الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
إعادة هندسة فن العمليات وتحولات إدارة الصراع في عصر التنافس متعدد المجالات

بقلم: د. عباس فاضل علوان
جامعة الكوفة/ كلية العلوم السياسية
التطورات الجيوسياسية والتكنولوجية تتلاحق بشكل متسارع لتفرض واقعاً أمنياً جديداً يتجاوز الأطر التقليدية التي استقرت عليها العقائد العسكرية لعقود طويلة، حيث كانت الحروب الكلاسيكية تركز على حشد الجيوش البرية والبحرية والجوية في مواجهات مباشرة، ألا أن اندماج التكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في صلب النزاعات نقل المعارك إلى فضاءات افتراضية وشبكية شديدة التعقيد، وفرض هذا التداخل المتسارع للقدرات العسكرية وغير العسكرية ضرورة ملحة لمراجعة الأدبيات العسكرية الموروثة، حيث تتبدى معالم إشكالية عميقة تتمثل في عجز المفاهيم الكلاسيكية لـفن العمليات (Operational Art) عن إدارة الصراعات المعاصرة التي تتداخل فيها الأبعاد المادية والافتراضية والمعرفية بشكل مستمر. وتأسيساً على الإشكالية أعلاه، تنطلق فرضية هذه الورقة البحثية من أن الدمج الشامل للقدرات التقنية الحديثة ضمن استراتيجيات دفاعية مرنة ومتكاملة يسهم في صياغة مفهوم متطور لفن العمليات، مما يتيح للدول تحقيق التفوق المعلوماتي وحيازة ميزة القرار الاستراتيجي في مواجهة التهديدات الهجينة والسيبرانية المتزامنة. ومن أجل تشريح هذه الديناميكيات المتشابكة وصياغة فهم عميق لأبعادها الاستراتيجية والتقنية، سنتناول في الاتي أبرز التحولات وبيان انعكاساتها على تطور فن العمليات وإدارة الصراع المعاصر.
أولاً: إعادة هندسة فن العمليات
الجذور المفاهيمية والتأصيل النظري في البيئة المعاصرة
ارتبط مفهوم إعادة هندسة العمليات الإدارية (Business Process Re-engineering) تاريخياً بالقطاع الاقتصادي كمنهج اداري يدعو إلى إعادة التفكير الأساسي والتصميم الجذري للعمليات بهدف تحقيق طفرات هائلة وحاسمة في مقاييس الأداء مثل الجودة والتكلفة والسرعة، وقد قدم رواد هذا المنهج مثل (مايكل هامر) و (جيمس شامبي) رؤية جذرية تستند إلى مبدأ التغيير الشامل من نقطة الصفر وتفكيك الهياكل التقليدية واستبدالها بنظم متكاملة تركز على الفعالية والنتائج بدلاً من الوظائف المجزأة، وعند نقل هذه الفلسفة إلى الحقل العسكري المعاصر نجد أن التغييرات السطحية في التعبئة والتكتيك لم تعد كافية لمواجهة البيئة الأمنية المضطربة، مما يتطلب إعادة هندسة العمليات العسكرية وهياكل القيادة بشكل جذري. إن فن العمليات العسكري الذي يشغل مساحة وسيطة تربط بين الأهداف الاستراتيجية العليا للدولة والتكتيكات الميدانية الصغرى يتطلب اليوم استئصال المفاهيم القديمة وإعادة بناء العقيدة القتالية لتتوافق مع سرعة التدفق المعلوماتي وقدرات الخصوم المتنامية، وتتجاوز إعادة هندسة هذا الفن مجرد رقمنه الأنظمة القائمة لتصل إلى إعادة تصميم دورة اتخاذ القرار وتكامل القوات والقدرات المشتركة لضمان تحقيق غايات القائد العسكري باقل تكلفة بشرية ومادية ممكنة، وتعتبر إعادة الهندسة بمثابة عملية استئصال كامل للبنى المتقادمة واستبدالها بنظم حيوية تحقق قفزات نوعية في سرعة تنفيذ المهام وجودتها وتوفر مرونة استثنائية للمؤسسة في مواجهة الأزمات العابرة للحدود.
ثانياً: عصر التنافس متعدد المجالات وعقيدة العمليات المشتركة الحديثة
تتطلب تحديات هذا العصر تبني مفهوم العمليات متعددة المجالات (Multi-Domain Operations) كإطار عملياتي متكامل يعيد صياغة استخدام القوة المشتركة للدول وحلفائها في مواجهة القوى المنافسة، ويرتكز هذا المفهوم الذي طوره الجيش الأمريكي وحلف شمال الأطلسي بصفة أساسية على التنسيق والدمج السريع والفعال للأنشطة والقدرات عبر مجالات الحرب الخمسة (البر- البحر- الجو- الفضاء السيبراني) بالإضافة إلى (الطيف الكهرومغناطيسي)، ويهدف هذا الدمج إلى فرض معضلات قتالية متزامنة ومتعددة على الخصم مما يحد من حريته في الحركة ويحرمه من تحقيق أهدافه الاستراتيجية.
وتسعى الجيوش الحديثة من خلال عقيدة العمليات متعددة المجالات إلى اختراق وتفكيك أنظمة منع الوصول وتحديد المنطقة (Anti-Access/Area Denial) التي يطورها الأعداء لحظر نفوذ القوات الصديقة في مسارح العمليات الممتدة، وتختلف مقاربة الولايات المتحدة الأمريكية التي تميل نحو النموذج العسكري الذي يركز على الهيمنة التكنولوجية والتحكم الناري السريع عن المقاربة الشاملة لحلف شمال الأطلسي التي تؤكد على التنسيق والدمج بين الأدوات العسكرية والمدنية كالدبلوماسية والاقتصاد والوسائل الإعلامية لمواجهة التحديات الأمنية المعقدة. إن تحقيق الفعالية في هذا العصر يتطلب دمج الأسلحة التقليدية والمعدات الثقيلة بالأنظمة الذكية والمسيرات الجوية والبحرية، وتطوير تكنولوجيا تشغيل بيني آمنة وقابلة للربط السلس مع الشركاء الدوليين لمواجهة الصراعات المستقبلية عالية الكثافة والانهاك، ويتطلب هذا الدمج صياغة عقيدة عسكرية مرنة قادرة على التكيف السريع مع التحولات المفاجئة في مسرح العمليات وتوفير قنوات اتصال مستمرة وامنة ومحصنة ضد محاولات التشويش والاختراق التي يقوم بها الخصم، ويزيد هذا التوجه من القدرة العملياتية للقوات المشتركة ويمنحها تفوقاً نوعياً يسهم في تفتيت استراتيجيات الخصم الدفاعية وكسر جمود المعارك التقليدية.
ثالثاً: تحولات إدارة الصراع
من النواحي المادية إلى الفضاء السيبراني والحروب الهجينة
شهدت العلاقات الدولية تحولاً هيكلياً عميقاً في طبيعة الصراع الدولي، حيث تراجعت الجغرافيا والحدود لصالح جغرافيا البيانات والفضاء الرقمي المعقد، ولم تعد القوة تقاس بعدد الجنود والدبابات لتصبح مرتبطة بالقدرة على التحكم في الخوارزميات وتأمين شبكات المعلومات والاتصالات الحيوية ضد التهديدات غير المتماثلة والعابرة للحدود، وأصبح الفضاء الإلكتروني ساحة معركة رئيسية تتنافس فيها الدول والجهات غير الحكومية كالقراصنة والشركات التكنولوجية الخاصة، لفرض النفوذ وتحقيق المكالمات الاستراتيجية دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية شاملة ومكلفة. وفي هذا المجال برزت الحرب الهجينة (Hybrid Warfare) كنمط قتالي متكامل يجمع بين الوسائل العسكرية التقليدية وغير التقليدية مثل العمليات السيبرانية الهجومية وحملات التضليل الإعلامي والتلاعب بالرأي العام والضغوطات الاقتصادية المركزة، وتسعى الدول من خلال الحرب الهجينة إلى النيل من قدرات الخصوم واحداث اضطرابات جيوسياسية واجتماعية بالغة مع الحفاظ على إمكانية الإنكار الرسمي وتجنب التصعيد العسكري المباشر، وتمثل الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية والمصارف والمؤسسات الطبية مثل هجوم فيروس ستاكسنت الذي استهدف المنشآت النووية الإيرانية تجسيداً واضحاً للقدرة على الحاق ضرر مادي وتخريبي فادح بالعدو عبر الشفرات الرقمية والبرمجيات الخبيثة المتقدمة، ويتضح هذا التحول بجلاء في النزاعات المعاصرة بـ”الشرق الأوسط” حيث تحولت الحرب الخفية بين الجمهورية الإسلامية في إيران و”إسرائيل” إلى ميدان مفتوح للمواجهات الهجينة التي تمزج العمليات السيبرانية بالوكالة، إذ وظفت الجمهورية الإسلامية في إيران جماعات قرصنة متقدمة لشن هجمات تخريبية على الشبكات والمنشآت الحيوية والكهربائية للخصوم، في المقابل اعتمدت “إسرائيل” على وحداتها الاستخباراتية المتخصصة لتنفيذ ضربات استباقية وعمليات قرصنة معقدة تستهدف البنية التحتية للاتصالات والمنظومة الدفاعية لإضعاف شبكات الدعم اللوجستي وتشتيت القدرة الاستراتيجية للطرف الآخر. يثبت هذا التداخل المتنامي بين الأنشطة السيبرانية والعمليات الميدانية على الأرض أن المعارك الحديثة لم تعد معزولة داخل نطاق جغرافي واحد، حيث تحولت إلى شبكة معقدة من التفاعلات المادية والافتراضية المتزامنة التي تجعل مفهوم الدفاع السيبراني عنصراً محورياً للحفاظ على سيادة الدولة وتأمين استقرارها القومي والاجتماعي.
رابعاً: الذكاء الاصطناعي وخوارزميات اتخاذ القرار
(تسريع حلقة التقييم والعمل)
يمثل اليوم الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) القوة الدافعة الأبرز لإعادة تصميم آليات إدارة المعارك الحديثة وتوسيع نطاق الاستخبارات العسكرية التنبؤية والمستقبلية، فهو يمثل قدرة أفقية متغلغلة تدمج في كافة النظم العسكرية لربط المستشعرات والمنصات القتالية وتوفير صورة واضحة وموحدة للموقف العملياتي، وتعمل خوارزميات التعلم الآلي على معالجة مليارات البيانات المتدفقة بصورة مستمرة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة في أجزاء من الثانية، مما يسهم في تضييق وتقليل دورة اتخاذ القرار الاستراتيجي بشكل كبير وتؤدي هذه السرعة الفائقة إلى تسريع حلقة الملاحظة والتوجيه والقرار والفعل (Observe, Orient, Decide, Act Loop) حيث يتفوق الطرف الذي يمتلك خوارزميات أسرع عبر توجيه ضربات دقيقة تحيد قدرات الخصم قبل استيعابه للهجوم. ومع ذلك فإن نقل مهام التقدير واقتراح الاستجابة العسكرية من الإنسان إلى النظم الآلية يحمل مخاطر جسيمة تتعلق بضغط الوقت والتصعيد غير المقصود، وتتطلب المحافظة على الاستقرار الاستراتيجي بقاء العنصر البشري في مركز القرار لتوجيه الآلة أخلاقياً وعسكرياً لمنع الكوارث الوجودية.
