الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
التحولات الجيوسياسية للتجارة.. كيف تعيد أزمات “الشرق الأوسط” هندسة خارطة الملاحة العالمية؟

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تشهد طرق التجارة العالمية اضطراباً غير مسبوق ناتج عن سلسلة من الاغلاقات التي تعاني منها هذه الطرق نتيجة للاضطرابات الجيوسياسية المتعلقة بالحرب في “الشرق الأوسط” الذي يضم اهم عقد المواصلات البحرية، فمع اغلاق مضيق باب المندب أصبح المسار التقليدي المار عبر قناة السويس والذي يعد اقصر طرق الكوكب واقلها تكلفة في التبادل التجاري من اخطر الطرق على السفن التجارية، لذلك توسعت الدول في البحث عن البدائل وارتفعت تكاليف الشحن العالمية وازدادت أهمية الممرات البحرية البديلة، تحاول هذه المقالة قراءة التحولات في جيوبولتيك التجارة البحرية بعد الحرب في “الشرق الأوسط”، واثرها في تعزيز او تراجع أهمية نقاط الاختناق الاستراتيجية حول العالم.
اولاً: مشهد التجارة العالمية قبل عام 2023
يمكن تمييز مشهد التجارة العالمية البحرية قبل عام 2023 الى مرحلتين مرحلة الازدهار والاستقرار وهي المرحلة التي شهدت توسع التجارة العالمية بعد عام 1991 حيث انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور الكتل التجارية وانشاء منظمة التجارة العالمية حيث نمت التجارة بواقع مضطرد وتشكلت سلاسل إمداد وتوريد مستقرة تصل البضائع من خلالها بالوقت المحدد، اما المرحلة الثانية فهي المرحلة التي تلت انتشار جائحة كورونا عام 2020 حيث أدت الى صدمة في سلاسل التوريد ناجمة عن مشكلات تأخير سفن الشحن.
-
مرحلة ما قبل كورونا: تمثل هذه المرحلة مرحلة الاعتماد الكثيف على الممرات البحرية في التجارة العالمية التي وفرتها الرؤية الرأسمالية التي سادت النظام الدولي بعد الحرب الباردة حيث كانت سلاسل الإمداد مستقرة، إذ كان ينقل بحراً حوالي 80% من حجم التجارة العالمية وأكثر من 70% من قيمتها الإجمالية بواسطة السفن وقد شكلت الممرات والمضائق البحرية شرايين حيوية لحركة التجارة الدولية البحرية تضمن استقرار وتدفق موارد الاقتصاد العالمي وقد كان الوضع الملاحي فيها كالاتي:
-
المسار الأساسي للتجارة البحرية: يمثل المسار الذي تمر عبره معظم السفن التجارية بين آسيا وأوروبا ومن ثم احيانا الى الولايات المتحدة عبر مجموعة من الممرات والمضائق البحرية الاستراتيجية، حيث يمر هذا المسار عبر مضيق ملقا ومضيق باب المندب وقناة السويس واحيانا مضيق جبل طارق، وقد اصبح هذا المسار هو المسار الرئيسي، حيث كان يمر عبر مضيق ملقا لوحده حوالي 40% من حركة التجارة العالمية و80% من واردات الصين من النفط، فيما كان يمر عبر مضيق باب المندب حوالي 12% من حركة التجارة العالمية،([1]) فيما تستوعب قناة السويس التي تعد درة تاج هذا المسار
-
في الأوضاع الطبيعية حوالي 10% من حجم التجارة العالمية بالوزن وحوالي 22% من تجارة الحاويات([2])، مما جعل هذا المسار هو الأساسي في التجارة البحرية بين الشرق والغرب.
-
المسارات الرابطة بين المحيطين الاطلسي والهادي: وتتمثل ب مسارين أساسيين:
الاول: المسار التقليدي الذي يمر عبر قناة بنما: في دولة بنما جنوب المكسيك وهي قناة ملاحية تؤدي وظيفة حيوية في النقل البحري لا تقل عن وظيفة قناة السويس وقد تم حفرها بعد حفر قناة السويس، وتتمثل وظيفتها في توفير ممر ملاحي يسهل انتقال السفن بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادي مما يختصر المسافة التي تحتاج السفن لقطعها بين شرق آسيا وغرب أمريكا الشمالية بشكل كبير، وتستحوذ القناة على ما بين 5% إلى 7% من التجارة البحرية العالمية،([3]) وتعتبر شرياناً حرجاً للاقتصاد الأمريكي؛ إذ تعبر من خلالها 40% من حركة الحاويات بالولايات المتحدة، ونحو 95% من صادراتها من الغاز الطبيعي المسال المتجه إلى آسيا.([4])
الثاني: المسار القطبي الشمالي “ممر المستقبل الواعد”: مع استمرار تراجع الجليد في القطب الشمالي، يبرز هذا المسار كبديل استراتيجي يربط المحيط الهادئ بالمحيط الأطلسي عبر ممر يمر ببحر بيرنغ (مضيق بيرنغ) ثم عبر “طريق البحر الشمالي” (NSR) الممتد من شمال روسيا أو “الممر الشمالي الغربي” (NWP) شمال كندا، وتمتاز الطرق القطبية بأنها أقصر بنسبة تتراوح بين 30% إلى 50% من قناتي السويس وبنما، وتوفر ما بين 14 إلى 20 يوماً من زمن العبور، وما يقارب 3000 ميل بحري.([5])
-
مرحلة ما بعد كورونا: لقد ادى انتشار جائحة كورونا في العالم والاغلاقات الاقتصادية والقيود الحدودية الصارم التي شملت الموانئ البحرية الى تراجع حاد في حركة الملاحة العالمية ففي الربع الثاني من عام 2020 انخفض حجم تجارة السلع العالمية بنسبة 2%، بينما هوت تجارة الخدمات بنسبة 21.4 % مقارنة بنهاية 2019.([6]) وبوجه عام، تراجعت القيمة الاسمية للتجارة العالمية بنسبة 9.6 % في عام 2020.
وقد تسببت الاغلاقات بتكدس السفن على الموانئ في انتظار دورها لتفريغ الحمولة وهذا التكدس ناتج عن التأخير الذي تسببت به الإجراءات المشددة في تفتيش السفن وفحص طاقمها لضمان عدم دخول مصابين بفايروس كورونا الى البلدان، وهذا الازدحام الكبير ادى الى ازمة تعطل سلاسل التوريد وتأخر الشحنات التجارية ما ادى الى خسائر كبيرة في قطاعات التجارة والنقل البحري وارتفاع في تكاليف الشحن، وعلى الرغم من التعافي المؤقت من أزمة الاغلاقات والعودة التدريجية للأسواق العالمية من الاغلاقات الا ان ازمة سلاسل التوريد استمرت لاسيما مع بعض الحوادث البحرية مثل حادثة جنوح السفينة (ايفر غيفن) في قناة السويس في آذار 2021 والتي استمرت 6 ايام وادت الى توقف حركة الملاحة الحيوية عبر القناة مؤدية احتجاز بضائع كلفتها 9.6 مليار دولار ومجربتاً شركات النقل على الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، ولم تتوقف مشكلات الشحن البحري عند هذه الحادثة فقد تسببت الحرب الروسية الاوكرانية عام 2022 وما اعقبها من عقوبات الى عرقلة ممر تصدير الحبوب من البحر الاسود الى البحر المتوسط عبر مضيق البسفور، ما ادى الى اضطراب سلاسل إمداد الحبوب والمنتجات الزراعية عالميا وارتفاع تكاليف التأمين البحرية.
ثانياً: مشهد التجارة العالمية والممرات البحرية بعد عام 2023
لقد ادت الحرب “الاسرائيلية” على غزة بعد السابع من تشرين الأول عام 2023 الى ارتدادات جيوسياسية كبيرة لم تنعكس على الاراضي الفلسطينية فقط بل انعكست ايضاً على طرق التجارة البحرية وذلك بعد دخول اليمن الحرب من خلال حركة أنصار الله الى الحرب والقيام بخطوة تمثلت بإستثمار موقع اليمن الحيوي على مضيق باب المندب والعمل على إغلاق المضيق من خلال رفع مخاطر المرور عبر المضيق على السفن “الاسرائيلية” او المملوكة لأشخاص “إسرائيليين” او المتجهة إلى “إسرائيل”، مما أدى إلى تعطيل جزء كبير من حركة التجارة عبر المضيق، واجبر شركات الشحن الدولية على الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما زاد من كلفة الشحن البحري من خلال زيادة مدة الشحن وطول مسافة الطريق الذي تقطعه السفن.
وقد ادى ذلك إلى تراجع حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب بنسبة كبيرة وحتى مع حلول نيسان 2026 ظلت مستويات الملاحة عبر المضيق عند نصف مستواها السابق ما قبل عام 2023.
وقد رفعت شركات التأمين أقساط “مخاطر الحرب” على السفن العابرة للبحر الأحمر بمقدار عشرة أضعاف. وفي بعض الحالات، واجهت السفن “الإسرائيلية” زيادات بنسبة 250% في كلفة التأمين أو عجزت تماماً عن الحصول عليه وتضاعفت هذه الأقساط بشكل حاد بحلول عام 2026 لتصل إلى ما بين 500 ألف إلى مليون دولار للرحلة الواحدة.
كما ارتفعت أسعار الشحن الفوري حيث ارتفع سعر شحن الحاوية القياسية (FEU) بنسبة 233% مقارنة بحزيران 2023، كل ذلك زاد من أهمية الطرق التجارية البديلة عبر رأس الرجاء الصالح، وقد أدت الازمة الى تراجع إيرادات قناة السويس واضطرار “اسرائيل” الى إغلاق ميناء ايلات وتسريح العاملين فيه بحلول عام 2025 وهو ما أدى لتحقيق هدف أنصار الله من الحصار البحري عبر باب المندب.
الا ان الحرب الامريكية على الجمهورية الإسلامية في إيران قد فاقمت من أزمة ممرات الشحن البحرية بعدما قامت ايران بإغلاق مضيق هرمز الحيوي مما أدى إلى فقدان العالم حوالي 20% من واردات النفط والغاز وهو ما سبب صدمة سعرية كبيرة في اسعار الطاقة كما انعكس سلباً على اسعار المواد الغذائية كما تسبب إغلاق المضيق بشلل نسبي في صادرات الألمنيوم وغاز الهيليوم الضروري في قطاع صناعة الرقاقات حيث تساهم قطر بحوالي ثلث احتياجات السوق العالمي من غاز الهيليوم.
ومع دخول حركة أنصار الله الى الحرب وقيامها بإغلاق مضيق باب المندب مجدداً فأن طرق التجارة الدولية باتت امام حالة من الاغلاق المزدوج ما عرض المسار البحري التجاري الأكثر كثافة لحالة شديدة من العرقلة واجبر السفن على سلوك طريق رأس الرجاء الصالح الذي ازدادت أهميته مع انقطاع المسار التقليدي.
وقد تفاقم الضرر على التجارة البحرية مع انخفاض منسوب المياه في قناة بنما بسبب ظاهرة مناخية تعرف بظاهرة النينو([7])، مما أدى لتقليص عدد السفن التي تعبر القناة.
وقد ادى تراجع المرور عبر قناة بنما الى تقليص المسارات الرابطة بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادي، او بين القارة الامريكية وبين شرق آسيا، ما زاد من أهمية طرق الشمال في القطب الشمالي حيث اعلنت الصين تسيير رحلات تجارية عبر الطريق الشمالي لنقل البضائع إلى أوروبا، لاسيما مع شلل شبه التام للطرق والمسارات التقليدية.
ثالثاً: إعادة توزيع الأهمية الجيوسياسية للمرات البحرية
بناء على التطورات التي تسببت بها ازمات وحروب “الشرق الأوسط” والضرر الذي لحق بنقاط الاختناق الاستراتيجية، فضلاً عن تأثير الظواهر المناخية على قناة بنما ترتسم أمامنا ملامح اعادة هندسة غير مقصودة لخطوط الملاحة العالمية من خلال اعتماد مسارات مختلفة بعضها قديم مثل رأس الرجاء الصالح الذي ازدادت أهميته مجدداً بعدما ادى تعطل الملاحة في مضيق باب المندب الى لجوء شركات الشحن لتغيير مسارها نحوه على الرغم من طول المسافة التي تحتاجها للوصول اليه وارتفاع الكلفة التشغيلية الا انه اصبح اكثر المسارات امانا بالنسبة للسفن والتجارة البحرية، كما بات القطب الشمالي الذي يشهد تراجعًا موسميًا في الجليد طريقاً ملاحياً مناسبا خاصة في موسم الصيف يمكن ان يقلص الحاجة إلى المسارات التقليدية التي باتت عالية الكلفة، من خلال قصر المدة والتكلفة التي يتطلبها مرور السفن عبره ، لكن طرق ومسارات القطب الشمالي مازالت تعاني من مشاكل لوجستية تعرقل اعتمادها كمسارات دائمة ولو موسمياً للتجارة العالمية، حيث مازالت الصعوبات اللوجستية المتمثلة بغياب البنية التحتية الكافية للشحن البحري تعرقل اعتماد هذه المسارات بشكل اكثر من المسارات التقليدية.
بالمقابل تراجعت الأهمية التشغيلية لقناة السويس التي تعد ابرز قنوات الشحن البحري بسبب المخاطر التي تواجه السفن عند عبور مضيق باب المندب للوصول إليها، وكذلك صعوبة اجتياز المضيق بعد اجتيازها، فيما تسبب ظاهرة النينو الموسمية تراجع في نسبة مياه قناة بنما مما يجبر ادارة القناة على تقليص عدد السفن المسموح لها بالمرور يوميا عبر القناة، ما يعرقل حركة الملاحة في ظل تراجع المضائق الاخرى، كما ان إغلاق مضيق هرمز بات يجبر الدول المجاورة على البحث عن بدائل تجارية برية يمكن ان تقودهم نحو منافذ بحرية بعيداً عن مضيق هرمز او مضيق باب المندب يسمح لها استعادة التدفق المعتاد لصادراتها لاسيما من منتجات الطاقة.
وبالتالي يمكن القول ان ازمات “الشرق الأوسط” واغلاق مضيقي هرمز وباب المندب انعكس سلباً على المسار التقليدي للتجارة العالمية الاقل كلفة والاسرع زمناً من خلال رفع كلفة المخاطر المرور عبر هذا المسار واجبار السفن على سلوك مسارات مختلفة أعلى كلفة، مما أدى لإعادة هندسة مسارات حركة السفن التجارية البحرية حول العالم حيث بات معيار المسار البحري المناسب لا يرتبط بقصر المسافة وقلة التكلفة التشغيلية وقصر المدة الزمنية للوصول بل بات يرتبط بانخفاض كلفة المخاطر الامنية التي تواجه طرق التجارة البحرية.
خاتمة
بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن أزمات “الشرق الأوسط” التي تصاعدت منذ عام 2023 لم تؤثر في حركة التجارة البحرية بوصفها أزمات أمنية إقليمية فحسب، وإنما امتدت آثارها إلى شبكة الملاحة العالمية، وكشفت هشاشة الاعتماد المفرط على عدد محدود من نقاط الاختناق البحرية. فقد أدى ارتفاع المخاطر في باب المندب والبحر الأحمر، بالتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، إلى دفع شركات النقل والدول إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر أمناً، حتى وإن كانت أطول وأكثر كلفة.
ولا يعني ذلك أن قناة السويس أو الممرات التقليدية فقدت أهميتها الاستراتيجية، وإنما يشير إلى تغير في طبيعة هذه الأهمية؛ فالممر الأقصر والأقل تكلفة لم يعد بالضرورة الخيار الأكثر جاذبية عندما ترتفع المخاطر الأمنية إلى مستويات تهدد استمرارية الملاحة. وفي المقابل، عادت مسارات مثل رأس الرجاء الصالح إلى اكتساب أهمية استراتيجية، بينما بدأت الممرات القطبية والبرية تكتسب قيمة إضافية بوصفها خيارات يمكن اللجوء إليها عند تعطل المسارات التقليدية.
وعليه، فإن التحول الأبرز الذي تفرضه الأزمات الراهنة لا يتمثل في استبدال ممر بحري بآخر بصورة كاملة، وإنما في إعادة توزيع القيمة الجيوسياسية للموقع الجغرافي. فالدول والموانئ والممرات التي كانت تتمتع بأهمية بسبب موقعها على طرق التجارة التقليدية أصبحت مطالبة بتوفير الأمن والاستقرار والقدرة على استيعاب التحولات في حركة الملاحة، في حين يمكن للدول الواقعة على المسارات البديلة أن تكتسب أهمية استراتيجية جديدة.
وبذلك تنتقل التجارة العالمية تدريجياً من نموذج يقوم بصورة أساسية على الكفاءة والسرعة وانخفاض التكلفة إلى نموذج يعطي وزناً أكبر للأمن والمرونة وتنويع المسارات. وإذا استمرت الأزمات الجيوسياسية والمخاطر المناخية في التأثير على نقاط الاختناق البحرية، فمن المرجح ألا تكون خريطة الملاحة العالمية بعد هذه الأزمات مطابقة للخريطة التي سبقتها، حتى وإن بقيت قناة السويس وبقية الممرات التقليدية في قلب التجارة العالمية.




