الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

مستقبل الوجود العسكري الأميركي في الخليج بعد الضربات الإيرانية

بقلم: بختيار أحمد صالح

باحث في مركز حمورابي لبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تشير المعطيات الحالية إلى أن الحرب الأمريكية–الإيرانية أحدثت ضغطاً حقيقياً على نموذج الانتشار العسكري الأمريكي التقليدي في الخليج، و وزارة الدفاع الأمريكية كانت تدرس بالفعل، منذ آب، ما إذا كان ينبغي إعادة بناء القواعد الخليجية المتضررة بالشكل الذي كانت عليه، أم تقليص الوجود الثابت وإعادة توزيع القوات. ووفق Washington Post، كان النقاش يدور حول إمكانية نقل جزء من القوات غرباً بعيداً عن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

وفي 14–15 أيلول، أظهرت تقارير رقابية أن الأضرار لم تكن محدودة بقاعدة واحدة؛ فقد طالت منشآت أمريكية في الكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية والعراق وعُمان والأردن. كما أدت أضرار البحرين إلى اضطرابات لوجستية وإلى تحويل بعض عمليات الدعم إلى مواقع بعيدة مثل دييغو غارسيا.

 

وعليه، فإن المسألة الأساسية ليست هل ستنسحب أمريكا من الخليج؟ بل كيف ستعيد تصميم وجودها العسكري بحيث لا تبقى قواتها مركزة في قواعد كبيرة وثابتة يمكن لإيران استهدافها؟

 

المشكلة الاستراتيجية

أنتجت الحرب معادلة جديدة أمام واشنطن: القواعد القريبة من الجمهورية الإسلامية في إيران توفر سرعة الاستجابة، لكنها أصبحت شديدة التعرض للصواريخ والمسيّرات. وفي المقابل نقل القوات إلى مناطق أبعد يزيد الأمان النسبي، لكنه يرفع كلفة النقل والإمداد ويبطئ الاستجابة. وهذه ليست مشكلة نظرية. فقد أظهر تقرير وزارة الدفاع/ المفتش العام الامريكي أن الهجمات الإيرانية ألحقت أضراراً بمئات المباني والمنشآت الأمريكية، في حين أظهرت تقارير أخرى أن استهلاك صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية أصبح قضية استراتيجية بحد ذاته. كما يدرس البنتاغون بالفعل إمكانية عدم إعادة بناء بعض القواعد الخليجية بالصيغة السابقة.

 

ما الذي تغير في مفهوم القاعدة العسكرية الأمريكية؟

قبل الحرب كان النموذج يقوم بدرجة كبيرة على قاعدة كبيرة، طائرات كثيرة، مخازن ذخيرة، وقود، قيادة وسيطرة، قوات أمريكية دائمة. أما البيئة الجديدة فتدفع باتجاه قواعد أصغر، قوات دورية، انتشار متفرق، مخزونات موزعة، طائرات تتحرك باستمرار، قيادة موزعة، تعزيز سريع عند الحاجة.

وهذا يتطابق مع تحليل مركز Stimson الذي يرى أن إعادة تصميم الانتشار قد تتجه نحو تقليص حجم وتركيز القواعد الدائمة، مع الحفاظ على الوصول العسكري، والمخزونات المسبقة، والقوات البحرية، والانتشار الدوري، وشبكات الاستخبارات وخطط التعزيز السريع. بعبارة أخرى التحول المحتمل هو من قاعدة إلى شبكة.

 

 

موقع “إسرائيل” في هذا التحول

“إسرائيل” ستصبح على الأرجح جزءاً مهماً من الشبكة، لكن الأدلة لا تدعم اعتبارها بديلاً كاملاً للخليج. هناك بالفعل مقترحات في واشنطن لنقل مزيد من القوات الأمريكية إلى “إسرائيل”، بما في ذلك قاعدة عوفدا، بينما أشارت  Washington Post إلى أن بعض الأصوات داخل واشنطن طرحت هذا الخيار. لكنها أشارت أيضاً إلى وجود تحفظات داخل الإدارة الأمريكية، بما في ذلك مخاوف تتعلق بمخاطر التجسس المضاد.

كما أن استمرار التعاون العسكري الأمريكي–”الإسرائيلي” واضح من خلال القرارات العسكرية الأخيرة، ومنها خطة إدارة ترامب لبيع “إسرائيل” ذخائر بقيمة نحو 2.8  مليار دولار. لكن “إسرائيل” لا تستطيع أن تحل محل البحرين في الوظائف البحرية، قطر في بعض وظائف القيادة الجوية، الكويت في الدعم البري واللوجستي، السعودية في العمق الجغرافي، مواقع الخليج في مراقبة هرمز. لذلك فإن السيناريو الأكثر اتساقاً مع المعطيات هو “إسرائيل” عقدة متقدمة داخل الشبكة، وليست بديلاً عن الشبكة الخليجية كلها.

 

لماذا الأردن مهم؟

الأردن يمثل حالة مختلفة. فهو يقع غرب الجمهورية الإسلامية في إيران، ولكنه قريب من العراق، سوريا، “إسرائيل”، والخليج. كما يستضيف وجوداً عسكرياً أمريكياً مهماً، وتضم بنيته قواعد مثل الأزرق، إضافة إلى مواقع أخرى. وتقدر تقارير حديثة عدد العسكريين الأمريكيين في الأردن بنحو 4,000 الاف مع وجود أصول جوية واستخبارية ولوجستية. لكن الجمهورية الإسلامية في إيران بدأت بالفعل باستهداف هذا العمق. ففي 9 أيلول أطلقت الجمهورية الإسلامية في إيران نحو 20 صاروخاً باتجاه قاعدة/ منطقة الأزرق، وقالت السلطات الأردنية إنها اعترضت 18 منها. وهذا يخلق مشكلة إذا أصبحت الأردن قاعدة بديلة عن الخليج، فسوف تصبح هي أيضاً هدفاً إيرانياً رئيسياً. وبالتالي لن تحل المشكلة، وإنما ستنقل جزءاً منها غرباً.

 

السعودية ستكون جزءاً مهماً من المعادلة

السعودية تمتلك ميزة جغرافية مهمة المساحة والعمق الاستراتيجي. ولهذا ظهرت بالفعل مقترحات أمريكية لنقل جزء من القوات الموجودة في مواقع أكثر تعرضاً، مثل الكويت، إلى منشآت أكثر أمناً مثل قاعدة الأمير سلطان قرب الرياض. لكن السعودية ليست بمنأى عن الصواريخ الإيرانية أو هجمات جبهة المقاومة. بل إن التصعيد الأخير شمل هجمات إيرانية مباشرة وغير مباشرة على مواقع وأهداف سعودية، كما أظهرت التطورات المرتبطة بجبهة انصار الله الحوثـ ـيين. لذلك ستكون السعودية على الأرجح جزءاً من توزيع القدرات، وليس بديلاً وحيداً.

 

البحرين هي الاختبار الحقيقي

البحرين ذات أهمية مختلفة لأنها تستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي. والأضرار التي لحقت بالمنشآت البحرية الأمريكية هناك تجعل السؤال أكثر حساسية من مجرد إعادة بناء حظيرة طائرات. تقارير حديثة نقلت اعترافاً أمريكياً بأن المنشأة البحرية في البحرين تعرضت لأضرار شديدة، فيما تحدثت تقارير أخرى عن إعادة ترتيب وظائف لوجستية نتيجة الضرر. إذا قررت واشنطن إعادة بناء البحرين بالكامل فهذا سيكون مؤشراً على استمرار نموذج القواعد التقليدية. أما إذا قررت إبقاء وجود عسكري محدود مع نقل بعض القيادة والإمداد إلى مواقع أخرى فسيكون ذلك مؤشراً أقوى على التحول الاستراتيجي.

 

العامل الإيراني

من الخطأ تحليل القرار الأمريكي بمعزل عن استراتيجية الجمهورية الإسلامية في إيران. طهران لا تستهدف القوات الأمريكية فقط، بل تحاول أيضاً رفع كلفة استضافة هذه القوات على الدول المضيفة. معهد ISW وثّق تصريحات إيرانية دعت دول المنطقة إلى إخراج القوات الأمريكية، وربطت الجمهورية الإسلامية في إيران بين وجود القوات الأمريكية في هذه الدول وبين تعرضها للهجمات. أي أن الاستراتيجية الإيرانية تحمل مستويين:

 

المستوى الأول: ضرب القاعدة.

المستوى الثاني: الضغط على الدولة المضيفة لكي تقول لواشنطن وجودكم أصبح عبئاً أمنياً علينا. وهذا أخطر من مجرد تدمير مبنى عسكري.

 

صورة للأقمار الاصطناعية تظهر الأضرار في القاعدة العسكرية الأميركية في الكويت نتيجة الضربات الإيرانية خلال الحرب.

 

العامل الاقتصادي واللوجستي

الحرب أظهرت أيضاً أن الانتقال إلى قواعد بعيدة له ثمن. عندما اضطر الأمريكيون إلى تحويل بعض الإمداد من الخليج إلى دييغو غارسيا، ازدادت المسافة والمدة اللوجستية بصورة كبيرة. وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات الكونغرس الأمريكي إلى أن تكلفة العمليات ضد الجمهورية الإسلامية في إيران وصلت إلى عشرات المليارات، بينما تواجه الولايات المتحدة ضغوطاً على مخزونات صواريخ الدفاع الجوي والذخائر. إذن أمام واشنطن معادلة:

إعادة بناء القواعد = تكلفة مالية + تعرض مستمر للهجمات.

عدم إعادة البناء = فقدان جزء من السرعة والقدرة العملياتية.

إعادة الانتشار = تكلفة لوجستية جديدة.

 

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: إعادة بناء القواعد الخليجية: تبقى القواعد الأساسية في البحرين والكويت وقطر والإمارات والسعودية، مع تعزيز الدفاعات الجوية والمضادة للمسيّرات.

المؤشر الدال عليه: عقود إعادة الإعمار، بناء تحصينات جديدة، وزيادة منظومات الدفاع الجوي حول القواعد.

السيناريو الثاني: الانتشار الموزع: تقلل واشنطن حجم القوات في كل قاعدة، لكنها تحتفظ بحق الوصول إليها، وتوزع الطائرات والذخائر والقيادة بين عدة دول. وهذا هو النموذج الذي تتوافق معه فكرة تقليص حجم القاعدة مع الحفاظ على الوصول العسكري التي ناقشها مركز Stimson .

السيناريو الثالث: انتقال مركز الثقل غرباً: يتم نقل جزء من القدرات إلى الأردن، “إسرائيل”، السعودية، وأوروبا مع تقليص الوجود في الخليج. هذا السيناريو يحظى بمؤشرات جزئية، لكنه لا يعني بالضرورة إخلاء الخليج.

السيناريو الرابع: شبكة عسكرية أمريكية جديدة

وهذا يختلف عن الانسحاب. تحتفظ واشنطن بقوة بحرية في الخليج، قواعد وصول وليس بالضرورة قواعد ضخمة، قوات دورية، استخبارات ومراقبة، دفاع جوي، مخزونات موزعة، “إسرائيل” كعقدة متقدمة، الأردن كعمق عملياتي، السعودية كعمق جغرافي، وأوروبا ودييغو غارسيا كعمق استراتيجي.

وهذا السيناريو هو الأقرب إلى منطق إعادة تصميم الانتشار الذي تناقشه المصادر المفتوحة حالياً، من دون افتراض أن القرار النهائي قد اتخذ.

 

ماذا يعني ذلك للعراق؟

إذا قلّ الوجود الأمريكي الدائم في العراق، فإن قيمة القواعد العراقية ستتراجع من ناحية الانتشار المباشر، لكن قيمة العراق من ناحية الاستخبارات، مراقبة الجمهورية الإسلامية في إيران، مراقبة الفصائل المسلحة، الربط بين الخليج وسوريا وتركيا، الإنذار المبكر، العمليات الخاصة قد تزداد. وتأتي هذه المسألة في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لإنهاء مهمة التحالف العسكري في العراق، فيما تواجه بغداد ضغوطاً مرتبطة بمستقبل الفصائل المسلحة وعلاقتها بالجمهورية الإسلامية في إيران. وهذه نقطة مهمة انخفاض عدد الجنود الأمريكيين لا يعني بالضرورة انخفاض القيمة الاستراتيجية للمنطقة.

 

مؤشر مهم جداً ظهر في 15 أيلول

اجتماع رؤساء أركان الولايات المتحدة و”إسرائيل” وثماني دول عربية في ألمانيا، بدعوة من قائد القيادة المركزية الأمريكية، مهم من زاوية أخرى. الدول المشاركة شملت “إسرائيل”، السعودية، الإمارات، البحرين، الكويت، قطر، الأردن ومصر. وهذا يشير إلى أن واشنطن لا تتعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مجرد مواجهة أمريكية–إيرانية، وإنما تعمل على تنسيق أمني إقليمي متعدد الأطراف. وهذا يتناسب مع فكرة تقاسم الأعباء الأمنية بدلاً من الاعتماد على قواعد أمريكية ضخمة وحدها واحتمالية قيام امريكا و”اسرائيل” وبمساعدة دول الخليج القيام بالاعداد لضربة نوعية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران و حلفائها في المنطقة قبل الانتخابات النصفية في امريكا و اعلان امريكا النصر على الجمهورية الإسلامية في إيران بعد العملية.

 

التقدير النهائي

المعطيات الحالية لا تدعم وصف التطور بأنه انسحاب أمريكي من الخليج. لكنها تدعم بقوة وصفه بأنه إعادة نظر أمريكية في نموذج الانتشار العسكري الذي استمر لعقود. السبب المباشر هو أن الحرب أثبتت أن القواعد الكبيرة والثابتة أصبحت هدفاً قابلاً للاستهداف الإيراني، وأن الدفاع عنها يستهلك كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية والموارد. وعليه، فإن الاتجاه الذي يستحق المتابعة ليس الخليج أم “إسرائيل”؟ وإنما هل تنتقل الولايات المتحدة من نظام القواعد الأمريكية الكبيرة إلى نظام شبكة عسكرية إقليمية موزعة بين الخليج والأردن و”إسرائيل” والسعودية، مدعومة بعمق أوروبي وبعيد المدى؟

حتى الآن، المؤشرات تميل إلى وجود هذا النقاش وإلى بعض خطوات إعادة الانتشار، لكنها لا تكفي للقول إن قراراً نهائياً بهذا الشكل قد اتُخذ. كما أن البنتاغون نفسه، بحسب Washington Post، كان لا يزال في مرحلة التقييم والتخطيط وليس أمام قرار نهائي بشأن مستقبل القواعد.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى