الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

تحرير الساحل الغربي.. تداعيات استراتيجية تتجاوز حدود اليمن

بقلم: الباحث حمد الصالحي / اليمن

 

لم تكن العملية العسكرية الواسعة التي أطلقتها القوات المسلحة اليمنية في الساحل الغربي في الثالث من ايلول الجاري، تحت عنوان (والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً)، مجرد عملية عسكرية تستهدف تغيير خطوط التماس أو استعادة مساحات جغرافية محددة، وإنما تحمل في نتائجها المباشرة وتداعياتها اللاحقة أبعاداً استراتيجية تتجاوز حدود الساحل الغربي لتصل إلى جوهر الصراع على اليمن وموقعه الجيوسياسي، وإلى معادلة الأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب، بل وإلى طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية المرتبطة بأمن الطاقة والتجارة العالمية.

 

الأهمية الجيوسياسية للساحل الغربي والاطماع الخارجية فيه

ان الساحل الغربي ليس مجرد شريط جغرافي ممتد على البحر الأحمر، وإنما يمثل أحد أهم المفاتيح الجيوسياسية لليمن، نظراً لارتباطه المباشر بمضيق باب المندب، والموانئ والجزر اليمنية، وخطوط الملاحة الدولية، وبالامتداد البحري الذي يصل المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عدن بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن من يملك قدرة مؤثرة على هذه المنطقة لا يمتلك مجرد موقع عسكري متقدم، بل يمتلك ورقة استراتيجية يمكن أن يكون لها تأثير في أمن الملاحة والتجارة والطاقة، وفي الحسابات السياسية للدول التي ترتبط مصالحها بهذا الممر البحري الحيوي.

ولهذا السبب تحديداً ظل البحر الأحمر وباب المندب على مدى عقود مجالاً للتنافس الدولي والإقليمي. فالقوى الكبرى لم تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها ممراً مائياً عادياً، وإنما باعتبارها عقدة استراتيجية تتحكم في جزء مهم من حركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب. كما أن الموقع الجغرافي لليمن، وما يمتلكه من سواحل طويلة وجزر ذات أهمية استراتيجية، جعل منه هدفاً دائماً لمشاريع النفوذ الخارجي، وجعل السيطرة على بعض مناطقه الساحلية والجزرية جزءاً من الصراع الأوسع على مستقبل المنطقة.

فالولايات المتحدة سعت منذ عقود إلى تعزيز حضورها العسكري والأمني في محيط البحر الأحمر وخليج عدن، بما يتيح لها التأثير في طرق التجارة والطاقة وحماية مصالحها ومصالح حلفائها. و”اسرائيل” تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجالاً حيوياً يرتبط بأمنه ومصالحه الاستراتيجية منذ قيامه عام 1948م، فيما تنظر السعودية إلى اليمن باعتباره مجالاً جيوسياسياً شديد الحساسية لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، ولا سيما أن البحر الأحمر يمثل أحد الممرات المهمة لحركة صادراتها النفطية ووارداتها التجارية.

ومنذ بدء الحرب والعدوان على اليمن في آذار2015 بقيادة السعودية والامارات وبدعم أمريكي “إسرائيلي” بريطاني أصبح الساحل الغربي أحد أهم مسارح المواجهة بين القوات المسلحة اليمنية بقيادة أنصار الله وبين قوات دول العدوان على اليمن ومرتزقتها، فقد شهدت مناطق باب المندب والمخا والشريط الساحلي معارك واسعة، كما تحولت المنطقة إلى ساحة لتجمع تشكيلات عسكرية متعددة، شاركت فيها قوات ومرتزقة من جنسيات مختلفة، إلى جانب التشكيلات المحلية، واستُخدمت فيها إمكانات جوية وبحرية كبيرة. وتمكنت القوى المعادية من فرض وجودها على أجزاء من الساحل الغربي، كما تصاعدت العمليات العسكرية في ميدي شمالاً، وفي عام 2018 وصلت المواجهات إلى أطراف مدينة الحديدة ومينائها، قبل أن تنسحب القوات المهاجمة من مناطق واسعة من محيط المدينة في أواخر عام2021. وكان الهدف من السيطرة على هذا الجزء من الساحل يتجاوز تحقيق مكاسب عسكرية ميدانية؛ إذ ارتبط بصورة مباشرة بمحاولة الضغط على المناطق الحرة التي تقع تحت سلطة حكومة صنعاء والتحكم في أحد أهم منافذها الاقتصادية. ومع استمرار الحرب، أصبح ميناء الحديدة شرياناً رئيسياً لدخول الاحتياجات الأساسية إلى مناطق واسعة من اليمن، فيما أدت إجراءات التفتيش والقيود المفروضة على حركة السفن إلى زيادة تكاليف النقل والوصول إلى الأسواق، فضلاً عن القيود التي طالت حركة الصادرات والواردات.

 

الأهمية الأستراتيجية لعملية تحرير الساحل الغربي

العميد يحيى سريع المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية

خلال أسبوع واحد من بدء العملية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية، على لسان الناطق الرسمي العميد يحيى سـريـع، تحقيق مجموعة من النتائج الميدانية، من بينها تطهير مساحة تقدر بنحو 5400 كيلومتر مربع، ودحر سبع تشكيلات عسكرية تضم 38 لواءً، وإسقاط تسع طائرات تابعة للعدو السعودي، إلى جانب تحرير عدد من أسرى القوات المسلحة اليمنية الذين ظلوا في الأسر منذ سنوات. وبعيداً عن تفاصيل هذه النتائج الميدانية، التي تمثل في حد ذاتها تحولاً مهماً في خارطة الانتشار العسكري، فإن الأهمية الأكبر للعملية تكمن في آثارها الاستراتيجية وما يمكن أن تفرضه من إعادة حسابات لدى القوى الإقليمية والدولية التي جعلت من الساحل الغربي ساحة رئيسية في حربها على اليمن.

 

عسكرياً

يمكن فهم القيمة الاستراتيجية للعملية الأخيرة في الساحل الغربي؛ في أنها لم تستهدف مجرد قوة عسكرية منتشرة في منطقة ما، بل استهدفت جزءاً من البنية العسكرية التي كانت تمثل احتياطاً استراتيجياً للقوى الخارجية المعادية، ويمكن استخدامها مستقبلاً لإعادة فتح جبهة الساحل أو الضغط على مدينة وميناء الحديدة أو نقل القوات لتعزيز جبهات أخرى. وبالتالي فإن أحد أهم آثار العملية يتمثل في تقليص الخيارات البرية المتاحة أمام قوى العدوان على اليمن. فالقوات التي كانت منتشرة في الساحل الغربي لم تكن مجرد وحدات موجودة في مواقع ثابتة، وإنما كانت تمثل كتلة بشرية وعسكرية يمكن استخدامها في المناورة وإعادة الانتشار وفتح محاور جديدة للقتال. ومع فقدان هذه المساحات والتشكيلات، يخسر العدو جزءاً مهماً من قدرته على المناورة الاستراتيجية، وتصبح عملية نقل الضغط من جبهة إلى أخرى أكثر صعوبة وكلفة. وهنا تكمن أهمية ما يمكن تسميته “بـالمخزون الاستراتيجي”؛ فالحروب الطويلة لا تُقاس فقط بعدد المواقع التي تسيطر عليها الأطراف، وإنما أيضاً بحجم القوى التي تحتفظ بها وقدرتها على تعويض الخسائر وإعادة الانتشار وفتح جبهات جديدة. وعندما تُفقد كتلة كبيرة من القوات والآليات والأسلحة والذخائر والمعدات في عملية واحدة، فإن الخسارة لا تكون محصورة في الأرض التي تم التخلي عنها، وإنما تمتد إلى القدرة المستقبلية على استخدام تلك القوات كورقة ضغط ومناورة. وهذا يعني أن العملية العسكرية في الساحل الغربي يمكن أن تكون قد نقلت المعركة من مرحلة الصراع على المواقع إلى مرحلة الصراع على القدرة نفسها. فالعدو لا يواجه فقط خسارة جغرافية، وإنما يواجه تقلصاً في قدرته على تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية وميدانية. كما أن العملية تعيد ترتيب العلاقة بين القوة البرية والقوة الجوية والبحرية. فالقوة الجوية، مهما بلغت قدراتها، تحتاج إلى قوات برية قادرة على استثمار نتائج الضربات الجوية وتحويلها إلى تقدم ميداني وسيطرة على الأرض. وكذلك القوة البحرية تحتاج إلى بيئة عملياتية تسمح لها بتأمين التقدم البري أو فرض نتائج استراتيجية قابلة للاستثمار. وعندما تتراجع قدرة القوات البرية على المناورة والانتشار والضغط، فإن فعالية بقية أدوات القوة تصبح أكثر محدودية من حيث قدرتها على تحقيق أهداف سياسية وعسكرية شاملة. وقد أثبتت سنوات الحرب والعدوان على اليمن أن امتلاك التكنولوجيا العسكرية المتقدمة لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية على الطرف الآخر. فقد تمكنت القوات المسلحة اليمنية، خلال سنوات المواجهة، من تطوير قدراتها الصاروخية والجوية والدفاعية والبحرية بصورة جعلت التفوق التكنولوجي للخصوم أقل قدرة على ترجمة نفسه إلى نتائج حاسمة على الأرض. ومن هنا فإن تراجع القدرة البرية للقوى المعادية في الساحل الغربي يكتسب أهمية إضافية؛ لأنه يأتي في بيئة لم تعد فيها القوة الجوية والبحرية قادرتين، بمفردهما، على حسم المعركة أو فرض واقع سياسي جديد في اليمن. والأكثر أهمية أن المساحة الجغرافية التي أعلنت القوات المسلحة اليمنية تطهيرها، والتي تقدر بنحو 5400 كيلومتر مربع، ليست مساحة عسكرية عابرة، وإنما مساحة واسعة تمنح الطرف المسيطر عليها عمقاً جغرافياً وقدرة أكبر على الحركة والمراقبة وإعادة الانتشار. وبالتالي فإن إخراج القوات المعادية منها يعني تضييق المجال الذي تستطيع من خلاله التحرك والضغط، ويحد من قدرتها على المناورة بين الساحل والجبهات الداخلية. كما أن أهمية الساحل الغربي لا تنفصل عن أهمية الجزر اليمنية المنتشرة في البحر الأحمر ومحيط باب المندب. فالجزر والمواقع الساحلية تمثل نقاطاً متقدمة للمراقبة والاستطلاع والتحكم في المجال البحري، ولذلك فإن تعزيز الحضور اليمني فيها يرفع من قيمة الجغرافيا اليمنية في معادلة الأمن البحري، ويجعل أي وجود عسكري أجنبي في البحر الأحمر أو في الضفة المقابلة لباب المندب أكثر ارتباطاً بالحسابات العسكرية اليمنية. ومن هنا أيضاً يمكن فهم الأثر المحتمل للعملية على القواعد والمنشآت العسكرية الأجنبية في منطقة القرن الأفريقي؛ فكلما ازدادت قدرة اليمن على مراقبة المجال البحري المحيط به، ازدادت حساسية أي وجود عسكري أجنبي في جيبوتي أو غيرها من المناطق المطلة على خطوط الملاحة، كما تصبح أي محاولات مستقبلية لتعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة أمام بيئة استراتيجية مختلفة عن تلك التي كانت قائمة خلال السنوات الماضية.

 

اقتصادياً

لا تقف نتائج العملية عند الجانب العسكري، بل تمتد إلى معادلة الحصار. فالمعادلة التي أعلنتها حكومة صنعاء تحت عنوان «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» تقوم في جوهرها على نقل كلفة الحصار إلى الطرف الذي يحاول استخدامه كسلاح ضد اليمن. وكلما توسعت قدرة القوات المسلحة اليمنية على التحكم في المجال البحري المحيط بالساحل والجزر والموانئ، ازدادت قدرة صنعاء على فرض معادلة تجعل أمن الملاحة في البحر الأحمر مرتبطاً بمواقف الأطراف من اليمن. وهنا تبرز أهمية ميناء المخا بصورة خاصة، ليس باعتباره ميناءً فقط، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة الساحل الغربي التي يمكن أن تفتح في حال استثمارها اقتصادياً ولوجستياً خيارات جديدة أمام حركة السلع والبضائع، وتقلل من الاعتماد على منفذ واحد، وتمنح المناطق الحرة مجالاً أوسع لإعادة بناء منظومتها التجارية والاقتصادية.

كما أن استعادة مناطق واسعة من الساحل تفتح مجالاً أمام إعادة توظيف الموارد المحلية، سواء في النشاط الزراعي أو السمكي أو الحيواني أو في الأنشطة المرتبطة بالنقل والخدمات والموانئ. وفي ظل الحصار الاقتصادي الذي واجهه اليمن خلال سنوات الحرب، فإن استعادة السيطرة على مناطق جديدة لا تعني فقط إضافة أراضٍ إلى الخريطة، وإنما تعني أيضاً إضافة موارد وإمكانات يمكن توظيفها في عملية التعافي الاقتصادي وتقليل آثار الحصار وتعزيز مسار الاعتماد على الذات.

 

سياسياً

ومن الناحية السياسية، فإن العملية تعزز الاستراتيجية التي تتبناها حكومة صنعاء والقائمة على استعادة السيطرة على الأراضي اليمنية وصون السيادة الوطنية ومنع تحويل الجغرافيا اليمنية إلى مناطق نفوذ دائمة للقوى الخارجية. فالمعركة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق فقط بمن يسيطر على موقع عسكري، وإنما بمن يمتلك القرار في الأرض والموانئ والسواحل والمياه الإقليمية، ومن يستطيع أن يقرر كيفية توظيف هذه الجغرافيا ومقدراتها.

وهذا البعد يكتسب أهمية أكبر في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، ولا سيما مع تصاعد الصراع بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية، وتزايد أهمية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن في الحسابات الدولية. فاليمن لم يعد مجرد ساحة داخلية للصراع، كما حاولت بعض القوى تصويره خلال السنوات الماضية، وإنما أصبح أحد العناصر المؤثرة في معادلة الأمن الإقليمي، ولا سيما عندما ترتبط قدراته العسكرية بممرات بحرية دولية ذات أهمية عالمية.

 

مضيق باب المندب

 

ومن هذه الزاوية، فإن تعزيز الحضور اليمني في باب المندب، بالتزامن مع الدور الإيراني في مضيق هرمز، يفتح أمام محور الجهاد والمقاومة مجالاً أوسع للتأثير في معادلات الأمن والطاقة والتجارة. وإذا تمكنت القوى الإقليمية المناهضة للهيمنة الأمريكية و”الإسرائيلية” من امتلاك أوراق مؤثرة في أهم الممرات البحرية، فإن أمن الطاقة وحركة التجارة العالمية لن يعودا مجرد قضايا تقنية منفصلة عن الصراع السياسي، وإنما سيصبحان أكثر ارتباطاً بمواقف القوى الدولية من قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وهذا التحول، إذا استمر وتراكم، يمكن أن يؤدي إلى إعادة صياغة جزء من التوازنات الإقليمية؛ لأن الدول التي تعتمد على هذه الممرات البحرية في تجارتها أو صادراتها النفطية ستجد نفسها مضطرة إلى أخذ مواقف القوى المسيطرة على هذه الممرات بعين الاعتبار. ومن ثم فإن الجغرافيا البحرية يمكن أن تتحول من عامل جغرافي ثابت إلى أداة تفاوض سياسي واستراتيجي. كما أن العملية تحمل أثراً مهماً على طبيعة العلاقة بين صنعاء والعالم الخارجي. فكلما اتسعت قدرة حكومة صنعاء على حماية سواحلها وموانئها ومجالها البحري، أصبح من الصعب استمرار التعامل معها باعتبارها طرفاً يمكن عزله أو تجاوز مصالحه في أي ترتيبات تتعلق بالبحر الأحمر. فالدول التي ترتبط مصالحها التجارية بالممرات البحرية ستجد نفسها، بحكم الضرورة، أمام حاجة إلى التواصل والتنسيق مع الطرف الذي يمتلك تأثيراً فعلياً في البيئة الأمنية التي تمر عبرها سفنها. ومن هنا فإن كسر العزلة المفروضة على اليمن لا يبدأ بالضرورة من المؤتمرات السياسية، وإنما يمكن أن يبدأ من تغير موازين القوة على الأرض وفي البحر. فحين تصبح السيطرة الجغرافية والسيادة البحرية حقيقة ميدانية، فإن الآخرين هم الذين يبدأون في البحث عن قنوات التواصل، لأن المصالح الاقتصادية والأمنية لا تستطيع تجاهل موازين القوة الجديدة. وإذا تزامن ذلك مع أي تطور في وضع مضيق هرمز، فإن البحر الأحمر وباب المندب سيدخلان مع الخليج ومضيق هرمز في منظومة استراتيجية واحدة، يصبح فيها أمن الطاقة والتجارة مرتبطاً بدرجة أكبر بالتوازنات السياسية والأمنية في المنطقة. وعندها لن يكون من السهل على القوى الدولية أن تتعامل مع هذه الممرات باعتبارها مناطق نفوذ مفتوحة أمامها دون حساب لمواقف الدول والقوى الإقليمية المطلة عليها.

 

الخاتمة

إن ما حدث في الساحل الغربي، وفق هذا المنظور، لا ينبغي قراءته فقط من خلال مساحة الأرض التي تم تحريرها أو عدد المواقع التي تغيرت السيطرة عليها، وإنما من خلال ما أحدثه من تغير في قيمة الجغرافيا اليمنية وفي قدرة الأطراف المختلفة على استخدامها. فالعملية أضعفت ورقة برية كانت تمثل أحد أهم أدوات الضغط العسكري، ووسعت المجال الجغرافي المتاح للقوات المسلحة اليمنية، ورفعت من القيمة الاستراتيجية للساحل والجزر والموانئ، وفتحت احتمالات جديدة في معادلة البحر الأحمر، وأرسلت في الوقت نفسه رسالة إلى القوى الخارجية بأن محاولة تحويل الجغرافيا اليمنية إلى مجال نفوذ لن تكون عملية بلا تكلفة. ولهذا فإن الأثر الحقيقي للعملية قد لا يظهر كله خلال الأيام أو الأسابيع الأولى. بعض النتائج العسكرية يمكن قياسها فوراً، لكن النتائج الاستراتيجية تحتاج إلى وقت حتى تظهر في سلوك الخصوم، وفي طبيعة تحركاتهم العسكرية، وفي حساباتهم السياسية، وفي علاقاتهم مع صنعاء، وفي طريقة تعامل القوى الدولية مع أمن البحر الأحمر وباب المندب.

لقد كان الساحل الغربي طوال سنوات الحرب إحدى أهم الأوراق التي راهنت عليها القوى المعادية لإبقاء اليمن تحت الضغط، وتحويل موانئه وسواحله إلى نقاط اختناق عسكري واقتصادي. أما اليوم، فإن تغير المعادلة على الأرض يعني أن هذه الورقة لم تعد بالفاعلية نفسها التي كانت عليها، وأن الجغرافيا التي أرادها الخصوم أداة لخنق اليمن يمكن أن تتحول إلى أداة يمنية للدفاع عن السيادة وفرض معادلات جديدة. وبذلك فإن العملية العسكرية في الساحل الغربي لا تبدو، في نتائجها الاستراتيجية، مجرد معركة على الأرض، وإنما خطوة في مسار أوسع لإعادة تعريف موقع اليمن في معادلة الإقليم. فاليمن الذي حاولت القوى الخارجية طوال سنوات الحرب أن تجعله ساحة للصراع أصبح، بفعل امتلاكه لعناصر قوة عسكرية وجغرافية وبحرية، طرفاً يسعى إلى التأثير في قواعد الصراع نفسها.

وفي النهاية، فإن القيمة الاستراتيجية لأي عملية عسكرية لا تقاس فقط بحجم الأرض التي تحررت، وإنما بقدرتها على تغيير حسابات العدو وحرمانه من أوراق القوة وفتح أوراق جديدة أمام الطرف المنتصر. وإذا نجحت العملية في تثبيت نتائجها الميدانية وتحويلها إلى واقع سياسي واقتصادي وأمني مستدام، فإن الساحل الغربي لن يعود مجرد جبهة من جبهات الحرب، بل سيصبح إحدى أهم أوراق القوة في الاستراتيجية اليمنية، وواحداً من مفاتيح إعادة صياغة معادلة البحر الأحمر. وهنا تحديداً تكمن أهمية ما تحقق؛ فالمعركة لم تعد على الساحل وحده، وإنما على من يملك قرار الساحل، ومن يملك قرار البحر، ومن يملك حق تحديد مستقبل الجغرافيا اليمنية. وكلما انتقلت هذه القدرة من القوى الخارجية إلى الدولة اليمنية، تراجعت قدرة الخارج على استخدام اليمن كورقة في صراعاته، وازدادت قدرة اليمن على تحويل موقعه الجيوسياسي من مصدر للتهديد والضغط إلى مصدر للقوة والردع والتأثير.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى