الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
أزمة الحدود.. ارتدادات أزمة “الشرق الأوسط” في توظيف الهجرة على الأمن والسياسة الإسبانية

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
شهدت الايام الاخيرة من شهر تموز واوائل شهر آب 2026 موجة هجرة غير شرعية مفاجئة حيث اندفع الالاف من المواطنين المغاربة عبر الحدود بين مدينة الفنيدق المغربية وجيب سبتة ومليلية التي تسيطر عليها أسبانيا على الجانب المغربي من مضيق جبل طارق، وقد جاء ذلك بعد جملة من التطورات ابرزها قرارات المحكمة العليا الإسبانية بخصوص الهجرة غير الشرعية وخطاب الملك المغربي (محمد السادس)، فضلاً عن مواقف وسياسات أسبانيا ضد “إسرائيل” والتي يتم ربطها بهذا الحدث، تحاول هذه المقالة قراءة الروابط بين هذه الأحداث.
أولاً: أسباب الهجرة وسياق الازمة
شهدت الحدود الفاصلة بين مدينة الفنيدق المغربية وجيبي سبتة ومليلية الخاضعين للسيادة الإسبانية خلال الأيام الأخيرة من شهر تموز وبداية شهر آب 2026 موجة عبور غير نظامية واسعة، بعدما اندفع آلاف من المواطنين المغاربة، في محاولة للوصول إلى الأراضي الإسبانية. مما أدى إلى إعادة ملف الهجرة غير الشرعية إلى صدارة المشهد السياسي والأمني في كل من المغرب وإسبانيا، كما أثارت تساؤلات بشأن العوامل التي دفعت إلى اندلاع هذه الموجة بصورة مفاجئة، وما إذا كانت تعكس دوافع اجتماعية واقتصادية فحسب، أم أنها ترتبط أيضاً بحسابات سياسية واستراتيجية أوسع.
لقد تزامنت هذه الموجة المفاجئة مع جملة من الأحداث والتطورات السياسية والقانونية والجيوسياسية بعضها يرتبط بشكل مباشر والبعض الآخر قام الخبراء والمحللين والسلطات الإسبانية بربطه بشكل غير مباشر بموجة الهجرة، حيث من ابرز الأسباب المرتبطة بشكل مباشر في الازمة، انتشار شائعات في الصفحات والمجموعات المغربية على وسائل التواصل الاجتماعي مفادها ان أسبانيا فتحت حدودها رسمياً في سبتة، وأن الوصول إلى هناك يضمن فوراً الحصول على الإقامة، العمل، واللجوء دون ترحيل، وقد استندت هذه الشائعات الى تفسير خاطئ لقرار المحكمة الإسبانية العليا التي أصدرت حكماً قضائياً يمنع السلطات من الاعادة السريعة والفورية للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر (بحكم انهم لم يتجاوزوا عوائق مادية كالاسوار) وهو ما دفع شبكات التهريب الى تحوير القرار واقناع المواطنين المغاربة بأن (الوصول سباحةً يعفيكم من الترحيل ويضمن لكم البقاء القانوني داخل إسبانيا) وهو ما دفع الالاف للسباحة العبور السياج الفاصل عبر السباحة في البحر للوصول إلى جيب سبتة.([1])
كما لم تقتصر الشائعات التي روجها المهربون على ذلك بل امتدت إلى نشر تصريحات مفبركة للحكومة الإسبانية تتضمن وعود منسوبة لرئيس الوزراء الاسباني (بيدرو سانشيز) يرحب بالمهاجرين الجدد ويعدهم بمنحهم أوراق الإقامة وقد بنوا الشائعات على التفسير الخاطئ لقرار المحكمة العليا الاسبانية. كما لم يكتف المهربون بذلك بل نشروا شائعات أخرى تتعلق بانشغال وتساهل حرس الحدود الاسباني والمغربي في ساعات معينة كونها الساعات المناسبة للعبور سباحة الى الجيب الاسباني حيث نشرت خرائط ومقاطع فيديو تزعم غياب الرقابة البحرية في نقاط معينة، ما دفع الالاف للذهاب إلى هذه النقاط في وقت واحد.
الا ان الخبراء والمحللين يربطون تطورات أخرى على المستوى السياسي بأزمة الهجرة هذه من بينها زيارة رئيس الوزراء الاسباني (بيدرو سانشيز) الى الجزائر (الغريم الاقليمي للمغرب) وتصريحاته حول تعزيز “الشراكة الاستراتيجية” معها، إذ يرى خبراء ومحللون مثل “هيثم عميرة-فرنانديز، مدير مركز الدراسات العربية المعاصرة في مدريد” أن زيارة سانشيز الى الجزائر لم تلق استحساناً لدى الرباط ([2]).
