الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
مذكرة التفاهم.. الكفة تميل مبكراً لصالح إيران

بقلم: كيث جونسون
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير:د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
بعد أسبوعين من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة التفاهم التي هدفت إلى وقف العمليات العسكرية في أحدث جولات الصراع في “الشرق الأوسط”، يفرض سؤال نفسه إلى أين تتجه نتائج هذا الاتفاق؟ حتى الآن، لا تبدو المؤشرات مشجعة من منظور واشنطن. فقد نجحت إيران في انتزاع مكاسب اقتصادية وسياسية مبكرة، إذ حصلت على إعفاءات من العقوبات تمتد حتى نهاية فصل الصيف الأمر الذي أتاح لها زيادة صادراتها النفطية، كما تلقت تعهدات أميركية مكتوبة بالإفراج عن مليارات الدولارات من أصولها المجمدة.
في المقابل لم يتحقق الهدف الذي كان يُفترض أن يشكل المبرر الرئيس لإبرام الاتفاق وهو إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة أمام الملاحة الدولية، فالمضيق لم يعد مغلقًا كما كان خلال الأشهر الماضية لكنه لم يستعد أيضًا انسيابية الحركة التي كان يتمتع بها قبل اندلاع الحرب، والأسوأ من ذلك أن الولايات المتحدة تبدو وكأنها استنفدت معظم أوراق الضغط التي كانت تمتلكها تمامًا كما استنزفت جانبًا مهمًا من مخزونها من الذخائر خلال العمليات العسكرية.
ويبرز مضيق هرمز بوصفه المثال الأكثر دلالة على ذلك، فقد استأنفت حركة الملاحة نشاطها تدريجيًا لكنها لا تزال بعيدة عن مستوياتها الطبيعية قبل الحرب عندما كان أكثر من مئة سفينة تعبر المضيق يوميًا، أما خلال الأسبوع الماضي فقد تراوح عدد السفن العابرة بين الدخول والخروج حول أربعين سفينة يوميًا، وهو تحسن واضح مقارنة بفترة الحرب عندما كانت حركة الملاحة التجارية شبه متوقفة. كما أن عددًا متزايدًا من السفن أصبح يعبر المضيق مع تشغيل أجهزة التعريف الآلي الخاصة به متحديًا التحذيرات الإيرانية، في حين ارتفع أيضًا عدد ناقلات النفط العابرة، وهو ما ترافق مع استمرار تراجع أسعار النفط العالمية إلى نحو 70 دولارًا للبرميل. غير أن جزءًا كبيرًا من هذه الناقلات يحمل النفط الإيراني، فقد أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن إيران صدّرت منذ توقيع مذكرة التفاهم نحو40 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل قرابة ثلاثة ملايين برميل يوميًا إذا صحت هذه الأرقام. ويمثل هذا المستوى زيادة على صادرات إيران قبل الحرب إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه الكميات مصدره المخزون العائم، أي النفط المخزن مسبقًا على متن ناقلات راسية في البحر وهو ما يجعل هذه الزيادة ممكنة من الناحية الفنية، وفي جميع الأحوال فإن النتيجة الواضحة هي أن طهران بدأت بالفعل تحقيق عوائد مالية مهمة وإن كانت مؤقتة.

غير أن الإعفاء الأميركي من العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية ليس مفتوح الأجل إذ تنتهي صلاحية الرخصة العامة (General License X) في أواخر آب، كما أن معظم الدول والبنوك وشركات التكرير لا تزال مترددة في التعامل مع الكيانات الخاضعة للعقوبات إلى أن تتأكد من أن هذه المعاملات أصبحت قانونية بصورة نهائية، ولذلك تواصل إيران في الوقت الراهن زيادة صادراتها إلى مشترِيها التقليديين وفي مقدمتهم الصين.
وترجع معظم المشكلات التي بدأت تظهر في العلاقات الأميركية-الإيرانية إلى مذكرة التفاهم المؤلفة من أربعة عشر بندًا، والتي ألزمت الولايات المتحدة بتقديم تنازلات واسعة، مقابل التزامات محدودة للغاية من الجانب الإيراني. ففي مقابل تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة، والتعهد بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار إيران مستقبلًا إذا جرى التوصل إلى اتفاق نهائي، فضلًا عن قبول استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز إلى حين تنفيذ ترتيبات لاحقة لم تلتزم طهران عمليًا بأي خطوات جوهرية.
ويقول مياد مالكي الخبير في شؤون العقوبات لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز أبحاث أميركي يتبنى مواقف متشددة تجاه إيران “لقد صيغ نص الاتفاق بطريقة دفعتني إلى تسميته “مذكرة سوء تفاهم” بدلًا من مذكرة تفاهم”. ويضيف مالكي الذي أمضى قرابة عشر سنوات في وزارة الخزانة الأميركية مسؤولًا عن تصميم وتنفيذ العقوبات “هذه هي الطريقة التي تتفاوض بها إيران، فهي تعرف بدقة ما تريده في الملفات التي تحقق لها مكاسب، مثل رفع العقوبات بينما تأتي التزاماتها المرحلية فضفاضة وغامضة إلى حد بعيد، والنظام الإيراني لا يتفاوض لحل المشكلات بل لإدارة الضغوط المفروضة عليه”.
ويشير الكاتب إلى أن المحادثات غير المباشرة التي جرت هذا الأسبوع في الدوحة بين الولايات المتحدة وإيران تمثل خير دليل على ذلك، فمن وجهة النظر الأميركية كان الهدف من هذه الجولة هو الانتقال إلى مناقشة البرنامج النووي الإيراني، إلا أن طهران أصرت على إبقاء المفاوضات محصورة في تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها الشهر الماضي.
ويؤكد مسؤولون إيرانيون من بينهم محمد باقر قاليباف أن الولايات المتحدة مطالبة أولًا بتنفيذ جميع الالتزامات الخطية الواردة في مذكرة التفاهم قبل الشروع في أي مفاوضات أكثر جدية بشأن الملفات الأخرى. ومن منظور أوسع يشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة أنفقت جزءًا كبيرًا من ترسانتها العسكرية بما في ذلك القنابل الموجهة بدقة وصواريخ توماهوك ومنظومات باتريوت الاعتراضية خلال حملة عسكرية استمرت عدة أسابيع واتسمت، بحسب وصف الرئيس دونالد ترامب، “بالغضب الملحمي” من أجل الوصول إلى وضع باتت فيه إيران تعتقد أنها ما تزال تسيطر على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وربما تستمر في ذلك في الوقت الذي ضمنت فيه لنفسها تخفيف العقوبات والحصول على مليارات الدولارات التي تمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا. ورغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يزال يلوّح بإمكانية استئناف الحرب ضد إيران فإن قلة من المراقبين يأخذون هذه التهديدات على محمل الجد، لأن الخيار العسكري لم يحقق سوى نتائج محدودة تمثلت في ارتفاع أسعار الوقود، بينما أصبحت انتخابات التجديد النصفي الأميركية أقرب من أي وقت مضى.
ويرى الكاتب أن ترامب في سبيل تحقيق سلام مؤقت قدّم كل الحوافز الممكنة من دون الاحتفاظ بأي أدوات ضغط فعالة بل إنه وافق حتى على تقديم حوافز مستقبلية، إذ تنص مذكرة التفاهم على التزام الولايات المتحدة بالامتناع عن فرض عقوبات جديدة على إيران، ويعلق مياد مالكي بقوله “ورقة الضغط الوحيدة المتبقية لدينا هي التهديد بإعادة فرض الحصار البحري”.
وأضاف “لقد أظهر الحصار الأميركي باعتراف المسؤولين الإيرانيين أنفسهم، حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بالاقتصاد الإيراني، ولذلك أشعر أننا فرطنا في أدوات الضغط التي كانت بحوزتنا من دون الحصول على أي مكسب ملموس، حتى إننا لم ننجح في إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة”. ويضيف مالكي أنه حتى عندما اتسمت إدارة الرئيس السابق جو بايدن بالتراخي أحيانًا في تطبيق العقوبات على إيران، ولا سيما فيما يتعلق بأسطول الناقلات السرية وصادرات النفط فإنها “لم تلتزم قط بعدم فرض عقوبات جديدة، أما نحن فقد وافقنا صراحة على ذلك وهو امتياز تفاوضي بالغ الأهمية حصلت عليه إيران”.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا هو ماذا سيؤول إليه مستقبل مضيق هرمز؟
فقد أكدت إيران مرارًا خلال الأشهر الماضية أنها لا تنوي العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب، وطرحت أفكارًا تتراوح بين فرض رسوم عبور أو استحداث نظام لفرض مقابل مالي على الخدمات فضلًا عن أشكال مختلفة من التدخل في حرية الملاحة، وتشير تقارير إلى أن سلطنة عُمان أصبحت منفتحة على صيغة تسمح بفرض رسوم على السفن العابرة في الخليج العربي. ومع ذلك يرى الكاتب أن من الضروري التمييز بين الخطاب السياسي الإيراني والواقع الذي قد يفرض نفسه لاحقًا، فرغم أن إيران وسلطنة عُمان بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) ، تمارسان اليوم دورًا رئيسًا في إدارة الملاحة عبر مضيق هرمز، فإن هذا الواقع قد لا يستمر.
ويقول مياد مالكي “لا تستطيع إيران معاداة الحلفاء القلائل الذين ما زالوا يقفون إلى جانبها لأن معظمهم إما يطلون على المضيق أو يعتمدون عليه اقتصاديًا، ولهذا ستضطر في نهاية المطاف إلى إعادة تقييم سياساتها والعودة إلى ضمان حرية الملاحة”.
ويختتم مالكي بالقول إن الولايات المتحدة بمجرد أن تحول اهتمامها الاستراتيجي بعيدًا عن “الشرق الأوسط”، ستجد إيران نفسها مضطرة إلى إصلاح علاقاتها مع دول الخليج ومع الصين، “ولن يكون ذلك ممكنًا إلا من خلال استعادة العبور الحر عبر مضيق هرمز”.