خامساً: إعادة تعريف الردع الاستراتيجي
(التنافس على المعرفة وبناء المرونة الشبكية)
تفرض تحولات البيئة الأمنية في عالم اليوم إعادة صياغة جذرية لمفهوم الردع الاستراتيجي، حيث تراجعت فعالية نماذج الردع التقليدي التي تأسست على التهديد بالعقاب العسكري المباشر لحماية الحدود الجغرافية (برياً وجوياً وبحرياً)، وفي عصر التنافس متعدد المجالات تتبنى الدول استراتيجية الردع متعدد المجالات (Multi-Domain Deterrence) التي تجمع بين وسائل القوة الصلبة والناعمة، وتسعى لربط عناصر القوة العسكرية والسيبرانية والتكنولوجية والاقتصادية في منظومة ردع متكاملة ومترابطة. ويركز هذا النموذج الحديث على تفعيل الردع بالمنع وحرمان الخصم من تحقيق غاياته متجاوزاً الاعتماد المطلق على التهديد بالانتقام والنيران الكثيفة، وانتقل التنافس الدولي من السيطرة على الموارد الجغرافية التقليدية إلى الهيمنة على قطاع المعرفة والبيانات والقدرة الاستراتيجية على الابتكار، حيث أصبحت أشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة وسلاسل الإمداد التقنية حجر الزاوية في ميزان القوى العالمي المعاصر، وتعتمد مصداقية الردع الحديث على بناء المرونة الشبكية وقدرة البنية التحتية الرقمية للدولة على الصمود أمام الصدمات السيبرانية الهجومية وتأمين تدفق المعلومات الحيوية لغرف القيادة والسيطرة، ويساعد هذا الصمود الشبكي على تعزيز الموقف الدفاعي وتدعيم الاستقرار العام من خلال تقليل احتمالات النجاح لأي هجوم مفاجئ وتثبيط همم المعتدين، ويتأسس هذا التوجه على فكرة تكامل القدرات حيث تجد الدولة نفسها قادرة على الرد في أي مجال متاح عند التعرض للاعتداء في مجال آخر، مما يخلق شبكة معقدة من الحسابات تجعل قرار المبادرة بالحرب قراراً غير عقلاني ومكلفاً للغاية للخصم. إن التفوق في هذا العصر لا يتحقق بحيازة الأسلحة والمعدات بكثافة عددية فقط لكنه يتحقق بالقدرة على دمج وتكامل عناصر القوة وتحويل البيانات الضخمة إلى تأثير استراتيجي منسق وحاسم يعزز الأمن القومي ويمنع اندلاع المواجهات الكبرى، وتؤكد شواهد التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين أن هذا النوع من الردع بات يمثل المحور المهيمن على صياغة التوازنات الاستراتيجية في النظام الدولي المعاصر، حيث يحل التفوق الرقمي وسرعة الابتكار في بناء القدرات الذاتية محل توازنات القوى العسكرية الكلاسيكية لمنع الهيمنة الأحادية وحفظ السلام العالمي، ومن ثم تبرز ضرورة تطوير أطر تشريعية دولية تحكم استخدام الفضاء الرقمي وتنظم عمل الفواعل السيبرانية لمنع التصعيد غير المقصود وحماية مصالح الدول الصغرى والنامية في مواجهة تغول القوى الكبرى وتنافسها التكنولوجي المستمر.
خاتمة
أن التطور التكنولوجي الفائق والتحول الرقمي المستمر فرضاً واقعاً استراتيجياً يتطلب إعادة هندسة جذرية لفن العمليات العسكري وتحديث دائم لسياسات الأمن والدفاع الوطني، لقد تداخلت أبعاد الصراع المعاصر بشكل غير مسبوق وأصبحت السيادة الوطنية والدفاع عن مصالح الدولة ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بمدى السيطرة على الفضاء السيبراني وتدفق البيانات وسرعة المعالجة الخوارزمية، وتثبت التجربة التاريخية والعملياتية أن القوة لم تعد محصورة في حجم الترسانة العسكرية التقليدية لتتجسد في مرونة النظم الحيوية والقدرة على تكامل القوات المادية والافتراضية والمعرفية لمنع الحروب وصناعة توازن استراتيجي مستدام. ويظل الرهان الحقيقي للدول الطامحة لحفظ سيادتها وأمنها مستقبلاً متمثلاً في استيعاب التطور المعرفي والاستثمار الواعي في العقول الرقمية والبنى التحتية التكنولوجية المحلية مع الحفاظ على الدور المحوري والحكيم للإرادة البشرية في توجيه التكنولوجيا وإدارة الأزمات الدولية بكفاءة واقتدار.





