الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
حلف مكة للدفاع المشترك.. بين الالتزام السياسي ومصداقية الدفاع الجماعي

بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
ملخص التقدير الاستراتيجي
لا تكمن الأهمية الاستراتيجية لاتفاق مكة للدفاع المشترك في إعلان الدول المشاركة أن الاعتداء المسلح على إحداها يُعد اعتداءً عليها جميعاً فحسب بل في ما قد يترتب على هذا الإعلان من تغيير في حسابات الردع وأنماط التعاون العسكري وتوزيع مسؤوليات الأمن في المنطقة. فالاتفاق الذي أُعلن توقيعه في مكة في 7 أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان يطرح سؤالاً يتجاوز دوافع التقارب بين الدول الثلاث إلى طبيعة الترتيبات التي يمكن أن تنشأ عنه، ومدى قدرتها على تحويل الموارد الوطنية المتفاوتة إلى قدرة دفاعية مشتركة في الوقت الذي أكد فيه البيان الرسمي السعودي أن الاتفاق يستهدف تعزيز الردع الجماعي وتطوير أوجه التعاون الدفاعي بين الدول الموقعة ونحن بدورنا نحلل طبيعة هذا التحالف الى ما هو ابعد من التصريح بشأنه.
اذ تنبع أهمية الاتفاق من اجتماع ثلاثة عناصر لا تتطابق بالضرورة: حاجة السعودية إلى توسيع خياراتها الدفاعية في بيئة إقليمية متقلبة وسعي تركيا إلى تعزيز حضورها الأمني والصناعي في الخليج، وامتلاك باكستان خبرة عسكرية وعلاقات أمنية ممتدة مع السعودية غير أن اجتماع هذه العناصر لا يعني تلقائياً نشوء مصالح أمنية متطابقة، كما أن التوافق على مبدأ الدفاع المشترك لا يحسم مسبقاً طبيعة الرد على كل أزمة أو حدود المخاطر التي تقبل الدول تحملها.
وتزداد أهمية هذا التمييز في ضوء التطورات اللاحقة لتوقيع الاتفاق ففي 31 اب 2026 عُقد الاجتماع الأول للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول ثم أعلن بيان الاجتماع الطارئ في الرياض يوم 5 تشرين الأول تعيين أمين عام للاتفاق واتخاذ خطوات لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها ونشرها سريعاً في السعودية وفي المقابل، نقلت رويترز في 8 تشرين الأول عن وزير الخارجية التركي (هاكان فيدان) أن مساهمة أنقرة قيد التحديد وأنها ستتركز في الدعم الدفاعي والتقني مع استبعاد إرسال قوات تركية لتنفيذ هجمات داخل أراضي دولة أخرى وتشير هذه التطورات إلى انتقال الاتفاق من مرحلة الإعلان إلى خطوات مؤسسية وتنفيذية معلنة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات اكتمال بناء منظومة عسكرية مشتركة.
ينطلق هذا التقدير من سؤال مركزي: إلى أي مدى يستطيع حلف مكة للدفاع المشترك تحويل تقاطع مصالح الدول المشاركة إلى التزام دفاعي ذي مصداقية، وما انعكاسات ذلك على بناء الأمن الإقليمي؟ وتتمثل فرضيته في أن القيمة الاستراتيجية للاتفاق ستتحدد بقدرته على الموازنة بين مطلبين متعارضين جزئياً: تعزيز الردع من خلال التزام جماعي واضح، والمحافظة على هامش وطني يسمح لكل دولة بضبط مستوى انخراطها وفق مصالحها وقدراتها وبذلك لا يُقاس أثر الاتفاق بمجرد توقيعه أو إنشاء مؤسساته وإنما بمدى قدرته على تنسيق القرار وتوزيع الأعباء وتفعيل الاستجابة عند ارتفاع كلفة التدخل. وسنفصل ذلك على النحو الآتي:
أولاً: التفسير الاستراتيجي للاتفاق بين تنويع الشراكات وإدارة التباينات
لفهم الاتفاق ينبغي التمييز بين ثلاثة تفسيرات مترابطة لا التعامل معها بوصفها فرضيات يستبعد بعضها بعضاً. يتعلق التفسير الأول بتنويع مصادر الحماية، والثاني بتكامل الموارد والقدرات، أما الثالث فيركز على إدارة التباينات بين الدول المشاركة. وتختلف قيمة هذه التفسيرات بحسب ما تستطيع الأدلة إثباته، لا بحسب جاذبية كل تفسير في ذاته.
يُفسر تنويع مصادر الحماية سعي الدول إلى توسيع خياراتها الأمنية وعدم حصر قدرتها على الاستجابة في شريك واحد أو ترتيب دفاعي بعينه ومن هذا المنظور، يمكن للاتفاق أن يضيف مساراً للتعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، ويوسع فرص تبادل الخبرة والتكنولوجيا والدعم العسكري. لكن هذا لا يثبت أن الدول الثلاث تسعى إلى الاستغناء عن شراكاتها القائمة أو أن الاتفاق يستهدف إقصاء الولايات المتحدة أو إحلال منظومة جديدة محل ترتيبات الأمن السابقة وقد أوضح مسؤول سعودي أن الاتفاق لا يُقصد به إنشاء محور عسكري أو طائفي ولا يحل محل الاتفاقات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة. وينبغي التعامل مع هذا التصريح بوصفه توضيحاً رسمياً للهدف المعلن، لا دليلاً نهائياً على جميع الآثار الاستراتيجية المحتملة للاتفاق.
أما تكامل الموارد فيستند إلى اختلاف المزايا التي يمكن أن يقدمها كل طرف فالسعودية تمتلك موارد مالية وقدرات دفاعية وموقعاً جغرافياً مهماً في الخليج وتملك تركيا قاعدة صناعية دفاعية وخبرة في تطوير أنظمة عسكرية، بينما تمتلك باكستان مؤسسة عسكرية كبيرة وخبرة ممتدة في التعاون الأمني مع الرياض ومن الممكن أن يتيح جمع هذه الموارد فرصاً لتوسيع التعاون في الدفاع الجوي والتدريب والصيانة والصناعات العسكرية وتبادل المعلومات. غير أن هذا الاحتمال لا يساوي تحقق التكامل العملياتي؛ إذ يتطلب الأخير توافقاً في نظم الاتصال والقيادة والتدريب والتخطيط والإمداد، فضلاً عن وضوح الصلاحيات القانونية والسياسية. ولذلك فإن تنوع القدرات يمثل مورداً محتملاً للاتفاق وليس دليلاً بحد ذاته على أن الدول الثلاث باتت قادرة على استخدامها ضمن منظومة واحدة.
لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، أدناه:



