الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
طريق بلا عودة.. توماس رايت والنظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة

بقلم: جوزيف ستيب
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
يقدّم توماس رايت في كتابه الجديد، الموجز والمكثّف قراءةً تحليلية لكيفية كشف السياسات الخارجية لكل من دونالد ترامب وجو بايدن وإن بطرق مختلفة عن تحوّل عميق في بنية النظام العالمي، ويجمع رايت الذي خدم في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن بين عامي 2022 و2025 بين عمق الرؤية الأكاديمية والخبرة العملية لصياغة قراءة كاشفة لعالم يشهد تحولات متسارعة، غير أن الكتاب يظل محدودًا لافتقاره إلى معالجة وافية للقضية الفلسطينية – “الإسرائيلية” **فضلًا عن مستقبل السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي.
ويركّز رايت على عدد من المحاور الأساسية يأتي في مقدمتها أطروحته القائلة بانتهاء عالم ما بعد الحرب الباردة، ويرى أن باراك أوباما كان آخر رئيس أمريكي ينتمي حقًا إلى نهج “استعادة النظام” إذ سعى إلى الإبقاء على استراتيجية كبرى تستند إلى التحالفات والتجارة الحرة والتفوق العسكري، كما كان أوباما آخر رئيس حاول إدماج روسيا والصين في نظام دولي ليبرالي وتعاوني غير أن هذا المسعى أخفق، أما اليوم فتواجه الولايات المتحدة منافسين استبداديين رئيسيين ينتميان إلى القوى الساعية إلى إعادة صياغة النظام القائم ويسعيان إلى تقليص النفوذ الأمريكي عالميًا وفرض سيطرتهما على مناطق نفوذهما في العالم. ويذهب رايت إلى أن هذه التحولات كانت قد بدأت بالفعل خلال الولاية الأولى لترامب إن لم تكن قبل ذلك إلا أن ترامب عمّقها من خلال تبنّي استراتيجية هجينة اتسمت بالاضطراب وافتقارها إلى الاتساق، فقد وجّه انتقادات حادة إلى أسلافه بسبب الإفراط في توسيع نطاق القوة الأمريكية والسماح للحلفاء بالاستفادة من المظلة الأمنية الأمريكية من دون تحمّل نصيبهم من الأعباء، لكنه متأثرًا بمستشاريه الجمهوريين الأكثر تقليدية في مجال السياسة الخارجية لم يُقدم على إعادة صياغة جذرية للدور العالمي للولايات المتحدة. وفي هذا السياق تمثل رئاسة بايدن وعودة ترامب إلى السلطة نقطتي تحوّل حاسمتين في الانتقال بعيدًا عن عالم ما بعد الحرب الباردة، وفي حين انتقد بعض المراقبين بايدن باعتباره رئيسًا يسعى إلى استعادة النظام السابق يرى رايت أن سياساته تضمنت سلسلة من التعديلات استجابةً لعالم يزداد تعددًا في أقطابه ولأوجه الضعف التي كشفت عنها جائحة كوفيد-19، فقد تخلى عن إجماع التجارة الحرة الذي ساد مرحلة ما بعد الحرب الباردة من خلال فرض ضوابط صارمة على تصدير التقنيات الحيوية مثل الرقائق الإلكترونية المتقدمة وتوسيع القاعدة الصناعية الأمريكية وتقليص تعرض الولايات المتحدة لاضطرابات سلاسل الإمداد.

كما استكمل بايدن انسحاب ترامب من أفغانستان في إشارة إلى نهاية عقود من جهود الولايات المتحدة لبناء الدول في الخارج، وعزّز علاقات بلاده بحلفائها التقليديين بعد الاضطرابات التي رافقت الولاية الأولى لترامب لكنه فعل ذلك عبر حشد تحالفات لدعم شركاء يتولون الجزء الأكبر من أعباء المواجهة كما تجلّى في الدعم الجماعي لأوكرانيا عقب الغزو الروسي عام 2022، كذلك تبنّى بايدن نهج المنافسة الاستراتيجية مع الصين وروسيا على خلاف مساعي أوباما إلى بناء علاقات أكثر تعاونًا وتخفيف حدة التوتر مع هاتين الدولتين. وبعبارة أخرى حافظت السياسة الخارجية لبايدن على الالتزام الديمقراطي التقليدي بالتعددية والمؤسسات الدولية لكنها تراجعت في الوقت نفسه عن الدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة باعتبارها الحارس الرئيسي للنظام العالمي، كما اتجهت سياسته الاقتصادية نحو مزيد من الحمائية وإعادة توطين الصناعات الدفاعية الحيوية مع الإقرار بحقيقة المنافسة مع القوى الساعية إلى مراجعة النظام الدولي القائم.
ويخلص رايت إلى أن الولاية الثانية لترامب تمثل قطيعة نهائية مع عالم ما بعد الحرب الباردة وتؤسس لتوجه جديد في ممارسة القوة الأمريكية، فقد سعى ترامب ونائب الرئيس جي دي فانس وغيرهما من المحافظين المنتمين إلى حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” إلى ضمان عدم عرقلة إرادة ترامب من جانب المستشارين الجمهوريين التقليديين أو البيروقراطية الحكومية، وأفضى ذلك إلى تشكيل إدارة تضم مزيجًا غير مألوف من الموالين والأيديولوجيين خلال الولاية الثانية بالتوازي مع حملة لتقويض مؤسسات السياسة الخارجية مثل وزارة الخارجية وإضعاف قدرتها المؤسسية. وعمليًا أسفر ترسيخ نفوذ حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” على السياسة الخارجية للحزب الجمهوري عن سلوك أمريكي اتسم بالعدوانية والتقلب شمل حملتين عسكريتين منفصلتين ضد إيران وتهديد حلفاء مثل كندا والدنمارك واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كما صعّد ترامب نهجه الحمائي اقتصاديًا خلال ولايته الثانية من خلال فرض رسوم جمركية مرتفعة وتعسفية على عشرات الدول، ويرى رايت أن جوهر فلسفة السياسة الخارجية لحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” يقوم على اعتبار أن من غير المنطقي أن تقدم الولايات المتحدة أي منفعة عامة مثل ضمان حرية الملاحة البحرية أو دعم التحالفات الدفاعية كحلف شمال الأطلسي ما لم تحصل في المقابل على منفعة فورية وملموسة، ولا تزال المصلحة الذاتية المستنيرة عنصرًا أساسيًا في التفكير الديمقراطي في السياسة الخارجية لكنها في الحزب الجمهوري بزعامة ترامب أصبحت أمرًا من الماضي. كما اصطفّت إدارة ترامب بوضوح إلى جانب أحزاب اليمين المتطرف في مختلف أنحاء العالم ولا سيما في أوروبا في الوقت الذي أدّى فيه ذلك إلى تنفير حلفاء تقليديين راسخة العلاقات معهم، ويخلص رايت إلى أن نظام ما بعد الحرب الباردة قد انتهى لأن بايدن وترامب كليهما ابتعدا عن فكرة أن تكون الولايات المتحدة الركيزة الأساسية للنظام العالمي، وإن كانت خطوات ترامب أكثر تطرفًا في هذا الصدد.
ويتمثل المحور الرئيسي الثاني في كتاب رايت في اتساع الهوة بين السياسات الخارجية للحزبين الجمهوري والديمقراطي، فقد اتسمت فترة الحرب الباردة بإجماع قوي على سياسة احتواء الشيوعية بينما شهدت مرحلة ما بعد الحرب الباردة إجماعًا جديدًا حول الدور القيادي للولايات المتحدة، إن لم يكن هيمنتها والتجارة الحرة والتدخل العسكري ودعم منظومات التحالف الرئيسية. غير أن رايت يرى أن الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة انعكس على السياسة الخارجية إذ دفع الجمهوريين والديمقراطيين إلى مزيد من التباعد رغم وجود قدر من التقاطع بينهما في قضايا مثل الحمائية، ومن ثم ستشهد السياسة الخارجية الأمريكية تحولات حادة ومتذبذبة مع انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى، ومع ترسيخ ترامب مبدأ “أمريكا أولًا” بوصفه حجر الأساس للسياسة الخارجية الجمهورية، فإن هذا التباين سيصبح سمة دائمة.
ويخلص رايت إلى أن هذا التذبذب في السياسة الخارجية الأمريكية سيجعل التعامل مع مختلف المشكلات العالمية أكثر صعوبة بدءًا من الحفاظ على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وصولًا إلى طمأنة الشركاء والحلفاء مثل تايوان وأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، وسيتعين على العالم ولا سيما حلفاء الولايات المتحدة التكيف مع هذا الواقع، ويعني ذلك أن التحالفات الإقليمية ستضطر إلى تحمّل قدر أكبر من المسؤولية عن مواجهة التحديات الرئيسية حتى لو اقتضى ذلك التصدي لسياسة ترامب القائمة على الترهيب والضغط، وينقل رايت عن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني وصفه لهذه المرحلة الجديدة بقوله “نحن في خضم قطيعة ولسنا أمام مرحلة انتقالية ولذلك يتعين على القوى المتوسطة أن تتحرك معًا لأننا إن لم نكن على طاولة المفاوضات فسنكون على قائمة الطعام”. وعلى الرغم من أن كتاب “نقطة التحول” يقدم تقييمًا ثاقبًا للسياسة الخارجية الأمريكية في عقد العشرينيات من القرن الحادي والعشرين فإنه لا يتناول بالقدر نفسه ما سيأتي بعد ذلك، ومن اللافت وإن بدا تفصيلًا ثانويًا أن رايت يحجم عن إطلاق تسمية على السياق العالمي الجديد الذي نعيش في ظله اليوم.
غير أن المشكلة الأكبر تتمثل في أن رايت لا يتناول إلا القليل بشأن “إسرائيل” وقطاع غزة، فهو يركز على تنافس القوى الكبرى والقضايا الكبرى المتعلقة بالتجارة وسباقات التسلح والتحالفات، ومع ذلك يمكن للفاعلين الأصغر أيضًا أن يسهموا في إعادة تشكيل النظام العالمي، فقد انخرطت الولايات المتحدة بعمق في سلسلة من الحروب في “الشرق الأوسط” اندلعت في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي وقع في “إسرائيل” في 7 تشرين الاول. ولم يفرض بايدن قيودًا ذات مغزى على رد الفعل “الإسرائيلي” وهو ما لم يؤدِّ إلى كارثة في غزة فحسب بل أسهم أيضًا في تصعيد مطّرد للصراع في المنطقة، وأظهر بايدن أنه ظل أسير ذهنية أقدم بكثير كانت تنظر إلى “إسرائيل” باعتبارها الطرف الأضعف وحصن الديمقراطية في منطقة معادية، بدلًا من النظر إليها كما أصبحت بالفعل: دولة متهورة وعسكرية الطابع تسيطر عليها قوى اليمين المتطرف.
ويبدو كتاب “نقاط التحول” ناقصًا من دون التطرق إلى هذه القضية المأساوية، فقد كان استمرار بايدن في دعم “إسرائيل” والتساهل معها سمة متأصلة في السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي خلال العقود الماضية إذ كان رؤساء مثل أوباما وبيل كلينتون ينتقدون سلوك “إسرائيل” لكنهم نادرًا ما كانوا يترجمون انتقاداتهم إلى عواقب ملموسة، أما الآن فقد شن ترامب هجومًا غير محسوب وغير مبرر على النظام الإيراني ومضى أبعد في تعزيز التحالف مع “إسرائيل”، ولذلك بات من الأهمية بمكان أن يفكر الديمقراطيون في بدائل لنهجي بايدن وترامب تجاه “الشرق الأوسط” إذ تشابهت أوجه القصور في نهجيهما إلى حد بعيد. وهناك حاجة إلى إعادة نظر جوهرية في طبيعة العلاقة الأمريكية – “الإسرائيلية” سواء من المنظور الاستراتيجي أو الأخلاقي، فإذا عجز خبراء السياسة الخارجية الديمقراطيون عن بلورة مسار جديد للمضي قدمًا في “الشرق الأوسط” يتجاوز مجرد معارضة سياسات ترامب فإن الحزب سيفقد بوصلته في المرحلة المقبلة، وكما يلاحظ رايت ينقسم الديمقراطيون بشدة حول القضية الفلسطينية – “الإسرائيلية” مع اتجاه متزايد نحو رفض الشراكة الأمريكية – “الإسرائيلية”، لكنه لا يقدم إجابة خاصة به عن هذا السؤال الحاسم ويعكس ذلك تقاعسًا أوسع لدى النخب القيادية في الحزب الديمقراطي تجلّى بوضوح في إخفاق اللجنة الوطنية الديمقراطية حتى في الإشارة إلى “إسرائيل” أو غزة في تقريرها لتقييم نتائج انتخابات عام 2024.
ولا يزال الديمقراطيون في حالة من عدم اليقين العميق بشأن الدور الذي ينبغي للولايات المتحدة أن تضطلع به في العالم، ويوضح رايت أن الأمر لا يتطلب البدء من نقطة الصفر فقد اتخذ بايدن إجراءات متعددة الأطراف وفعالة بشأن أوكرانيا والتحالفات والقاعدة الصناعية الدفاعية وغيرها من القضايا، لكنه افتقر إلى رؤية أشمل يمكنها أن تواجه جاذبية شعار ترامب “أمريكا أولًا”، ولا يزال الحزب في حاجة ماسة إلى استراتيجية مقنعة للتعامل مع نظام دولي يتجه نحو مزيد من التعددية القطبية وحلفاء تضررت ثقتهم بالولايات المتحدة بصورة دائمة ورد فعل عالمي متزايد على الديمقراطية الليبرالية.
وفي هذا الكتاب الموجز والمكثف يبرهن رايت بصورة حاسمة على أن بايدن وترامب رغم اختلافاتهما دفعا الولايات المتحدة بعيدًا عن الافتراضات والسياسات الأساسية التي قام عليها نظام ما بعد الحرب الباردة، والذي يبدو الآن أنه لم يكن سوى مرحلة انتقالية استمرت نحو 25 إلى 30 عامًا بين حقبتين من التنافس الاستراتيجي، وتتمثل رسالة الكتاب في أنه لا عودة إلى الوراء، لكنه للأسف لا يخبرنا إلى أين ينبغي أن نمضي من هنا.



