إلى إبطاء صعودها التاريخي ومنع تحولها إلى قوة دولية مكافئة للولايات المتحدة. ولذلك، فإن بكين تنظر إلى الحرب التكنولوجية بوصفها امتدادًا للصراع على بنية النظام الدولي، وليس مجرد نزاع اقتصادي تقليدي.

 

 

أما في ما يتعلق بتايوان، فقد كشفت القمة استمرار “معضلة الأمن” بأوضح صورها. فكل خطوة أمريكية لتعزيز قدرات تايبيه الدفاعية تُفسَّر في بكين كتهديد مباشر لأمنها القومي ووحدة أراضيها، بينما تعتبر واشنطن أن أي تصعيد صيني في المضيق يمثل محاولة لتغيير الوضع القائم بالقوة.

تكتسب تايوان أهمية استثنائية في التنافس الأمريكي-الصيني لكونها تنتج ما يقارب 60% من أشباه الموصلات المتقدمة عالميًا، فيما تهيمن الشركة على نسبة كبيرة من سوق الرقائق الإلكترونية الدقيقة، الأمر الذي يجعل مستقبل الجزيرة مرتبطًا مباشرة ببنية التفوق التكنولوجي العالمي.

وتشير تقديرات دولية إلى أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي عالميًا قد يتجاوز 1.5 تريليون دولار خلال العقد القادم، ما يفسر تصاعد التنافس الأمريكي-الصيني على السيطرة على البنية التحتية الرقمية والقدرات الحاسوبية المتقدمة. وهذا يعني أن القمة لم تعالج جذور الأزمة، بل سعت فقط إلى وضع ضوابط مؤقتة لإدارة التصعيد. وبالتالي، فإن الاستقرار الحالي يبقى هشًا وقابلًا للاهتزاز مع أي خطأ في الحسابات أو تغير مفاجئ في البيئة الإقليمية والدولية.

 

المحور الثالث: نحو “التفتت المُدار”: مستقبل التوازنات الدولية بين الاحتواء والانفجار

تشير المعطيات الراهنة إلى أن النظام الدولي يتجه تدريجيًا نحو نمط جديد يمكن تسميته بـالتفتت المُدار حيث تتراجع القدرة على إنتاج نظام دولي متماسك، مقابل صعود ترتيبات جزئية ومؤقتة تقوم على الفصل بين مجالات التعاون والصراع.

ففي المجال الاقتصادي، لا يزال الطرفان الأمريكي والصيني بحاجة متبادلة للحفاظ على حد أدنى من الاستقرار التجاري والمالي لتجنب الانهيار الاقتصادي العالمي، خصوصًا في ظل الضغوط التضخمية المرتبطة بأزمة الطاقة. لكن في المقابل، يتصاعد التنافس بصورة حادة في مجالات التكنولوجيا والفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي والممرات البحرية.

ويعكس هذا التحول حقيقة بنيوية مهمة، وهي أن النظام الدولي لم يعد يتحرك وفق منطق العولمة الليبرالية التي سادت بعد الحرب الباردة، بل بات أقرب إلى نموذج الترابط الصراعي، اذ تستمر العلاقات الاقتصادية بالتوازي مع تنامي الشكوك الأمنية والاستقطابات الجيوسياسية.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن أخطر ما تواجهه البيئة الدولية الحالية ليس الحرب المباشرة بحد ذاتها، بل تزايد احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي. فمع تشابك الأزمات بين الخليج وتايوان والفضاء السيبراني، يصبح أي تصعيد محدود قابلًا للتحول إلى أزمة أوسع نتيجة تداخل الحسابات الإقليمية والدولية.

كما أن استمرار الضغط على الولايات المتحدة في “الشرق الأوسط” قد يدفع الصين إلى اختبار حدود الردع الأمريكي في شرق آسيا، سواء عبر التصعيد البحري حول تايوان أو عبر توسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي في المحيطين الهندي والهادئ. غير أن بكين، في الوقت نفسه، تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة ستعرّض مشروعها الاقتصادي العالمي لهزات خطيرة، وهو ما يجعلها تميل إلى استراتيجية التقدم البطيء تحت سقف تجنب الحرب.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك أكبر ميزانية دفاعية عالميًا، تجاوزت 900 مليار دولار سنويًا، فإن تعدد مسارح الانخراط – من أوروبا إلى “الشرق الأوسط” وشرق آسيا – يفرض ضغوطًا متزايدة على كفاءة توزيع القوة الأمريكية وقدرتها على الحفاظ على الردع متعدد الجبهات.

في المقابل، واصلت الصين رفع إنفاقها العسكري الذي تجاوز 320 مليار دولار وفق تقديرات دولية، في إطار سعيها لتطوير قدراتها البحرية والسيبرانية وتوسيع حضورها في المحيطين الهندي والهادئ.

 

وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال المدى المنظور يتمثل في استمرار حالة “الاحتواء المتبادل منخفض الحدة”، حيث يسعى الطرفان إلى إدارة تنافسهما ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل، دون الوصول إلى تسوية استراتيجية حقيقية.

 

خاتمة واستنتاج

تكشف معادلة (هرمز-بكين) خلال أيار 2026 أن أزمة الطاقة في “الشرق الأوسط” لم تعد قضية إقليمية منفصلة، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل توازنات النظام الدولي. كما تؤكد أن التنافس الأمريكي-الصيني دخل مرحلة أكثر تعقيدًا، تقوم على الجمع بين التعاون الاقتصادي الاضطراري والصراع الاستراتيجي المفتوح.

وتوضح المعطيات أيضًا أن هواجس “المكاسب النسبية” ما تزال المحرك الأعمق لسلوك القوى الكبرى، حيث ينظر كل طرف إلى مكاسب الآخر بوصفها تهديدًا محتملًا لموقعه داخل هرم القوة العالمي. ومن ثم، فإن أي تهدئة بين واشنطن وبكين ستبقى بطبيعتها مؤقتة وهشة، طالما أن البنية الفوضوية للنظام الدولي ما تزال تنتج أنماطًا متجددة من الشكوك الأمنية والصراعات الجيوسياسية.

وبناءً على ذلك، فإن البيئة الدولية مرشحة للاستمرار في حالة “الاستقرار غير المستقر”، حيث تتعايش الهدنات المؤقتة مع التنافس البنيوي طويل الأمد، في ظل غياب توازن دولي قادر على إنتاج منظومة ردع مستقرة أو تسوية استراتيجية شاملة بين القوى الكبرى.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى