الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وأثرها على الأمن القومي العراقي

بقلم: الباحث حسين صبري خلف
كلية العلوم السياسية – الجامعة المستنصرية
تُشكل الأزمات المتكررة في مضيق هرمز تهديداً هيكلياً ومباشراً للأمن القومي العراقي، نظراً لكونه شرياناً تنموياً لا بديل عنه يمر عبره أكثر من 90% من الصادرات النفطية و80% من الواردات التموينية. يُحتم هذا الارتهان الجغرافي الخطر تعريض الخزينة العامة لصدمات سيولية حادة قد تفقد الدولة قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها واستقرار نقدها المحلي، إلى جانب مفاقمة الهشاشة المجتمعية والضغط على السيادة الوطنية. يتطلب هذا الوضع التحول السريع من الاستجابة الانفعالية إلى عقيدة إدارة المخاطر الوقائية عبر تنويع خطوط التصدير البرية كأنبوب جيهان وبصرة-عقبة، وبناء مخزونات استراتيجية، بالتوازي مع تفعيل دبلوماسية الحياد الفاعلة لحماية البيئة الملاحية الإقليمية.
تشكل الجغرافيا السياسية للعراق واحدة من أكثر معادلات تعقيداً في منطقة “الشرق الأوسط” إذ يمتلك العراق ساحلاً بحرياً ضيقاً ومحصوراً لا يتجاوز طوله 58 كيلومتراً على أقصى شمال الخليج العربي. هذا المنفذ البحري المحدود والضيق لا يمثل مجرد حقيقة جغرافية مجردة، بل يفرز واقعاً استراتيجياً حرجاً ينسحب على أركان الدولة العراقية بكافة مفاصلها الهيكلية والسيادية. يجد العراق نفسه بحجمه السكاني المتنامي واقتصاده الريعي وعدم الاعتماد على الموارد الطبيعية واقعاً تحت رحمة ممر مائي ضيق يبعد عن موانئه الجنوبية المئات من الكيلومترات، وهو مضيق هرمز. إن مضيق هرمز لا يمثل بالنسبة للبنية التحتية والاقتصادية العراقية مجرد ممر مائي عادي لتمرير السفن التجاريّة، بل هو بمثابة الشريان والمنفذ الذي تنفس منه الدولة مالياً ولوجستياً. ومن هنا، فإن أي اضطراب أمني، أو تصعيد عسكري، أو تقييد لملاحة السفن والناقلات النفطية في هذا المضيق سواء أكان جزئياً أو كلياً، دائِماً أو موقتاً لا يُصنف في الأدبيات الاستراتيجية العراقية على أنه مجرد أزمة إقليمية أو صراع جيوسياسي خارجي، بل ينعكس فوراً وعلى نحو مباشر ليشكل تهديداً وجودياً وبنيوياً لكيان الدولة والمجتمع العراقي. الخطورة الاستراتيجية لهذا الانكشاف في أن الدولة العراقية، وعلى مدار العقود الماضية، لم تتمكن من بناء استراتيجية تحوط لوجستية أو جيو اقتصادية قادرة على امتصاص الصدمات البحرية اذ ظلت خطوط التصدير البرية والبديلة (شمالاً وغرباً) إما معطلة بفعل التجاذبات السياسية والأمنية الإقليمية، أو ذات طاقة استيعابية محدودة لا يمكنها حمل العبء المالي والغذائي للدولة في حال انسداد منفذ الجنوب. هذا الواقع يجعل مفهوم الأمن القومي العراقي مرتهناً بشكل مباشر ومطلق بدرجة الاستقرار والأمن في مضيق هرمز، ويجعل القرار الاستراتيجي العراقي تحت ضغط متواصل ومتزايد أمام أي هزة تصيب مياه الخليج العربي.
الهدف الاستراتيجي من اعداد تقدير الموقف
ينطلق هذا التقدير الاستراتيجي الشامل من ضرورة تفكيك هذه الجدلية الجغرافية والأمنية، ويسعى إلى تحقيق الأهداف الرئيسية التالية:
-
تشريح وتفكيك مسارات الانكشاف الجيو اقتصادي من خلال تقديم مسح تحليلي ورقمي دقيق لحجم التدفقات النفطية والتجارية العراقية عبر مضيق هرمز، وتبين حجم الأثر المالي واللوجستي المترتب على أي أزمة بحرية.
-
تقييم الانعكاسات البنيوية على الأمن القومي من خلال قياس مدى تأثير اضطرابات المضيق على المحاور الأربعة الشاملة للأمن القومي العراقي (المحور الاقتصادي والمالي، المحور السياسي والدبلوماسي، المحور العسكري والأمني، والمحور المجتمعي والسلم الأهلي).
-
استقراء وبناء السيناريوهات المحتملة من خلال قراءة اتجاهات التصعيد الإقليمي والدولي في الخليج العربي، وصياغة سيناريوهات واقعية تتفاوت بين التوتر المحدود والإغلاق الشامل، مع بيان الآثار المترتبة على كل سيناريو بالنسبة للدولة العراقية.
-
تقديم توصيات إجرائية وخارطة طريق من خلال وضع مجموعة من الخيارات والتوصيات العملية والعاجلة على المستويات المختلفة الاقتصادية، السياسية، والأمنية، التمكين من الانتقال من موقف الاستجابة المنفعلة للأزمات إلى موقع البناء والتحوط الوقائي الذي يحمي سيادة الدولة واستقرار مجتمعها.
الأهمية الجيو-استراتيجية والاقتصادية لمضيق هرمز
الإطار المورفولوجي والسيطرة الجيوسياسية
تتبدى الأهمية الاستراتيجية الاستثنائية لمضيق هرمز من خلال مقوماته المورفولوجية والهيدروغرافية الحاكمة إذ يُعد المضيق الاختناق الجغرافي والأهم في التوازنات البحرية الدولية، كونه يربط بين حوض الخليج العربي شبه المغلق وشبه المفتوح، وخليج عمان، وصولاً إلى بحر العرب والمحيط الهندي.
الموقع الجيوسياسي لمضيق هرمز ونقاط الاختناق البحري

ينحصر الممر المائي جغرافياً بين سواحل جمهورية إيران الإسلامية من الجهة الشمالية والشمالية الشرقية، وشبه جزيرة مسندم التابعة لسلطنة عمان إلى جانب سواحل دولة الإمارات العربية المتحدة من الجهة الجنوبية والجنوبية الغربية. وعلى الرغم من أن العرض الإجمالي للمضيق عند أضيق مسافة له يبلغ عرضه 33 كيلومتراً (نحو 18 ميلاً بحرياً)، إلا أن العمق الملاحي القابل لإبحار ناقلات النفط العملاقة (VLCCs) ينحصر في قناة ملاحية محددة تشمل حارتين ممرّيتين بعرض لا يتجاوز 3 كيلومترات (2 ميل بحري) لكل حارة (إحداهما للدخول والأخرى للخروج)، تفصل بينهما منطقة فاصلة للتفادي بعرض ميلين بحريين. وفي نفس السياق، يخضع الوضع القانوني للمضيق للمبادئ المعتمدة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)،اذ يُصنف بصفته مضيقاً دولياً مستخدماً للملاحة المفتوحة، ما يمنح السفن التجارية والعسكرية الأجنبية حق العبور العابر (Transit\ Passage) المتواصل والدون عوائق، شريطة الالتزام بقواعد سلامة الملاحة وعدم المساس بأمن الدول الساحلية المطلة.
تتداخل في إدارة وأمن هذا الممر الحساس مستويات عدة من القوة والسيطرة فمن الناحية الجغرافية والسيادية المباشرة، تمتلك إيران هيمنة مطلقة على الضفة الشمالية والجزر الاستراتيجية الثلاث (قشم، هرمز، وهنغام) إضافة إلى إشرافها على جزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، مما يمنحها قدرة ردعية غير متماثلة تتيح لها تعطيل أو مراقبة حركة السفن عبر قواعدها البحرية والأنظمة الصاروخية ومجموعات الزوارق السريعة للحرس الثوري. وفي المقابل، تحافظ سلطنة عمان على إدارة تنظيمية دقيقة للممرات الملاحية الواقعة ضمن مياهها الإقليمية عند رأس مسندم. وعلى المستوى الدولي، يخضع المضيق لرقابة وحماية عسكرية متواصلة من التحالفات البحرية الدولية والأسطول الخامس الأمريكي المتموضع في المنطقة، لضمان استمرار حرية الملاحة ومنع التهديدات البحرية والمخاطر الملاحية في المجرى المائي والأمنية. فضلاً عن ذلك، يمثل مضيق هرمز العصب المحرك للاقتصاد العالمي وصمام الأمان الهيكلي لأسواق الطاقة الدولية، حيث تحوّل بفعل اعتمادات العولمة وسلاسل التوريد إلى نقطة ارتكاز لا يمكن استبدالها أو تجاوزها ضمن المعادلة الاقتصادية الدولية من خلال:
-
تدفقات الطاقة (النفط والغاز الطبيعي المسال)
-
حجم التدفق النفطي: يعبر المضيق يومياً ما يتراوح بين 20.5 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والمشتقات النفطية المكررة. يمثل هذا التهدج الضخم ما يقارب 21% من إجمالي الاستهلاك العالمي اليومي للنفط، وما يزيد عن 35% من إجمالي النفط المنقول عبر البحار والمحيطات عالمياً.
-
الغاز الطبيعي المسال: (LNG) يُعد المضيق المنفذ الحصري لنقل نحو 20% إلى 25% من إجمالي صادرات الغاز الطبيعي المسال في العالم، والقادمة بصفة رئيسية من دولة قطر لتغذية محطات الطاقة والصناعات الكبرى في شرق آسيا (السين، اليابان، كوريا الجنوبية، والهند) فضلاً عن الأسواق الأوروبية.
-
دول المنشأ المعتمدة: يُشكل المضيق المنفذ الرئيسي والوحيد لتصدير النفط والغاز لكل من العراق، الكويت، قطر، البحرين، والنسبة الأعظم من صادرات المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والجمهورية الأسلامية في إيران.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز
-
حركة التجارة السلعية وصدمات سلاسل الإمداد
-
الكثافة الملاحية والقيمة التجارية: تشير البيانات الملاحية إلى أن المضيق شهد عبور ما بين 13,000 إلى 15,000 سفينة تجارية وحاوية عملاقة سنوياً. ولا تقتصر هذه الشحنات على موارد الطاقة، بل تغطي بضائع استهلاكية، خطوط إنتاج، مواد خام، ومعدات إلكترونية وثقيلة تقدر قيمتها المباشرة بأكثر من 1.2 تريليون دولار أمريكي سنوياً.
-
العدوى التضخمية الكونية: أي اضطراب أو تهديد لسلامة المرور عبر المضيق يتسبب فوراً في إحداث صدمة عرض عالمية (Global\ Supply\ Shock)اذ تتضاعف أقساط التأمين ضد أخطار الحرب على السفن والناقلات، وترتفع تكاليف الشحن البحري لمستويات قياسية، ما يلقي بتبعاته التضخمية على الأسواق المستوردة للسلع، ويهدد الاستقرار المالي للدول المستهلكة كافّة.
دراسة تفكيك المخاطر البنيوية لإغلاق مضيق هرمز وانعكاساتها على الأمن القومي العراقي
تتسم العلاقة بين الأمن القومي العراقي ومضيق هرمز بكونها علاقة ارتهان استراتيجي عضوي إذ تشكل الجغرافيا البحرية الضيقة للعراق نقطة ضعف بنيوية تنعكس آثارها المباشرة وغير المباشرة على الأركان الأربعة الحاكمة للأمن القومي:
-
البُعد الاقتصادي والمالي (صدمة المالية العامة والتضخم الهيكلي)
يُمثل البُعد الاقتصادي الثغرة الأكثر خطورة في منظومة الأمن القومي العراقي نظراً للطبيعة الريعية الشديدة للهيكل الاقتصادي للدولة، والتي تجعل الموازنة الاتحادية مرتهنة بشكل شبه كلي للتدفق المالي المتأتي من صادرات النفط الخام عبر الموانئ الجنوبية:
-
انهيار الاستقرار المالي وشلل الخزينة: يُصدّر العراق ما تربو نسبته على 90% إلى 93% من نفطه الخام عبر المنصات العائمة وموانئ البصرة في الخليج العربي، متجهاً عبر مضيق هرمز. يُترجم أي توقف حاد أو تعطيل جزئي للملاحة في المضيق إلى خسارة مالية مباشرة تتراوح بين 230 إلى 270 مليون دولار أمريكي يومياً. إن استمرار هذا الانسداد لمدة لا تتجاوز أسبوعين يُحدث عجزاً كلياً في السيولة لدى وزارة المالية، مما يعطل قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها الحاكمة، وفي مقدمتها سداد رواتب موظفي القطاع العام، المتقاعدين، ومخصصات الحماية الاجتماعية، وهو ما يهدد بانهيار الوظيفة الأساسية للدولة كصانع للسلم الاقتصادي.
-
تدهور النقد والعدوى التضخمية: يتغذى سوق الصرف العراقي وتغطية الواردات التجارية على التدفق المستمر للدولار المتأتي من مبيعات النفط لدى البنك المركزي العراقي. يؤدي توقف هذه التدفقات إلى جفاف معروض العملة الأجنبية، مما يطلق عنان المضاربات ويهوي بقيمة الدينار العراقي أمام الدولار. ينجم عن هذا التدهور تضخم جامح (Hyperinflation) يضرب القدرة الشرائية للمواطنين، لاسيما وأن العراق يستورد سلعاً استهلاكية ومواد أولية عبر موانئه الجنوبية بقيمة تتراوح بين 35 إلى 42 مليار دولار سنوياً.
-
انكشاف الأمن الغذائي والدوائي: تُعد موانئ أم قصر (الشمالي والجنوبي) وخور الزبير منافذ دخول أكثر من 80% من واردات المفردات التموينية، القمح، الأدوية، والمستلزمات الطبية. وبالتالي، فإن تعطيل الملاحة البحرية في المضيق يقطع سلاسل التوريد الغذائي والدوائي للبلاد خلال أقل من شهر، مما يضع الأمن الغذائي القومي أمام خطورة الجوع واحتكار المواد الأساسية.
-
البُعد السياسي والدبلوماسي (معضلة الخيارات الصفريّة واستنزاف السيادة)
يضع أي تصعيد عسكري في مضيق هرمز القرار السياسي العراقي في مأزق دبلوماسي معقد، يحد من قدرته على المناورة ويقوض مبدأ التوازن الخارجي:
-
مأزق الاستقطاب والضغط المزدوج: يُحجم التصعيد في المضيق هامش المناورة المتاح للسياسة الخارجية العراقية حيث يتلقى العراق ضغوطاً متزاحمة وقاطعة من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لتأمين ممرات لوجستية برية أو تقديم تسهيلات جغرافية لحماية حرية الملاحة، وفي المقابل يواجه تحذيرات وضغوطاً مباشرة من الجانب الإيراني لمنع استخدام الأراضي أو المياه الإقليمية العراقية كمنطلق لأي نشاط يُفسر على أنه دعم للمعسكر المناوئ. إن هذا التجاذب يهدد بتفكيك التماسك السياسي الداخلي للائتلافات الحاكمة.
-
تعرية استراتيجية النأي بالنفس: يكشف أي اختناق في المضيق عن واقع أن سياسة العراق القائمة على النأي بالنفس وتجنب المحاور هي سياسة هشة مالياً إذ لا يمكن للدولة الحفاظ على حيادها السياسي المأمول عندما تكون شريان حياتها الاقتصادي واقعاً تحت نيران الصراع، مما يجبر صانع القرار على خيارات صفريّة مكلفة استراتيجياً.
-
تآكل السيادة البحرية: قد تتجه القوى البحرية الدولية، تحت مظلة حماية الملاحة الدولية، إلى فرض مناطق حظر أو تسيير دوريات عسكرية مكثفة في حوض الخليج العربي، وهو ما يمتد تأثيره إلى المياه الإقليمية العراقية والممر الملاحي الخاص بموانئ البصرة، مما يقلص السيطرة السيادية الفعلية للدولة العراقية على منافذها البحرية.
-
البُعد العسكري والأمني (التهديدات غير المتماثلة وعجز القدرة الردعية)
تفرض أزمة هرمز تحديات أمنية وعسكرية غير تقليدية تتجاوز حدود الجيوش النظامية إلى ساحة الحرب غير المتماثلة:
-
انكشاف البنية التحتية النفطية الجنوبية: تُعتبر محطات الضخ في الفاو والمنصات التصديرية العائمة في مياه الخليج أهدافاً ذات حساسية أمنية فائقة. في سيناريوهات التصعيد الإقليمي، تصبح هذه البنية التحتية عرضة للاستهداف المباشر أو غير المباشر عبر الطائرات المسيرة، الصواريخ الجوالة، أو الألغام البحرية السائبة، دون وجود نطاق جغرافي عازل يوفر الحماية لهذه المنشآت الحيوية.
-
محدودية قدرات الردع والمرافقة البحرية: تعاني القوة البحرية العراقية وتشكيلات حرس السواحل من محدودية التسليح والانحصارات التكتيكية في الزوارق السريعة والدوريات الساحلية القريبة. هذا القصور يمنع العراق من إمكانية توفير مرافقة أمنية أو حماية منفردة لناقلات النفط وسفن الشحن التجاري القادمة إليه، مما يجعله معتمداً بالكامل على بيئة الأمان الإقليمية التي توفرها أطراف خارجية.
-
استنزاف الجهد الأمني الداخلي: يؤدي تحول الانتباه والتركيز العسكري العراقي لتأمين الحدود الجنوبية والمنشآت البحرية إلى إحداث ثغرات في الانتشار الأمني الداخلي، وهو ما قد تستغله الجماعات الإرهابية والخلايا النائمة لإعادة النشاط في المناطق الصحراوية والحدودية الشمالية والغربية.
-
البُعد المجتمعي والسلم الأهلي (الفوضى الداخلية وانكشاف النسيج الاجتماعي)
تُمثل التأثيرات المجتمعية الحصيلة النهائية والكارثية لانسداد مضيق هرمز، حيث تتحول الصدمات الاقتصادية والأمنية إلى اضطرابات في بنيان المجتمع:
-
انفجار الاحتجاجات وتصاعد العنف: إن توقف دفع رواتب القطاع الحكومي بالتزامن مع الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والمواد الأساسية يولد حالة من الغضب المجتمعي الجارم. هذه الظروف تُسارع بتفجير موجات احتجاجية غير منظمة في العاصمة والمحافظات الجنوبية، متجاوزة أشكال التظاهر المطالبين التقليدي نحو اضطرابات فوضوية تعجز الأجهزة الأمنية المحلية عن إدارتها.
-
تراجع هيبة الدولة وعسكرة المجتمع: في حال حصول عجز لوجستي أو أمني في تأمين منافذ التوزيع ومخازن السلع الغذائية، قد تلجأ القوى العشائرية والجهات المسلحة في الجنوب إلى فرض حمايات خاصة أو السيطرة على موارد الطاقة والمواد الغذائية لحساب مجتمعاتها المحلية، مما يقود إلى تفتيت احتكار الدولة للسلاح وتراجع هيبة القانون.
-
النزوح الاضطراري والأزمات النفسية: أية مواجهات أو ضربات عسكرية تطال المناطق الساحلية والقريبة من موانئ البصرة والفاو ستتسبب في موجات نزوح سكاني واسعة نحو المحافظات الوسطى، مما يضاعف الضغط على الخدمات المتهالكة ويخلق حالات خلقية ونفسية حادة (PTSD) لدى الشرائح المجتمعية الأكثر هشاشة.
تأثير اغلاق مضيق هرمز على الامن القومي العراقي

خاتمة
تؤكد المعطيات الجيو اقتصادية والأمنية المرتبطة بمضيق هرمز أن العراق يقف أمام هشاشة استراتيجية مركبة؛ إذ إن ارتهان أكثر من 90% من ماليته العامة وتدفقاته النفطية، ونحو 80% من أمنه الغذائي والدوائي بنقطة اختناق بحرية واحدة، يضع السيادة الوطنية بأكملها تحت رحمة الأزمات الإقليمية وموازين القوى البحرية.
إن معالجة هذا الانكشاف لم تعد مجرد خيار تنموي رفاهي، بل أصبحت ضرورة قصوى للأمن القومي. فالبقاء على استراتيجية الاستجابة الانفعالية عند اندلاع كل أزمة في الخليج العربي يُعرض العراق لصدمات اقتصادية ومجتمعية قد تؤدي إلى انهيار مؤسسي. لذلك، ينبغي الانتقال من منظومة التكيف السلبي مع الجغرافيا إلى استراتيجية إدارة المخاطر الوقائية وتنويع المنافذ الحيوية.
التوصيات الاستراتيجية والحلول البديلة (خارطة طريق صانع القرار)
لتقليل ارتهان العراق المطلق بمضيق هرمز وبناء مرونة استراتيجية تناسب تحديات القرن الحادي والعشرين، يوصى باتخاذ حزمة من الإجراءات والحلول المتكاملة عبر ثلاثة مستويات زمنية محددة:
-
مسار تنويع منافذ التصدير والخدمات اللوجستية (حلول البنية التحتية)
إعادة تأهيل وتفعيل الأنابيب الشمالية والغربية (بدائل برية)
-
خط جيهان التركي: إعادة الضخ الكامل عبر خط أنبوب النفط العراقي-التركي (ITP) وتوسيعه استثمارياً، ليكون قادراً على استيعاب ما لا يقل عن 1 إلى 1.5 مليون برميل يومياً كمنفذ بديل وآمن باتجاه البحر المتوسط.
-
مشروع خط أنبوب البصرة – العقبة: الإسراع بنقل المشروع من القنوات التخطيطية إلى التنفيذ الفعلي بمد أنبوب ينقل النفط من البصرة إلى ميناء العقبة الأردني بطاقة تصديرية أولية تصل إلى 1 مليون برميل يومياً، مما يوفر منفذاً مستقلاً تماماً عن الممرات الخليجية.
-
دراسة إعادة فتح خط الأنابيب العراقي-السوري (بانياس): إذا ما سمحت الظروف الأمنية والإقليمية، لبناء شريان إضافي يستهدف الأسواق الأوروبية مباشرة.
-
تطوير واستغلال مشروع طريق التنمية: الاستفادة من مشروع طريق التنمية المتجه شمالاً نحو تركيا وأوروبا لنقل البضائع والسلع الاستهلاكية والغذائية براً عبر السكك الحديدية والطرق السريعة، لتقليل الاعتماد على النقل البحري عبر موانئ الجنوب في حالات الطوارئ.
-
مسار التحوط الاقتصادي والمالي (إدارة الصدمات)
-
إنشاء صندوق الطوارئ والأزمات البحرية: اقتطاع نسبة مئوية محددة من عوائد النفط الحالية لتأسيس صندوق سيادي طارئ يخصص لتغطية العجز المالي وسداد الرواتب واستيراد السلع الأساسية لمدة لا تقل عن 6 أشهر في حال توقف الملاحة التام عبر المضيق.
-
بناء مخزون استراتيجي للغذاء والدواء: تشييد مجمعات مخازن وصوامع حبوب عملاقة ومستودعات أدوية مكثفة في المحافظات الوسطى والشمالية، تضمن تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان بعيداً عن ساحل البصرة لمدة لا تقل عن 9 إلى 12 شهراً.
-
تطوير الخزانات النفطية العائمة والمستقلة:الاستثمار في استئجار أو بناء خزانات نفطية استراتيجية خارج منطقة الخليج (مثلاً في موانئ بالبحر الأحمر، أو في آسيا/أوروبا) لتخزين النفط العراقي مسبقاً والتسليم منه مباشرة للزبائن عند اندلاع الأزمات.
-
مسار الدبلوماسية الوقائية والأمن الإقليمي (الغطاء السياسي)
-
تبني خيار الحياد الاستراتيجي الفاعل: صياغة عقيدة دبلوماسية ترتكز على تجنيب العراق سياسة الاستقطاب والمحاور، والعمل كوسيط مهدئ بين القوى الإقليمية (الجمهورية الإسلامية في إيران، دول الخليج) والدولية (الولايات المتحدة) لمنع وقوع أي مواجهة عسكرية في المضيق.
-
الدفع نحو ميثاق أمن الملاحة الإقليمي: المبادرة بطرح مشروع معاهدة إقليمية برعاية الأمم المتحدة تجمع الدول المطلة على الخليج العربي، لتأمين حرية الملاحة وتحييد المنشآت النفطية والممرات البحرية من أي نزاعات عسكرية أو سياسية.
-
تعزيز قدرات خفر السواحل والقوة البحرية: رفع جاهزية القوة البحرية العراقية وتزويدها بأنظمة استطلاع وحماية متطورة لتأمين القنوات الملاحية الداخلية والمنصات التصديرية العائمة، للحد من مخاطر التهديدات والألغام البحرية.




