الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

لماذا لا تعاقب ألمانيا روسيا بمزيد من الحزم؟

السياسة الداخلية تقيّد قدرة برلين على الرد على محاولة شن هجوم بطائرة مسيّرة

 

بقلم: سام سكوف

وجون هالتيوانغر

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

في خضم تصاعد حملة التخريب الروسية ضد أوروبا، يثير الرد الألماني المتحفظ على أحد الهجمات الأخيرة مخاوف وتحذيرات متزايدة لدى كثيرين، غير أن تصاعد الشعبوية في الداخل والمخاوف من التصعيد قد يجعلان هذا الرد أقصى ما تستطيع ألمانيا تقديمه.

في أوائل أب اكتشفت ألمانيا طائرة مسيّرة محمّلة بالمتفجرات بالقرب من طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ، وفي الأسابيع الماضية اتهمت ألمانيا روسيا رسمياً بالوقوف وراء محاولة الهجوم وردّت على ذلك بإغلاق بعثة دبلوماسية روسية، وتشديد قيود السفر على المواطنين الروس وإغلاق مركز ثقافي روسي ودعوة الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات إضافية على روسيا.

ونفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تورط بلاده متهماً برلين بفبركة أدلة ضد موسكو، غير أن مسؤولين غربيين قالوا إن الهجوم المزعوم مرتبط بـ”نمط أوسع” من السلوك الخبيث الذي تنتهجه موسكو في مختلف أنحاء أوروبا، بما يشمل الطائرات المسيّرة وأعمال التخريب والهجمات السيبرانية وحملات التضليل بهدف زرع الانقسام والارتباك بين حلفاء أوكرانيا.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين “لقد كان هذا هجوماً باستخدام مواد عسكرية نفذه عملاء روس على أراضي الاتحاد الأوروبي، ونحن لن نتسامح مع ذلك ونعلن تضامننا الكامل مع ألمانيا”، وأضافت “يمثل حادث لايبزيغ تصعيداً جديداً على الأراضي الأوروبية يُنسب مباشرة إلى روسيا، لكنه جزء من نمط أوسع من الحوادث المتزايدة الخطورة”.

وقد ارتفعت حالات التخريب الروسي وأشكال التدخل الأخرى في أوروبا بشكل حاد منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 واستهدفت بعض أكثر المخططات المزعومة إثارة للقلق ألمانيا، ومن بينها مخطط لاغتيال رئيس أكبر شركة أسلحة في ألمانيا ومخطط لاغتيال الرئيس التنفيذي لشركة ألمانية متخصصة في الطائرات المسيّرة، ومؤامرة لإرسال طرود مفخخة عبر شركة ألمانية لنقل الطرود. وبدا الرد الألماني متحفظاً نسبياً، فعلى سبيل المثال في قضية المخطط الروسي المزعوم لاغتيال أرمين بابّرغر رئيس أكبر شركة أسلحة في ألمانيا، لم تعلن ألمانيا عن أي عقوبات محددة ضد روسيا، كما أن المستشار الألماني آنذاك أولاف شولتس لم يدلِ بأي تعليق مباشر. وقد وجّه كثير من المعلقين انتقادات حادة إلى الرد الألماني على محاولة الهجوم بالطائرة المسيّرة في لايبزيغ، وكتب وزير الدفاع البريطاني السابق بن والاس على منصة “إكس” “إذا لم تفعل ألمانيا شيئاً في كل مرة تتعرض فيها لهجوم من روسيا، فإن بوتين المتنمر سيواصل القيام بذلك”.

وقالت ليانا فيكس الباحثة البارزة في الشؤون الأوروبية لدى مجلس العلاقات الخارجية لمجلة “فورين بوليسي” “إن الرد الألماني حتى الآن يذكّرني بما كان عليه الوضع قبل عام 2022، فهو لا يرتقي إلى مستوى اللحظة الراهنة التي تشهد حملات روسية هجينة”. وقالت فيكس إن الرد الألماني الأكثر حزماً قد يشمل مصادرة السفن التي تستخدمها روسيا للتحايل على العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة كما تفعل دول أخرى بالفعل، وأضافت أن ألمانيا يمكنها أيضاً اتخاذ إجراءات في المجال الاستخباراتي مثل شن هجمات سيبرانية هجومية وهو ما يتطلب قانوناً موافقة البرلمان، وقالت إن بعض هذه الجهود قد تكون قيد الإعداد بالفعل لكن قد يصعب تتبعها نظراً إلى طبيعتها الحساسة.

وقال الفريق أول المتقاعد دوغ لوت الذي شغل منصب السفير الأمريكي لدى حلف شمال الأطلسي بين عامي 2013 و2017 إن العديد من ردود الفعل الأوروبية على الهجمات الروسية الهجينة أو هجمات المنطقة الرمادية “كانت ببساطة تقتصر على أخف أشكال الرد أي الكشف عنها علناً والإفصاح عنها وإخراجها إلى العلن”، وقال لوت إن من الواضح أن مثل هذه الردود “غير كافية” لكنه أضاف “أن إغلاق برلين للمنشآت الدبلوماسية يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح”، ويشكل رداً أقوى من معظم الحوادث السابقة”. وفي الوقت نفسه يتعين على أي رد ألماني على روسيا أن يأخذ في الحسبان تنامي قوة الأحزاب اليمينية واليسارية المتطرفة، التي تبنّت مواقف مؤيدة لروسيا إلى جانب التراجع الحاد في شعبية المستشار فريدريش ميرتس، الذي يتبنى موقفاً مؤيداً لأوكرانيا.

ففي نيسان بلغت نسبة تأييد حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف 28% في استطلاعات الرأي بينما حصل حزب اليسار اليساري المتطرف على 11%، وللمقارنة حصل الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي يتزعّم حالياً الائتلاف البرلماني الحاكم في ألمانيا على 24%، كما حقق حزب البديل من أجل ألمانيا أول فوز له في انتخابات على مستوى إحدى الولايات الأسبوع الماضي في انتصار كبير للحزب. ولا يرى كثير من ناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب اليسار روسيا تهديداً، وكتبت النائبة البرلمانية عن حزب اليسار ليا رايسنر منتقدةً تأكيد الحكومة الألمانية أن روسيا تقف وراء محاولة الهجوم في مطار لايبزيغ “المعلومات الاستخباراتية والمعقولية ليستا دليلاً، إن التصعيد الحالي بالغ الخطورة”. وعلى الرغم من الدعم الواسع لأوكرانيا في ألمانيا، يخشى كثيرون من التصعيد النووي وهو ما أثبتت روسيا استعدادها لاستغلاله، وقالت فيكس “لا يزال هذا القلق النووي قائماً في ألمانيا”.

ومع ذلك يرى بعض المسؤولين الغربيين أن اتهام ألمانيا لروسيا علناً بتنسيق محاولة الهجوم هذه يمثل بحد ذاته تطوراً مهماً، ولا سيما من منظور دول البلطيق مثل إستونيا، التي لا تزال تواجه توغلات بطائرات مسيّرة مرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

 

وزير الخارجية الإستوني مارغوس تساهكنا

وقال وزير الخارجية الإستوني مارغوس تساهكنا لمجلة “فورين بوليسي” “إن ألمانيا كانت واضحة جداً في تأكيدها وجود أدلة مباشرة على أن روسيا تقف وراء هذا الهجوم”، مشيراً إلى أن الأهمية تكمن أيضاً في وصفه رسمياً بأنه “هجوم”، وأضاف “هذا هو التغيير الذي لاحظته من الجانب الألماني”.

وقال تساهكنا إن هناك سردية مفادها أن “دول البلطيق هي التالية” وأن الأمر “بطريقة ما لا يعني سوى أننا المعنيون بأن روسيا تستفز وتدبر هجمات مختلفة”، لكن الأمر أصبح الآن “معلناً للجميع في أوروبا بأن روسيا تهاجم ألمانيا وتهاجم العديد من الدول الأخرى أيضاً”، غير أن تساهكنا أقر بأنه من الصعب تحديد ماهية الرد المتناسب مضيفاً أنه “من الواضح أننا لن ننظم” النوع نفسه من الهجمات ضد روسيا.

وقد أعربت دول البلطيق التي تشترك في حدود برية مع روسيا منذ فترة طويلة عن نفاد صبرها إزاء الاستجابة الغربية الأوسع للهجمات الروسية الهجينة، وقال تساهكنا إن الغرب “كان يتعين عليه أن يرد منذ سنوات” مشدداً على أن بوتين ظل يصعّد الضغوط لاختبار الوحدة الإقليمية وحلف شمال الأطلسي، وأضاف أن بوتين بارع في اللعب على المخاوف وأن الخوف من التصعيد يمثل أداة يستخدمها منذ سنوات.

ومن الإجراءات التي امتنعت ألمانيا عن اتخاذها رداً على الهجوم المزعوم اللجوء إلى المادة الرابعة من المعاهدة التأسيسية لحلف شمال الأطلسي التي تتيح للدول الأعضاء التشاور مع الحلفاء كلما رأى أيٌّ منها أن السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي أو أمن أي طرف من الأطراف مهدد، ويُعد هذا إجراءً نادراً لم يُتخذ سوى تسع مرات منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949، لكنه لا يؤدي فوراً إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات السياسية أو العسكرية. ومع ذلك جرى اللجوء إلى المادة الرابعة مرتين في أيلول 2025 وحده، رداً على انتهاك طائرات مسيّرة ومقاتلات روسية المجال الجوي لكل من بولندا وإستونيا.

وفي أواخر أيلول 2025 وبعد مشاورات المادة الرابعة حذّر حلف شمال الأطلسي روسيا من أنه سيستخدم “جميع الأدوات العسكرية وغير العسكرية اللازمة للدفاع عن أنفسنا وردع جميع التهديدات من جميع الاتجاهات”، وفي الشهر نفسه قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن على دول حلف شمال الأطلسي إسقاط الطائرات الروسية غير المصرح لها التي تدخل مجالها الجوي. لكن حتى بعد هذه الإجراءات والتحذيرات لا تزال روسيا مرتبطة بسلسلة متصاعدة من الحوادث الاستفزازية في مختلف أنحاء أوروبا، ووفقاً لتقرير أصدره في وقت سابق من هذا العام المركز الدولي لمكافحة الإرهـ ـاب ومقره هولندا نفذت روسيا 151 عملية عدائية في أوروبا بين غزوها الشامل لأوكرانيا في شباط 2022 وشباط 2026، ووفقاً لتقرير صدر في تموز عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن رُصدت 144 طائرة مسيّرة فوق 12 دولة أوروبية بين أب 2024 وشباط 2026، وخلص التقرير إلى أنه من المرجح جداً أن الكرملين نفذ حملة باستخدام طائرات مسيّرة فوق أوروبا.

ومع تفاقم هذه المشكلة وانتشارها يواجه القادة الأوروبيون أيضاً صعوبة في تحديد التسمية الدقيقة لها، فقد قالت ألمانيا إنها ليست في حالة حرب مع روسيا وإنما هي مستهدفة بـحرب هجينة، وأثار هذا الوضع جدلاً حول ما إذا كانت هذه المصطلحات قاصرة عن وصف طبيعة المشكلة وما إذا كانت قد أسهمت في ضعف الاستجابة لها، ويتزايد الضغط من أجل وصف أفعال روسيا بأنها إرهـ ـاب ترعاه الدولة.

وقال تساهكنا “علينا أن نسمي الأمور بأسمائها فالإرهـ ـاب الذي ترعاه الدولة مفهوم دقيق للغاية، ونحن نعرف كيف نتصرف وكيف نتعامل مع الأعمال الإرهـ ـابية الأخرى، ولا يفهم بوتين سوى الرسائل والإجراءات الواضحة”. وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الأسبوع الماضي أيضاً إن الهجوم الفاشل “يحمل جميع سمات الإرهـ ـاب الذي ترعاه الدولة”، مع إقرارها بأن مسألة كيفية التعامل معه لا تزال مفتوحة. وقال لوت إن استخدام حلفاء حلف شمال الأطلسي لمصطلح “الإرهـ ـاب” يمثل تصعيداً لافتاً مشيراً إلى أن المرة الوحيدة التي جرى فيها تفعيل المادة الخامسة كانت عقب الهجمات الإرهـ ـابية في الولايات المتحدة في 11 أيلول، غير أنه قال إن الأهم فيما يتعلق بتحديد طبيعة المشكلة هو أن يتوقف حلف شمال الأطلسي عن التعامل مع الهجمات الروسية الهجينة باعتبار كل منها حادثة “منفردة، وأن يوثق سجلها.

وقال لوت “تكمن القوة في تجميع هذه الهجمات وترتيبها ضمن حزمة واحدة، بحيث يمكن رؤية اتساع نطاقها وعمقها واستمرارها” مضيفاً أنه يمكن أيضاً اتخاذ مزيد من الخطوات في مقر حلف شمال الأطلسي بدءاً من تدريبات المحاكاة وصولاً إلى إجراء مشاورات مع الحلفاء الرئيسيين، لإيصال رسالة إلى الكرملين مفادها أن الحلف لا يقف مكتوف الأيدي. وقال لوت “لقد قطعنا شوطاً بعيداً بما يكفي على هذا المسار نحو الصراع المسلح، ونحو الهجوم المسلح بحيث يتعين أن يُنظر إلى حلف شمال الأطلسي باعتباره أكثر نشاطاً، لا سلبياً”. وقال تساهكنا “يقول البعض إن هذه الأنواع من الردود السياسية ليست مهمة لأن بوتين يواصل المضي قدماً، لكن الرئيس الروسي يراقب بعناية شديدة ما نفعله ومدى وحدتنا”.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى