الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
إعادة توزيع القوة الإكراهية في المواجهة الأمريكية–الإيرانية

التفاعل بين جغرافيا الاقتصاد والطاقة
بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات المجتمعية
تكشف المواجهة الأمريكية–الإيرانية عن تحول مهم في طبيعة الإكراه الدولي، إذ تتقاطع قدرة الولايات المتحدة على التحكم في شبكات المال والتجارة مع قدرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على التأثير في بيئة الطاقة والملاحة. فبينما تعمل امريكا على تضييق المجال الاقتصادي الذي تتحرك من خلاله الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران، تحاول الأخيرة رفع تكلفة هذا الضغط خارج حدودها، مستفيدة من موقعها في واحدة من أكثر مناطق العالم اهمية وحساسية لتدفقات الطاقة ولا تكمن أهمية التطورات الأخيرة والمستمرة في احتمال تعطيل الملاحة في مضيق هرمز بحد ذاته، ولا في اتساع العقوبات الأمريكية فحسب، وإنما في انتقال المواجهة إلى مستوى تصبح فيه كلفة استخدام القوة جزءاً من الصراع نفسه فكل إجراء يضيّق قدرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران على الحركة المالية قد يدفعها إلى استخدام أدوات أخرى لرفع تكلفة الضغط، وكل اضطراب في الطاقة والملاحة قد يدفع الأطراف المتضررة إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على الجغرافيا الإيرانية.
وعليه، فإن المسألة الأساسية ليست ما إذا كانت القوة الأمريكية أكبر من القوة الإيرانية، فهذا التفاوت متغير، وإنما ما إذا كانت امريكا قادرة على تحويل تفوقها المالي إلى نتيجة سياسية قبل أن تتمكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية من إعادة توزيع جزء من تكلفة الإكراه على أسواق الطاقة والتجارة والفاعلين الإقليميين والدوليين. ومن هذه الزاوية، تمثل المواجهة الحالية اختباراً لحدود القوة الإكراهية والردع في نظام دولي أصبحت فيه نقاط الضعف موزعة بين شبكات مالية وممرات جغرافية وأسواق مترابطة. وسنوضح ذلك على النحو الاتي:
أولاً: معادلة القوة والإكراه
تكشف المواجهة الأمريكية–الإيرانية عن تحول في طبيعة استخدام القوة، إذ لم تعد العقوبات أداة منفصلة عن بقية أدوات الصراع، وإنما أصبحت جزءاً من محاولة لإعادة تشكيل البيئة التي تتحرك داخلها الدولة المستهدفة. فالولايات المتحدة لا تستهدف الإيرادات الإيرانية بوصفها مورداً اقتصادياً فحسب، بل تسعى إلى التحكم في الشروط التي تسمح بتحويل هذه الإيرادات إلى قدرة سياسية وعسكرية واستراتيجية. ومن هنا تأتي أهمية انتقال العقوبات من استهداف الكيانات الإيرانية المباشرة إلى استهداف الوسطاء والشبكات المالية والتجارية التي تتيح لطهران الحفاظ على قدرتها على الحركة في ظل العقوبات.
وتمنح مركزية الدولار واشنطن ميزة يصعب على إيران موازنتها بصورة مباشرة، لأن القوة المالية الأمريكية لا تعمل من خلال العلاقات الثنائية فقط، وإنما عبر شبكة واسعة من المصارف والأسواق وشركات التأمين والنقل والمؤسسات التجارية التي ترتبط بدرجات متفاوتة بالنظام المالي الأمريكي. وبذلك تستطيع واشنطن التأثير في سلوك أطراف ثالثة من خلال رفع تكلفة التعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران، وهو ما يجعل العقوبات أكثر شبكية من كونها مجرد أداة عقابية. وتبرز أهمية الإجراءات التي استهدفت قنوات مالية مرتبطة بإيران خارج أراضيها في أنها تكشف انتقالاً من محاولة خفض قدرة الاقتصاد الإيراني إلى محاولة تضييق قدرته على التكيف إلا أن القوة الشبكية الأمريكية تواجه قيداً مهماً يتمثل في أن الاقتصاد العالمي لا يتحرك داخل فضاء مالي مجرد، وإنما يعتمد على بنية مادية من الممرات البحرية ومصادر الطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد. وهنا تظهر أهمية هرمز بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليس باعتباره أداة تمكنها من موازنة القوة الأمريكية، وإنما باعتباره نقطة يمكن من خلالها التأثير في تكلفة استخدام تلك القوة. فالدولة التي لا تستطيع منع تدفق الأموال تستطيع أحياناً التأثير في البيئة المادية التي تتحرك فيها التجارة التي تولد تلك الأموال.
وهذه النقطة تنقل المواجهة من مفهوم «ميزان القوة» إلى مفهوم أكثر دقة هو ميزان قابلية التعرض للإكراه. فالولايات المتحدة أكثر قدرة على ممارسة الإكراه المالي، لكن ذلك لا يعني أنها محصنة من تبعاته. والجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران أضعف بكثير في المجال المالي، لكنها تستطيع، في ظروف محددة، استثمار اعتماد الآخرين على الطاقة والممرات البحرية لتقليل الفارق بين قدرتها على تحمل الضغط وقدرة خصمها على تحمل تكلفته غير المباشرة. ولذلك فإن السؤال الاستراتيجي لا يتعلق بمن يمتلك موارد أكبر، وإنما بمن يستطيع تحويل موارد خصمه أو نقاط تعرضه إلى قيود على قراره السياسي وتظهر هذه الآلية بوضوح في مضيق هرمز. فالقيمة الإكراهية للمضيق لا تتوقف على إمكانية إغلاقه، بل تكمن بدرجة أكبر في قدرته على إنتاج عدم اليقين. فمجرد انخفاض انتظام حركة السفن أو ارتفاع المخاطر المرتبطة بالمرور يمكن أن يؤدي إلى إعادة تقييم قرارات شركات النقل والطاقة والتأمين، حتى في حال استمرار جزء مهم من حركة الملاحة. وبذلك يصبح الخطر المتوقع نفسه مورداً استراتيجياً، لأن الأسواق لا تحتاج إلى وقوع انقطاع كامل في الإمدادات حتى تبدأ في تسعير احتمال حدوثه.
ومن هذه الزاوية، فإن البيانات الأخيرة بشأن حركة السفن عبر هرمز ينبغي ألا تفسر بمنطق ثنائي يقوم على «الإغلاق» أو «عدم الإغلاق». فاستمرار مرور السفن لا ينفي وجود تأثير إكراهي، كما أن انخفاض عدد السفن لا يثبت وحده وجود سيطرة كاملة على المضيق. الأهم هو مقدار التغير الذي أحدثه ارتفاع المخاطر في سلوك الشركات والدول والأسواق. ولذلك فإن المؤشرات الأكثر دلالة لا تقتصر على عدد السفن العابرة وإنما تشمل اتجاهات التأمين والشحن وقرارات شركات الطاقة ومسارات التصدير البديلة وتغير توقعات أسعار النفط.
وهنا تظهر مفارقة استراتيجية مهمة: القوة الإكراهية تعتمد على استمرار اعتماد الخصم عليها بقدر اعتمادها على القدرة على استخدامها. فإذا استخدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هرمز بصورة محسوبة وأبقت على قدر من إمكانية إدارة الملاحة، فإنها تستطيع الحفاظ على ورقة ضغط من دون دفع الأطراف الأخرى إلى البحث السريع عن بدائل جذرية. أما إذا تحولت القيود إلى تعطيل واسع ومستدام، فقد تبدأ النتيجة بعكس هدفها، لأن ارتفاع تكلفة الاعتماد على المضيق سيخلق حوافز أكبر للاستثمار في خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات البديلة وبالمثل، تواجه الولايات المتحدة مفارقة معاكسة. فكلما توسعت في استهداف الشبكات المالية الإيرانية، ارتفعت فعالية العقوبات في تقليص هوامش الحركة أمام طهران، لكنها في الوقت نفسه تزيد الحوافز لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران وشركائها لتطوير ترتيبات مالية وتجارية أقل تعرضاً للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة. ولا يعني ذلك أن هذه الترتيبات قادرة على إزاحة الدولار، وإنما يعني أن استمرار الإكراه المالي يمكن أن يدفع الأطراف المستهدفة إلى إعادة هندسة الاعتماد بدلاً من إنهائه وهذه النقطة أكثر أهمية من الجدل حول «انهيار البترودولار». فالتحول المحتمل لا يتمثل في إحلال اليوان أو العملات المحلية محل الدولار بصورة شاملة، وإنما في نشوء طبقات متوازية من التسوية المالية تستخدم فيها العملات والوسطاء والقنوات المختلفة بحسب درجة المخاطر السياسية. وإذا اتسع هذا الاتجاه، فقد لا يفقد الدولار مركزه، لكنه قد يفقد جزءاً من قدرته على تحويل هذه المركزية إلى إكراه فعال في كل الحالات. بمعنى ان يكون التغيير الحقيقي في قابلية استخدام المركزية المالية كسلاح، وليس في المركزية المالية ذاتها.
كما أن استجابة دول الخليج تقدم بعداً آخر لهذه المعادلة فاضطراب هرمز يدفع هذه الدول إلى تقليل اعتمادها على نقطة الاختناق من خلال تنويع مسارات تصدير الطاقة وتطوير البنية التحتية البديلة وإذا استمر هذا الاتجاه فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد تواجه مفارقة تتمثل في أن نجاحها القصير الأجل في استخدام الجغرافيا لرفع تكلفة الضغط قد يؤدي إلى تقليص القيمة الإكراهية لهذه الجغرافيا على المدى الأطول. فالقوة الجغرافية ليست مورداً ثابتاً؛ إنها تتأثر بقدرة الخصوم على الاستثمار في بدائل تقلل من اعتمادهم عليها.

ومن ثم، فإن المواجهة الحالية لا تنتج انتقالاً في ميزان القوة من الولايات المتحدة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران، ولا تشير إلى انهيار القوة المالية الأمريكية، الا انها تكشف عن تجزئة متزايدة لمصادر القوة الإكراهية. فواشنطن تمتلك قدرة أكبر على التحكم في شبكات المال والتمويل، بينما تمتلك طهران قدرة محدودة ولكن ذات قيمة استراتيجية على التأثير في بيئة الطاقة والملاحة. وبين هذين المستويين تتدخل قوى أخرى سيما الصين ودول الخليج وشركات الطاقة والتأمين والنقل، التي تستطيع قراراتها أن تؤثر في النهاية مدى نجاح كل طرف في تحويل قوته إلى نتيجة سياسية.
وعليه، فإن معيار النجاح في هذه المواجهة لا ينبغي أن يقاس بحجم الضرر الذي يلحق بالطرف الآخر، وإنما بقدرة كل طرف على تحمل تكلفة استراتيجيته لفترة أطول من قدرة خصمه على التكيف معها. فإذا استطاعت واشنطن إضعاف شبكات التمويل الإيرانية من دون التسبب في اضطراب طويل الأمد في أسواق الطاقة أو دفع الحلفاء إلى تقليل اعتمادهم على النظام المالي الأمريكي، فستظل القوة الإكراهية الأمريكية ذات فعالية مرتفعة. أما إذا تمكنت طهران من الحفاظ على قنوات اقتصادية بديلة وفي الوقت نفسه إبقاء تكلفة المخاطر البحرية عند مستوى يؤثر في حسابات الأسواق، فإنها لا تكون قد عكست ميزان القوة، لكنها تكون قد نجحت في تقليص الفارق بين قدرتها على تحمل الإكراه وقدرة واشنطن على فرضه وبهذا المعنى، فإن الصراع الحقيقي يدور حول من ينجح أولاً في إعادة تشكيل شبكة الاعتماد التي تمنح الطرف الآخر قوته. الولايات المتحدة تحاول جعل الاعتماد على النظام المالي العالمي أكثر كلفة بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران ، والجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران تحاول جعل الاعتماد العالمي على الطاقة والممرات البحرية أكثر كلفة بالنسبة إلى خصومها. وهذه العملية المتبادلة هي التي تحدد الاتجاه الاستراتيجي للمواجهة أكثر من أي إجراء منفرد في مجال العقوبات أو الملاحة.
ثانياً: من الإكراه إلى إعادة هندسة الاعتماد
تكشف المرحلة الراهنة أن جوهر الاستراتيجية الأمريكية لا يتمثل في إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني لذاته، وإنما في التأثير في قدرة طهران على تحويل الموارد الاقتصادية إلى قدرة سياسية وعسكرية قابلة للاستمرار. ومن هذه الزاوية، تبدو العقوبات جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل شروط اعتماد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران على الاقتصاد الدولي، إذ تنتقل واشنطن تدريجياً من استهداف الكيانات الإيرانية المباشرة إلى استهداف الوسطاء والشبكات التي تربط الاقتصاد الإيراني بالنظام المالي والتجاري العالمي. وتكمن أهمية هذا التحول في أن الإكراه يصبح أكثر فاعلية عندما لا يقتصر على معاقبة الطرف المستهدف، بل يجعل الأطراف الأخرى تعيد حساباتها قبل التعامل معه.
وتفسر الواقعية البنيوية جانباً مهماً من هذه السياسة؛ فالقوة الاقتصادية لا تُقاس بحجم الموارد التي تمتلكها الدولة فقط، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى موقع أفضل داخل بنية النظام الدولي. ومن ثم، فإن اهتمام واشنطن بتقليص الإيرادات الإيرانية يرتبط، في الحساب الاستراتيجي، بمنع طهران من تحويل الموارد المتاحة لها إلى مكاسب نسبية في مجالات التسليح والنفوذ الإقليمي والقدرة على الصمود. غير أن هذه العملية لا تجري في اتجاه واحد، لأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران تستطيع بدورها استخدام علاقاتها التجارية مع القوى الآسيوية والشبكات غير الرسمية وموارد الطاقة والجغرافيا البحرية لتقليل فعالية الضغط، وهو ما يجعل الإكراه عملية تفاعلية تتكيف معها الدولة المستهدفة بدلاً من أن تستجيب لها بصورة خطية.
ومن هنا يصبح مفهوم الاعتماد المتبادل غير المتكافئ أكثر فائدة من التصور البسيط للعقوبات بوصفها أداة عقاب. فالولايات المتحدة تحتل مواقع مركزية في عدد من الشبكات المالية والتجارية، بينما تعتمد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران بدرجة أكبر على الوصول إلى هذه الشبكات أو إلى البدائل المرتبطة بها؛ ولذلك تمتلك واشنطن قدرة أكبر على تحويل الاعتماد إلى أداة ضغط. لكن الاعتماد ذاته قد ينتج نقاط هشاشة لدى الطرف المهيمن، خصوصاً عندما تكون الشبكة مرتبطة بسلعة أو ممر جغرافي لا يمكن التحكم فيه مالياً بصورة كاملة. وفي الحالة الإيرانية، يظهر هرمز بوصفه أحد أهم الأمثلة على هذا التناقض، إذ تتحول مركزية الخليج في تجارة الطاقة العالمية إلى مصدر للقوة التفاوضية حتى عندما لا تكون الدولة التي تستخدم هذه الورقة هي الطرف الأقوى اقتصادياً.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي فهم التحول الجاري بوصفه انتقالاً من «هيمنة أمريكية» إلى «هيمنة إيرانية» في المضيق، وإنما بوصفه محاولة من كل طرف لإعادة توزيع نقاط الضعف داخل شبكة الاعتماد المتبادل. فالولايات المتحدة تحاول جعل تكلفة الارتباط بالجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران أعلى، والجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران تحاول جعل تكلفة الضغط عليها أعلى. وإذا نجحت واشنطن في تقليص قدرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران على الوصول إلى التمويل والتجارة من دون أن تنتقل الصدمة بصورة مؤثرة إلى الأسواق الدولية، فإن الإكراه المالي يحتفظ بتفوقه. أما إذا أدت العقوبات إلى ارتفاع مستدام في تكاليف الطاقة والنقل والتأمين أو إلى تسريع بناء قنوات اقتصادية بديلة، فإن جزءاً من القوة الإكراهية الأمريكية يفقد فعاليته النسبية، ليس بسبب تراجع القوة الأمريكية ذاتها، وإنما بسبب قدرة البيئة الدولية على التكيف معها.
ثالثاً: العقوبات وشبكات الاقتصاد الموازي
تكمن إحدى أهم سمات المرحلة الحالية في انتقال الصراع من مستوى العقوبات التقليدية إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بقدرة الاقتصاد الإيراني على إعادة إنتاج شبكاته. فاستهداف المصارف والوسطاء وشركات الواجهة وناقلات النفط يهدف إلى رفع كلفة الالتفاف على العقوبات، لكنه في الوقت نفسه يدفع النشاط الاقتصادي الإيراني إلى مزيد من السرية والتجزئة. وهنا تظهر مفارقة لا تحظى دائماً بالاهتمام الكافي: كلما نجحت العقوبات في إغلاق قناة، ازدادت قيمة القنوات البديلة، وكلما ارتفعت قيمة القنوات البديلة، ارتفعت الحوافز الاقتصادية لتطويرها.
وتكتسب الإمارات أهمية خاصة في هذا السياق بسبب موقعها التاريخي كحلقة وصل تجارية ومالية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران والأسواق الخارجية. ولذلك فإن تعليق المعاملات التجارية والمالية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران يمثل ضغطاً مهماً على إحدى القنوات التي استفادت منها طهران في إدارة تجارتها، لكنه لا يعني اختفاء القدرة الإيرانية على الوصول إلى الأسواق. فالعلاقات الاقتصادية مع الصين، وشبكات الشحن والوسطاء، والترتيبات غير الرسمية للتسوية، تتيح للجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران إعادة توزيع جزء من تجارتها على مسارات أكثر تكلفة وأقل كفاءة. وبذلك فإن الأثر الاستراتيجي للعقوبات لا يتمثل بالضرورة في «قطع» الاقتصاد الإيراني عن العالم، وإنما في رفع تكلفة اندماجه في الاقتصاد العالمي وتقليل كفاءة الشبكات التي يعتمد عليها.
وهنا ينبغي الحذر من الخلط بين نجاح العقوبات اقتصادياً ونجاحها سياسياً. فقد تكون العقوبات قادرة على خفض الإيرادات أو زيادة تكاليف التجارة من دون أن تؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك السياسي للدولة المستهدفة. ولذلك فإن معيار النجاح الحقيقي لا يكمن في مقدار الضرر الاقتصادي وحده، بل في العلاقة بين هذا الضرر وبين الهدف السياسي الذي تسعى واشنطن إلى تحقيقه. فإذا كان الضرر يتزايد بينما يبقى السلوك الاستراتيجي الإيراني ثابتاً، فإن العقوبات تصبح أداة استنزاف أكثر منها أداة إكراه ناجح.
رابعاً: هرمز في ظل المعضلة الامنية
تكمن القيمة الاستراتيجية لمضيق هرمز في أن أثره يتجاوز الجغرافيا التي يشغلها. فالممر لا يمثل مجرد طريق لنقل النفط، بل نقطة اختناق تتقاطع عندها مصالح المنتجين والمستهلكين وشركات النقل والتأمين والدول الكبرى فضلا عن عدم اليقين والريبة والشك بين الاطراف. ولهذا فإن التأثير في حركة الملاحة لا يحتاج إلى تعطيل كامل للتدفقات حتى ينتج آثاراً اقتصادية واسعة، إذ يمكن لارتفاع درجة عدم اليقين وحده أن يغير سلوك الشركات والأسواق.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات أهمية في المواجهة. تستطيع الجمهورية الإسلامية الإيرانية استخدام هرمز لرفع تكلفة الضغط عليها، لكنها كلما بالغت في استخدام هذه الورقة زادت الحوافز الدولية للبحث عن بدائل تقلل الاعتماد على المضيق. وقد بدأت دول الخليج بالفعل في إعادة الاهتمام بخطوط الأنابيب والموانئ ومسارات التصدير البديلة، وهو ما يعني أن الاستخدام المكثف للجغرافيا كسلاح قد يؤدي على المدى البعيد إلى إضعاف القيمة الاستراتيجية لهذه الجغرافيا. ومن ثم، فإن قوة هرمز ليست ثابتة؛ إنها تعتمد على مقدار اعتماد الآخرين عليه، وهذا الاعتماد يمكن أن يتغير بفعل الاستثمار والتكنولوجيا والسياسة كما أن الترتيبات التي تناقشها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران وعُمان بشأن إدارة الملاحة تكشف عن تحول مهم في طبيعة الأزمة، إذ لم يعد هرمز مجرد مسرح للمواجهة، وإنما أصبح موضوعاً للتفاوض والوساطة. وهذا يعني أن القيمة السياسية للمضيق لا تنبع فقط من القدرة على تعطيله، بل أيضاً من القدرة على التحكم في شروط تشغيله. ومن منظور الاستراتيجية، قد تكون القدرة على منح المرور أو تقييده بصورة انتقائية أكثر فائدة من الإغلاق الشامل، لأنها تسمح بالحفاظ على ورقة الضغط مع تجنب الوصول إلى نقطة تجعل التدخل العسكري الخارجي أكثر احتمالاً.
خامساً: الطاقة بوصفها ناقلاً لتكلفة الصراع
تظهر أهمية الطاقة عندما تنتقل المواجهة من مستوى العلاقات الثنائية إلى مستوى الاقتصاد العالمي. فاضطراب تدفقات النفط لا يؤثر في المنتجين والمستهلكين فقط، وإنما ينتقل عبر سلسلة مترابطة تبدأ بأسعار الخام وتمتد إلى تكاليف النقل والتأمين والتضخم وأسعار الفائدة والاستثمار. ولذلك فإن كل ارتفاع مستدام في مخاطر الخليج يمكن أن يحول الصراع من مشكلة جيوسياسية إقليمية إلى عامل ضغط على اقتصادات لا تمتلك أي قدرة على التأثير في القرار الأمريكي أو الإيراني وتزداد حساسية هذه المسألة بالنسبة إلى الاقتصادات الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، بسبب اعتمادها الكبير على الطاقة المستوردة من منطقة الخليج. وتواجه الصين وضعاً مركباً لأنها في الوقت نفسه شريك اقتصادي مهم للجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران ومستورد رئيسي للطاقة، الأمر الذي يمنحها مصلحة في استمرار تدفق النفط، لكنه يجعلها أيضاً أكثر تعرضاً لتداعيات أي تصعيد طويل الأمد. أما الهند فتواجه تحدياً مزدوجاً يتعلق بتكلفة الطاقة وأمن النقل البحري، بما يدفعها إلى تنويع مصادر الاستيراد ومساراته. وبذلك فإن الضغط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران لا يبقى محصوراً في العلاقة الأمريكية–الإيرانية، بل يعيد توزيع المخاطر داخل الاقتصاد الآسيوي نفسه.
والأهم أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يمثل بالضرورة مكسباً إيرانياً صافياً. صحيح أن ارتفاع الأسعار قد يزيد قيمة صادرات النفط في الظروف التي يستمر فيها التصدير، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تقليص الطلب العالمي، وزيادة الاستثمار في البدائل، وتسريع سياسات تنويع الطاقة، وتعزيز اعتماد المشترين على موردين آخرين. ولذلك فإن استخدام الطاقة كأداة قوة ينبغي أن يُقاس ليس بالمكاسب الآنية التي تحققها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المكاسب إلى نفوذ سياسي مستدام.
سادساً: اختبار حدود القوة الإكراهية
تكشف الحالة الأمريكية–الإيرانية عن حدود مهمة لفكرة القوة الإكراهية في عالم شديد الاعتماد المتبادل على الرغم من انكاره او التقليل من شأنه بالنسبة للواقعين. فالقوة الأمريكية لا تزال أكثر اتساعاً ومأسسة من القدرة الإيرانية، ولا توجد مؤشرات كافية على انتقال مركز الثقل المالي العالمي بعيداً عن الولايات المتحدة. لكن التفوق البنيوي لا يعني القدرة على تحقيق جميع الأهداف السياسية بأقل تكلفة، لأن الدولة المستهدفة تستطيع البحث عن مجالات أخرى تستطيع فيها التأثير في مصالح الخصم وحلفائه ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لسياسة الضغط الأقصى لا يتمثل في سؤال ما إذا كانت العقوبات تضر الجمهوريةالإسلاميةالإيرانية؛ فمن المرجح أن تؤدي بالفعل إلى رفع تكاليفها الاقتصادية الاختبار الأكثر أهمية هو ما إذا كان الضرر الواقع على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران يتزايد بمعدل أسرع من قدرة طهران على التكيف، وما إذا كانت تكلفة التكيف تنتقل إلى الخارج بدرجة تؤثر في تماسك الائتلاف الداعم للضغط الأمريكي. فإذا تمكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران من الحفاظ على قنوات تصدير وتمويل بديلة مع تحمل تكلفة مرتفعة، فإن العقوبات تظل فعالة في الاستنزاف لكنها تصبح أقل حسماً في الإكراه. أما إذا نجحت واشنطن في تعطيل الشبكات البديلة بصورة متزايدة مع الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، فإن ميزان القوة الإكراهية يميل بوضوح إلى جانبها.
ومن هنا، فإن التطور الأكثر أهمية الذي ينبغي مراقبته ليس انخفاض قيمة العملة الإيرانية أو ارتفاع صادراتها في فترة معينة، وإنما قدرة كل طرف على التكيف مع أداة الطرف الآخر. فإذا كانت الولايات المتحدة تعيد تشكيل شبكات المال والتجارة حول الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إيران وشركاءها يعيدون تشكيل شبكات التجارة والتسوية حول العقوبات. وإذا حاولت طهران استخدام هرمز لتقليل فعالية الضغط، فإن دول الخليج والمستوردين يسعون إلى تقليل اعتمادهم على المضيق. وهكذا تتحول المواجهة إلى عملية متبادلة لإعادة تصميم الاعتماد المتبادل، وهو ما يجعل نتائجها بعيدة المدى مرتبطة بالقدرة على التكيف أكثر من ارتباطها بحجم القوة الأولي لكل طرف.