كما يرجح بعض الخبراء أن موافقة البرلمان الإسباني على مشروع قانون يمنح الجنسية لأحفاد الصحراويين قد تكون من العوامل التي أثارت استياء المغرب، وربما دفعت السلطات المغربية إلى تخفيف مستوى الرقابة على الحدود أو عدم تشديدها بالقدر المعتاد، بما يسمح بتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين مع الحفاظ على هامش من الإنكار الرسمي لأي دور مباشر في الأزمة. ويستند هذا الطرح إلى سابقة عام 2021، حين اتهمت مدريد الرباط بتخفيف الرقابة الحدودية والسماح لآلاف المهاجرين بالوصول إلى سبتة على خلفية الخلاف بشأن استقبال زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج في إسبانيا.
إضافة إلى كل ما سبق يبرز الموقف “الاسرائيلي” المرحب بما حصل في اسبانيا عبر تصريحات مندوب “اسرائيل” في الامم المتحدة التي سخر فيها من اسبانيا بسبب سيطرتها على جيبي سبتة ومليلة، وكذلك سخرية وزير الامن القومي المتطرف (ايتمار بن غفير) من التزام رئيس الوزراء الاسباني التنوع البشري ومطالبته بفتح أبواب أسبانيا لمنح اللجوء لسكان قطاع غزة، وهو ما اثار ردود افعال إسبانية حيث تتهم اوساط اسبانية “إسرائيل” بالمسؤولية عن تحريض المغرب ليغض الطرف عن موجات الهجرة، فقد علق وزير النقل الإسباني “أوسكار بوينتي” على منشور مندوب “اسرائيل” في الامم المتحدة قائلاً: “يبدو أن كل شيء أصبح أكثر وضوحاً”، في إشارة إلى وجود اعتقاد لدى بعض اعضاء الحكومة الإسبانية بأن “إسرائيل” تسعى لزعزعة استقرار إسبانيا داخلياً، وهو ما فسره مراقبون كونه شكلاً من أشكال الضغط او الانتقام السياسي “الاسرائيلي” من اسبانيا نتيجة مواقفها السياسية المؤيدة لفلسطين، وكان المندوب “الاسرائيلي” قد بادر بانتقاد أسبانيا نتيجة الازمة وقال في منشور على منصة اكس: “إن إسبانيا تواصل انتقاد “إسرائيل”، بينما أعلنت حالة الطوارئ بسبب أزمة الهجرة في سبتة ربما حان الوقت لتشرح للعالم لماذا تقيم مستوطنات في إفريقيا قبل أن تواصل إعطاءنا الدروس” وهو ما استدعى رد الوزير الاسباني.([3])
وقد رصدت تحقيقات اعلامية ومراكز تحليل أمنية نشاطاً مكثفاً لحسابات “إسرائيلية” رسمية وغير رسمية على منصات التواصل (خاصة منصة X)، عملت على إعادة نشر وتضخيم مقاطع فيديو قديمة للعبور وتأطيرها بشكل تحريضي لتأجيج الرأي العام الداخلي في إسبانيا، ودعم بروباغندا اليمين المتطرف الأوروبي ضد المهاجرين([4]).
بما يعزز فرضية وجود دور اسرائيلي غير مباشر في استثمار ازمة الهجرة سياسياً واعلامياً ، مع احتمال حدوث قدر من التساهل أو تخفيف الرقابة الحدودية من قبل السلطات المغربية، بما قد يسهم في زيادة الضغوط على حكومة بيدرو سانشيز وتقليص حظوظها امام الرأي العام الاسباني وتعزيز مكانة اليمين المتطرف الذي يمكن أن يؤدي وصوله الى السلطة في اسبانيا الى تحسين العلاقات مع “اسرائيل” وايقاف الضغط الاسباني عليها واتخاذ مواقف مناهضة للقضية الفلسطينية.
ثانياً: التداعيات الامنية والسياسية على اسبانيا
لقد شكلت هذه الموجة المفاجئة اختباراً قاسياً للبنية الأمنية والسياسية في إسبانيا، لتتحول إلى ورقة ضغط داخلية وخارجية. على الصعيد الأمني، أدى التراجع المحتمل في مستوى الرقابة الحدودية على الجانب المغربي إلى استنزاف فوري لقدرات خفر السواحل الإسباني وقوات الحرس المدني، مما فرض واقعاً ميدانياً تطلب إعلان حالة استنفار قصوى في جيبي سبتة ومليلية. هذا التدفق الكثيف كشف عن الهشاشة الاستراتيجية للحدود الإسبانية في شمال أفريقيا، وأظهر أن الترتيبات الأمنية الأحادية أو الاعتماد المطلق على حسن النوايا في التعاون الثنائي مع الرباط لا يوفر حصانة أمام إمكانية توظيف ملف الهجرة للضغط على اسبانيا او لمعاقبتها على مواقف معينة
أما على الصعيد السياسي، فقد ارتدت الأزمة مباشرة إلى قلب الائتلاف الحاكم في مدريد. لقد وجدت حكومة بيدرو سانشيز نفسها محاصرة بين التزاماتها الحقوقية والأوروبية من جهة، وبين تصاعد حدة الخطاب القومي لليمين واليمين المتطرف (مثل حزب فوكس) من جهة أخرى. هذا التيار سارع إلى استثمار الفوضى الحدودية لضرب شرعية الحكومة اليسارية، متهماً إياها بالضعف والتفريط في السيادة الوطنية، إذ يخدم هذا الاستقطاب الداخلي الحاد الأهداف غير المعلنة للأطراف الخارجية التي سعت لاستثمار الأزمة سياسياً، حيث يؤدي إضعاف حكومة سانشيز إلى إرباك مسار سياستها الخارجية، وربما التمهيد لتغيير سياسي يعيد تشكيل المشهد الإسباني بما يتوافق مع مصالح الاطراف المتعارضة مع السياسة الإسبانية في “الشرق الأوسط”([5]).
بالمقابل كان لموجة الهجرة المفاجئة هذه تداعياتها على مكانة مدريد الخارجية ضمن الاتحاد الأوروبي حيث علقت بعض الدول مثل إيطاليا اتفاقية شنغن مع أسبانيا لمدة شهر كامل مع أسبانيا لتعطيل المرور الحر بين البلدين وفق الاتفاقية، كما عززت كل من فرنسا والبرتغال إجراءاتها الامنية على الحدود مع أسبانيا، فيما تزعمت كل من إيطاليا والدنمارك حراكاً سياسياً اوروبياً لاقناع 22 دولة أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي من أصل 27 الذين وقعوا على رسالة مشتركة الى المفوضية الاوروبية طالبوا فيها بعقد اجتماع طارئ وتشديد الرقابة على الحدود لاسيما الإسبانية منها والقاء اللوم على موقف أسبانيا وقراراتها الخاصة بالهجرة وذهب بعض الدول مثل فنلندا والدنمارك الى المطالبة بتعليق عضوية أسبانيا في اتفاقية شنغن او مراجعة الاتفاقية كعقاب لها.([6])
وقد تسببت هذه الإجراءات بعزلة سياسية أوروبية لاسبانيا كما أنها جاءت في ذروة موسم السياحة الصيفي مما قد يؤدي الخسائر اقتصادية تصيب قطاع السياحة الاسباني،([7]) وقد انتقدت أسبانيا المواقف الاوروبية معتبرة انها نجحت بمنع وصول اي مهاجر مغربي الى شبه الجزيرة الايبيرية اي الجانب الأوروبي من الحدود وان تدفق المهاجرين كان في الجيبين على الجانب المغربي الافريقي الذين تسيطر عليهما أسبانيا ولا يعني وصول المهاجرين إليها انها ستسمح لهم بالدخول الى اوروبا،([8]) كما وجهت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” انتقادات قوية لحكومة سانشيز وطالبته بـ” التيقظ وبناء حواجز مادية إضافية”، رافضةً التساهل في تطبيق القواعد الأوروبية.([9])
ثالثاً: موقف أسبانيا من قضايا المنطقة ومستقبله في المدى المنظور
أثبتت أزمة سبتة الأخيرة أن السياسة الخارجية المستقلة، خاصة في منطقة شديدة الاستقطاب كالشرق الأوسط، تحمل كلفة استراتيجية باهظة يمكن جبايتها في ساحات جغرافية بعيدة. لقد أدركت مدريد أن موقفها المتقدم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية ومناهضتها العلنية للعمليات العسكرية “الإسرائيلية” في قطاع غزة، قد يكون أسهم في تعرضها لضغوط سياسية واعلامية تُستخدم فيها أدوات غير تقليدية كالهجرة وحملات التضليل الرقمي، والتي تفرز تداعيات اكبر تتمثل بعزلة سياسية في محيطها الأوروبي وتبعات اقتصادية على المستوى الداخلي. يعكس هذا الواقع تآكل الخطوط الفاصلة بين أزمات “الشرق الأوسط” وأمن حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث باتت أوراق الضغط تتبادل عبر مسارح جيوسياسية متباعدة.
في المدى المنظور، تجد إسبانيا نفسها أمام استحقاق استراتيجي معقد يتمثل في ضرورة صياغة مقاربة ردع جديدة. لا يمكن لمدريد التراجع عن مواقفها المبدئية تجاه قضايا “الشرق الأوسط” دون أن تفقد مصداقيتها وتخضع لابتزاز صريح، وفي الوقت ذاته، لا يمكنها ترك خاصرتها الجنوبية عرضة لموجات بشرية. بناءً على ذلك، من المرجح أن تعمل اسبانيا لـ “أوربا” أزمة حدودها الجنوبية، عبر دفع الاتحاد الأوروبي لتحمل مسؤولية جماعية في حماية مضيق جبل طارق والجيوب الإفريقية. وهي استراتيجية يمكن ان تهدف إلى تحويل أي ازمة هجرة حدودية ناجمة عن خلاف اسباني-مغربي إلى أزمة أوروبية شاملة، مما يرفع كلفة المغامرة السياسية على أي طرف إقليمي يحاول توظيف الهجرة كأداة لتصفية الحسابات.
يمكن القول أنه على الرغم من أن المؤشرات السابقة تعزز فرضية توظيف أزمة الهجرة سياسياً من قبل أطراف متعددة، فإن الأدلة المتاحة لا تسمح بالجزم بوجود تنسيق مباشر بينها، الأمر الذي يجعل هذه الفرضية بحاجة إلى مزيد من التحقق مع ظهور معطيات أو تحقيقات رسمية مستقبلية.
خاتمة
إن أزمة الهجرة المفاجئة التي ضربت ثغور سبتة ومليلية في صيف عام 2026 لم تكن مجرد اختلال أمني عابر أو نتاجاً حصرياً لدوافع اجتماعية واقتصادية، بل مثلت تجسيداً عملياً وصارخاً لتحول الموجات البشرية إلى سلاح جيوسياسي فاعل ضمن أدوات “حروب الرمادي” المعاصرة. لقد أظهرت هذه الفوضى الحدودية أن الحدود الجغرافية لم تعد مجرد خطوط تماس أمنية تقليدية، بل تحولت إلى ساحات متقدمة لتصفية الحسابات السياسية وإدارة الصراعات الإقليمية والدولية المعقدة بأدوات الإنكار المعقول.
وما يمنح هذه الأزمة دلالتها الاستراتيجية الفارقة هو كشفها عن مستوى الترابط العميق بين مسارح أمنية وجيوسياسية متباعدة. فالتقاطع الواضح بين الموقف الإسباني المتقدم تجاه القضية الفلسطينية، ومساعي الاستثمار “الإسرائيلي” في الازمة عبر تضخيم الشائعات سيبرانياً وذلك وفقاً لبيانات مستخلصة من المصادر المفتوحة. وقد تزامن ذلك مع تزايد المؤشرات التي فسرها بعض المراقبين على أنها تراجع مغربي في فرض الرقابة الامنية على الحدود الأمني والمحفز بملفات الصحراء والتقارب الإسباني مع الجزائر، كل ذلك يظهر أن تداعيات أزمات “الشرق الأوسط” قادرة على الارتداد المباشر لضرب العمق الأوروبي. هذا التوظيف المزدوج للكتلة البشرية وللفضاء الرقمي أظهر بوضوح هشاشة الترتيبات الأمنية الأحادية أمام شبكات المصالح المتقاطعة والتحالفات المستجدة.
تجد إسبانيا، ومن خلفها الاتحاد الأوروبي، نفسها اليوم أمام واقع استراتيجي جديد يفرض إعادة تشكيل شاملة لمفهوم الأمن القومي وإدارة الأزمات، حيث باتت أوروبا بحاجة إلى بناء استراتيجية شاملة تحصن الجبهة الداخلية سياسياً واجتماعياً. إن “أوربا” حماية الحدود الجنوبية وتحويلها من عبء إسباني منفرد إلى التزام أمني قاري صار ضرورة حتمية، ليس فقط لضبط حركة المرور البشري، بل لرفع كلفة المغامرة السياسية وقطع الطريق على أي محاولة لتوظيف الجغرافيا والديموغرافيا كأدوات لتقويض السيادة ومعاقبة الدول على خياراتها في النظام الدولي.




