الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

40 تريليون دولار حين يبدأ دين الإمبراطورية بأكل قوة الولايات المتحدة الأمريكية

بقلم: د. محمد حسن سعد

رئيس معهد وورلد فيو للعلاقات الدولية والدبلوماسية

عضو الجمعية الامريكية للعلوم السياسية

 

لم يعد الدين العام الأمريكي مجرد رقم هائل يصعب استيعابه، بل أصبح أحد أكثر المؤشرات دلالة على التحول الذي يمر به النموذج الاقتصادي والاستراتيجي للولايات المتحدة، فعندما يتجاوز الدين الفيدرالي الإجمالي أربعين تريليون دولار في شهر آب عام 2026 بعد أن كان في حدود تسعة تريليونات دولار في عام 2007، فإننا لا نكون أمام مجرد زيادة في حجم الاقتراض بل أمام تراكم متواصل للعجز والالتزامات الحكومية، أصبح يتسارع إلى درجة بات معها الدين ينمو بوتيرة تفوق قدرة النظام السياسي على ضبط مساره المالي. والأكثر إثارة للانتباه أن الانتقال من تسعة وثلاثين تريليون دولار إلى أربعين تريليوناً لم يستغرق سوى نحو خمسة أشهر، وهو ما يكشف أن المشكلة لم تعد في حجم الدين فحسب، وإنما في السرعة التي يتضخم بها وفي الكلفة المتزايدة التي يفرضها على مستقبل المالية الأمريكية.

غير أن قراءة الدين الأمريكي من خلال الرقم الإجمالي وحده قد تقود إلى استنتاجات مضللة، فالدين الفيدرالي الإجمالي يضم ما تدين به الحكومة للمستثمرين والقطاع الخاص والجهات الأجنبية، إضافة إلى الديون المحتفظ بها داخل الحكومة نفسها، ولذلك فإن المقياس الأكثر أهمية عند تقييم العبء الاقتصادي هو الدين الفيدرالي المحتفظ به لدى الجمهور. ولإدراك حجم المشكلة بصورة أكثر وضوحاً، يكفي وضع الدين في مواجهة حجم الاقتصاد الذي يفترض أن يمول هذه الالتزامات، فالدين الفيدرالي الإجمالي البالغ أربعين تريليون دولار يعادل نحو 133% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للولايات المتحدة، في حين يبلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو ثلاثين تريليون دولار. أما الدين المحتفظ به لدى الجمهور، وهو المقياس الأكثر دلالة على العبء الاقتصادي، فقد بلغ نحو 101% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026. ووفق خط الأساس الذي نشره مكتب الموازنة في الكونغرس (CBO) في تقريره “The Budget and Economic Outlook: 2026 to 2036” آفاق الموازنة والاقتصاد 2026–2036 الصادر في شباط عام 2026، ترتفع هذه النسبة إلى 120% في 2036، بينما تمتد الإسقاطات طويلة الأجل التي نشرها المكتب في “The Long-Term Budget Outlook: 2026 to 2056” آفاق الموازنة طويلة الأجل: 2026–2056 إلى نحو 175% من الناتج المحلي الإجمالي في 2056، إذا استمرت القوانين والسياسات الحالية على مسارها الراهن. وهذه الأرقام ليست تنبؤاً حتمياً بالمستقبل، وإنما إسقاطات لخط أساس يفترض استمرار الإطار القانوني والسياساتي القائم، لكنها مع ذلك تكشف بوضوح أن حجم الالتزامات الحكومية يتجه إلى تجاوز قدرة الاقتصاد على استيعابها بالوتيرة الحالية. وهنا تبدأ القضية الحقيقية: ليس السؤال لماذا أصبحت الولايات المتحدة مدينة بأربعين تريليون دولار، وإنما لماذا أصبحت آلية إنتاج الدين أسرع من قدرة النظام السياسي على كبحها؟

 

 

الدين الأمريكي من أداة تأسيس إلى بنية دائمة

لكن أربعين تريليون دولار ليست بداية قصة الدين الأمريكي، فالأمريكيون لم يبدأوا الاستدانة في القرن الحادي والعشرين، ولا حتى في القرن العشرين، فقد ارتبط الدين بالدولة الأمريكية منذ لحظة نشأتها تقريباً، عندما اضطرت المستعمرات إلى الاقتراض لتمويل حرب الاستقلال التي بدأت عام 1775، ثم انتقلت هذه الالتزامات إلى الجمهورية الفيدرالية الناشئة بعد إقرار الدستور وتأسيس الحكومة المركزية. وكان الاقتراض في تلك المرحلة مرتبطاً بظرف استثنائي واضح: دولة جديدة تخوض حرباً من أجل وجودها وتحتاج إلى بناء مؤسساتها وتوفير الموارد التي لا تستطيع الإيرادات الجارية وحدها تأمينها، ولذلك لم يكن الدين في بدايات الجمهورية يُنظر إليه باعتباره نمطاً دائمًا لتمويل الدولة، وإنما كأداة يمكن اللجوء إليها عندما تفرض الضرورة نفسها.

واللافت في التجربة الأمريكية المبكرة أن الجمهورية لم تتعامل مع الدين باعتباره قدراً مالياً لا يمكن الفكاك منه، فقد تمكنت الولايات المتحدة في 1835، خلال عهد الرئيس أندرو جاكسون، من الوصول تقريباً إلى حالة خلو من الدين العام، في لحظة تاريخية تكشف أن خفض الدين لم يكن أمراً مستحيلاً عندما كانت بنية الدولة والاقتصاد وحجم الالتزامات مختلفة جذرياً عما هي عليه اليوم. لكن هذه التجربة لم تستمر، إذ أعادت الحروب والأزمات الكبرى تشكيل علاقة الدولة بالدين بصورة متكررة، فالحرب الأهلية رفعت الاقتراض إلى مستويات غير مسبوقة في القرن التاسع عشر، ثم جاءت الحربان العالميتان لتدخلا الدين العام في مرحلة جديدة تماماً، حيث أصبح الاقتراض أداة مركزية لتعبئة الموارد وتمويل اقتصاد الحرب، قبل أن تتسع بعد ذلك وظيفة الدولة نفسها وتتزايد التزاماتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.

ومن هنا بدأ التحول التاريخي الأهم: لم يعد الدين مجرد وسيلة لتمويل ظرف استثنائي، بل أصبح تدريجياً جزءاً من البنية العادية لعمل الدولة الأمريكية، ومع توسع الاقتصاد، واتساع دور الحكومة الفيدرالية، وارتفاع الإنفاق على الدفاع والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وتكرار الأزمات الاقتصادية، أصبحت الموازنة تعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض لتغطية الفجوة بين الإيرادات والنفقات. ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال السياسي هو ما إذا كانت الحكومة ستقترض، وإنما مقدار ما ستقترضه، وكيف ستدير تكلفة هذا الاقتراض، ومن سيدفع ثمنه في المستقبل؟

وهنا تكمن أهمية العودة إلى الجذور التاريخية للدين الأمريكي، فالولايات المتحدة لم تنتقل من دولة بلا دين إلى دولة مدينة بأربعين تريليون دولار في قفزة واحدة، وإنما انتقلت عبر قرنين ونصف تقريباً من نموذج كان الدين فيه أداة استثنائية إلى نموذج أصبح فيه الاقتراض جزءاً من آلية عمل الدولة نفسها. وهذا هو التحول الذي يجعل الرقم الحالي مختلفاً نوعياً عن ديون الجمهورية الأولى، فالمشكلة ليست في وجود الدين، إذ إن الدول الحديثة تقترض بطبيعتها، وإنما في أن يصبح الدين متجدداً بذاته، وأن يصبح جزء من الاقتراض الجديد مخصصاً لتمويل العجز السابق وخدمة الدين المتراكم، فتدخل الدولة تدريجياً في دائرة يصبح فيها الدين ممولاً للدين.

 

وهنا تحديداً يبدأ السؤال الأصعب: عندما تتحول أداة الاقتراض من وسيلة استثنائية لتمويل الحروب والأزمات إلى عنصر دائم في تمويل الدولة، فهل يبقى الدين مجرد أداة للنمو والقوة، أم يبدأ تدريجياً في التحول إلى قيد على القدرة المستقبلية للدولة؟

 

 

8 عقود من تمويل القوة

الدين الأمريكي الحالي لا يمكن اختزاله في إدارة رئيس بعينه أو في حزب واحد، كما لا يمكن تفسيره بحرب واحدة، فهو نتاج تراكم تاريخي تداخلت فيه الحروب والإنفاق الدفاعي، والأزمات الاقتصادية، والتخفيضات الضريبية، والبرامج الاجتماعية، والتحولات الديموغرافية، وتكاليف الرعاية الصحية، والإنفاق الاستثنائي خلال الأزمات الكبرى، وفي مقدمتها الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا. ولذلك فإن تحميل إدارة واحدة مسؤولية الأربعين تريليون دولار يختزل مسألة بنيوية امتدت عبر عقود من التناوب بين الجمهوريين والديمقراطيين. لقد أنفقت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية موارد هائلة لتعبئة اقتصادها وقواتها وتُقدَّر كلفة الحرب بنحو خمسة تريليونات دولار بأسعار عام 2007، ثم جاءت الحرب الكورية وفيتنام وحروب الهند الصينية بما فيها كمبوديا ولاوس وحرب الخليج وصولاً إلى أفغانستان والعراق وسلسلة طويلة من العمليات العسكرية الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم، ولا تكمن أهمية هذه الحروب في حجم الإنفاق المباشر وحده بل في حقيقة أن جزءاً من تكلفتها ظل ممتداً بعد انتهاء العمليات من خلال خدمة الدين وتعويضات المحاربين القدامى والرعاية الصحية طويلة الأجل والالتزامات التي تستمر لسنوات أو عقود.

وتكشف حروب ما بعد 11 أيلول بصورة خاصة عن هذه المشكلة فمشروعCosts of War  في جامعة براون يحسب الكلفة على أساس أوسع من الاعتمادات العسكرية المباشرة بإدخال بعض الالتزامات المستقبلية المرتبطة بالحروب وهو ما أوصل التقديرات إلى تريليونات الدولارات، وهنا يظهر الفرق بين الكلفة التي تظهر في موازنة سنة معينة والكلفة التاريخية الحقيقية للحرب فالأولى يمكن أن تنتهي بانتهاء العمليات، أما الثانية فتستمر عبر خدمة الدين والتزامات المحاربين القدامى وغيرها من الأعباء المؤجلة. ومن ثم فإن المسألة ليست أن الحرب “تسبب” الدين الأمريكي بصورة منفردة، وإنما أن الولايات المتحدة بنت على مدى عقود نموذجاً للقوة العالمية يتطلب موارد ضخمة ومستمرة وأن جزءاً من هذه الموارد جرى تمويله بالاقتراض، وعندما تتكرر الحروب والأزمات وتبقى الالتزامات الخارجية قائمة حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، يتحول الإنفاق الاستثنائي تدريجياً إلى التزام دائم داخل الموازنة.

 

من الحروب إلى شبكة الالتزامات العالمية

لم تُمارس القوة الأمريكية عبر الحرب المباشرة وحدها فمنذ الحرب العالمية الثانية بنت واشنطن شبكة واسعة من التحالفات والمساعدات الاقتصادية والأمنية والتنموية والإنسانية وأصبحت المساعدات الخارجية إحدى الأدوات المستقرة في السياسة الخارجية الأمريكية، ووفق بيانات ForeignAssistance.gov التي تحتفظ بسجلات المساعدات الأمريكية منذ 1946 تجاوز إجمالي المساعدات الخارجية الأمريكية 3.8 تريليون دولار بالقيمة المعدلة للتضخم حتى عام 2024، موزعة بين مساعدات اقتصادية وعسكرية وإنسانية وأمنية وتنموية، وهو ما يكشف اتساع الالتزام المالي الذي رافق الدور الأمريكي العالمي على مدى ثمانية عقود. وفي الحالة “الإسرائيلية” * تحديداً تجاوزت المساعدات الأمريكية التراكمية ثلاثمائة وثلاثون ملياراً دولار بالقيمة المعدلة للتضخم وفق بعض التقديرات التي تستخدم سنوات أساس مختلفة، بينما تُظهر بيانات خدمة أبحاث الكونغرس أرقاماً اسمية أقل عند اعتماد منهج الحساب بالقيمة الجارية وهو اختلاف منهجي يجب توضيحه حتى لا تختلط الأرقام، لكن الثابت في جميع هذه التقديرات أن “إسرائيل” هي أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. كما امتدت السياسة الأمريكية إلى برامج للديمقراطية والمجتمع المدني والمؤسسات السياسية في دول شهدت تحولات سياسية ومنها صربيا وجورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان وهي برامج ارتبط بعضها بما أصبح يعرف بـ”الثورات الملونة”، وليس المقصود هنا أن هذه البرامج هي التي صنعت الدين الأمريكي فذلك سيكون استنتاجاً سببياً مبالغاً فيه، وإنما أن اتساع دائرة الالتزامات الخارجية يعكس طبيعة الدور الذي اختارته الولايات المتحدة لنفسها منذ منتصف القرن العشرين: قوة عسكرية واقتصادية وسياسية ذات حضور عالمي، تدفع ثمناً مستمراً للحفاظ على شبكة نفوذ وتحالفات واسعة. ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقاً من مجرد تعداد الأموال التي خرجت إلى الخارج: ماذا كان يمكن أن يحدث لو وُجّه جزء أكبر من هذه الموارد على مدى عقود إلى تجديد القدرة الداخلية للولايات المتحدة؟ لا يمكن بناء سيناريو مضاد للتاريخ بصورة يقينية، لكن السؤال يكشف جوهر المفاضلة: الدولة التي تنفق للحفاظ على موقعها الخارجي تحتاج في الوقت نفسه إلى الاستثمار في الأساس الداخلي الذي يجعل هذا الموقع قابلاً للاستمرار.

 

ثمن القوة في الداخل

لا تواجه الولايات المتحدة مشكلات بنيتها التحتية لأن الأموال التي أنفقتها في الخارج حُرمت منها تلقائياً، فهذا استنتاج سببي مبسط لكن من الصعب تجاهل أن اتساع الالتزامات المالية الخارجية يأتي في وقت تحتاج فيه البنية التحتية الأمريكية إلى استثمارات ضخمة في الطرق والجسور وشبكات المياه والطاقة والنقل، بينما يستهلك نظام الرعاية الصحية موارد هائلة وتظل كلفته مرتفعة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع. وهنا تظهر المفارقة الحقيقية: القوة الأمريكية الخارجية لا يمكن فصلها عن القوة الأمريكية الداخلي، فالجيوش تحتاج إلى اقتصاد قوي والتحالفات تحتاج إلى قدرة مالية والتفوق التكنولوجي يحتاج إلى جامعات وبنية تحتية ورأس مال بشري، والدولار يحتاج إلى مؤسسات اقتصادية ومالية تتمتع بالثقة وبالتالي فإن استنزاف الموارد الداخلية لا يمثل مشكلة اجتماعية منفصلة عن القوة الجيوسياسية، بل يمكن أن يتحول مع الوقت إلى مشكلة استراتيجية.

وتزداد أهمية هذه النقطة عندما تصبح خدمة الدين نفسها بنًداً متصاعداً في الموازنة فوفق مكتب الموازنة في الكونغرس، يبلغ العجز الفيدرالي المتوقع في السنة المالية لعام 2026 نحو1,9 تريليون دولار أو ما يعادل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يرتفع الدين المحتفظ به لدى الجمهور من 101% من الناتج في عام 2026 إلى 120% في 2036، كما ترتفع صافي مدفوعات الفائدة إلى نحو 2,1 تريليون دولار في عام 2036 أي نحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وهنا لا يعود الدين مجرد التزام مالي، بل يبدأ في إعادة ترتيب خيارات الدولة لأن كل دولار يذهب إلى خدمة دين الماضي هو دولار لا يمكن استخدامه في الاستثمار أو مواجهة أزمة جديدة أو توسيع برنامج اجتماعي أو تمويل قدرة دفاعية إضافية، ما لم يُموَّل ذلك بدين جديد.

 

 

عندما يصبح الماضي عبئاً على المستقبل

تدفع الولايات المتحدة الآن نحو تريليون دولار سنوياً من صافي فوائد الدين في وقت يقترب فيه الإنفاق الدفاعي من تريليون ومئة وخمسين مليار دولار، والتقارب بين الرقمين شديد الدلالة فهو يعني أن الولايات المتحدة باتت تخصص موارد تقارب ما تنفقه على دفاعها الوطني لمجرد خدمة الدين المتراكم من إنفاق السنوات السابقة، وبعبارة أخرى أصبحت تكلفة الماضي تنافس من حيث الحجم المالي تكلفة الحفاظ على القوة العسكرية في الحاضر، وهو ما يكشف إلى أي مدى بدأ تراكم الدين يضيّق هامش الحركة أمام الموازنة الأمريكية.

وهنا تتشكل الحلقة التي يصعب كسرها سياسياً: العجز يولد الاقتراض والاقتراض يرفع الدين والدين يرفع تكلفة الفائدة والفائدة تضيف إلى العجز، والعجز الجديد يستدعي اقتراضاً جديداً وكلما طال استمرار الحلقة أصبحت القرارات السياسية المطلوبة لمعالجتها أكثر كلفة، لأن أي محاولة جادة لتقليص العجز ستصطدم حتماً بمصالح اجتماعية وعسكرية واقتصادية واسعة. ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة على وشك الإفلاس فالاقتصاد الأمريكي يتمتع بامتيازات استثنائية في مقدمتها حجم الاقتصاد وعمق الأسواق المالية وسيولة سندات الخزانة ومكانة الدولار الدولية ولذلك فإن الحديث عن انهيار مالي وشيك يتجاهل طبيعة النظام النقدي والمالي الأمريكي، لكن امتلاك هذه الامتيازات يمنح واشنطن وقتاً أطول لمعالجة المشكلة، ولا يلغي المشكلة نفسها.

 

حكومة مثقلة بالدين… ومجتمع مثقل بالدين

تزداد خطورة المشهد عندما ننتقل من ميزانية الحكومة إلى ميزانية الأسرة الأمريكية لأن المديونية لم تعد ظاهرة محصورة في الدولة، فقد بلغ إجمالي ديون الأسر الأمريكية نحو18,8 تريليون دولار وفق أحدث بيانات الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهي كتلة مالية هائلة تعكس حجم الالتزامات التي تحملها الأسر لتمويل السكن والتعليم والسيارات والاستهلاك. ويستحوذ الرهن العقاري على الجزء الأكبر من هذه المديونية إذ يبلغ نحو 13,2 تريليون دولار وهو رقم يعكس قبل كل شيء الحجم الهائل لسوق الإسكان الأمريكي، وتأتي بعده قروض السيارات بنحو 1,69 تريليون دولار فيما تبلغ ديون بطاقات الائتمان نحو1,26 تريليون دولار، وتدور قروض الطلاب حول 1,65 تريليون دولار وتشير أحدث بيانات الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أن أرصدة بطاقات الائتمان ارتفعت إلى نحو 1.26 تريليون دولار.

ومن المهم هنا ألا نضع كل هذه الديون في سلة واحدة فالرهن العقاري مثلاً يرتبط عادةً بأصل يمكن أن ترتفع قيمته بينما تحمل بطاقات الائتمان تكلفة فائدة مرتفعة ويمكن أن تصبح أكثر ضغطًا على الأسرة عندما ترتفع الأسعار أو تتراجع الدخول الحقيقية وقروض السيارات والطلاب لها طبيعتها المختلفة أيضاً، ولذلك فإن الرقم الإجمالي لا يكفي وحده للحكم على صحة الأسر المالية لكن تركيب الدين يكشف شيئاً مهماً: الاقتصاد الأمريكي يعتمد على الائتمان ليس فقط في تمويل الحكومة، بل أيضاً في تمويل الحياة اليومية للأسر والاستثمار في الأصول والتعليم والتنقل. وتزداد حساسية هذه المديونية عندما تتزامن مع ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والرعاية الصحية، ففي هذه الحالة يصبح ارتفاع أسعار الفائدة أكثر من مجرد متغير نقدي إذ ينتقل أثره تدريجياً إلى أقساط الرهن العقاري وتمويل السيارات وديون بطاقات الائتمان وقدرة المستهلك على الإنفاق، وهكذا يصبح الاقتصاد أكثر اعتماداً على شروط الائتمان وأكثر حساسية للصدمات المالية.

 

الدين والناتج: عندما يتجاوز الالتزام حجم الاقتصاد

من أكثر المقارنات إثارة للانتباه أن الدين الفيدرالي الإجمالي البالغ نحو أربعين تريليون دولار أصبح أكبر من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للولايات المتحدة الذي يدور حول ثلاثين تريليون دولار، لكن هذه المقارنة يجب أن تُقرأ بحذر فالدين رصيد متراكم عبر عقود، بينما الناتج تدفق اقتصادي خلال سنة واحدة ولذلك لا معنى اقتصادياً للقول إن على الولايات المتحدة سداد الدين خلال عام واحد. مع ذلك فإن المقارنة تظل مهمة لأنها تكشف حجم الالتزام بالنسبة إلى حجم الاقتصاد، والأكثر دقة كما سبق هو النظر إلى الدين المحتفظ به لدى الجمهور الذي بلغ نحو101% من الناتج في عام 2026، وهو مستوى يتجاوز الرقم القياسي السابق الذي سُجل بعد الحرب العالمية الثانية عندما بلغ الدين المحتفظ به لدى الجمهور نحو 106% من الناتج في عام 1946، ووفق الإسقاط الأساسي لمكتب الموازنة في الكونغرس سيصل إلى 120% في 2036 وإلى 175% في 2056. وهذه النسب هي التي تجعل قضية الدين استراتيجية وليست محاسبية فقط، إذ إن الاقتصاد يستطيع تحمل الدين عندما يكون قادراً على النمو بوتيرة تسمح بإدارته لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يستمر الدين في النمو أسرع من الاقتصاد، خصوصاً إذا كانت أسعار الفائدة مرتفعة بما يكفي لجعل خدمة الدين نفسها أحد أسرع بنود الإنفاق نمواً.

 

المفارقة الأمريكية

المفارقة أن الولايات المتحدة لا تزال في الوقت نفسه واحدة من أكثر الدول ثراءً وابتكاراً وقدرة على جذب رؤوس الأموال والمواهب والاستثمار وهي تمتلك الدولار، وأعمق أسواق المال في العالم ومؤسسات جامعية وبحثية وشركات تكنولوجية تمنحها قدرة استثنائية على إنتاج الثروة وتجديد مصادر القوة، ولهذا فإن المقارنة الصحيحة ليست بين الولايات المتحدة الحالية وإمبراطوريات انهارت في الماضي، لأن السياق النقدي والمؤسساتي والجيوسياسي مختلف جذرياً، وإنما بين قدرة النظام الأمريكي على إنتاج الثروة وبين قدرته على ضبط الالتزامات التي تراكمت فوق هذه الثروة. وهذا هو الاختبار الحقيقي: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحافظ في الوقت نفسه على شبكة تحالفاتها العالمية وقوتها العسكرية وبرامجها الاجتماعية ومكانة الدولار وقدرتها التكنولوجية والتنافسية، بينما يستمر الدين في النمو بوتيرة أسرع من قدرة النظام السياسي على إنتاج توافق حول كيفية تمويل الدولة؟

المشكلة إذن ليست أن الولايات المتحدة تنفق كثيراً فحسب وإنما أنها أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في التوفيق بين حجم الطموح الاستراتيجي وحجم الموارد المتاحة لتمويله، فالإنفاق العسكري ليس السبب الوحيد للدين كما أن خفض المساعدات الخارجية لن يحل المشكلة، لأن جوهر الأزمة يكمن في الفجوة المزمنة بين الإيرادات والإنفاق، وهي فجوة تغذيها عوامل ديموغرافية واجتماعية واقتصادية وسياسية متراكمة.

 

 

إلى أين يقود هذا المسار؟

 إذا استمرت الاتجاهات الحالية فإن الخطر الأرجح ليس انهياراً مالياً مفاجئاً وإنما تآكل تدريجي في هامش الحركة قد يظهر ذلك في ارتفاع مستمر في تكلفة الاقتراض وضغط أكبر على أسعار الفائدة ومنافسة متزايدة بين خدمة الدين والإنفاق على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والدفاع وقدرة أضيق على تمويل الاستجابة للأزمات أو تنفيذ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، وقد يمتد الأثر إلى السياسة الخارجية نفسها فالدولة التي تصبح خدمة ديونها أكثر كلفة تكون أقل قدرة على تحمل حرب طويلة أو أزمة مالية عالمية أو برنامج إعادة تسليح واسع أو استثمار داخلي ضخم في الوقت نفسه، ومن هنا تتحول المسألة من اقتصاد الدين إلى جغرافيا القوة: فالقوة العسكرية تحتاج إلى قاعدة صناعية ومالية والقوة الدبلوماسية تحتاج إلى قدرة على تمويل التحالفات والقدرة على المنافسة مع الصين تحتاج إلى استثمارات داخلية هائلة في التكنولوجيا والتعليم والبنية التحتية والطاق، إذا أصبح جزء متزايد من الموارد موجهاً إلى خدمة الدين فإن تكلفة الفرصة البديلة تصبح أكثر أهمية من الرقم نفسه لأن ما تخسره الدولة ليس المال فقط وإنما بعض الخيارات التي كان يمكن أن تستخدمها في المستقبل.

 

 

من اقتصاد الدين إلى جغرافيا القوة

استطاعت الولايات المتحدة طوال عقود أن تجمع بين الازدهار الداخلي والانتشار العالمي وأن تستخدم قوة اقتصادها لتمويل قوة عسكرية وسياسية ودبلوماسية غير مسبوقة، غير أن العلاقة بين القوة الاقتصادية والقوة الجيوسياسية ليست ثابتة فإذا أصبحت تكلفة الحفاظ على النظام الخارجي تتزايد في وقت تتباطأ فيه قدرة النظام الداخلي على تمويل نفسه فإن القوة الخارجية تبدأ تدريجياً في التنافس مع مصادرها الداخلية، وهنا تكمن المفارقة التاريخية: القوة الأمريكية في الخارج تعتمد في النهاية على قوة أمريكا في الداخل ولا يمكن الحفاظ على التفوق العسكري والتكنولوجي والدبلوماسي إذا كانت القاعدة الاقتصادية التي تحمل هذه القوة تعاني من التآكل والاستنزاف.

وقد أدركت الإدارات الأمريكية المتعاقبة هذه المشكلة وإن اختلفت في تشخيصها وأدوات معالجتها ففي 15 آب عام 2017 وخلال سنته الأولى في البيت الأبيض حذّر الرئيس دونالد ترامب من تدهور البنية التحتية الأمريكية قائلاً “ستعود بنيتنا التحتية لتكون الأفضل في العالم، كنا نمتلك أعظم بنية تحتية في أي مكان في العالم واليوم نحن حرفياً أشبه بدولة من العالم الثالث”، ثم عاد ترامب في 29 آذار عام 2018 ليشير إلى أن نحو 40% من الجسور الأمريكية بُنيت قبل أول هبوط للإنسان على القمر منتقداً حالة أنظمة النقل الجماعي ومشيراً إلى أن دولاً أخرى “تبني الجسور في كل مكان”، وبعد انتقال السلطة لم يتغير جوهر التشخيص، ففي 11 شباط عام 2021 وبعد مكالمته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ حذّر الرئيس جو بايدن من أن الصين “ستأكل غداءنا” إذا لم تتحرك الولايات المتحدة رابطاً ذلك بحجم الاستثمارات الصينية في النقل والبنية التحتية، وفي 31 آذار عام 2021 جاءت “American Jobs Plan” خطة الوظائف الأمريكية لتضع تحديث البنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا في صميم استراتيجية تعزيز القدرة التنافسية الأمريكية مشيرة إلى أن الولايات المتحدة رغم كونها أغنى دولة في العالم تحتل المرتبة الثالثة عشرة من حيث الجودة الإجمالية للبنية التحتية، وفي 15 تشرين الثاني عام 2021 خلال مراسم توقيع قانون الاستثمار في البنية التحتية والوظائف أكد بايدن أن الولايات المتحدة لا تستطيع المنافسة في القرن الحادي والعشرين ببنية تحتية عالقة في القرن الماضي. والمغزى هنا يتجاوز الطرق والجسور والنقل فالبنية التحتية ليست مجرد خدمات عامة وإنما جزء من منظومة القوة الوطنية فالاقتصاد الذي يريد الاحتفاظ بتفوقه الصناعي يحتاج إلى شبكة نقل وطاقة ومياه واتصالات قادرة على دعمه، والدولة التي تريد الحفاظ على تفوقها التكنولوجي تحتاج إلى جامعات ومراكز بحث وتعليم وبنية رقمية وصناعية قادرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قوة اقتصادية والقوة العسكرية نفسها لا يمكن فصلها عن القاعدة الصناعية والمالية التي تمولها، ومن ثم فإن الإنفاق على الداخل ليس منافساً بالضرورة للإنفاق على القوة الخارجية بل هو في جانب مهم منه استثمار في القدرة على استمرار هذه القوة.

ولهذا فإن قضية الدين لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها معركة بين “الإنفاق العسكري” و”الإنفاق الاجتماعي” فقط بل باعتبارها سؤالاً أوسع حول النموذج الذي تريد الولايات المتحدة أن تكونه في القرن الحادي والعشرين: هل تستطيع أن تحافظ على موقعها كقوة عظمى عالمية وأن تموّل في الوقت نفسه إعادة بناء بنيتها التحتية وصناعتها وقدرتها التكنولوجية وتواجه منافسة الصين، وتحافظ على شبكة تحالفاتها والتزاماتها الخارجية، بينما يتراكم الدين وتزداد كلفة خدمته؟ هنا تحديداً ينتقل النقاش من اقتصاد الدين إلى جغرافيا القوة، لأن المشكلة لم تعد فقط في مقدار ما تدين به أمريكا، وإنما في مقدار القوة المستقبلية التي تستطيع إنتاجها بالموارد التي ستبقى لديها بعد دفع ثمن الماضي.

 

40 تريليون دولار.. اختبار تاريخي للقوة الأمريكية

الإمبراطوريات لا تسقط لمجرد أنها مدينة ولا تنهار لمجرد أنها تخوض حروباً أو تنفق على جيوش ضخمة، فالتاريخ أكثر تعقيداً من هذه المعادلة، ولكنها تدخل منطقة الخطر عندما تصبح كلفة المحافظة على منظومة القوة أكبر من قدرة اقتصادها ومؤسساتها ومجتمعها على إعادة إنتاج تلك القوة. ومن هذه الزاوية فإن الأربعين تريليون دولار لا تعلن نهاية الولايات المتحدة ولا تقدم دليلاً على انهيار وشيك، لكنها تمثل اختباراً تاريخياً لنموذج القوة الأمريكية، فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك الوقت والثروة والتكنولوجيا والدولار والأسواق والجامعات ورأس المال البشري وهي عناصر تمنحها قدرة استثنائية على تصحيح المسار غير أن الوقت نفسه ليس مورداً مجانياً، لأن كلفة الإصلاح ترتفع كلما تأخر القرار. ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة دفع أربعين تريليون دولار؟ بل: هل تستطيع أن تستمر في تمويل حاضرها بالدين دون أن تضطر في المستقبل إلى التضحية بجزء من قدرتها على بناء قوتها؟

فالدين ليس مجرد أموال اقترضتها الدولة من المستقبل إنه في جوهره جزء من المستقبل الذي بدأ الحاضر في استهلاك، وحين تصبح الدولة مطالبة في الوقت نفسه بتمويل قوة عالمية واسعة وحماية مستوى معيشي داخلي مرتفع وتجديد بنيتها التحتية وتمويل الرعاية الصحية ومواجهة منافسين استراتيجيين مثل الصين وخدمة دين يتزايد بسرعة، فإن السؤال يتحول من حجم الدين إلى حدود القدرة على الاستمرار. وهنا تكمن دلالة الأربعين تريليون دولار: ليست نهاية القوة الأمريكية وإنما بداية مرحلة تصبح فيها المحافظة على هذه القوة أكثر كلفة، ويصبح التحدي الحقيقي أمام واشنطن ليس امتلاك القوة، بل إعادة إنتاجها من الداخل قبل أن تصبح كلفة الحفاظ عليها أكبر من قدرة الاقتصاد والمجتمع على تحملها.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى