ابحاث ودراساتتحليلات واراءسلايدر

الدولة واللادولة في العراق – الجزء 25

ارهاصات التشكيل غير الدستوري للمحكمة الاتحادية العليا الجديدة

الدكتور مصدق عادل

كلية القانون – جامعة بغداد

مركز حمورابي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

تُعد المحكمة الاتحادية العليا من أهم المؤسسات الدستورية المكلفة بحماية نصوص الدستور، كما أنها تُعد الملاذ الآمن لحماية مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان وحرياته في دستور جمهورية العراق لسنة 2005، فضلاً عن أنها المحكمة المختصة بالفصل بين السلطات انطلاقاً من سموها على باقي السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية باعتبارها محكمة حماية الدستور.

وايماناً بهذه الأهمية من الآباء المؤسسين الذين قاموا بكتابة دستور جمهورية العراق لسنة 2005 فقد تم تخصيص العديد من مواد الدستور لمعالجة تشكيل المحكمة واختصاصاتها وحجية قراراتها.

وعلى الرغم من إقرار التشكيلة الثلاثية المختلطة للمحكمة الاتحادية العليا من (القضاة) و(خبراء الفقه الإسلامي) و(فقهاء القانون) وفق المادة (92/ثانياً) من الدستور العراق غير أنَّ مجلس النواب العراقي صوت بتاريخ 18/3/2021 على قانون التعديل الأول لقانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005، في محاولة منه لاستكمال ثالوث الانتخابات النيابية المبكرة المزمع إقامتها في 10/10/2021.

ومن امعان النظر في نصوص هذا القانون الذي تكون من (8) مواد نجد أنه يشكل انقلاباً على نصوص دستور جمهورية العراقية لسنة 2005 وتقويضاً للشرعية الدستورية، إذ إنه احتوى على العديد من الانتهاكات الدستورية الصريحة والضمنية، وبالشكل الذي يمكن معه وصف هذا القانون بأنه (مسمار نعش في بناء المؤسسات الدستورية وسمو نصوص الدستور في العراق)، وسنبين هذه المخالفات الدستورية وفق المحاور الآتية:

المحور الأول

المخالفات الدستورية العامة

بالرجوع إلى نصوص مواد قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا لسنة 2021 نجد أنه احتوى على العديد من الانتهاكات الدستورية العامة لنصوص دستور جمهورية العراق لسنة 2005، ويمكن وصف هذا القانون بأنه (تعديل دستوري من مجلس النواب دون سلوك الطريق الدستوري المُحدد للتعديل في المادتين (142) و(126) من الدستور)، ونجمل هذه الانتهاكات الدستورية بالآتي:

1- انتهاك القانون للتشكيل الثلاثي للمحكمة الاتحادية العليا المنصوص عليه في المادة (92/ثانياً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 بأنْ (تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسنه مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب).

2- انتهاك الحجية المطلقة والملزمة لقرارات المحكمة الاتحادية العليا السابقة والمنصوص عليها في المادة (94) من الدستور (تعد قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة).

3- انتهاك القانون لاستقلال المحكمة الاتحادية العليا المنصوص عليها في المادة (92/اولاً) من الدستور بأنْ (المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة مالياً وادارياً).

4- انتهاك القانون لوحدة النصوص الدستورية وتكاملها المنصوص عليها في المادة (130) منه (تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها، مالم تلغَ أو تعدل وفقاً لأحكام هذا الدستور)، إذ إنَّ تصويت مجلس النواب على هذا القانون قد شابه عيباً دستورياً جوهرياً يتمثل بعدم مراعاة الوحدة العضوية لنصوص الدستور وتكاملها، إذ إنَّ عبارة (وفقاً لأحكام هذا الدستور) يتوجب عطفها وتفسيرها بما ينسجم مع أغلبية الثلثين المنصوص عليها في المادة (92/ثانياً) من الدستور، وبدلالة قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم 23/اتحادية/2007 الصادر في 21/10/2007.

5- انتهاك القانون للقيود التشريعية المفروضة على مجلس النواب وفق المادة (2/اولاً) من الدستور التي تنص (أولاً: الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ أساس للتشريع: أ- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الاسلام.

ب- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

ج- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور).

6- انتهاك القانون لمبدأ سيادة القانون والسيادة الشعبية المنصوص عليها في المادة (5) من الدستور (السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها).

7- انتهاك القانون لمبدأ سمو الدستور المنصوص عليه في المادة (13/ثانياً) من الدستور (ثانياً: لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويُعد باطلاً كل نصٍ يرد في دساتير الأقاليم، أو أي نص قانوني آخر يتعارض معه).

8- انتهاك القانون لمبدأ مساواة القضاة امام القانون والمنصوص عليه في المادة (14) من الدستور (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز…).

9- انتهاك القانون لمبدأ الفصل بين السلطات وفق المادة (47) من الدستور (تتكون السلطات الاتحادية، من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات).

10- انتهاك القانون لمبدأ تمثيل مجلس النواب للشعب العراقي وفق المادة (49/اولاً) من الدستور (أولاً: يتكون مجلس النواب … يمثلون الشعب العراقي بأكمله).

11- انتهاك القانون لصلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في المادة (73/سابعاً) من الدستور (يتولى رئيس الجمهورية الصلاحيات الآتية: سابعاً: إصدار المراسيم الجمهورية).

12- انتهاك القانون لصلاحيات مجلس القضاء المنصوص عليها في المادة (91) من الدستور التي تنص (يمارس مجلس القضاء الأعلى الصلاحيات الآتية: أولاً: إدارة شؤون القضاء والإشراف على القضاء الاتحادي).

13- انتهاك القانون للإجراءات المحددة لإجراءات تعديل دستور جمهورية العراق لسنة 2005 المنصوص عليها في المادتين (126) و(142) من الدستور، وتشكل المادة (1) من القانون تعديلاً لنص المادة (92) من الدستور دون المرور بإجراءات التعديل الدستوري.

14- مخالفة القانون للقواعد العامة في التفسير، ومنها (لا اجتهاد في مورد النص)، و(النص الخاص(م92) يقيد النص العام(م130)).

المحور الثاني

المخالفات الدستورية الخاصة بتشكيل المحكمة الاتحادية العليا

تنص المادة (1) من قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا على انه (أولا: أ- تتكون المحكمة الاتحادية العليا من رئيس ونائب للرئيس وسبعة أعضاء اصليين يتم اختيارهم من بين قضاة الصنف الأول المستمرين بالخدمة ممن لا تقل خدمتهم الفعلية في القضاء عن (15) خمس عشر سنة.

ب- للمحكمة أربعة أعضاء احتياط غير متفرغين يتم اختيارهم من بين قضاة الصنف الأول المستمرين بالخدمة ممن لا تقل خدمتهم الفعلية في القضاء عن (15) خمسة عشر سنة.

ثانياً: يتولى رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس المحكمة الاتحادية العليا ورئيس جهاز الادعاء العام ورئيس جهاز الاشراف القضائي اختيار رئيس المحكمة ونائبه والأعضاء من بين القضاة المرشحين مع تمثيل الأقاليم في تكوين المحكمة، وترفع أسماؤهم إلى رئيس الجمهورية لاصدار المرسوم الجمهوري بالتعيين خلال مدة أقصاها (15) خمسة عشر يوماً من تاريخ اختيارهم).

يتضح أن البند (اولاً/أ) من المادة قد اعتنق التشكيل القضائي البحت للمحكمة الاتحادية العليا باقتصار العضوية على القضاة فقط، وبهذا يتضح احتواء هذا النص على العديد من المخالفات والانتهاكات الدستورية الاتية:

1- المخالفة الصريحة لأحكام المادة (92/ثانياً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 التي اعتنقت مبدأ التشكيل الثلاثي للمحكمة الاتحادية العليا من القضاة وخبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون، فلا اجتهاد في مورد النص.

2- المخالفة الصريحة لمبدأ مساواة القضاة أمام القانون المنصوص عليه في المادة (14) من الدستور، وذلك بقصره رئاسة المحكمة وعضويتها على القضاة المستمرين بالخدمة دون شموله ليسري على القضاة المتقاعدين، مما قد يهدر باستقلال المحكمة الاتحادية العليا وفق المادة (92/اولاً) من الدستور.

3- مخالفة المادة أعلاه للحجية المطلقة والملزمة والباتة لقرارات المحكمة الاتحادية العليا وفق المادة (94) من الدستور، والتي تم التأكيد عليها في العديد من القرارات الصادرة من المحكمة ومنها القرار رقم 38/اتحادية/2019 في 21/5/2019 والذي قضى بعدم دستورية المادة (3) من القانون رقم (30) لسنة 2005.

4- إنَّ المادة أعلاه تشكل تعديلاً لنصوص الدستور دون اتباع الإجراءات الدستورية للتعديل المنصوص عليها في المادة (92/ثانياً) من الدستور، إذ إنَّ حذف خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون من عضوية المحكمة لا يوجد له غطاء دستوري أو قانوني.

5- التعارض الواضح بين نصوص هذا القانون والقوانين الأخرى النافذة، ففي الوقت الذي حدد فيه قانون تمديد خدمة القضاة رقم (39) لسنة 2012 السن الأعلى لاستمرار القاضي في العمل بعد تمديد خدمته وهو (68) سنة، نجد أنه أقر في المادة (6/ثالثاً) من قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية مدة الإحالة إلى التقاعد وحددها بـ(72) سنة من العمر، ومن ثم فلا يوجد مبرر للتفرقة بين سن الإحالة إلى التقاعد بالنسبة إلى القاضي العامل في مجلس القضاء الأعلى والقاضي العامل في المحكمة الاتحادية العليا، وندعو إلى المساواة بينهما.

6- عدم مراعاة التخصص في القضايا الدستورية بشأن تسمية أعضاء المحكمة الاتحادية العليا، إذ إنَّ مدة (15) سنة من العمل القضائي لا تعد كافية لتخصص القاضي، وذلك لاختلاف مهام القضاء الدستوري عن مهام القضاء العادي.

7- مجهولية أسباب اختيار (4) قضاة احتياط لعضوية المحكمة الاتحادية العليا، وكان الأجدر تحديدهم بثلاثة أعضاء.

أما بالنسبة إلى البند (ثانياً) من المادة (1) من قانون تعديل قانون المحكمة فنجد أنه قد احتوى على المخالفات الدستورية والقانونية الاتية:

1- ابتدأ النص بتقديم رئيس مجلس القضاء على رئيس المحكمة الاتحادية العليا في تشكيل لجنة تعيين القضاء، مما يشكل مخالفة دستورية صريحة للمركز الدستوري الذي يتمتع به رئيس المحكمة الاتحادية العليا، فضلاً عن انتهاكه لمبدأ استقلالية المحكمة الاتحادية العليا وفق المادة (92/اولاً) من الدستور، وكان الاجدر تقديم رئيس المحكمة الاتحادية العليا في ترتيب أسماء اللجنة المكلفة بالاختيار.

2- خروج مجلس النواب على التشكيل الفردي الوتري في تشكيل اللجنة القضائية المناط بها اختيار رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية، إذ تشكلت من (4) أعضاء، وهم كلاً من (رئيس مجلس القضاء+ رئيس المحكمة الاتحادية العليا+ رئيس جهاز الادعاء العام+ رئيس جهاز الاشراف القضائي)، وهو الأمر الذي من شانه أنْ يثير العديد من التساؤلات، فما هو القرار الذي سيطبق عند تساوي الأصوات؟ فضلاً عن ذلك فإنَّ اعتناق هذه اللجنة الرباعية يجعلنا نقرر أنَّ التوافق بين أعضاء هذه اللجنة هو المعول عليه في اختيار رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا القادمين، وهو الأمر الذي يدعو إلى تعديل هذا النص أو إضافة رئيس مجلس القضاء في إقليم كردستان- العراق إلى عضوية هذه اللجنة ليصبح عددهم وتراً.

3- في الوقت الذي طبقت فيه المادة (1/ثانياً) من القانون مبدأ استقلال القضاء في اختيار رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا، غير أنها بالمقابل جعلت لرئيس الجمهورية سلطة في إصدار المرسوم الجمهوري بالتعيين خلال (15) يوماً من تاريخ الاختيار دون أنْ تحدد الجزاء الذي سيفرض في حالة امتناع رئيس الجمهورية عن اصدار المرسوم الجمهوري.

وعلى الرغم من النص في المادة (5) من القانون على إصدار الامر النيابي من رئيس مجلس النواب في حالة امتناع رئيس الجمهورية عن إصدار المرسوم الجمهوري، غير أننا نرى أنَّ ذلك يشكل مخالفة صريحة لمبدأ استقلال القضاء المنصوص عليه في المادة (19/اولاً) و(88) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، فضلاً عن أنه يشكل مخالفة صريحة للمادة (73/سابعاً) من الدستور التي لم تنص على مبدأ تحول المرسوم الجمهوري إلى الأمر النيابي من رئيس مجلس النواب.

المحور الثالث

المخالفات الدستورية والقانونية الأخرى

لم تقتصر المخالفات الدستورية والقانونية في قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا على المواد المتعلقة بتشكيل المحكمة الاتحادية العليا فقط، بل تعداه الامر إلى العديد من المواد الأخرى التي نجملها بالآتي:

اولاً: المادة (2) من القانون المتعلقة باختصاصات المحكمة الاتحادية العليا احتوت على العيوب التشريعية الآتية:

1- التكرار غير المبرر في صياغة المادة (2) من القانون، إذ نصت على إعادة وتكرار الاختصاصات والصلاحيات المناطة بالمحكمة الاتحادية العليا وفق المادة (93) من الدستور، ونرى أنه من النصوص الزائدة والمكررة التي لا حاجة للنص عليها.

2- استعمال مصطلحات غير دقيقة وغير دستورية كاستخدام مصطلح (التصديق) بدل (المصادقة) في البند (سابعاً) من هذه المادة، على الرغم من اختلاف المقصود بهما.

3- استخدام المصطلحات المرادفة في المادة ذاتها، إذ استخدم المشرع عبارة (النظر بالطعن) في البند (تاسعاً) من هذه المادة وكان الأجدر استخدام عبارة (الفصل في قرار صحة العضوية النيابية).

ثانياً: المادة (3) من القانون تنص على انه ( أ- يحال إلى التقاعد بمرسوم جمهوري الرئيس ونائبه وأعضاء المحكمة من القضاة بعد اكمال (72) اثنتين وسبعين سنة من العمر استثناء من احكام قانون التقاعد الموحد رقم (9) لسنة 2014 المعدل واحكام قانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979 المعدل أو أي قانون يحل محلهما.

ب- يحال إلى التقاعد بمرسوم جمهوري رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا المعينين بموجب المرسوم الجمهوري رقم (2) الصادر في الأول من شهر حزيران من عام 2005، والمرسوم الجمهوري رقم (3) الصادر في التاسع عشر من شباط 2007 استناداً لأحكام قانون رقم (160) لسنة 1979 المعدل واحكام قانون التقاعد الموحد رقم (9) لسنة 2014 المعدل أو أي قانون يحل محلهما استثناء من الفقرة (أ) من هذا البند بعد اختيار رئيس وأعضاء المحكمة وفقاً لأحكام البند (ثانياً) من المادة (3) من الامر التشريعي رقم (30) لسنة 2005 م المعدل).

يتضح من المادة أعلاه احتوائها على المخالفات الدستورية والقانونية والفقهية الآتية:

1- انتهاك تحديد سن (72) من العمر بالنسبة لرئيس وأعضاء المحكمة الجدد مع مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (14) من الدستور، دون أنْ نغفل عن المخالفة الصريحة لهذا التحديد مع أحكام قانون تمديد خدمة القضاة رقم (39) لسنة 2012 الذي حدد السن الأعلى لتقاعد القاضي وهو (68) سنة.

2- مخالفة البند (ب) من هذه المادة لمبدأ العمومية والتجريد التي تتسم بهما القاعدة القانونية، إذ كان الأجدر الاكتفاء بإحالة رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية الحاليين إلى التقاعد بالنسبة لمن اكمل سن الإحالة المحدد بـ(72) سنة فقط، مما يعني أنَّ مجلس النواب جعل القاعدة القانونية في المادة أعلاه قاعدة خاصة وليس قاعدة عامة، مما يخالف ابجديات القانون الأولى.

3- إنَّ نص البند (ب) من هذه المادة ينتهك مبدأ مساواة القضاة امام القانون، فعلى الرغم من وجود احد أعضاء المحكمة الاتحادية العليا ممن لم يكمل سن (72) سنة من العمر، غير أنه تم احالته إلى التقاعد، وكان الأجدر الإبقاء على عضويته في المحكمة الاتحادية العليا في ظل الخبرة الدستورية المتراكمة طيلة السنوات السابقة من عمر المحكمة الاتحادية العليا، بل وتكليفه برئاسة المحكمة او منصب نائب الرئيس.

ثالثاً: المادة (4) من القانون تنص (يؤدي رئيس المحكمة ونائبه واعضاؤها قبل المباشرة بأعمالهم اليمين الدستورية امام رئيس الجمهورية وفق الصيغة الاتية ( اقسم بالله العلي العظيم ان اؤدي اعمال وظيفتي بصدق وامانة واقضي بين الخصوم بالحق والعدل واطبق احكام الدستور والقوانين بنزاهة وحياد، واحافظ على استقلال القضاء وكرامته ونزاهته واصون الدستور واحمي الحريات العامة والخاصة والله على ما أقول شهيد).

ومن امعان النظر في هذه المادة فقد تأشرت الملاحظات الاتية:

1- عدم دقة وصف اليمين التي يؤديها رئيس وأعضاء المحكمة باليمين الدستورية، إذ إنَّ التكييف القانوني السليم لها هو (يمين قانونية).

2- عدم وجود سند دستوري أو قانوني لإلزام رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا بأداء صيغة اليمين الدستورية المقتبسة بعض صيغها من المادة (50) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، إذ إنَّ المادة أعلاه وكذلك المادتين (67) و(79) من الدستور حددت الجهات والأشخاص الذين يؤدون اليمين الدستورية على سبيل الحصر، ولا يدخل رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية ضمنهم.

3- وجود تكرار غير مبرر في أداء صيغة اليمين، كما في عبارة (اطبق احكام الدستور) و(واصون الدستور)، مما يعني استخدام التعابير المترادفة دون وجود حاجة لذلك.

4- التساؤل الذي يثار بهذا الصدد كيف سيقوم رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا التي ستشكل مستقبلاً بأداء يمين الإخلاص للدستور وتطبيق أحكامه ومجلس النواب قد قام بتعديل المادة (92/ثانياً) من الدستور، وتعديل تشكيلة المحكمة من التشكيل المختلط إلى التشكيل القضائي البحت؟

رابعاً: المادة (5) من القانون تنص (إذا تعذر أداء اليمين الدستورية لرئيس المحكمة أو نائب الرئيس أو أعضاء المحكمة الاتحادية لأي سبب كان أو لم يتم اصدار المرسوم الجمهوري بتعيينهم لأي سبب كان يؤدي رئيس المحكمة الاتحادية ونائبه واعضاءها والاحتياط من القضاة اليمين الدستورية امام رئيس مجلس النواب بالصيغة المذكورة في هذا القانون ويصدر امر نيابي بتعيينهم خلال (15) خمسة عشر يوماً).

ومن امعان النظر في هذه المادة فقد تأشرت لدينا الملاحظات الآتية:

1- تكرار مصطلح (اليمين الدستورية)، والاصح هو (اليمين القانونية).

2- إقرار مجلس النواب مبدأ التحول في الصلاحيات الرئاسية، إذ إنَّ هذا المبدأ ينتهك ويخالف المادة (73/سابعاً) من الدستور التي اختصت رئيس الجمهورية بإصدار المراسيم الجمهورية، ومن ثم فإنَّ الأخذ بهذا النص معناه سلب السلطة التقديرية الممنوحة لرئيس الجمهورية في إصدار المراسيم.

3- عدم وجود سند دستوري أو قانوني لقيام رئيس مجلس النواب بالحلول محل رئيس الجمهورية في أداء اليمين القانونية لرئيس واعضاء المحكمة الاتحادية العليا، ويشكل صورة من صور التعسف في استعمال السلطة التشريعية.

4- إنَّ منح رئيس مجلس النواب سلطة اصدار القرار النيابي بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا ينتهك مبدأ الفصل بين السلطات وفق المادة (47) من الدستور، فضلاً عن انتهاكه مبدأ استقلال القضاء المنصوص عليه في المادتين (19/اولاً) و(89) من الدستور.

5- مخالفة إصدار القرارات النيابية للحجية المطلقة والباتة لقرارات المحكمة الاتحادية العليا وفق المادة (94) من الدستور، إذ سبق وأنْ حكمت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية اصدار القرارات النيابية وذلك في قرارها المرقم 140وموحداتها 141/اتحادية/2018 الصادر في 23/12/2018.

خامساً: المادة (6) من القانون تنص على انه (يحفظ في تكوين المحكمة التوازن الدستوري بين مكونات الشعب العراقي).

من امعان النظر في هذه المادة فقد اتسمت بالآتي:

1- عدم وجود سند دستوري أو قانوني لاستخدام مصطلح (التوازن الدستوري بين مكونات الشعب).

2- مخالفة مبدأ (التوازن الدستوري) للحجية المطلقة لقرارات المحكمة الاتحادية العليا وفق المادة (94) من الدستور، ومنها ما جاء في القرار رقم (89/اتحادية/2019) الذي المحاصصة الطائفية والسياسية.

3- إنَّ مبدأ التوازن الدستورية ينتهك مبدأ المواطنة وحقوق وحريات المواطنين المنصوص عليها في الباب الثاني من الدستور، وهو الأمر الذي يتوجب الغاؤه أو الطعن به لعدم الدستورية.

سادساً: المادة (7) من القانون تنص (للمحكمة امين عام له خبرة في القانون لا تقل عن (10) سنوات، ويكون بدرجة وكيل وزير وصلاحياته).

ويؤخذ على المادة أعلاه العديد من الملاحظات الآتية:

1- إنَّ التسمية السابقة لمدير عام المحكمة الاتحادية العليا أفضل من التسمية الحالية وهي (الأمين العام للمحكمة الاتحادية العليا).

2- في الوقت الذي تم فيه اقتباس هذه التسمية من منصب الأمين العام لمجلس الوزراء والأمين العام للمحكمة الاتحادية العليا، غير أنه كان الاجدر أنْ يصار إلى إقرار المساواة في المركز الوظيفي مع المناصب المذكورة تطبيقاً لمبدأ المساواة امام القانون.

وفي الختام فان المادة (8) من القانون اعتنقت الأثر الرجعي لنفاذ القانون من تاريخ اقراره في مجلس النواب.

وبناء على المخالفات الدستورية والقانونية والفقهية المذكورة أعلاه فإننا ندعو إلى اتخاذ الإجراءات الاتية:

1- تقديم طعن بعدم دستورية قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا من قبل أي مواطن أمام المحكمة الاتحادية العليا، يستوي في ذلك أنْ تكون له مصلحة نظرية أو عملية، وذلك لأنَّ احترام الدستور المستفتى عليه من الشعب يعتبر مصلحة محمية دستورياً وبالإمكان حمايتها من المواطن والمسؤول على حد سواء.

2- قيام مجلس النواب بإطلاق مبادرة تصحيح التشكيل غير الدستوري للمحكمة الاتحادية العليا والتصويت على قانون جديد للمحكمة الاتحادية العليا يتضمن العودة إلى القواعد المنصوص عليها في المادة (92) من الدستور واعتناق التشكيلة الثلاثية للمحكمة من القضاة وخبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون، شريطة أنْ يتم ذلك قبل إجراء الانتخابات النيابية المبكرة المزمع إقامتها في 10/10/2021.

3- في حالة تعذر قيام مجلس النواب بتشريع قانون جديد فإننا ندعو رئيس المحكمة الاتحادية العليا إلى إصدار نظام داخلي جديد للمحكمة الاتحادية العليا يحل محل النظام الداخلي للمحكمة رقم (1) لسنة 2005 ويتضمن تشكيل هيئة مستشارين مشتركة داخل المحكمة الاتحادية العليا من فقهاء القانون وخبراء الفقه الإسلامي تكون مهمتهم تقديم الاستشارة والخبرة للمحكمة في القضايا المعروضة امام المحكمة من اجل الالتزام بنص المادة (92/ثانياً) من الدستور.

4- ندعو إلى ضرورة اشراك قضاة محكمة التمييز الاتحادية الذين احيلوا إلى التقاعد سابقاً في عضوية المحكمة الاتحادية العليا وذلك من أجل عدم التأثير على مسألة إفراغ محكمة التمييز الحالية من قضاتها، بعد حذف عبارة (المستمرين بالخدمة) وذلك لتحقيق مبدأ المساواة بين القاضي المستمر بالخدمة والقاضي المحال للتقاعد في الانضمام إلى عضوية المحكمة الاتحادية العليا.

5- وفي الختام نؤكد على ضرورة تجاوز الانتهاكات والمخالفات الدستورية المذكورة أعلاه، وتكريس مبدأ السيادة الشعبية وتمثيل مجلس النواب للشعب في قانون المحكمة الاتحادية العليا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق